اصطياد الفن على الطريق الدائري

1

غادرت منزل أسرتى  في السادسة عشر. انتقلت للحياة في مدينة 6أكتوبر وحيداً بسبب دراستى الجامعية. سكنت في أحد الأحياء العمالية البعيدة رخيصة الإيجار. في عامي الأول هناك، لم يكن بالمنطقة سوى محل بقالة صغير، ومطعم شعبي قذر، ولا أحد.

كان هذا عام 2001،  وأكتوبر حرفياً كما يقولون عنها “صحراء”.

أتذكر،  يركب الواحد السيارة وعن يمينه لمسافة كيلومترات تمتد رمال صفراء ونباتات تحتضر، وحين تسأل يقولون هذا هو الحى الثامن، لكن ما من مبانى ولا أحياء بعد.

 لم يكن هناك تاكسيات أصلاً في أكتوبر، بل سيارات ربع نقل يقودها صبية من الفيوم وبنى سويف، تتفاوض مع الواحد منهم ليوصلك إلى حيث تبتغي، وإذا كنا أكثر من اثنين فالباقي يركبون في صندوق السيارة.

 صباح كل يوم كنت أسير حوالى كيلومتر ونصف حتى أصل إلى مكان يمكننى منه أن اركب وسيلة المواصلات الجماعية المتاحة في المدينة وقتها، وهى سيارة ربع نقل مغلقة بغطاء من الصاج، وعلى الجانبيين كنبتين متقابلتين يجلس عليهما الركاب. أتذكر، كانت الأجرة نصف جنيه.

سارت الأيام الأولي في عزلة، وتكرار أبدي ذو طابع شاعري. أذهب للدراسة، ثم أعود إلى الشقة، أخرج طعاماً جاهزاً من الثلاجة وأسخنه، وأجلس في الغرفة أفكر في وسائل لقتل الوقت.

 انظر من الشباك أو أقف في البلكونة لساعات ولا أري إنسان أو أرصد حركة في الشارع. فقط سيارات قليلة مركونة، عمارات معظم نوافذها معتمة، غالبية شقق المنطقة غير مأهولة، والبناية التي أسكنها  لا يوجد بها سوى شقة واحدة مسكونة، شاهدت ذات مرة رجل في الثلاثينات يخرج من بابها.

 بدون تخطيط مسبق، وبلا وعى كنت أيضاً أقرأ “الأخوة كرامازوف” لديسوتفيسكى، مما دفعنى لموجة من الكآبة والسواد غلفت حياتي، عند نقطة ما بدأت أشك في كل ما حولي، حتي  بدأت بوضع أحجار متوسطة أمام وخلف إطارات السيارات المركونة في الشارع، للتأكد ما إذا كانت هذه السيارات تتحرك بالفعل ولها أصحاب يسكنون هنا، وليست مجرد ديكور لتجربة مريبة تمارس علي من قبل قوي خفية في السماء أو في باطن الأرض.

انظر الآن لتلك الأيام، وأراها مزيج من كوابيس مراهق لم يتجاوز  الثامنة عشر يخوض لأول مرة تجربة الحياة وحيداً، فيما ظن أنها ستكون القاهرة، لكنه أتي ولم يجد إلا جنين يتشكل لمدينة تدعي 6 أكتوبر.

من لوحات عمرو في المعرض

2

بعد عامين من التجوال في فراغ مدينة 6أكتوبر، تشجعت على النزول إلى القاهرة، القاهرة التي عرفتها عبر الفن والأدب ومركزها وسط البلد. لم أكن أعرف أحداً هناك، ولا مكاناً محدداً فكنت  أدور في الشوارع وحيداً لكن متكيف بونس الشوارع وزحامها والناس الذين لا أراهم في أكتوبر، أحياناً أجلس على الرصيف أو أقف في زاوية وأظل متأملاً مراقباً للسيرك ولتنوع العابرين في وسط البلد.

بعد حوالى خمس سنوات ذهبت إلى معرض مقام في (أرض اللواء) والتى تقع بين أكتوبر ووسط البلد، بين المدينة و هامشها.

المعرض بعنوان   (نقاط سوداء 2008) مقام في محل صغير في الدور الأرضي من بناية سكنية. تدخل المحل فتجد الجدران مغطاة بألواح من الخشب مرسوم عليها بشر في وضع حركي كأنهم يعبرون شارع، أو يغادرون بناية، لكنهم هنا معلقون في الفراغ.

كان هذا المعرض الأول الذي أراه لعمرو الكفراوي، تقابلنا أجريت حواراً قصيراً معه، حكي لي طريقة عمله حيث يجلس في أحد “كافيهات الإنترنت” المطلة على ميدان طلعت حرب بوسط البلد، ويخرج كاميراً صغيرة ويبدأ في مراقبة العابرين في الميدان والتلصص عليهم، والتقاط الصور دون أن يلحظوا، ثم بعد ذلك يقوم بالرسم فوق تلك الصور محولاً أجسادهم في وضع الحركة إلى ظل أسود يعبر فراغ الجدران الخشبية التي تغطي جاليري “آرت اللوا”.

تتشكل تلك الظلال فنري فيها عجوز محني وعلى ظهره حقيبة كبيرة، عاشقان يتهامسان، امرأة تمشى مائلة بفعل ثقل الكيس في يمينها، قطط وعرص القاهرة الشهيرة وقد تضخمت لتصبح أقرب للديناصورات، أحباء يفترقون، أصدقاء يلتقون، تائهون في الزحام، وكهل ينظر تحت قدميه في ذهول.

أثناء حديثنا انحرف الكلام من المعرض إلى القاهرة وزحامها وضجيجها، كلانا كنا نحب المدينة رغم كل مساوئها. عمرو يراها مدينة متوترة تعج بالحياة والبشر والحركة، لكن هذه التوتر يضغط البشر ويحولهم إلى نقاط سوداء متضائلة. أما أنا فكنت الشاب القروى المتعطش لا يزال لكل هذه الضجيج والتوتر والصخب، والراغب في تذوق كل الملذات والآلام.

ثاني يوم، ذهبت إلى “كافيه الإنترنت” الذي وصفه عمرو، دخلت وأجرت جهازاً، لكن بدلا من الشاشة جلست ساعة انظر من النافذة التي كان ينظر منها، وأراقب العابرون. لاحظت أن لا أحد يبتسم، الجميع يرتدى قناع الإعياء أو هم مرضى بالفعل، هؤلاء هم سكان المدينة.. أو هكذا يفترض، لكن جميعهم في الشارع كما لوحات عمرو  في طريقهم إلى جهة ما. وفكرت للمرة الأولي إذا كان كل هؤلاء عابرون فأين هي المدينة؟ وهل المدينة هي مكان الإقامة الذي ننام فيه؟ أم ما نقطعه لنحيا؟

3

عرفت القاهرة وهى في طريقها إلى الزوال. أتحدث عن  قاهرة الحداثة المصرية، التي أعيد تصميمها والتوسع فيها خلال القرن التاسع عشر والعشرين لتعبر عن الجدالات والتشوهات والانجازات المختلفة لمحاولات خلق مصر الحديثة، تعكس الأحياء المتجاورة في القاهرة سجل التمدد العمرانى خلال مائتي عام، وفي الوقت ذاته تعكس الأفكار والأحلام للمصرين الذين مضوا.

 مدينة الألف مئذنة وعجيبة الشرق التي استيقظت على المدافع وسنابك خيل الفرنسية في قلبها حيث الجامع الأزهر، ثم تمددت على المستنقعات لتظهر وسط البلد في محاكاة معمارية للحداثة الغربية، جري تصميم وسط البلد لتشبه باريس، لتكون سكن مناسب للنخبة الاستعمارية الأوروبية التي أتت لتحكم مصر، ولتكون عاصمة جديدة لمصر الحديثة بينما تركوا القاهرة العتيقة تموت.

ثم في القرن العشرين تضاعفت طبقة الأفندية و اقتطعت الطبقة الوسطى مساحات عمرانية جديدة لتظهر أحياء المنيل والعباسية والدقي، ثم تنفجر مع قيام الجمهورية العسكرية أحياء مدينة نصر وإمبابة، ويستمر هذا الانفجار السكاني العشوائي ليتقرر مع التسعينات حصار المدينة بحزام من الأسفلت يحمل اسم الطريق الدائري.  

هذه هي القاهرة التي رأينها على الشاشات ووثقها الأدب المصري الحديث، لكن كنت أقيم خارج هذا الحزام، في مدن جديدة تحاول التملص من سيطرة القاهرة بلا جدوي، حتى أن إحداها لم يجدوا لها اسماً سوى “القاهرة الجديدة”.

بعد العقد الأول من الألفية الجديدة، أعلنت السلطة بشكل غير رسمي موت القاهرة.

كانت خطط ومشاريع التحديث تتحدث صراحة عن نقل الوزارات والمقرات الحكومية إلى مدينة 6أكتوبر، التي لم تعد صحراء بل بدأ إعدادها لتكون عاصمة جديدة، ثم تغيرت البوصلة بعد ثورة يناير،  ليظهر مشروع العاصمة الإدارية الجديدة في أقصى الشرق، والذي أوشك على الاكتمال واقتربت الإعدادات النهائية لنقل العاصمة إلى هناك وتحويل القاهرة القديمة إلى شبكة من الطرق والكباري تؤدي إلى العاصمة الجديدة.

4

ولد عمرو الكفراوي في القاهرة، بينما أتيت أنا من خارجها، من مدينة آخري وهى “المنصورة”. أتيت إلى هامش القاهرة في 6أكتوبر، وطوال أكثر من خمس عشر عاماً عشت حياة موزعة بين 6أكتوبر وأحشاء القاهرة. أما الكفراوى فرحلته عكسية. طفولته في حي مدينة نصر أبرز الأحياء المعبرة عن مصر الجمهورية، ومنه تبع شغفه الفني ليقيم لسنوات في وسط البلد، حيث قلب المدينة المتوترة الذي نري آثاره في أعماله الفنية،  لكن ليس بالتوتر والفن يحيي الإنسان، فبعد سنوات من الحياة في وسط البلد انتقل هو الآخر إلى 6أكتوبر وإن احتفظ باستديو صغير للعمل في وسط البلد.

جغرافياً كان الكفراوى يبتعد عن المدينة، وما كان يراه توتر وطاقة وحركة، أصبح يظهر في لوحاته في شكل مبانى مصمتة وأشباح من الماضي، بالحياة في المدينة يزول سحرها مع الزمن، وتتكشف الحقيقة مع الوقت فصورة المدينة وتاريخها ليس موجود إلا في خيالك بينما الواقع وقبحه يصفع عينك.

في 2014 أقام معرضه “مثل السراب” هذه المرة لم يصور العابرون في المدينة، بل صور بناياتها  وخراباتها، ثم أعاد تدوير أرشيف ضخم من صور الفوتوغرافية التي اشتراها من أحد بائعي الصور القديمة. مزج صور البورترية التي تعود إلى الخمسينات والستينات بصور المباني الحديثة. لينجز بورتريهات للسكان القدامى للمدينة وهم يجولون في أطلال حاضرها. 

5

ليس الكفراوى بفنان توثيقي، ولا يمكن اعتبار أعماله مجرد رصد وتسجيل لتوتر المدينة، بل هي بورتريهات لعمرو نفسه كأحد سكان هذه المدينة والمتيمين بها، لكن لكل حب مهما عظم نهاية، وعمرو الآن يغادر القاهرة ويودعها بهذا المعرض.

6

يتواجد الفن في الطرق الوعرة. النساخ ومنتجوا “الكيتش” هم من يكتفون بالصور التي تبرز الجمال النائم على الرصيف. بينما يترسب الفن في القاع خلال عملية تصفية وتنقية مواده الأولية. يبدأ الكفراوى من صورة فوتوغرافية لمنظر عام. النساخ قد يأخذون الصورة ويعيدون رسمها مع استعرض كل التقنيات الاحترافية للرسم والألوان لإنتاج صورة كيتش تحسد “اللايكات” لكن تنسي ثاني يوم.

لكن الفنان ككفراوى يكبر الصورة ويعدلها، يقسمها، يطبعها، يلونها، في سلسلة من إجراءات التنقية وإعادة التشكيل والتجريب، حتي يلتقط هذا المخفي، بل هذا الذي لم يوجد ولن يوجد دون وجود الفنان.

اللوحة أمامنا ليست بورتريه للقاهرة أو مبانيها، بل بورتريه لهذا الذي هو بلا شكل، لذلك الجرح، لذلك الحزن، لتلك اللامبالاة، للغضب المكبوت، لكل ما تتركه القاهرة وطريقها الدائري علي أرواحنا.

7

لا شيء يعبر عن  القاهرة في العشرين عاماً الأخيرة إلا الطريق الدائري.

فالمدينة التي توسعت وتمددت عبر مئات السنين بلا رقيب ولا حسيب تم تطويقها بالطريق الدائري، وبدأ سكانها في الانتقال والشتات في المدن الجديدة، بينما تقف الأطلال والخرائب القديمة كما لوحات عمرو كفراوى في هذا المعرض تطل على الطريق الدائري ويطل الدائري عليها.

8

ثم يغادر الفنان مرة آخري، لا الحياة في المدينة أصبحت تصلح له ولا الحياة في 6أكتوبر، ينتقل إلى بلد جديد شمالى وبارد إلى كندا حيث يعيش عمرو الكفراوى حالياً، وفي إطلالة آخري يعود إلى مدينته، في مشروع يبدو كقبلة وداع لا للقاهرة فقط بل لتجربة فنية طويلة خاضها الفنان عمادها، الفوتوغرافيا، الطباعة، ثم الرسم على الخشب وتكوين لوحات ضخمة من فسيفساء من الظلال والألوان.

9

 يستمر كفراوى في استخدام ذات التكنيك في تنفيذ العمل الفني لكن على عكس معرض “السراب”. هذه المرة، لا بورتريهات ووجوه من الخمسينات، ولا ظلال للحياة تظهر في لوحات هذا المعرض. بل متعمداً أثناء معالجة الصور وطباعتها ورسمها.. يخفي أى آثار  للحياة.

نلاحظ في معظم اللوحات كيف أن النوافذ والشرفات معتمة، لا دليل على حياة داخل هذه المبانى، بل ولا نعرف هل هي مبانى مكتملة بالفعل أم لا تزال في طور البناء.

بنى كفراوى ذلك المشروع على عدد كبير من الصور التقطت معظمها على الطريق الدائري، هناك نري كتل من مبانى الطوب الأحمر تنتصب مطلة على الطريق الدائري وفي الخندق الواقع بينها وبين حرم الطريق تتراكم النفايات في أهرام صغيرة تعكس العمق الحضاري والجمالي للمنطقة. معظم تلك العمارات والشقق على الدائري غير مسكونة، بل متروكة للأولاد حتى يكبروا ويتزوجوا فيها أو بنيت على عجل حيث أسعار مواد البناء رخيصة، هي  استثمار لمستقبل لا يدري أحد متى يأتى على الطريق الدائري.

10

أتذكر الآن أيامي الأولي في أكتوبر، رغم أنها كانت ليالى كئيبة وحيدة بل ومخيفة، لكني الآن أعود إليها بحنين، مثل أى ماضى مهما كان بشعاً نتذكره بشجن، فنضحك ساخرين من أنفسنا. كتلك البسمة التي علقت على وجهي وأنا اتأمل لوحات عمرو الأخيرة ولاحظت كيف ينحرف اللون الأحمر للمبانى ليتلامس مع درجات اللون الوردي، أو كيف يتكاثف الأخضر والأشجار في لوحات آخري. يبدو واضحاً سعي كفراوى لتجميل القبح المعماري للقاهرة ومبانيها المعلبة، ربما لأنه أصبح يعيش خارج المدينة، فينظر لها بشجن أو يبحث عما قد يبدو جميلاً.

الجميع يعرف لكن في الإعادة إفادة، القاهرة لا تبدو جميلة إلا إذا خرجت منها، أو في لوحات كفراوى.

وصفات لتجاوز آلام الفراق من ابن حزم إلى مضادات الاكتئاب

يروي ابن حزم الأندلسي في كتابه طوق الحمام حكاية رجل يصفه بأنه كان حكيم الطبع عاقلاً وفهيماً، حتى دخل ذات يوم بغداد وبات في أحد خاناتها ” فرأى ابنة لوكيلة الخان فأحبها وتزوجها، فلما خلا بها نظرت إليه وكانت بكراً، وهو قد تكشف لبعض حاجته، فراعها كبر أيره، ففرت إلى أمها وتفادت منه. فرام بها كل من حواليها أن ترد إليه، فأبت وكادت أن تموت، ففارقها ثم ندم، ورام أن يراجعها فلم يمكنه، واستعان بالأبهري وغيره. فلم يقدر أحد منهم على حيلة في أمره، فاختلط عقله وأقام في المارستان يعاني مدة طويلة حتى نقه وسلا وما كاد، ولقد كان إذا ذكرها يتنفس الصعداء.”

من رسومات كتاب القزوينى عجائب المخلوقات

منذ بضع سنوات اختلط عقلي مثل الحكيم في حكاية ابن حزم، لكن في عصرنا لا نذهب مباشرة إلى المارستان، بل ذهبت إلى طبيب نفسي لأول مرة في حياتي وبإرادتي الحرّة. لساعة كاملة أخذت أشكو إليه نوبات البكاء التي تداهمني، ساعات النوم الطويلة وعدم قدرتي على مغادرة الفراش، اضطراب وظائف الكبد الذي لا يجد الأطباء له تفسيراً، شعري الذي يتساقط من ذقني ورأسي، استقالتي من العمل منذ شهور، ولا جدوى الحياة واليأس المسيطر علي ، وكميات المخدرات المختلفة والمتنوعة التي ابتلعها دون أي متعة أو راحة.

استمع إلي وأنا أحكي كل شيء، ثم علّق قائلاً أن كل ما أعاني منه هو آثار جانبية لتجربة الانفصال التي مررت بها، وأنّ مثل هذه الآلام النفسية التي تترك أثرها على الجسد هي عارض متكرّر عن آلام الانفصال المصاحبة لنهاية العلاقات الطويلة أو نهاية قصص الحب الحميمة. في موقف غير الموقف كنت سأنفعل وأرفض أن توضع تجربتي العاطفية وقصّة حبّي المهشّمة في مقارنة أو مرتبة مساوية مع قصص الحب الأخرى. فجميعنا نؤمن أن قصّة حبّنا مختلفة عن قصص الآخرين. لكن أمام الطبيب كنت تعب ومرهق ومُتألّم، ومستعد لتقبّل أيّ وصف لما جرى. أي طريق كان سيشير له كنت سأسير فيه، دون أن أعترض أو أسأل.

منحني الطبيب شريط دواء مضاد للاكتئاب. خفّف الدواء من الألم وأعاد الاتزان لأعضاء الجسد المضطربة لكن احتاج الأمر وقت طويل حتى “أسلو” عما بي كما يصف ابن حزم شفاء رجله الحكيم.

وقعت في الحب مثل حكيم ابن حزم، لكن هجرتني الحبيبة ليس لكبر أيري، ولكن بسبب طموح أيري في المغامرة وأشياء آخرى لا مجال لذكرها. حينما كنت في غياهب جبّ آلام الانفصال كان كل من حولي يضغط عليّ مطالبين بضرورة سرعة تجاوز هذا الأمر، فاخترت الهجرة ومغادرة المدينة مبتعداً عن الضغوط. وفي رحلة التلذّذ بألم الفراق وإفساد أي مشاريع لعلاقات آخرى، اكتشفت “بيزنس” آلام فراق المحبوب، أو اقتصاد حيل التجاوز في الحب.

يخصص ابن حزم لآلام فراق المحبوب أو أحزان الـ”Breakups” فصل بعنوان “الضنى”. يليه فصل بعنوان “السلو” يقول فيه ” والسلو المتولّد من الهجر وطوله إنما هو كاليأس يدخل على النفس من بلوغها إلى أملها، فيفتر نزاعها ولا تقوى رغبتها”. ثم من خلال تجربته المضنية مع جارية أحبها في مراهقته وشغف بها وتبعته في تنقلات العائلة من وإلى قرطبة ثم هجرته، يستنتج ابن حزم أوّل علاج لضنى الحب وفراق المحبوب وهو”السلو” مقسّماً مراحل التعافي لثلاث وهي النسيان والملل والاستبدال.

لكن ابن حزم يعود ويعلّق قائلاً أن كل حب يمكن تسليته وكل علاقة يمكن نسيانها لا يعوّل عليها، ولا يصفها بالحب الحقيقي. لاحظ أنه على عكس الكتابات العاطفية والنفسية التحليلية في عصرنا الحالي، فابن حزم من زمن يرى أن العشق والحب هو امتداد لصلة مع العالم الميتافيزيقي. كل روح يتمّ شقّها لنصفين ويرسلان لهذه الحياة ، وكل نصف يبحث عن النصف الآخر الذي يكمله. وحينما ت/يلتقي الواحد/ة بنصف روحه/ا المفقود يتحقّق الغرام والعشق الحقيقي لا العشق الذي لا يعوّل عليه. وابن حزم يكتب كتابه “طوق الحمامة” لكي يساعد العشّاق والعاشقات على تمييز الحب الحقيقي من الشهوة الزائلة، ولكي يرشدهم/ن في طريق الأشواك والعزال حتى يتحقّق الوصال ويتم المراد.

كل ما سبق بالطبع رأى مختلفة عن زمننا حيث اختفى الكلام عن الحب لصالح الحديث عن العلاقات الايجابية والعلاقات السلبية، وضرورة التوازن في العلاقة بين الطرفين وعدم استغلال طرف للآخر والمساواة والاحترام وغيرها من الأفكار التي تسرّبت من عالم “الصوابية السياسية” لتحاول تصويب أخطاء الغرام والهوى.

الرجل الحكيم في حكاية ابن حزم دخل “المارستان” لأنه كان يعاني ويتألّم، والمارستان في ذلك الزمن كان الغرض منها تخفيف آلام المريض/ة ومعاناته/ا لا تطويعه/ا وإعادة تهيئته/ا ليعود/تعود للعمل وحلقة الإنتاج. حكيم ابن حزم لم ينس الحبيبة، بل إنه ينتهّد كلما ذكر اسمها. تعلّم مع الوقت أن يكتم شوقه، ويسيطر على انفعالاته واتزان عقله. أما نسيان الحب فهو أمر لا ت/يفعله في ذلك الزمان إلا الخسيس/ة والحبيب/ة الكاذب/ة.

ينظر علم النفس الحديث نظرة مختلفة لآلام الانفصال عن ابن حزم ففي تلك الدراسةالتينشرتهاد.ميليناجرينبرج تشير إلى فحوصات أجرتها باستخدام جهاز اشعة الرنين المغناطيسي علي عينة من الرجال والنساء ممن تعرضوا/ن لتجربة انفصال في خلال مدة لا تتجاوز الستة أشهر، حيث عرضت عليهم/ن مجموعة من الصور لشركائهم/ن وشريكاتهم/ن السابقين/ات ولاحظ الأطباء إن المناطق التي تنشط في المخ عند عرض هذه الصور هي ذاتها المناطق التي تنشط عند تعرضنا للأذى البدنى. ولأن مفهوم الطب الحديث يقوم على حماية جسد الإنسان من نفسه/ا قبل الآخرين/الأخريات، فلا يعتبر التلذذ بآلام الهجر والفراق دليلاً على الإخلاص كما ظن ابن حزم. بل دليلاً على المرض.

ولحماية عقل وجسم الانسان من هذا الألم تنصح د.ميلينا بوصفة التعافي من آلام الانفصال والتى تؤكد عليها كل المواقع وبرامج الطب النفسي الأخرى وهي نفس الكلام سيكررونه بصيغ مختلفة: إحتفظ/ي بمسافة بعيدة عن الحبيب/ة السابق/ة واجعل/ي التواصل في أضيق الحدود، تخلّص/ي من محفّزات الذكريات. لكن بعد ذلك تجد/ين النصائح متضاربة: سيقولون لك لا تجلس/ي في غرفتك حزين/ة بل أخرج/ي وقابل/ي ناس جدد ، فالحياة مليئة بالملذّات والمغامرات. لكن النصيحة التالية حينما يرونك تتقرّب/ين من أحدهم/ن، هي ألا تندفع/ي في علاقات جديدة سريعاً فقد تعرّض/ي نفسك للأذى.

سيقولون لكِ اترك/ي الحزن يخرج من داخلك، ابك وعبّر/ي عن حزنك، لكن حينما يستمرّ حزنك يتهمونك بالضعف والاستسلام للآلم بل ويتهمونك بالتلذّذ بها أو الأسوء من ذلك أن كل هذا ليس إلا وسيلة للحصول على الاهتمام بعدما هجرك من كان يهتم بك.

هذا التضارب في النصائح منبعه يكمن في أنه لا توجد خريطة واضحة لتفادي الآلم أو تجاوزه، ومنبعه أيضاً الخلط بين محاولة التغلّب على ألم الانفصال والتغلّب على ذكرى الحب.

حكت لي صديقة تعاني من آلام ما بعد الانفصال والطلاق، انها ذهبت إلى محلّلة لا طبيبة نفسية. وبدلاً من أن تصف لها دواء وتنهي المسألة مثل طبيبي، اختارت صديقتي مسار الجلسات الطويلة، وحتى الآن مرّ حوالي العام والنصف وهي تواظب على زيارة المحلّلة، تتصنّع التماسك وفخورة لأنها تمضي أكثر من عشر ساعات في عملها كل يوم وأحياناً تعمل ست أيام في الأسبوع لا خمسة فقط، تربي كلباً وتتحاشى الدخول في أي علاقة بحجّة أنها ليست مستعدّة كما نصحتها المحلّلة. هي تعتبر هذه الحياة مستقرّة وترى أن وضعها هذا سيستمرّ فتقول أنها “محتاجة وقت اشتغل على نفسي شوية”.

حلّلت صديقتي علاقتها السابقة المنتهية ورأت أنها تنجذب للذكور الذين يستغلّونها عاطفياً ويكذبون عليها، وكان ردي عليها: “هل هناك ذكور لا يفعلون ذلك؟”

هزت رأسها وقالت: “لن تفهمني، ليست المشكلة فيهم، المشكلة في أنني أنجذب لهذه الأنواع”.

تدفع صديقتي ما يوزاي 25 دولارا أمريكيا لكل جلسة لدى المحلّلة، لكنها الآن لا تفكّر في الانتحار ولا تستعير هواتفنا لتتجسّس على فيسبوك صديقها، وهي مقتنعة أنها قد نست هذه العلاقة وتجاوزتها، لكنها تحتاج أن تركّز على مشاكلها الداخلية.

على عكسها فأنا لم أسع أبداً للنسيان. أتذكّر أخطائي كما أتذكّر لحظات السعادة في كل العلاقات العابرة. ما الذي يتبقّى لنا إذا نسينا تجاربنا العاطفية وأهم وأعمق التجارب التي تشكّلنا؟ ثم إن ما يحدث لا يكون أبداً نسياناً، بل إننا نضع العلاقة وكل ملحقاتها في صندوق أسود، ولأنه ما من مكان لنضع فيه هذا الصندوق، فأنت تحمله/يه إلى الأبد على ظهرك، وتسير/ين به بين الناس وأنت تظن/ين إن أحد لا يلاحظ ذلك. وفي كل مرة تحاول/ين فيها إن تفتح/ي باباً للحب ينظر لك الصندوق الأسود من زاوية الغرفة فيشتت انتباهك عن الشريك/ة الجديد/ة الذي/التي ت/ينتظر آهات نشوتك دليلاً على تحقق الوصال والاتصال.

كل تجاوز قائم على إدّعاء النسيان، هو هروب للأمام ومهما جرينا ستلحق بنا الذكرى أو ستكمن في زاوية الغرفة ومعها أجزاء معطوبة من قلبنا وروحنا.

بدلاً من النسيان ربما يكون الحل أن نترك الجروح مفتوحة، أن نحملها بفخر ونشارك بها مع الآخرين، سواء نريد إن نصحبهم/ن إلى السرير أو إلى السينما. لا تخف تجاربك عن الشريك/ة الجديد/ة، فمهما حاولت/ي إخفائها مدعيا/ة أنك قد نسيت/ي أو ترغب/ين في النسيان سيظل الوحش في الصندوق منتظراً اللحظة المناسبة، بدلاً من هذا قد ت/يساعدك الشريك/ة على إخراج الوحش وترويضه وعلى تحويل غضبك من نفسك ومن الحبيب/ة القديم/ة إلى طاقة تدفعك للتغيير وإعادة خلق حياة جديدة مع الشريك/ة الجديد/ة. وقد يصبح هذا الوحش هو حيوانك الأليف.

—— —

نشر في موقع: جيم

مهاجرون بلا وطن جديد

وإذا حسبنا أن الآلة تفسد الإنسان فما ذلك إلا لأنه ينقصنا قليل من الرجوع إلي الوراء لنستطيع الحكم على مدى التحولات السريعة التى تمت أمامنا. فما قيمة مائة عام من تاريخ الآلات بالنسبة لمائة ألف عام من تاريخ البشر؟ إننا لم نكد نستقر وسط دنيا المناجم ومحطات توليد الكهرباء، إننا لم نكد نستقر في بيتنا الجديد الذي لم يتم بناؤه بعد. لقد تغير سريعاً كل شيء حولنا، تغيرت العلاقات بين البشر وتغيرت أحوال العمل وتغيرت العادات. وحتى نفسيتنا قد انقلبت رأساً على عقب. فأفكار الفراق والغياب والبعد والعودة لم تعد تحوي ما كانت تشمل عليه من معانٍ، وإن بقيت الكلمات دون تغيير. وهكذا نتكلم في دنيا اليوم لغة أنشئت لعالم الأمس. ويخيل إلينا أن حياة الأمس أكثر استجابة لطبيعتنا، وما ذلك إلا لانها أكثر استجابة للغتنا.

وكل تقدم جديد يبعدنا قليلاً عن عادات لم نكد نتعودها، ونحن في الحق مهاجرون لم نؤسس بعد وطننا الجديد

أنطوان دو سانت اكزوبيري

أرض البشر

ترجمة: مصطفي كامل فودة.

حوار عشوائي

مثل الملايين وربما المليارات من البشر حول العالم وعلى سطح الكوكب وفي بطنه، قضيت الأسابيع الماضية أسير تعليمات التباعد الاجتماعى لم أختلط بالبشر متحاشيا كل الفاعليات ومن ضمنها الذهاب للعمل والمقهى والبار. في المنزل مع ذاتى وأشباحى تنساب طاقتى وقدرتى على العمل والتفكير.

لم ينقذنى من كل ما سبق إلا هذه اللعبة التى بدأت منذ عدة أسابيع بغرض تبديد عزلتى، حيث اشتقت لأصدقائي فبدأنا في الحديث باستخدام برنامج “زووم” مع تسجيل تلك المحادثات ثم رفعها على اليوتيوب، تحت عنوان “حوار عشوائي” . انقذتنا تلك الحوارات من أكلان الدماغ، استعدت العلاقات مع أصدقاء قدامى تشتتوا في بقاع الأرض والتقيت بأصدقاء آخرين عرفنا بعض سيبرياً لكن لم نلتقي من قبل، تحاورنا عن الموسيقي، الأدب، الكتابة، الفن المعاصر، التاريخ، الصحافة، الصحة النفسية، الانثربيولوجى.. حتى الآن وصلنا لعشر حوارات عشوائية يمكن أن تجدها كلها في هذه القائمة

الفصل السابع والعشرون: إن في الجنة لسوقًا

تفصيل من غلاف الرواية رسومات : ميجو

أمسكت فرح كوب الحجامة الزجاجي. وضعته على ظهر الأمير. رفعت حافة الكوب بيد وبالأخرى أشعلت القداحة، ثم أدخلت شعلة النار أسفل الكوب، فأكلت النار الهواء المحبوس، كبست الكوب سريعًا على ظهر الأمير ليتحول بفعل تفريغ الهواء إلى آلة شفط تمتص السموم، الشرور، الحسد والعين، من تحت العظام واللحم، لتظهر آثار الشر على الجلد.

عبر زجاج الكوب شاهدت تلون جلد الأمير إلى الأحمر، ثم إلى الأزرق. أمسكت كوبًا ثانيًا وكررت ما فعلته في أكثر من موضع في ظهره. امتلأ ظهر الأمير بأكواب الحجامة. أنهت مهمتها ونظرت في ساعتها لتحصي الوقت.

تستخدم فرح أكواب الشفط لتحديد الأماكن التي تتكتل فيها الأحماض الناتجة عن المجهود العقلي، ثم تستخدم تقنيات التدليك والسحب والتمديد لتحريك تلك السموم، تذويب بعضها وأحيانًا إخراجها.

يتمدد الأمير على بطنه، في حديقة قصر الرضوان المكيفة.

جالت فرح بعينيها في الحديقة، داعب نسيم بارد شعرها، ومثل كل مرة تلج الحديقة، استغربت كيف يمكن تكييف هذه المساحة الكبيرة من الحدائق المفتوحة، بحيث تكون درجة الحرارة فيها أقل عشر درجات من درجة حرارة الطقس الطبيعي خارج الحديقة؟ لكن فصلها عن أسئلتها وشرودها صوت الأمير. خاطبها دون أن يرفع رأسه:

-فرح، هل تدرين أول ما يحدث للمؤمنين حينما يدخلون الجنة؟

لم تنبس فرح، والأمير كعادة معظم حواراتهما لم ينتظر إجابتها:

  • يدخل المؤمنون الجنة ليجدوا شجرة عظيمة، قطوفها دانية، ترتوي من عين تفيض فضة متلألئة. يشربون منها فينقي الله قلوبهم من كل غل وحسد، يستحمون فيها فيصير شعرهم الأشعث ناعمًا أملس، وتبيضّ جلودهم، يعودون شبابًا فلا يهرمون ولا تتلوّن بشرتهم ولا يذبل أو يتغير حُسنهم.

(لئن جزعنا على الشباب أسى/ لقد ألفنا ظلاله حينًا)

تنبهت حواس فرح. حديث الأمير ذكرها بتلميحات ماما كريمة. فهل أخبرته؟ لم تقاطعه فاستمر:

  • خبرني شيخي رحمة الله عليه. تعرفين أن الأمراء الملكيين جميعًا يتلقون دروسًا مختلفة في الدين وعلومه منذ الصغر. شيخنا من جيل قديم، يحدثنا عن خطورة الراديو على النساء، والفتن التي ينشرها الغرب. كان أعمى، ولم يعرف كيف تطور العالم منذ كان مع جدي يؤسسون للدولة وكيف صار العالم. لكني شغفت بأحاديثه عن الجنة، وكنت أحثه على إخباري بالمزيد عنها.

(والدهر لونان في تصرفه)

أخذت تنزع كاسات الهواء عن ظهره. مكان كل كأس علامة زرقاء مستديرة وأحيانًا حمراء. رفع الأمير رأسه وأكمل:

  • بالنسبة إليه الجنة حلم من المستقبل مليء بالمعجزات، لكن بالنسبة إليّ فأوصاف الجنة ومعجزاتها، منجزات حققها العلم أو على وشك تحقيقها. خذي مثلاً حديث العين الذي أخبرتك به. في التسعينات كانت هناك عيادات التجميل والعلاج بالأكسجين وتجديد البشرة، وغيرها. كل ما يرد من تحولات لأجساد المؤمنين لدى دخولهم الجنة كان يمكن الحصول عليه في أقرب عيادة وصالون تجميل.

لمست فرح ظهره بأصابعها. تأوه الأمير وأحنى رأسه مُستسلمًا للمستها. لمسة فرح عابرة للحدود، شفاؤها يزيح الزمن وتراكماته. تضع أصابعها في الثقوب المناسبة فتفتح الأبواب. تصفي عقلها ليركز في مهمته، لكن صدى قصيدة بديع الزمان الهمذاني يتردد في فضاء ذهنها الذي تحاول تصفيته

 (لئن جزعنا على الشباب أسى/ لقد ألفنا ظلاله حينًا).

***

بعد يومين من وصولها ونسيم إلى نيوم، عرض عليها فريد بيه البقاء هنا. قال إن موهبتها في التدليك والعلاج الطبيعي فريدة ولا يجب تبديدها في القاهرة وسط من لا يستحقونها. شكرته فرح على المجاملة، لكن فريد بيه أصر على أنه على حق، واستشهد بتجربته لأحدث وأعقد طرق العلاج التشريحي المتقدم في نيوم، لكن لم يصل قط إلى النتيجة التي يصل إليها معها.

“أنتِ لا تفكين الشد العضلي، بل تحلين تراكيب وتعقيدات المخ”. لم تعرف فرح بمَ ترد. لكن أعجبتها نيوم، كل يوم جديد تكتشف عشرات العجائب، كل ساعة هناك احتفال أو عرض أو مهرجان أو تجمع ينتصب. الأموال تتدفق كل ثانية، ومعها يأتي الابتكار والكذب والخيال والإبداع والابتداع.

بسبب دعوتها إلى نيوم من قِبل فريد بيه، فهي ونسيم يحظيان بامتيازات يحتاج العامل العادي في نيوم إلى سنوات ليحظى بنصفها لا ينالها أبدًا. أعجبتها حياة “الفخفخينا” لكن عرفت أن النعيم ليس أبديًّا، فما هي إلا زائرة حتى لو طالت إقامتها. داعبها حلم الاستقرار هنا، ولكن كيف؟ نظم التعيين والعمل في نيوم غاية في التعقيد. فريد بيه وعدها ألا تحمل همًّا، ثم دعاها إلى حفل خاص شرط أن تحضر من دون نسيم.

حضرت وحدها. ارتدت فستانًا أسود طويلاً مفتوحًا بشق يصل حتى أعلى الركبة. ولجت قصرًا شاهق البياض مقامًا على الشاطئ، صحبها خادم من الباب الرئيس حتى باب قاعة كبيرة، وحين دخلت وجدت نفسها محاطة بأمراء الصف الثاني، ونخبة من رجال أعمال ومستثمري نيوم، وعدد من الروبوتات الشهيرة الحاصلة على الجنسية الفخرية لنيوم. بينما هي تائهة لمحها فريد بيه، رحب بها وشقّا معًا الزحام حتى وجدته يعرفها إلى الدكتورة ك.

ابتسمت الدكتورة ك ما إن رأت فرح، وصححت لفريد بيه “لا يا فنان، د. فرح تعرفني من زمان وممكن تقول لي ماما كريمة على طول”.

اندهش فريد بيه من معرفة فرح بماما كريمة، أما فرح فاحتاجت إلى ثوانٍ لتربط الاسم بالوجه، وفي النهاية عرفتها من ابتسامتها وضحكة فمها العريض، بينما اختلف كل شيء فيها. بدت أصغر سنًّا… عشر سنوات ربما. لم تكن ترتدي ملابس الهيبيز التي شاهدتها بها في الكامب، بل فستانًا أنيقًا، وقبعة إنجليزية صغيرة، ومكياجها مرسوم بعناية.

أخذتها ماما كريمة بعيدًا عن الحفل. خرجتا إلى واحدة من شرفات القاعة. وقبل أن تمر دقيقة على وجودهما أحست فرح بالأرض تتحرك من تحت قدميها، نظرت من الشرفة فشاهدت القصر يشق صفحة الماء متقدمًا في البحر. باندهاش سألت ماما كريمة، هل هذا القصر سفينة؟

ردت ماما كريمة، أو ربما نيوم كلها ما هي إلا سفينة. ثم فرقعت بإصبعيها فتقدم نحوهما روبوت ساقٍ يحمل زجاجات عدة، صب المزيد من الشمبانيا لفرح ومشروبًا آخر أبيض شفافًا لماما كريمة لم تعرفه فرح ولا نحن.

مع الكأس الثالثة تدلدق الكلام من فرح، عن طفولتها وشعورها الدائم بكراهية أمها لها، حبها لأحمد وكيف سحقها، عن تماسكها، عن أحلامها بالكتابة، شغفها بالأجساد والرؤى التي تداهمها أحيانًا وهي تدلك وتركب العضلات على العظام، وعن…

احتضنتها ماما كريمة. خلعت الاثنتان أحذيتهما، وخرجتا من الحفل تغنيان معًا “نودع الماضي وحلمه الكبير/ نودع الأفراح..”

تضحكان وتتعثران في خطواتهما، ثم تكملان الأغنية “راح اللي راح.. ماعادش فاضل كتير/ إيه العمل”

تضحكان.

ثاني يوم استيقظت لتجد نفسها في منزل ماما كريمة، الذي لم يكن إلا ملحقًا سكنيًّا بمعملها.

بينما تودعها ماما كريمة، سألتها إن كان بإمكانها أن تأتي غدًا لمعاينة مريض حالته مُستعصية لا تجد لها حلاً.

“حبًّا وكرامة” بكل سرور وافقت فرح.

أتت في اليوم التالي في الميعاد المتفق عليه بينهما، فوجدت المريض سمو الأمير  شخصيًّا.

***

طلبت فرح من سمو الأمير القيام من السرير. اعتدل جالسًا. جسده الضخم يمتلئ بالشعر الكثيف كدب صغير استيقظ للتو من نوم هادئ. ليس عليه إلا مثلث أبيض يستر سوأته. نزل من السرير، اتجه إلى طاولة الماء والمشروبات، صب لنفسه كوبًا من ماء زمزم. حولهما في الحديقة ترعى مجموعات من حيوانات وطيور الزينة، وقف طاووس بديع مُعدل جينيًّا أمام الأمير، فرد ذيله فظهرت عليه لوحة تصور الأمير وهو يرتدي زيًّا عسكريًّا ويركب واحدة من الطائرات الحربية، ابتسم الأمير وأشار لفرح هل رأيت هذه الهدية، عدلوا الطاووس جينيًّا لي خصوصًا. ابتسمت فرح، ولم تنطق. تأملها بعينيه من فوق إلى تحت متفحصًا، ثم ذهب وجلس على كرسي في مواجهتها.

أشار لها الأمير لكي تكمل آخر فقرات الجلسة، التي تتطلب جلوسه على الكرسي. وقفت خلفه، رفعت ذراعه اليسرى، ثنتها خلف ظهره لتمدد عضلات الرقبة والكتف. تحدث الأمير:

  • لكن اعلمي يا فرح أن هذه الألعاب الصغيرة كالطاووس ما هي إلا أوراق الشجر المتساقطة من شجرة المعرفة، أما ثمارها وفروعها وخيرها فيمتد في كل مكان وأبعد مما نتخيل. جسد أهل الجنة الذي تخيلته صغيرًا في التسعينات، كما أخبرني شيخي وقتها، يمكن تحقيقه بزيارة عيادة جراح التجميل. أما الآن فلدينا بالفعل مثل تلك العين. مياه مشبعة بالروبوتات متناهية الصغر من إبداعات تكنولوجيا النانو، ما إن تغتسلي بها حتى تتسلل إلى كل خلايا الجلد، وتعيد تنشيطها وتوليدها ومعالجة كل أعطابها.

رفعت فرح ذراعه اليمنى وثنتها. صمت الأمير وأغلق عينيه. حاول التركيز داخل نفسه، الاندماج في حركة الكون، لكن للأسف لم يحدث أي شيء.

كان الأمير شغوفًا بالعلم والمعرفة، لكنه فهم أن المعرفة الغربية القائمة على التجربة والمعاينة ليست الباب الوحيد، لذا وجّه الإنفاق الملكي للمزج بين العلمين، الروحانية الميتافيزيقية والتجربية الفيزيقية. ورغم قدرته على التمييز بين الدجالين وعلماء الروحانيات الفاعلين، عجز عن فهم كيفية عمل علومهم وسحرهم. مثلاً الأطباء والمعالجون جميعًا الذين ذهب إليهم شخّصوا مرضه بأنه إرهاق في العضلات، لكنه حتى لو لم يبذل أي جهد، كانت عضلاته تفرز بكثافة السموم التي تتكاثف وتضغط على الأعصاب وتؤلمه. الحسد والضغينة يسببان الألم الذي يعوق تدفق الطاقة الثالثة إلى مخه، قالت له ماما كريمة التي فشلت في علاجه، حتى ظهرت فرح.

على يد فرح، اكتشف الأمير أن الثقل في كتفيه الذي عاش به طوال حياته ليس جزءًا من تكوين الجسد البشري. صار قادرًا على النوم بعمق لمدة ثماني ساعات مُتصلة والاستيقاظ دون آلام في الرقبة، بل صار قادرًا على إدارة رقبته إلى أقصى اليمين وأقصى اليسار دون صعوبة تذكر. نفت فرح أن يكون الإجهاد سببًا لمشكلاته، وبدلاً من ذلك سألته في ثاني جلسة لهم إن كان لديه إخوة أكبر منه.

  للأمير ثلاثة إخوة أكبر منه، والملك اختاره لأنه ابن الزوجة المفضلة التي استحوذت على الملك والمملكة، أما مصير الإخوة الثلاثة فلا أحد يعلمه.

غضب الأمير من سؤال فرح، سألها ما علاقة هذا بمشكلة ظهره. فقالت إن الإخوة تتولد بينهم الأحقاد. ولأن الإخوة يشتركون في الدم، فرابطة الأخوّة تنقل كذلك الحقد مثلما تنقل المحبة، وهذه الأحقاد أحيانًا ما تتحول إلى سموم تعوق مسار قنوات أخرى فتسبب الآلام الجسدية. استمع الأمير لتحليلها ثم سألها وما العمل؟

شمرت ساعديها وبدآ سلسلة جلسات العلاج التي أعادت تعريف الأمير على مذاق الراحة والسلام النفسي والجسدي. سحرت فرح بلمستها لب الأمير.

جففت يديها في منشفة بيضاء ثم قالت: سموك أتمنى تكون جلسة اليوم أفضل؟

رد عليها بسؤال:

  • فرح، هل قررتِ الاحتفاظ بالطفل الذي في بطنك؟

اسودت الدنيا، وهوى القلب بين الساقين.

كرنب الثور يا حبيبي- مقطع من رواية #والنمور_لحجرتي

  انحدرت فرح في المُقَارنة بينها وبين مي كامل، شخصيتها المنطوية التي تكره البهرجة والادعاء الفني، وشخصية مي مُعجزة السينما التي يصفق لها الجميع. وجهها الغارق دائمًا في المكياج، وفرح التي تستمتع بطلاء الأظفار لكنها لا تطيق المكياج الكثيف على وجهها. عائلة فرح المحافظة التي وقفت ضد ارتباطها بأحمد، وعائلة مي الفنية الشهيرة. فبابا هو من أنتج لمي أول فيلم لها، وبابا وأصحابه هم من مولوا لها أول مسلسل. ليس التعريص الفني هو ما يضايقها في اتجاهات مي الفنية، بل هذا الادعاء والمباشرة الخطابية التي تقدم بها أفلامها ومسلسلاتها، كأنها صلاة للغباء وتهجد لآلهة القيم المزيفة. ثم الاحتفاء المبالغ بأعمالها والتصفيق لها باعتبارها وجهًا نسويًّا ثوريًّا وشابًّا، في حين لا ترى فرح في أعمالها سوى النمطية العبيطة والشعارات المسروقة، حيث النسوية لأمثال مي كامل تتمثل في النجاح الفردي، ولوم النساء الأخريات لأنهن لا يتوقفن عن الشكوى بدلاً من العمل، لكي ينجحن ويحصدن الجوائز مثلها. أمثال مي يستفزونها وتكرههم، ليس لأنهم معرصين ولا يرون أن نجاحهم المزيف بسبب التعريص، بل لأنهم مجرمون يلومون الآخرين لأنهم لم يختاروا التعريص والشرمطة مثلهم.

نجحت مي كامل في الركوب على كل الأحداث السياسية وتطويعها لخدمتها. في أثناء ثورة الـ18 يومًا، كانت تذهب لشقة تطل على ميدانِ التحرير، يجتمع فيها الفنانون، تلتقط الصور من الشرفة لنفسها وهي تلوح بعلم مصر وترفع علامة النصر. ثم صنعت فيلمًا قصيرًا عن فتاة شابة تتحدى والدها وتهرب من المنزل لتشارك في الثورة، وحين يتنحى الرئيس وبينما يحتفل الجميع، تخاف الفتاة من عقاب أبيها إن عادت إلى المنزل، لكنها تجده وسط الجماهير يحتفل بالثورة، فتشاركه الاحتفال وينتهي الفيلم بالجميع سعيدًا.

طافت بالفيلم كل مهرجانات العالم ممتطية موجة الحب العالمي للثورة، وحصدت الجوائز بالطبع والتصفيق. “وجه الثورة النسائي الفني الشاب، كس أمها بجد!” قالت فرح لنفسها، ثم فتحت بروفايل مي، قلبت في الصور فظهرت لها صورة قديمة تجمع مي بأحمد. خمنت فرح أنها من بداية تعارفهما. في الصورة أحمد يرفع لافتة عليها صورة درية شفيق، ويسير مبتسمًا وسط الجموع، عن يمينه مي وهي ترتدي نظارة شمس كبيرة، تغطي نصف وجهها كما عادة نجوم التلفزيون، حينما يشاركون شرفيًّا في مثل هذه المناسبات.

بدت الصورة مقززة لفرح أكثر من صورته ووراءه إعلان مشروبات الطاقة، وهو يلعب الموسيقى للخنازير والخراتيت الذين أكلوا الثورة.

تذكر فرح هذه المظاهرة جيدًا، حاول أحمد دعوتها للمشارَكة، لكنها توقفت مبكرًا عن الذهاب إلى هذه الأنشطة/ المظاهرات/ الاحتجاجات.

بررت الأمر في كل مرة بحجة مُختلفة، أحيانًا تقول إن المخابرات تراجع سجلات العاملين في المستشفيات العسكرية، وهي لا تريد التورط في مشكلات، أحيانًا تعبِّر عن إرهاقها.

أبدًا لم تنتقد مُظَاهرة ما أو تسخر من مطلب فئوي. اتهمها أحمد ذات مرة بالعدميةِ والكسل والتخاذل، فاحتدت في النقاش معه، ووصفت نفسها بالعقلانية. قالت “لن أتظاهر سلميًّا في مُقَابل جنود يحملون السلاح ويطلقون النار علينا”.

التخاذل عن المشاركة في الفعاليات الثورية زاد من حدة الخلافات بينهما. تعارف الاثنان قبل الثورة، وأتى الانفجار الجماهيري ليشتعل حبهما وسط الغازات المسيلة للدموع، والحب الجماعي للجماهير المطلوقة في الشوارع. داخليًّا ربط أحمد حبهما بالثورة، فمثلما تحدى مع الجماهير الرئيس والشرطة والجيش، تحدى في حبهما سلطة الواقع وعائلة فرح. رأى أحمد في قدرته على فرض قرار زواجهما على عائلة فرح ووالدها انتصارًا آخر في هلوساته لإسقاط النظام.. “يسقط، يسقط، إحنا الشعب الخط الأحمر”.

بعدما صارت المواجهات بين المتظاهرين وقوات الجيش بسلاحه ودباباته ومدرعاته، رأت فرح المواجهة انتحارًا، فلا توجد أي قضية ولا حتى أوهام الدولة القومية تستحق أن يضحي الواحد بحياته، خصوصًا إن لم يمتلك المرء أي سلاح للمقاومة سوى الحنجرة، وخصوصًا إن كانت هذه الحنجرة الجماعية لا مكان فيها لصوتها. لكنها احترمت خيارات الآخرين، وتمنت فعلاً أن ينتصروا. وصفها أصدقاؤها بـالمتشائمة، لكن كل ما توقعته حدث بالفعل. لم تفهم قط لماذا لا يرى الآخرون ما تراه هي بوضوح. تمنت في كل مرة أن تكون على خطأ، أن تتنصر الحماسة المدنية والثورية على غشومية السلاح والبيادة العسكرية. لكن هذه المظاهرة التي حمل فيها أحمد صورة درية شفيق أخرجتها عن صمتها، سخرت في البداية من الدعوة، إذ كانت مُبادرة من مجموعة من الفنانين والمثقفين للدفاع عما أسموه الوجه الحضاري والثقافي لمصر، لمواجهة هجمة التيارات الدينية وفوزهم في الانتخابات من البرلمان حتى الرئاسة. الهدف من المظاهرة أن يجتمع المثقفون والمؤمنون بالدولة المدنية، ويرفعوا صور الشخصيات التاريخية التي يرون أنها تمثل التنوير والفن والحق والجمال، ويسيرون في استعراض ليذكِّروا المصريين بتراثهم ومدنيتهم. لخصت فرح موقفها في جملة واحدة حين وصلتها الدعوة إلى المُظَاهرةِ على الفيسبوك وقالتها لأحمد “منيكة فارغة”.

سكت أحمد ولم يعلق، قال “سأذهب”. لكنه محتار يحمل صورة مَن، أخبرها أنه يفكر في حمل صورة تحية كاريوكا أو سامية جمال. كانت فرح مرهقة وغاضبة في ذلك اليوم لأنها تعرضت للتحرش في الشارع في أثناء عودتها إلى المنزل، فانفجرت فيه، “يعني أنت بالنسبة لك المدنية والثقافة هي راقصات ماتوا وشبعوا موت؟ طيب ارفع صورة دينا، والا صورة دينا مش هتبقى مدنية أكتر من سامية؟”. أحمد الذي امتلك  فيضًا من الحنان يستخدمه في الاحتواء أو الابتزاز العاطفي حسب الموقف، شعر بغضبها فقام من مكانه وجلس على الكنبة، ضمها لصدره وأخذ يهدهدها “مالك يا بيبي؟”، هدأت وتبدد غضبها وتخدر جسدها بأمان الحب، ولكي يطيّب خاطرها سألها “طيب تحبي أرفع صورة مين؟” جاوبته إذا كنت تريد أن ترفع صورة وجه نسوي فارفع صورة درية شفيق”.

أسعدها أنه رفع الصورة التي اختارتها، لكنه عاد من تلك المظاهرة يحكي عن لقائه بالمخرجة مي كامل، وكيف عبرت عن حبها لموسيقاه، وأنها تريد أن يعملا معًا، هنأته فرح ولم تنتبه لتلك التفصيلة.

لم تكن فرح مَشغولة بصراع المدنية والدينية، ففي هذه الفترة سعت إلى الابتعاد عن كل التشويش والإزعاج المحيط بتفاصيل المشهد السياسي والاجتماعي في مصر بالكامل، كانت مستغرقة في اكتشاف الحقيقة.

“الحقيقة” هي بناء يتم بعد الحادث، سواء أكان الحادث فيضًا من المشاعر الثورية أم ولادة لنار الحب. فالحقيقة لا يتم بناؤها إلا بعد وقوع الواقعة. فالحب يبدأ بلقاء ليس قابلاً للقياس مثل وضعها حاليًّا مع نسيم، ووضعها سابقًا مع أحمد في بداية علاقتهما، حين اندفعا إلى الزواج وسط اندفاع الثورة المستمرة، ولكن فيما بعد تبدأ في إدراك ماهية الحب.

لفهم طبيعة بناء الحقيقة تقدم لنا الصيرورة العلمية مثالاً واضحًا، أنت تكتشف شيئًا غير متوقع، لِنَقُلْ مثلاً: فجوات غَامضة على القمر، أو جاذبية قوية لبعض الأجرام السماوية الغامضة. ومن ثم يكون هناك عمل رياضي لإعطاء معنى لهذا الاكتشاف، هذا العمل من أجل الوصول إلى القوانين، من أجل الوصول إلى المعنى، هو طقس بناء الحقيقة.

هذه عملية حقيقة، لا المشي في الشوارع رافعًا صور الأموات، اعتراضًا على سياسات أحياء يقدسون أمواتًا آخرين.

إجراء الحقيقة ليس انجرافًا خلف الذائقة الشخصية، على طريقة سأرفع صورة تحية كاريوكا لأنها وجه المدنية الثورية. إجراء الحقيقة هو الانتقال من التجربة الذاتية والمصادفة إلى قيمة عالمية.

فرح كانت مشغولة بهذه الأفكار مع نفسها، لا تشاركها مع أحد، إلا دفترها ذي الغلاف الجلدي الأسود. داخل هذا الغلاف شيدت عالمها. لم تجد في ما يحدث حولها مبعثًا لأي حماسة أو اهتمام، بل تراكمات من الأفكار الغبية والتصرفات الأغبى، لم تثِر فيها إلا السخرية والضحك. ذات مرة سألها أحمد مرة إن كانت تعاني من كرب ما بعد الثورة، فردت ساخرة “وماذا يكون كرنب الثورة يا حبيبي؟”

الجرافيتى المقزز أو كرنب الثورة يا حبيبي

أدركت أن العمل السياسي الحق يعطي حماسًا، وهذه الحماسة تعمي الأبصار، لكنها جميلة مثل الحب. فالسياسة الحقة هي الحماس الجمعي، والحب هو حماس يتشارك فيه شخصان. هي فقط حسدت عمال السياسة ونشطاءها على قدرتهم على التشارك في الحماس الجمعي، الذي لم تعد قادرة على الاندماج فيه. ففي هذه المرحلة من حياتها اكتفت بحماس حبها لأحمد فقط. لكنها لم تدرك أن أحمد يحتاج إلى ما هو أكثر من ذلك. مثل بعض المطلقات للأسف -وعلى الرغم من رجاحة عقلها- كانت فرح تلوم نفسها وتتهمها بالتقصير، لأنها لم تستوعب طموح أحمد.

بحثًا عن الشغف نشرت بعد طلاقها دراسة طويلة، في مجلة إلكترونية تصدرها مجموعة نسوية وكوِيرية شابة. لا تشعر باندماج كامل معهم، لكنها أخيرًا وجدت من يتقبل أفكارها ويشارك في ظنونها. أصبحت تلك المجموعة دائرة أصدقائها الجدد، وهي سعيدة بأن صارت لديها رفقة لا علاقة لها بأحمد، بعد سنوات من اعتمادها عليه في الحياة الاجتماعية.

أصدقاء يتشاركون معها الحماس للقضايا التي يرفض الآخرون التطرق إليها، مكتفين بادعاءات المدنية والثورية وغيرها من أشكال المنيكة الفارغة.

سَابقًا تدفقت الحماسة في أوردةِ وشرايين فرح وسط الجموع والجماهير، حتى وهم يهتفون هتافات كاذبة وعبيطة من نوع “حسني مبارك يا طيار جبت منين سبعين مليار!”. لكنها فقدت اتصالها بكل تلك الجموع الثورية حين ظهرت قضية علياء المهدي.

نشرت فتاة لا يتجاوز عمرها العشرين عامًا، صورة لها عارية على مدونتها الشخصية، منتصبة في وضع نصف إيروتيكي نصف طفولي. ولأن مدونتها تمتلئ بالمقالات الثورية وتنسب نفسها إلى حركة 6 أبريل، استخدمها تيار الإسلام السياسي للتشهير والطعن في التيار المدني.

ظهرت صورة علياء بعد إعلان عدد من الناجيات من كشوف العذرية ما حدث لهن داخل ثكنات الجيش، حين قُبِض عليهن من ميدان التحرير. كانت الانتخابات البرلمانية على الأبواب، وفرح وأحمد مدعوان إلى حفل في فيلا فخمة مِلك أحد رجال الأعمال المحبين للثورة والفن والموسيقى، يريد أن يتعرف ويتشرف بالشباب الذين قاموا بالثورة، لذا يدعوهم إلى منزله الواسع ليشربوا ويأكلوا ويسكروا ويرقصوا. وفي الطريق مع أحمد لمحت جرافيتي يصور واحدة من ضحايا كشوف العذرية وبجوارها صورة علياء المهدي، وفي المنتصف نَصّ ركيك يقارن كيف اهتم الإعلام والناس بعري علياء، ولم يهتموا بقضية الناجية من كشف العذرية. تصاعدت حموضة القرف والاشمئزاز من معدتها، كادت تتقيّأ صرختها، لكن اكتفت بالبصق من النافذة.

في الحفل وكلما فتحت فمها حكت بقرف عن هذا الجرافيتي. قرفها منبعه المقارنة السخيفة بين الفعلين، أبدت اندهاشها، لماذا لم تصدر ولا حركة ثقافية أو سياسية أو حقوقية أي بيان تضامنًا مع علياء التي تتعرض لهجمة وحشية، لا من التيارات الإسلامية فقط بل أيضًا من تيارات تصف نفسها بالثورية والمدنية. قطعت ورقة من الدفتر الذي تحمله وصاغت على عجل –بدافع الحماس أو تحت تأثير الخمر المجانية- بيان تضامن مع علياء، وذهبت تطلب توقيعهم عليه. رفضوا جميعًا، وكان الرد: لدينا أولويات أهم، مثل الدستور والانتخابات، وإن تمكنا من كتابة الدستور سنحرص على أن تكون حرية الرأي والتعبير مطلقة فيه.

حاولت الرد عليهم بمنطق مُماثل لكنهم حاصروها بآراء وحسابات أخرى. البعض تهرب، وآخرون ردوا بعنف “واحدة قلعت، مال الثورة والقلع؟” وجميعهم حرص في حديثه معها على الغمز واللمز، والسخرية الذكورية المعتادة ضد أي رأي مخالف تقوله امرأة. ثم انتبهت فرح إلى أن عري علياء أصلاً لم يكن موجهًا ضد الإسلاميين أو السلطة أو الرأسمالية العالمية، بل كان موجهًا ضد كل من هم هنا في هذا الحفل.

ثورة علياء ضد الثوريين، وعريها هو كفر بهذه الحماسة السياسية الكاذبة، التي تحمل داخلها بذور العفن الذي يغطي كل البلاد.

عري علياء ضد الإجابات العقلانية.

ضد التفكير العقلاني العلماني التنويري الذي رحب بتعليم وحرية المرأة، على ألا يعلو سقف الحرية عن ركبتها، وأن تكون حرية المرأة جزءًا من مشروع الدولة الناهضة وقوميات العروبة، والشرف الذي يراق على جوانبه الدم.

في غمار انفعالها وجدالها في مسألة علياء مع الحضور، ثارت فرح على رجل الأعمال الذي يستضيفهم، لأنه في منتصف النقاش علق قائلاً “البنت حتى مش جميلة، ليه تصور نفسها كدا؟ أكيد مريضة نفسيًّا أو لديها مشكلات أسرية واجتماعية”. سحبَتْ فرح شَخْرَة، وخرج الرصاص من فمها “أنت فاكر العالم معمول علشان يعجبك وتتفرج عليه؟ والا علشان مش شيخ وماتقدرش تكفرها هتقول على البنت مجنونة؟ إن كانت هي مجنونة فأنت معرص”. ثم بصقت على الأرض واتجهت نحو باب الخروج، وفي طريقها سحبت أحمد الواقف يعب الكحول المجاني عند البار. خرجت فرح وقررت أن تنهي علاقتها بذلك العالم وهؤلاء الناس، وألا تنظر خلفها فتتحول عمودًا من الملح.

عادت لتقلب في بروفيل أحمد على الفيسبوك، فظهرت لها صور تجمعها مع أحمد على الشاطئ. وجعها قلبها أكثر من الشوق له، لكن فرح ليست مازوخية، ستحرق المراكب، وتقلب الصفحة، لا شيء يجمعها أو يربطها بأحمد الآن. ترددت لحظات أخيرة ثم همت بأن تضغط الزر وتمسح بروفيل أحمد من قائمة أصدقائها مع حجب حسابه، لكن فجأة ظهر تنبيه بوجود رسالة منه في صندوقها البريدي، فتحت الرسالة فوجدتها سطورًا من المُحْن. لف ودوران وكلام غير واضح، الغرض منه أن يطمئن عليها كما يقول. قامت فرح من الكرسي، ثم فتحت باب الحديقة، نظرت إلى أعلى فوجدت الغيوم عادت لتحجب الشمس، أوشكت أن تمد يدها لتزيحها مرة أخرى لكن مهما أزاحت من غيوم ستأتي غيوم أخرى.

عادت إلى الداخل وأرسلت لأحمد رسالة على الموبايل “عايزة اشوفك، خلينا نتكلم، تعال لي البيت الجديد”.

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ