الفصل السابع والعشرون: إن في الجنة لسوقًا

تفصيل من غلاف الرواية رسومات : ميجو

أمسكت فرح كوب الحجامة الزجاجي. وضعته على ظهر الأمير. رفعت حافة الكوب بيد وبالأخرى أشعلت القداحة، ثم أدخلت شعلة النار أسفل الكوب، فأكلت النار الهواء المحبوس، كبست الكوب سريعًا على ظهر الأمير ليتحول بفعل تفريغ الهواء إلى آلة شفط تمتص السموم، الشرور، الحسد والعين، من تحت العظام واللحم، لتظهر آثار الشر على الجلد.

عبر زجاج الكوب شاهدت تلون جلد الأمير إلى الأحمر، ثم إلى الأزرق. أمسكت كوبًا ثانيًا وكررت ما فعلته في أكثر من موضع في ظهره. امتلأ ظهر الأمير بأكواب الحجامة. أنهت مهمتها ونظرت في ساعتها لتحصي الوقت.

تستخدم فرح أكواب الشفط لتحديد الأماكن التي تتكتل فيها الأحماض الناتجة عن المجهود العقلي، ثم تستخدم تقنيات التدليك والسحب والتمديد لتحريك تلك السموم، تذويب بعضها وأحيانًا إخراجها.

يتمدد الأمير على بطنه، في حديقة قصر الرضوان المكيفة.

جالت فرح بعينيها في الحديقة، داعب نسيم بارد شعرها، ومثل كل مرة تلج الحديقة، استغربت كيف يمكن تكييف هذه المساحة الكبيرة من الحدائق المفتوحة، بحيث تكون درجة الحرارة فيها أقل عشر درجات من درجة حرارة الطقس الطبيعي خارج الحديقة؟ لكن فصلها عن أسئلتها وشرودها صوت الأمير. خاطبها دون أن يرفع رأسه:

-فرح، هل تدرين أول ما يحدث للمؤمنين حينما يدخلون الجنة؟

لم تنبس فرح، والأمير كعادة معظم حواراتهما لم ينتظر إجابتها:

  • يدخل المؤمنون الجنة ليجدوا شجرة عظيمة، قطوفها دانية، ترتوي من عين تفيض فضة متلألئة. يشربون منها فينقي الله قلوبهم من كل غل وحسد، يستحمون فيها فيصير شعرهم الأشعث ناعمًا أملس، وتبيضّ جلودهم، يعودون شبابًا فلا يهرمون ولا تتلوّن بشرتهم ولا يذبل أو يتغير حُسنهم.

(لئن جزعنا على الشباب أسى/ لقد ألفنا ظلاله حينًا)

تنبهت حواس فرح. حديث الأمير ذكرها بتلميحات ماما كريمة. فهل أخبرته؟ لم تقاطعه فاستمر:

  • خبرني شيخي رحمة الله عليه. تعرفين أن الأمراء الملكيين جميعًا يتلقون دروسًا مختلفة في الدين وعلومه منذ الصغر. شيخنا من جيل قديم، يحدثنا عن خطورة الراديو على النساء، والفتن التي ينشرها الغرب. كان أعمى، ولم يعرف كيف تطور العالم منذ كان مع جدي يؤسسون للدولة وكيف صار العالم. لكني شغفت بأحاديثه عن الجنة، وكنت أحثه على إخباري بالمزيد عنها.

(والدهر لونان في تصرفه)

أخذت تنزع كاسات الهواء عن ظهره. مكان كل كأس علامة زرقاء مستديرة وأحيانًا حمراء. رفع الأمير رأسه وأكمل:

  • بالنسبة إليه الجنة حلم من المستقبل مليء بالمعجزات، لكن بالنسبة إليّ فأوصاف الجنة ومعجزاتها، منجزات حققها العلم أو على وشك تحقيقها. خذي مثلاً حديث العين الذي أخبرتك به. في التسعينات كانت هناك عيادات التجميل والعلاج بالأكسجين وتجديد البشرة، وغيرها. كل ما يرد من تحولات لأجساد المؤمنين لدى دخولهم الجنة كان يمكن الحصول عليه في أقرب عيادة وصالون تجميل.

لمست فرح ظهره بأصابعها. تأوه الأمير وأحنى رأسه مُستسلمًا للمستها. لمسة فرح عابرة للحدود، شفاؤها يزيح الزمن وتراكماته. تضع أصابعها في الثقوب المناسبة فتفتح الأبواب. تصفي عقلها ليركز في مهمته، لكن صدى قصيدة بديع الزمان الهمذاني يتردد في فضاء ذهنها الذي تحاول تصفيته

 (لئن جزعنا على الشباب أسى/ لقد ألفنا ظلاله حينًا).

***

بعد يومين من وصولها ونسيم إلى نيوم، عرض عليها فريد بيه البقاء هنا. قال إن موهبتها في التدليك والعلاج الطبيعي فريدة ولا يجب تبديدها في القاهرة وسط من لا يستحقونها. شكرته فرح على المجاملة، لكن فريد بيه أصر على أنه على حق، واستشهد بتجربته لأحدث وأعقد طرق العلاج التشريحي المتقدم في نيوم، لكن لم يصل قط إلى النتيجة التي يصل إليها معها.

“أنتِ لا تفكين الشد العضلي، بل تحلين تراكيب وتعقيدات المخ”. لم تعرف فرح بمَ ترد. لكن أعجبتها نيوم، كل يوم جديد تكتشف عشرات العجائب، كل ساعة هناك احتفال أو عرض أو مهرجان أو تجمع ينتصب. الأموال تتدفق كل ثانية، ومعها يأتي الابتكار والكذب والخيال والإبداع والابتداع.

بسبب دعوتها إلى نيوم من قِبل فريد بيه، فهي ونسيم يحظيان بامتيازات يحتاج العامل العادي في نيوم إلى سنوات ليحظى بنصفها لا ينالها أبدًا. أعجبتها حياة “الفخفخينا” لكن عرفت أن النعيم ليس أبديًّا، فما هي إلا زائرة حتى لو طالت إقامتها. داعبها حلم الاستقرار هنا، ولكن كيف؟ نظم التعيين والعمل في نيوم غاية في التعقيد. فريد بيه وعدها ألا تحمل همًّا، ثم دعاها إلى حفل خاص شرط أن تحضر من دون نسيم.

حضرت وحدها. ارتدت فستانًا أسود طويلاً مفتوحًا بشق يصل حتى أعلى الركبة. ولجت قصرًا شاهق البياض مقامًا على الشاطئ، صحبها خادم من الباب الرئيس حتى باب قاعة كبيرة، وحين دخلت وجدت نفسها محاطة بأمراء الصف الثاني، ونخبة من رجال أعمال ومستثمري نيوم، وعدد من الروبوتات الشهيرة الحاصلة على الجنسية الفخرية لنيوم. بينما هي تائهة لمحها فريد بيه، رحب بها وشقّا معًا الزحام حتى وجدته يعرفها إلى الدكتورة ك.

ابتسمت الدكتورة ك ما إن رأت فرح، وصححت لفريد بيه “لا يا فنان، د. فرح تعرفني من زمان وممكن تقول لي ماما كريمة على طول”.

اندهش فريد بيه من معرفة فرح بماما كريمة، أما فرح فاحتاجت إلى ثوانٍ لتربط الاسم بالوجه، وفي النهاية عرفتها من ابتسامتها وضحكة فمها العريض، بينما اختلف كل شيء فيها. بدت أصغر سنًّا… عشر سنوات ربما. لم تكن ترتدي ملابس الهيبيز التي شاهدتها بها في الكامب، بل فستانًا أنيقًا، وقبعة إنجليزية صغيرة، ومكياجها مرسوم بعناية.

أخذتها ماما كريمة بعيدًا عن الحفل. خرجتا إلى واحدة من شرفات القاعة. وقبل أن تمر دقيقة على وجودهما أحست فرح بالأرض تتحرك من تحت قدميها، نظرت من الشرفة فشاهدت القصر يشق صفحة الماء متقدمًا في البحر. باندهاش سألت ماما كريمة، هل هذا القصر سفينة؟

ردت ماما كريمة، أو ربما نيوم كلها ما هي إلا سفينة. ثم فرقعت بإصبعيها فتقدم نحوهما روبوت ساقٍ يحمل زجاجات عدة، صب المزيد من الشمبانيا لفرح ومشروبًا آخر أبيض شفافًا لماما كريمة لم تعرفه فرح ولا نحن.

مع الكأس الثالثة تدلدق الكلام من فرح، عن طفولتها وشعورها الدائم بكراهية أمها لها، حبها لأحمد وكيف سحقها، عن تماسكها، عن أحلامها بالكتابة، شغفها بالأجساد والرؤى التي تداهمها أحيانًا وهي تدلك وتركب العضلات على العظام، وعن…

احتضنتها ماما كريمة. خلعت الاثنتان أحذيتهما، وخرجتا من الحفل تغنيان معًا “نودع الماضي وحلمه الكبير/ نودع الأفراح..”

تضحكان وتتعثران في خطواتهما، ثم تكملان الأغنية “راح اللي راح.. ماعادش فاضل كتير/ إيه العمل”

تضحكان.

ثاني يوم استيقظت لتجد نفسها في منزل ماما كريمة، الذي لم يكن إلا ملحقًا سكنيًّا بمعملها.

بينما تودعها ماما كريمة، سألتها إن كان بإمكانها أن تأتي غدًا لمعاينة مريض حالته مُستعصية لا تجد لها حلاً.

“حبًّا وكرامة” بكل سرور وافقت فرح.

أتت في اليوم التالي في الميعاد المتفق عليه بينهما، فوجدت المريض سمو الأمير  شخصيًّا.

***

طلبت فرح من سمو الأمير القيام من السرير. اعتدل جالسًا. جسده الضخم يمتلئ بالشعر الكثيف كدب صغير استيقظ للتو من نوم هادئ. ليس عليه إلا مثلث أبيض يستر سوأته. نزل من السرير، اتجه إلى طاولة الماء والمشروبات، صب لنفسه كوبًا من ماء زمزم. حولهما في الحديقة ترعى مجموعات من حيوانات وطيور الزينة، وقف طاووس بديع مُعدل جينيًّا أمام الأمير، فرد ذيله فظهرت عليه لوحة تصور الأمير وهو يرتدي زيًّا عسكريًّا ويركب واحدة من الطائرات الحربية، ابتسم الأمير وأشار لفرح هل رأيت هذه الهدية، عدلوا الطاووس جينيًّا لي خصوصًا. ابتسمت فرح، ولم تنطق. تأملها بعينيه من فوق إلى تحت متفحصًا، ثم ذهب وجلس على كرسي في مواجهتها.

أشار لها الأمير لكي تكمل آخر فقرات الجلسة، التي تتطلب جلوسه على الكرسي. وقفت خلفه، رفعت ذراعه اليسرى، ثنتها خلف ظهره لتمدد عضلات الرقبة والكتف. تحدث الأمير:

  • لكن اعلمي يا فرح أن هذه الألعاب الصغيرة كالطاووس ما هي إلا أوراق الشجر المتساقطة من شجرة المعرفة، أما ثمارها وفروعها وخيرها فيمتد في كل مكان وأبعد مما نتخيل. جسد أهل الجنة الذي تخيلته صغيرًا في التسعينات، كما أخبرني شيخي وقتها، يمكن تحقيقه بزيارة عيادة جراح التجميل. أما الآن فلدينا بالفعل مثل تلك العين. مياه مشبعة بالروبوتات متناهية الصغر من إبداعات تكنولوجيا النانو، ما إن تغتسلي بها حتى تتسلل إلى كل خلايا الجلد، وتعيد تنشيطها وتوليدها ومعالجة كل أعطابها.

رفعت فرح ذراعه اليمنى وثنتها. صمت الأمير وأغلق عينيه. حاول التركيز داخل نفسه، الاندماج في حركة الكون، لكن للأسف لم يحدث أي شيء.

كان الأمير شغوفًا بالعلم والمعرفة، لكنه فهم أن المعرفة الغربية القائمة على التجربة والمعاينة ليست الباب الوحيد، لذا وجّه الإنفاق الملكي للمزج بين العلمين، الروحانية الميتافيزيقية والتجربية الفيزيقية. ورغم قدرته على التمييز بين الدجالين وعلماء الروحانيات الفاعلين، عجز عن فهم كيفية عمل علومهم وسحرهم. مثلاً الأطباء والمعالجون جميعًا الذين ذهب إليهم شخّصوا مرضه بأنه إرهاق في العضلات، لكنه حتى لو لم يبذل أي جهد، كانت عضلاته تفرز بكثافة السموم التي تتكاثف وتضغط على الأعصاب وتؤلمه. الحسد والضغينة يسببان الألم الذي يعوق تدفق الطاقة الثالثة إلى مخه، قالت له ماما كريمة التي فشلت في علاجه، حتى ظهرت فرح.

على يد فرح، اكتشف الأمير أن الثقل في كتفيه الذي عاش به طوال حياته ليس جزءًا من تكوين الجسد البشري. صار قادرًا على النوم بعمق لمدة ثماني ساعات مُتصلة والاستيقاظ دون آلام في الرقبة، بل صار قادرًا على إدارة رقبته إلى أقصى اليمين وأقصى اليسار دون صعوبة تذكر. نفت فرح أن يكون الإجهاد سببًا لمشكلاته، وبدلاً من ذلك سألته في ثاني جلسة لهم إن كان لديه إخوة أكبر منه.

  للأمير ثلاثة إخوة أكبر منه، والملك اختاره لأنه ابن الزوجة المفضلة التي استحوذت على الملك والمملكة، أما مصير الإخوة الثلاثة فلا أحد يعلمه.

غضب الأمير من سؤال فرح، سألها ما علاقة هذا بمشكلة ظهره. فقالت إن الإخوة تتولد بينهم الأحقاد. ولأن الإخوة يشتركون في الدم، فرابطة الأخوّة تنقل كذلك الحقد مثلما تنقل المحبة، وهذه الأحقاد أحيانًا ما تتحول إلى سموم تعوق مسار قنوات أخرى فتسبب الآلام الجسدية. استمع الأمير لتحليلها ثم سألها وما العمل؟

شمرت ساعديها وبدآ سلسلة جلسات العلاج التي أعادت تعريف الأمير على مذاق الراحة والسلام النفسي والجسدي. سحرت فرح بلمستها لب الأمير.

جففت يديها في منشفة بيضاء ثم قالت: سموك أتمنى تكون جلسة اليوم أفضل؟

رد عليها بسؤال:

  • فرح، هل قررتِ الاحتفاظ بالطفل الذي في بطنك؟

اسودت الدنيا، وهوى القلب بين الساقين.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s