مقدمة كتاب مصر +100 : أو كيف نقرأ أدب الخيال العلمى خارج القصرية الغربية

إليكم هذا اللغز؛ هل الخيال العلمي:

  1. تصور للمستقبل ينطلق من ظاهرة أو نظرية علمية في الحاضر، فتكون النتيجة عالمًا أدبيًّا مختلفًا عن واقع لحظتنا لكن يعمل وفق قوانينها “العلمية”، أو بلغة أخرى كما تقول Ursula K. Le guin:

[1]غالبًا ما يتم وصف الخيال العلمي، وحتى تعريفه، بأنه استقراءي. يأخذ كتاب الخيال العلمي اتجاهًا أو ظاهرة هنا والآن، ويقومون بتنقيتها وتكثيفها لتحقيق تأثير درامي، وتوسيعها إلى المستقبل

  • 2. العالم محكوم بقوانين فيزيائية وحسابية، وأدب الخيال العلمي هو تخيل طرق علمية بديلة لتجاوز قبضة الواقع.
  • 3. الخيال العلمي هو مجموعة من الثيمات الدرامية والحبكات الأدبية تتكرر في آداب الدول الشمالية، أما إن ظهرت الثيمات والحبكات نفسها في أعمال أدبية من دول الجنوب تصبح “واقعية سحرية” أو “فلكلور”.
  •  4. يمكن تمييز أدب الخيال العلمي عبر مجموعة من المحددات كما تقول باربار ديك [2]

العوامل المميزة للخيال العلمي هي توجهه نحو استخدام العلم والتكنولوجيا، وغالبًا ما يركز بشكل خاص على المستقبل، طالما أن استخدام العلم والمستقبل جزء لا يتجزأ من الدراما.

الآن إليكم قصة قصيرة، فهذه مقدمة لكتاب قصصي، وليست ورقة امتحان

 في صيف 2010 أوقف اثنان من رجال الشرطة في ثياب مدنية الشاب خالد سعيد في الإسكندرية لتفتيشه، وحين طلب منهما تحقيق الشخصية ليتأكد من كونهما شرطيين، انهالا عليه بالضرب أمام كل من في الشارع، ثم جرَّاه إلى مدخل إحدى البنايات واستكملا وصلة الضرب، حتى تركاه جثة هامدة في مدخل البناية.

 التعذيب كان وما زال ممارسة منهجية لدى الشرطة المصرية، ولم يكن خالد سعيد الضحية الأولى ولا الأخيرة، لكن ردود الفعل على الحادثة اتسعت خارج الدائرة الحقوقية، لتشمل مجموعات شبابية نظموا أنفسهم باستخدام الإنترنت والسوشيال ميديا، في مظاهرات خرجت للشوارع وبدأت في الاتساع، خصوصًا وقد أنكرت وزارة الداخلية الاتهامات، وخرج تقريرها يقول إن خالد سعيد توفي بسبب ابتلاعه لفافة بانجو.

بعدها بنحو 6 أشهر اندلعت مظاهرات مليونية في القاهرة وعدد من المحافظات، وتحولت المطالب من إعادة محاكمة القتلة وعزل وزير الداخلية إلى إسقاط النظام والمطالبة برحيل الرئيس مبارك، الذي كان يحكم البلاد لأكثر من ثلاثين عامًا ممثلًا عن الجيش، الذي يملك ويحكم مصر منذ سقوط الملكية في 1952.

استمرت المظاهرات لمدة 18 يومًا، انتهت بتنحي مبارك عن السلطة يوم 11 فبراير 2011، لتنتهي شرعية السلطة القائمة وتحل بدلًا منها شرعية جديدة لما صار يعرف بثورة 25 يناير.

  أجريت انتخابات شبه ديموقراطية انتهت بفوز مرشح جماعة الإخوان المسلمين محمد مرسي بهامش بسيط، وقد كان مهندسًا في مجال الفلزات وتخصص في تطوير الأسطح المناسبة لصواريخ الفضاء.

 فور وصوله إلى الحكم أصدر عالم الفلزات مجموعة من القرارات الإمبراطورية بهدف الاستحواذ الكامل على السلطة، وتحويل مصر إلى إمارة إسلامية طبقًا لمفهوم جماعته. خرجت المظاهرات مرة أخرى ضده، وهذه المرة انضم إليها الجيش وقوى إقليمية خليجية، فانتهت التجربة شبه الديموقراطية بانقلاب قائد الجيش عبد الفتاح السيسي على الرئيس المنتخب، وتعيين رئيس المحكمة الدستورية رئيسًا لفترة استمرت عامًا، وانتهت بفوز الجنرال السيسي بانتخابات معدومة الديموقراطية، ليحكم السيسي مصر منذ 2014، بقبضة من الحديد والنار، وعقل يعشق الخرافات وتفسير الأحلام، ويرفض دراسات الجدوى ويرى أن العلم والتعليم استثمار خاسر ولا يدر أرباحًا.

في العام الانتقالي الذي حكم فيه السيسي وزيرًا للدفاع إلى جانب رئيس المحكمة الدستورية، وبينما تمتلئ الشوارع بالاشتباكات المسلحة والحروب الأهلية المصغرة بين مؤيدي الرئيس عالم الفلزات والجنرال عاشق الأحلام، استيقظ المصريون على أخبار عن مؤتمر صحفي هام للقوات المسلحة ستعلن فيه عن هدية منها لا للمصريين فقط بل للإنسانية جمعاء.

 في هذا المؤتمر ظهر بلباس عسكري شخص عرف نفسه بصفته اللواء دكتور عبد العاطي، أمسك في يده جهازًا يشبه الريموت كنترول يخرج منه أريال TV antenna، ليعلن أن القوات المسلحة ابتكرت هذا الجهاز الذي يمكنه الكشف عن أمراض التهاب الكبد الوبائي والإيدز، من دون الحاجة إلى إجراء تحاليل، فقط بتمرير الجهاز تتحرك “الأنتينا” إذا كان لدى المريض فيروس كبدي أو إيدز.

 أعلن اللواء دكتور عبد العاطي أنه يعكف على جهاز آخر سيقضي على الإيدز والتهاب الكبد الوبائي والأمراض الفيروسية الأخرى. أمام الكاميرات ومختلف محطات وسائل الاعلام شرح أن جهازه سيمكنه عبر الأشعة تفكيك وتكسير بروتين الفيروس، ثم تحويل هذا البروتين إلى غذاء للجسم، أو كما قال “هناخد الفيروس من المريض، أرجَّع له بروتين كباب وكفتة يغذيه ويفيده”.

صمتت المؤسسة الطبية المدنية ولم تعلق، فقبل الإعلان عن الجهاز ببضعة أسابيع، قتلت القوات المسلحة أكثر من ألف شخص في مذبحة ميدان رابعة، وأمام الكاميرات أشعلت القوات خيام المتظاهرين وجثثهم. ومنذ المذبحة وحتى الآن غاب أي مظهر من مظاهر القانون عن أداء الشرطة أو الجيش المصري، وتوسعا في عمليات القتل خارج إطار القانون، والإخفاء القسري، وسجن أى معارض لسنوات من دون محاكمات ولو حتى صورية. تحت سلطان الخوف صمت الجميع، بل صفق بعض الأطباء وأساتذة الجامعة لاختراع القوات المسلحة القادر على تحويل الفيروسات إلى كباب وكفتة.

كنت وقتها أعمل على روايتي الثالثة “والنمور لحجرتي”، والشخصية الرئيسية طبيبة علاج طبيعي في مستشفى عسكري، تكتشف ذات يوم قدرات علاجية خارقة للمسة يدها، فتخوض رحلة للتعافي من طلاقها ومعرفة سبب هذه القدرات المفاجئة، لكن أمام أخبار اختراع اللواء عبد العاطي، بدا الخيال العلمي الذي أكتبه محدودًا جدًّا مقارنةً بالواقع.

ما الذي يمكن أن يصنعه أدب الخيال العلمى في مواجهة سلطة استبدادية تستلهم مشاريعها من الخيال العلمي؟ من “نيوم” في السعودية إلى مشروع “عقل مصر”، يبدي الديكتاتوريون العرب شغفًا غير محدود بجماليات وأدبيات الخيال العلمي، ويستلهمون منها فانتازيا أحلامهم السياسية، التي تصبح كابوس حياة المواطنين.

كيف يمكن لكاتب خيال علمي أن يتعامل مع هذا الواقع أصلًا؟ كيف يمكن أن “تتخيل” في واقع يخرج فيه قادة عسكريون وأطباء جنرالات ليقنعوك بجهاز يلتقط ذبذبات الفيروس، ثم يفكك بروتينه، ويحوله إلى كفتة، وإذا رفضت منطقهم، علمهم، فمصيرك السجن أو القتل؟ ما العلم وما الخيال في واقع كهذا؟

أسئلة مرة أخرى، لذا إليكم مقال أدبي قصير، ففي النهاية يفترض أن تكون هذه مقدمة لكتاب قصصي.

غلاف كتاب +100

أعتقد – وقد تكون هذه مبالغة – أن التصور الخطي عن الزمن هو العمود الفقري للبنية اللغوية للإنجليزية، فكل جملة يجب أن تحدد موقعها بدقة على خط الزمن، المستقبل مثلًا يمكن أن يكون  Simple future tense, Future continuous tense, future perfect tense and the mysteries future perfect continuous tense.

لذا من السهل على كتَّاب ونقاد الإنجليزية تخيل أدب الخيال العلمي كاستشراف للمستقبل، مثلما تقول  Ursula K. Le Guin. لكن للزمن تصورات غير خطية في حضارات أخرى، كأن يكون دائرة مثلًا وكل نهاية/ موت إنما هي انتقال لحياة جديدة، أو فضاء يمكن للماضي والحاضر والمستقبل الاجتماع فيه، مثل حكاية الإسراء والمعراج في التراث الإسلامي، فبعد وفاة زوجة النبي محمد الأولى وعمه، يصاب بحزن شديد حتى يجد أمامه ذات ليلة “البراق”، وهو حيوان أكبر من حمار وأقل من حصان وله جناحين.

على ظهر البراق يسافر النبي إلى القدس، وهناك يجد الأنبياء جميعهم – الذين يفترض أنهم عاشوا وماتوا في الماضي – ينتظرونه ليصلي بهم، ثم بعد الصلاة يصعد مع الملاك جابرييل إلى السماء السابعة، وفي طريقه يشاهد أناسًا يعذَّبون في النار أو يتنعمون في الجنة فيما يفترض أنه المستقبل بعد يوم القيامة، ثم يعود من رحلته إلى فراشه قبل أن يبرد.

في التصور الخطي للزمن هذه القصة مستحيلة، بل تفتقد إلى منطق سردي. لكن في المفهوم الإسلامي فالزمن حيز يعيش داخله الإنسان، أما الملائكة والإله فهم خارج ذلك الزمن، ولذلك فلدى الله القدرة على رؤية الماضي والحاضر والمستقبل مهما كانت أفعال واختيارات البشر الذين يحيون داخل فضاء الزمن، وبقدرته يمكن أن يجتمع الأنبياء الذين ماتوا في الماضي، مع نعيم جنة المستقبل التي يفترض أن تأتي بعد القيامة ونهاية الزمان. ثم بعد انتهاء الرحلة يعود النبي إلى فراشه في مكة في الليلة ذاتها، حتى إن فراشه الذي غادره لم يبرد بعد.

ينعكس هذا التصور للزمن الذي تختص به الثقافة العربية في أدب الخيال العلمي المصري، فواحدة من أوائل الأعمال الرائدة هي “عجلة الأيام” ليوسف عز الدين عيسى، التي صدرت في 1939، وتبدأ بمشهد لزوجين عجوزين يتأملان غروب الشمس حين يلاحظان أنها تتحرك باتجاه الشرق لا الغرب، وأن عجلة الزمن تعود إلى الوراء، فالأمس يصبح غدًا، ولحظة الميلاد تصبح لحظة الموت، والماضي يصبح المستقبل.

إذا وضعنا هذه القصة على مقياس Ursula K. Le guin، لن يمكننا تحديد لحظة المستقبل عن الماضي.

في البدايات الأولى لأدب الخيال العلمي المصري، تتجلى حيرة الكتَّاب المصريين بين التصورات الغربية للزمن والزمن في تراثهم الأدبي، ومن هذه الحيرة ولدت الموجة الأولى لأدب الخيال العلمي المصري كما تتجلى في أعمال توفيق الحكيم (1898- 1987)، مثل “أهل الكهف” التي تستلهم قصة من الميثولوجيا الإسلامية عن ثلاثة دخلوا للنوم في كهف، وحين استيقظوا كان قد مر على العالم 300 عام. يتكرر الأمر في رواية نهاد شريف (1932- 2011) “قاهر الزمن”، إذ يتوصل طبيب ثري إلى التقنية التي يمكنه عبرها تجميد الجسد البشري لسنوات وعقود، حتى تنتصر الإنسانية على كل الأمراض وتصل إلى الخلود، فيعيد إحياء نفسه ومن اختاره ليعيشوا في المستقبل الخالد.

وهب نهاد شريف حياته لأدب الخيال العلمي، وعمل منذ الستينيات صحفيًّا متخصصًا في تغطية الموضوعات العلمية في جريدة أخبار اليوم، ومستشارًا لحكومات عبد الناصر في عدد من المشاريع الإصلاحية، مثل مشاريع القرية النموذجية، ومديرية التحرير، وهي مشاريع طموح هدفت إلى ابتكار مفهوم جديد  للقرية والمجتمع الزراعي في إطار اشتراكي لتعليم الفلاحين وتطوير حياتهم، عبر وضعهم في قرى مهندسة كنموذج مستقبلي لما يجب أن تكون عليه القرية.

تعطلت وتوقفت تلك المشاريع مع حرب 1967 ونهاية مشروع التحرر الوطني والإصلاح الذي قاده جمال عبد الناصر، لكن مع مجيء السبعينيات ظهر جيل جديد من كتَّاب الخيال العلمي، أبرزهم د. مصطفى محمود، ورؤوف وصفي، وصبري موسى، كما أصبحت ثيمات الخيال العلمي جزءًا أساسيًّا من فسيفساء الأدب المصري الحديث، يتطرق لها ويستخدمها كتَّاب لا يصنفون أنفسهم أو أعمالهم كخيال علمي، مثل رواية “شطح المدينة” لجمال الغيطاني (1949- 2015)، “لست وحدك” ليوسف السباعي (1917 – 1978).

لكن انفجار أدب الخيال العلمي المصري وتحوله إلى أدب شعبي بدأ في الثمانينيات، حين نشرت المؤسسة العربية الحديثة إعلانًا تدعو فيه الكتَّاب المهتمين بكتابة أدب الخيال العلمي والقصص البوليسية وأدب الرعب إلى التقدم بمسوداتهم للمؤسسة.

في الأصل كانت المؤسسة العربية الحديثة دار نشر متخصصة في نشر الكتب التعليمية، لكن في عام 1983 نشرت لنبيل فاروق أول عدد من سلسلة رواياته “ملف المستقبل” الموجهة للنشء، وتدور أحداثها في المستقبل مع مغامرات فريق من ضباط المخابرات العلمية المصرية. صدر من سلسلة ملف المستقبل أكثر من مئة كتاب، وكتب نبيل فاروق سلاسل مغامرات وروايات منفردة ذات طابع بوليسي أو خيال علمي، لكن جميعها تميزت بالطابع القومي، فمعظم أبطاله ضباط في جهاز المخابرات، أو ذكور شجعان أذكياء. ومع بداية عقد التسعينيات انضم إلى نبيل فاروق (1956- 2020) كتَّاب آخرون مثل محمد سليمان عبد الملك، ورؤوف وصفي، وأخيرًا د. أحمد خالد توفيق (1962- 2018)، الذي صار من أكثر الكتَّاب العرب مبيعًا وتأثيرًا في الأجيال اللاحقة، وصاحب ألقاب مثل “عراب أدب الخيال العلمي العربي”.

باعت روايات المؤسسة العربية الحديثة ملايين النسخ في أرجاء العالم العربي كافة، وصنعت قاعدة شعبية للآداب النوعية، لكنها خلت من أي أسئلة اجتماعية تخص الجندر أو الجنس أو الدين أو السياسة، بالعكس تمتلئ بالخطابات القومية والأفكار الأخلاقية الرجعية. وبحكم توجهه لجمهور النشء، سعى أحمد خالد توفيق وكتَّاب المؤسسة لتحييد أي أفكار مثيرة للقلق.

فقط في عقده الأخير، تحرر د. أحمد خالد توفيق من المؤسسة العربية الحديثة، وبدأ في نشر روايات موجهة إلى الكبار تميزت بطابعها “الديستوبيا”، مثل روايته “يوتوبيا”، التي تصور فيها مصر مستقبلية يعيش فيها الأغنياء داخل تجمعات سكنية بأسوار عالية، ويُمنع على الفقراء دخولها، بل يعيشون في واقع مزرٍ يسوده الجهل والتلوث ويختفي منه العلم والمنطق والتعليم، في حين يكون العلاج بالأحجية والأدعية. نشر أحمد خالد توفيق روايته عام 2008، وبعدها بثلاث سنوات قامت ثورة 25 يناير، وبعدها بخمس سنوات انقلاب 30 يونيو. حاليًّا يبني السيسي عاصمة جديدة في قلب الصحراء، محاطة بسور ضخم، وخندق لمنع تسلقه، ويحتاج المصريون إلى تذاكر وتصريحات خاصة لدخولها.

في العقدين الأخيرين، حدث انفجار في الآداب النوعية في سوق الكتاب المصري، خصوصًا أدب الرعب والخيال العلمي، سواء عبر مشاريع كتَّاب تخصصوا في كتابة الخيال العلمي فقط، أو كتَّاب صارت الاستعانة بتيمات الخيال العلمي جزءًا أساسيًّا من عالمهم الروائي.

لذا حاولنا في هذه المختارات تقديم كتابات تعكس تنوع المشهد الأدبي المعاصر، لا فقط أدب الخيال العلمي المصري، وساعدنا في هذه التيمة التي تحكم السلسلة +100.

اخترنا دعوة كتَّاب متمرسين في كتابة الخيال العلمي، مثل ميشيل حنا، وكتَّاب معروفين بأعمالهم الواقعية مثل نورا ناجي وعزة سلطان، وآخرين عُرفوا بأعمالهم السياسية والساخرة مثل بلال فضل. كذلك راعينا التنوع الجغرافي، فبعضهم مقيم في القاهرة، وبعضهم خارجها، وآخرون في المنفي خارج مصر. ولأن الأدب المصري لا يقتصر فقط على الأدب المكتوب وبالعربية، وجهنا دعوة إلى كتَّاب مصريين يكتبون بالإنجليزية مثل ياسمين الرشيدي.

تجمع هؤلاء الكتَّاب مصريتهم وتورطهم على نحو أو آخر في ثورة 25 يناير، التي قلبت عالمهم وأعادت تركيبه من جديد.  طلبنا من الكتَّاب المشاركين تخيل مصر 25 يناير لكن بعد مائة عام، لم نضع أي حدود أو إرشادات سوى ضرورة أن تتقاطع القصة مع لحظة مستقبلية هي 25 يناير 2111، فكانت النتيجة قصصًا تقف في المستقبل لكن تستلهم من الحاضر أحلامها وكوابيسها.


[1] Ursula K. Le guin  at the introduction of her novel The left hand of darkness.

[2] DICK, BARBARA,KATHLEEN (2016) Modern Arabic Science Fiction: Science,

فادى عوض يكتب: في فض أحراز الكاتب المجرم

في نهاية عام 2019، بعد أن تحرر من سجنه، وبعد أن ترك السجن الكبير الذي صارته بلادنا، أصدر الكاتب أحمد ناجي كتابين دفعة واحدة. أولهما «حرز مكمكم» (دار صفصافة) الذي أرى فيه كتابة يندر مثيلها في تاريخ الأدب العربي حول السجون، كما أرى فيه شهادةً أدبية تنهض في مواجهة الوثائق القانونية التي أدانت الكاتب وعاقبته. وإذا كان صحيح أن للوثائق القانونية تأثير أحدّ في مصائر البشر من حيث كونها «فعلًا بالكلام»، فلا شك عندي أن لشهادة أدبية كهذه تأثير أكبر لدى سرد التاريخ، بما فيها من كلام عن الفعل. بالتزامن مع «الحِرز»، نشر ناجي رواية «والنمور لحجرتي» (دار المحروسة)، فجاءت تأكيدًا على أن شواغل الكاتب المجَرّم، والتي يحكي عنها بالتفصيل في «الحرز»، هي محل تطبيق ودراسة وعمل وتأمل وفحص وتحقيق في رواياته.

في هذه المقالة -وأعتذر مسبقًا عن طولها- سأحاول التعليق على هذين الكتابين اللذين أصدرهما ناجي معًا: عمّ وعمّن يكتب ناجي؟ ما المشترك بين كتابيه هذين؟ ما الجديد فيهما مقارنةً ببعض أعماله السابقة؟ كيف يدلنا كل منهما على قراءة لجانب من حياتنا؟ وكيف يدلنا كل منهما إلى قراءة للآخر؟ وأين موقع المؤلف وتعريفه للأدب واللغة في كل منهما؟ وما موقع سؤال الأنواع الأدبية بين الكتابين، وأحدهما رواية -يعني تخييل- وثانيهما سيرة ذاتية -يعني وثيقة تدّعي قولَ الحقيقة بلسان المؤلف؟ وأخيرًا، إذا كانت الرواية هي الجريمة واللغة

أداتها، فكيف أصبح ناجي بكتابيه هذين -لا بحكم القاضي- كاتبًا مجرمًا أفخر باحترافية

يمكن قراءة المقالة كاملة على الرابط التالي:

https://mada30.appspot.com/www.madamasr.com/ar/2021/02/23/feature/%d8%ab%d9%82%d8%a7%d9%81%d8%a9/%d9%81%d9%8a-%d9%81%d8%b6-%d8%a3%d8%ad%d8%b1%d8%a7%d8%b2-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%a7%d8%aa%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ac%d8%b1%d9%85/

فادى عوض يكتب: في فض أحراز الكاتب المجرم

نشر هذا المقال في مدى مصر أولاً

في نهاية عام 2019، بعد أن تحرر من سجنه، وبعد أن ترك السجن الكبير الذي صارته بلادنا، أصدر الكاتب أحمد ناجي كتابين دفعة واحدة. أولهما «حرز مكمكم» (دار صفصافة) الذي أرى فيه كتابة يندر مثيلها في تاريخ الأدب العربي حول السجون، كما أرى فيه شهادةً أدبية تنهض في مواجهة الوثائق القانونية التي أدانت الكاتب وعاقبته. وإذا كان صحيح أن للوثائق القانونية تأثير أحدّ في مصائر البشر من حيث كونها «فعلًا بالكلام»، فلا شك عندي أن لشهادة أدبية كهذه تأثير أكبر لدى سرد التاريخ، بما فيها من كلام عن الفعل. بالتزامن مع «الحِرز»، نشر ناجي رواية «والنمور لحجرتي» (دار المحروسة)، فجاءت تأكيدًا على أن شواغل الكاتب المجَرّم، والتي يحكي عنها بالتفصيل في «الحرز»، هي محل تطبيق ودراسة وعمل وتأمل وفحص وتحقيق في رواياته.

في هذه المقالة -وأعتذر مسبقًا عن طولها- سأحاول التعليق على هذين الكتابين اللذين أصدرهما ناجي معًا: عمّ وعمّن يكتب ناجي؟ ما المشترك بين كتابيه هذين؟ ما الجديد فيهما مقارنةً ببعض أعماله السابقة؟ كيف يدلنا كل منهما على قراءة لجانب من حياتنا؟ وكيف يدلنا كل منهما إلى قراءة للآخر؟ وأين موقع المؤلف وتعريفه للأدب واللغة في كل منهما؟ وما موقع سؤال الأنواع الأدبية بين الكتابين، وأحدهما رواية -يعني تخييل- وثانيهما سيرة ذاتية -يعني وثيقة تدّعي قولَ الحقيقة بلسان المؤلف؟ وأخيرًا، إذا كانت الرواية هي الجريمة واللغة أداتها، فكيف أصبح ناجي بكتابيه هذين -لا بحكم القاضي- كاتبًا مجرمًا أفخر باحترافيته.

[هنا يمكنكم سماع فصول من كتاب حرز مكمكم لأحمد ناجي، بصوت فادي عوض]

واقعية وصحوبية وتأريخ

في «روچرز» (ملامح، 2007) روايته الأولى، أو لعبته الأولى كما أسماها حينها، كتب ناجي قصة شاب يسترجع طفولته في لحظة انتقاله للحياة في مدينة كبرى. مازجًا الأحداث بموسيقى بينك فلويد، يحكي الراوي أيضًا حياته اليومية بين أصدقائه ومعارفه وانتقالاته في أروقة المدينة الكبرى من خلال علاقته بجميلة المُحيّا، ورفقته لزميله المغترب يعقوب القناوي، وآخرين. إلى هنا، يبدو الأمر واقعيًا. غير أن هذه العلاقات تبدو كمسارات سرية وسط دمار كبير في المدينة. أكثر مشاهد هذه الرواية رسوخًا في ذاكرتي مشهد انهيار المدينة الكبيرة، تنهار عقبًا على رأس بمجرد وصول البطل إليها.

وفي روايته الثانية «استخدام الحياة» (مرسوم، 2014)، كتب ناجي على لسان بطله، مخرج وكاتب الأفلام الوثائقية «بسام بهجت»، حكاية الأخير مع أصدقائه «مونى-مي»، ومود «حبّي»، وريم وغيرهم. هنا أيضًا تمتزج الكتابة بالموسيقى، فيشعر الراوي بالحرية في استدعاء أغاني نتاشا أطلس أو التعليق على موسيقى شوقي القناوي. وهنا أيضًا تظل «حكاية الأصدقاء» في مركز الانتباه.غير أن الأصدقاء يعيشون هذه المرة في ديستوبيا القاهرة التي كانت تنتظر عاصفة رملية يحكي لنا الراوي القادم من المستقبل أنها لم تترك في المدينة حَجَرًا قائمًا. كما يسرح الخيال في وصف خطة جمعية سرية دولية تسعى للاستيلاء على القاهرة ويقع اختيارها على البطل/الراوي (الفنان) فتُحاول توريطه في المؤامرة. يبدو أصل الروايتين واحدًا بصورة ما، ليس فقط من زاوية حكاية الأصدقاء، إنما أيضًا في ذلك الدمار الهائل المحيط بهم.

غلاف رواية روجرز - 2007 - دار ملامح
غلاف رواية روجرز – 2007 – دار ملامح

إذا قارنّا هذا بما فعله ناجي في روايته الأخيرة «والنمور لحجرتي»، رأينا أنه يكتب في هذه الرواية كما في سابقتيها، حكاية واقعية عن مجموعة من الأصدقاء. غير أن الدمار الذي كان متخَيَّلًا في الروايتين الأوليين، صار هنا وقعيًا يتمثل في زمن الثورة والثورة المضادة. في القلب من حكاية أصدقائنا علاقتان غراميتان تنتهي إحداهما لتبدأ الأخرى. «فرح» بطلة العلاقتين وبطلة الرواية هي كاتبة مصرية، يحكي لنا الراوي كيف شاركت في الثورة، كما يخلط مصيرها بمشاريع ومؤامرات كبرى تجري على الخريطة العربية في زمن الثورة المضادة. التشابه بين الخط الواقعي في الروايات الثلاث واضح، وهو يتمثل لي -خاصةً- في رغبة مؤلفنا الدائمة في كتابة رواية عن أصدقاء يعيشون لحظة اندفاع نحو كوارث شخصية، وأخرى «طبيعية» قد ترسلها إليهم الصحراء، وثالثة بنوع ما «سياسية» يرسلها آخر متآمر سرّي بالضرورة. في عالم ناجي، تختلط الخريطة بمن يعيشون عليها، وتُخلق في ممرات المجتمع مساحات يمارس فيها هذا المجتمع ما يحلو له أن يعلن رفضَه. وفي عالم داخل عالم ناجي، هناك دائمًا جماعة من «مثقفي عصر الإنترنت» يواجهون دمارات شخصية ودمارات عامة. هنا يختلط الفن والسياسة فتَنتُج أفكار لامعة وصداقات جميلة أحيانًا، فيما تنتج أمراض شخصية واجتماعية أحيانًا أخرى. في رواية ناجي تمجيد للصداقة لكن أيضًا تتبع لأعطاب العلاقات الشخصية هنا والآن.

هذا الجانب الواقعي هو ما يسمح لناجي أيضًا بتقديم تفسيرات اجتماعية لأفعال شخصياته، فهو حتى يرسم هذه الشخصيات يرصد جانبًا من ملفاتهم العائلية: فهذا ينتمي إلى أسرة إخوانية تحترف الانتخابات، وتلك كان أبوها ضابطًا متقاعدًا، وذلك ينتمي إلى أسرة أرستقراطية قد تتسامح مع اختلافه لكنها تراه عارًا. حين يرسم ناجي هذه التواريخ العائلية، يظهر أن كلًا من شخصياته الرئيسية تقف على مسافة متباعدة من اختيارات عائلاتها، وتلك سمة أخرى لعالمه. غير أن الراوي لا يفوّت هذه التواريخ العائلية دون أن يقدم قراءة عامة في السياسة والمجتمع -وهي طبعًا قراءة أدبية لا ينبغي أن تُعامل لا بالعرفان ولا بالإدانة- خارج هذا الإطار. تمتد هذه القراءة في «والنمور لحجرتي» عبر بضعة عقود مضت، وتطال العائلة الأكثر سلطةً ومالًا في المنطقة العربية، وتشمل آراء في «الثورة» وما قبلها وما بعدها في عالم اختلاط الثورة المضادة والبيزنس وتجارة السلاح وتجريبه بأقبح مما قد يذهب إليه أي خيال. ما يعطي لهذه القراءة جاذبيتها أنها -وإن جاءت تمثيلًا مُحكَمًا لجيل الثورة وآبائه ولأنماط الصعود والسيطرة وجذور العنفوان الذكوري- لا تبدو نتوءًا في نص الرواية، حيث تنسرب بلا خُطَب مطوّلة وبخفة القصص الشخصية، على لسان الأبطال، أو بين الأحداث والقفزات الروائية التي تعمر بها «قريحة» مؤلفنا

حتى في «حرز مكمكم»، وهو الذي ينتمي لفن السيرة الذاتية لا الرواية، يتكرر الأمر بصورة ما، سواء من حيث الكلام على الصداقة في أكثر من مستوى أو من حيث الميل الواقعي لفتح ملفات التاريخ الاجتماعي. بطول شهادة ناجي حول تجربة محاكمته وسجنه، يمتد خيط يخص الصداقة؛ مرة يحدثنا عن أنه يكتب أصلًا حيوات مر بها أصدقاؤه، وأخرى يكتب عن الفرق بين أخوية الصحافة وأخوية الأدب في دعمه أثناء محنة السجن: عندما يحكي تاريخه في كل من الصحافة والأدب وموقع الصداقة من كل ذلك؛ أو عندما يصف اجتماع «شلّته» بحثًا عن حلول في بداية مسار القضية؛ أو في وصفه لرسائل أصحابه وسهرهم على نشر كتاب له بينما هو في السجن. بالإضافة إلى الصداقة خارج السجن، كانت رفقة السجن أيضًا موضوعًا هامًا في الكتاب. ولأن ناجي يحتاط كثيرًا قبل كتابة قصص رفاق سجنه حفاظًا على خصوصيتهم، فإن المشاهد التي حكى فيها عن زملاء بعينهم لا تحتل مساحة كبرى من الكتاب. غير أن التدقيق في هذه المشاهد يوضح لنا كيف أن ناجي قد اختارها بذات العين التي يختار بها شخصياته الروائية ويحلل بها راويه علاقات الصداقة. يحدث هذا مثلًا في مشهد التضامن بين سجينين بشراكة لمبة سهاري (وكأن ناجي يتحدث عن يعقوب القناوي شريك البطل في السكن في روايته الأولى:)، أو سجين يصرخ طول الليل «تعالي لي يامه» (كذلك الجاثي على ركبتيه بجوار آلة الزمن في رواية النمور)، أو سجين طلب من زميل قادم من الإسماعيلية «خمسة كيلو مانجا» فاعتبرها القائمون على القانون طلبًا للرشوة. عين ناجي التي تبحث عن الحب في الكراهية وعن الكراهية في الحب، تبحث عن الصدَف المصيرية الساخرة في إقامة علاقات وإنهاء علاقات، تبحث عن الرفقة وتبحث في الإنسان -مهما كان جبّارًا- عن داعٍ للتعاطف، شرط أن يقبل اندماج التعاطف بالسخرية. تطل الصداقة في «حرز مكمكم» ثالثًا من خلال الكلام عن علاء عبد الفتاح فكّ الله أسْرَه، وعن هديته لناجي في السجن، والنقاش بينهما، والضحكات القليلة وتبادل الكتب، غير الشعور بالخصوصية والأمان.

هذه الصداقات تُحلَّل أيضًا في إطار التاريخ الاجتماعي والسياسي المعاصر في مصر. ودون أن يقحم نفسه في عمل لا أخلاقي بالكتابة عمّن لم يسمح له، نجح ناجي عبر قراءة شذرات من قصصهم -وكثير من قصته هو أيضًا- في رسم ملامح كثيرة من صورة مصر في عقدين على الأقل. وبما أنه «لا مهرب من المجتمع حتى في السجن» كما يقول هو، كان لا بد أن يكتب عن تدرجه في فهم هذا المجتمع المغلق الصغير، وأن يشرح الفرق مثلًا بين السجين السياسي والجنائي والبكواتي، وكيف تنتقل تراتبية المجتمع إلى تراتبية السجن، وكيف تدار الحياة اليومية ويتم فيها التحايل على الظروف، بابتكار الأدوات أو بالتضامن، أو… بالخيانة. ولأن للمجتمع دائمًا وجهان على الأقل، لا يتورع كاتبنا في التعبير عن أفظع روائح السجن وأعنف سلوكياته وأخص خصوصيات الجسد فيه، ولا في تسمية كل شيء باسمه مهما كان ذلك خادشًا.

لكنها واقعية سحريّة يا عزيزتي

كان هذا هو الجانب «الواقعي». وهذا لا يعني أنه حدث في الواقع بقدر ما يعني أنه مكتوب كالواقع. نعم، أحمد ناجي يكتب رواية واقعية، ولكنها واقعية تمتزج بالغرائبي وتتحرك بين المستويين بكامل الحرية. يمكن تصنيف ذلك -بشيء من المطمطة النقدية- في باب «الواقعية السحرية». أقول «مطمطة» لأن ناجي يجمع بين هذا الخط الواقعي وعدة خطوط من أنواع روائية أخرى، وليس فقط «السحري» المعتاد. لكن ما يُبقي على حماسي لذلك التصنيف (الذي أتفهّم أن يستنكفه البعض) هو أن كل هذه التراوحات بين الأنواع الروائية المختلفة، ومهما شوّشت على الخط الواقعي، فإنها لا تمنعه من أن يظل بطل الرواية الرئيسي الذي به تبدأ وعنده تنتهي. على كل حال، هذا المزج أصيل في أعمال أحمد ناجي لدرجة أن فصل الواقعي من غير الواقعي يبدو مستحيلًا كما ظهر لك بالتأكيد في الفقرة السابقة. فالراوي البطل في «روچرز» كان يتمتع بقوى خارقة على طريقة أبطال الرسوم المتحركة، وكان قائدًا لثورة قام بها طلاب المدارس واستُخدمت فيها أسلحة عملاقة من نوع «طائر الرخ»! وفي «استخدام الحياة» امتزج وصف القاهرة بناسها بأحوالها بكائناتها وطبقاتها المشوهة بالخيال العلمي، وتناغمت رسوم أيمن الزرقاني مع نصوص ناجي في خلق ديستوبيا تمزج الواقعي بالغرائبي. وفي الوقت نفسه لم تخل الروايتان من أثر السرد الألْفْلَيلي لا خيالًا ولا ألوانًا ولا لغةً.

لقد برع عدد من كتابنا وسينمائيينا في تقديم أكثر من ملمح للواقعية السحرية في بعض أعمالهم مثل البساطي ومستجاب وربما عبدالحكيم قاسم، وفي السينما مثل رضوان الكاشف وداود عبدالسيد وأسامة فوزي.[1] يشترك ناجي معهم في الخروج من الواقعي ثم العودة إليه وكأننا لم نغادره لحظة. لكن السحري والغرائبي عند ناجي قد يأخذ أبعادًا مختلفة. فبدلًا من الاقتصار على الخيال الشعبي أو التراث العربي لهارون الرشيد أو عالم الصوفية كخط مواز للواقعي في أعمال هؤلاء، ينوّع ناجي في رواية «النمور» مثلًا بين مصادر خطوطه «السحرية». فقد يكتب فصلًا من الخيال العلمي، كما فعل في مشاهد الكامب الليلية جوار «آلة الزمن» أو كل ما يجري في المدينة إيّاها، والتي تُسوَّق في الواقع على أنها مدينة خيال علمي. وقد يعتمد فصل آخر على التراث الشعبي الشفهي ويمتد متأثرًا بـ أو متناصًّا مع القصص القرآني والحديثي حول الجنة من ناحية وحول تاريخ بني إسرائيل من ناحية أخرى، وذلك مثل فصل «المن والسلوى». وقد يحلو له أن يكتب فصلًا حول مؤامرة تمتد من الزمن الفرعوني، ورجال يتحدّثون بأصوات نساء، والعكس. ثم أنه لا ينسى أن يغذّي كل هذه الأنواع الأدبية المتداخلة (وما زال الكلام عن رواية النمور) باشتباك جميل مع الموقف السياسي في مصر، ومع واحد من عتاة اللاعبين في (عدم) السياسة العربية الآنية، مستخدمًا في ذلك لكنة «التلقيح» السياسي والتتبع البوليسي ورواية المفتاح على قول الفرنسيين.

السؤال الآن: كيف نجد صدى لهذا المزج في «حرز مكمكم» وهو ينتمي بالتعريف إلى فنّ السيرة الذاتية؟ 

 ينقسم هذا الكتاب الأخّاذ إلى فصول يتراوح طولها بين فقرة واحدة وبضع صفحات. دون اتباع ترتيب زمني معين تتناول الفصول ما يلي: مشاهد حدثت خلال المحاكمة أو السجن، وتعليقات حول كلمات سمعها لأول مرة في عالم السجن، ووصفًا وتعليقًا على القراءات التي طالتها يداه، ثم بضعة أحلام رآها خلال تلك الفترة.أرى في هذا اقترابًا من المزج الذي تناولته في الفقرة السابقة. غير أن ناجي يضيف إلى القفز من الواقعي إلى الحلم، والذي يشبه «الواقعية السحرية» في الكثير، قفزات أخرى تخص الانتقال بين مراحل مختلفة من التاريخ؛ سواء ذلك التاريخ القريب الذي أدى به إلى السجن، أو التاريخ البعيد لصراع السلطة والكاتب، أو التاريخ الحديث للنوع الأدبي الذي يكتب فيه وهو أدب السجون. بغض النظر عن مسألة الواقعية السحرية هذه، فلعل تداخل هذه المستويات من ناحية، وعدم التزام ناجي بحكي الأحداث حسب الترتيب الزمني من ناحية أخرى، يُحدثان نفس التشويش الذي تُحدثه خطوط الغرائبي على الواقعي في روايته. وحين أقول «تشويش» لا أعني شيئًا سلبيًا وإنما سمة فنية وأسلوبية يوظفها ناجي بحنكة سيميائي. هذا التشويش السردي ينطوي على دعوة توجّهها الكتابة إلى القارئ بأن يبطئ في تلقيها مهما سلست لغتها، لعل البطء يكشف -فيما قد يبدو بمعايير الأنواع الأدبية نشازًا- عن طريقة لقراءة أو فهم «الحدث الأصلي» أو إعطائه معنى أبعد. أعطيك مثالًا واحدًا:

من أول لحظة في الكتاب حين تقع عينه على مذكرات جيهان السادات ثم كتاب طه حسين «مع أبي العلاء في سجنه» (لاحظي الصدفة)، يستمر «حرز مكمكم» من الجلدة للجلدة في الحديث عن الكتب، وقراءة الكتب والتعليق عليها، وهذا في ذاته تعدد في مستوى السرد بين الحكي والنقد. لكن الأمر يتجاوز قراءة الكتب، إلى محاولاته المضنية للحصول عليها أولًا من داخل الزنزانة، ثم مكتبة السجن، ثم «مكتبة» علاء عبدالفتاح في السجن ثم ما يسمح به من الكتب من الخارج. في هذا السياق يصف ناجي المناورات التي اضطر أن يقوم بها مع الضباط و«المسيّر» لتمرير الكتب من تحت عين ظابط الأمن الوطني. كل ما مضى ينتمي إلى الواقعي. ويذهب ناجي أبعد من ذلك حين يحكي عن معاناة لمبة القراءة، أو حين يُخرج أوراق قضيته من أمعائه وينهي القصة بامتعاض ضاحك لا يسمح للدراما (دراماه هو) أن تسيطر علينا. ذلك أنه يقول: «حرصت ألا أشفق على ذاتي أو ألعن مصيري ولو في سرّي» ذلك أنه أيقن أن «حياة المرء ليست إلا نتاج تكيّفه مع الإجبار والضرورة». هذه ليست فقط واقعية، هي واقعية مفزعة. غير أننا، من ناحية أخرى، نقرأ من بين أحلامه واحدًاحول كتاب تتبدل حروفه كلما أُغلق، فيكون في كل فَتحةٍ كتابًا جديدًا، ويُشترط أن يُقرأ دفعة واحدة لأنه إن أُغلق تغيّر. حين نقرأ هذا، علينا -نحن القراء- أن نبطئ قليلًا فنتأمل المزج بين الكتابتين، ونحتار -كما يصفنا هو- في الفرق بين الواقعي والفجّ والشاعريّ وحتى الغرائبي وجماليات كل منهم.

الكتابة و«الميتا كتابة»

لنتلمّس الآن ملمحًا جديدًا، مشتركًا أيضًا، في كتابي ناجي الأخيرين، وراويتيه السابقتين. لأن أبطال ناجي -ولا أقول شخصياته- غالبًا فنّانون، فإن هذا يسمح لراويه أن يُسرّب بعض الآراء النقدية في الفن عمومًا وفي مجالات عمل الأبطال بشكل خاص وعن الكتابة بشكل أخص. هذا ما أعنيه بـ «ميتاكتابة» أو الكتابة عن الكتابة. وقد حدث ذلك في «روجرز» بحكم أن الراوي كان كاتبًا، ثم حدث في «استخدام الحياة» عبر آراء «بسّام بهجت» في صناعة الفيلم التسجيلي، وفي الفن المعاصر، وحيث يستفيض الراوي في الحكي عن الموسيقى المعاصرة والشعبية بأكثر من معنى لهذه الأخيرة.

في «النمور» أيضًا يحدث ذلك. فرح كاتبة، وإن كانت قللت من كتابتها القصصية بعد الثورة ومالت إلى كتابة الأبحاث محتفظة بدفتر جلدي صغير تسجل فيه ما يحلو لها وما يثير سخريتها. وهي ليست الفنانة الوحيدة في الرواية، بل فيها موسيقيون شباب أيضًا، وساحران. الراوي يتكلم عن سوق الموسيقى، وعن الموسيقى البديلة والموسيقى الإليكترونية وكيف أثًرت الثورة والبيزنس في كل منهما. كما يتكلم عن فن السحر وما يصحب ذلك من إحالات ورموز فرعونية. أما فرح فتحدثنا في أكثر من موضع عن الكتابة، وهذا أكثر ما يعنيني هنا. في لحظة ما من رواية «النمور» تكتب «فرح» بيانًا عن معنى الرواية بالنسبة لها، وربما بالنسبة لناجي أيضًا. تدافع «فرح» فيما كتبته على غلاف رواية «اعترافات منتصف الليل» لدوهامل عن أن الروائي ليس مطلوبًا منه أن يقدم لحمًا ودمًا «لأن هذه مهنة الجزار»، وهو «لا يعكس الواقع فهذه ليست وظيفة أحد»، وأن الروائي «عبر ثغرة، يخلق شيئًا لا يجري حسب المتوقع». وتستمر فرح في بيانها لتصل إلى استنتاج بأن فن الرواية ذاته في مسيره إلى الزوال.

صحيح إذن أن كاتبنا ينتمي إلى فصيلة الكتاب المهمومين بالشكل لدرجة الكتابة عن الكتابة في أعمالهم كما هو واضح من كافة كتبه، وربمايكون صحيحًا أيضًا أن انشغال ناجي أثناء كتابة النمور بالتفكير في الرواية والكتابة كسبب في سجنه يعطى تفسيرًا منطقيًا لوجود الميتا كتابة في هذه الرواية، لكن المؤكّد أن وجودها في «الحِرز» أكثر منطقيةً ومساحتها أكثر اتّساعًا لأن الموضوع الأساسي للكتاب هو الصراع حول الكتابة. يبدأ «الحرز» بالكلام عن طه حسين وكتابه عن أبي العلاء في سجنه ووصفه لحرية أبي العلاء وتحسّره على غياب حرية الكاتب العربي الحديث. يحدثنا ناجي عمن يعتبرهم سلالته من الكتاب، ويذكر أسماء عديدة ويحلل كتابة الكثيرين كما أسلفت. لكنه، قبل كل ذلك وبعده، يكتشف في السجن -فقط في السجن- أنه صار «كاتِبًا». حدث هذا في لحظة رأى فيها «الخرتيت» -وهو سجين أُطلق عليه هذا اللقب من فرط قسوته- يُنهنه بسبب رواية نصف لِبّة. عندها يصدّق ناجي أن عليه -أخيرًا- أن يصير كاتبًا بما أن الكتابة تُحْدث هكذا تأثيرًا. ثم يصوغ «مانيفستو» في اليوم 300 في سجنه يقرّر فيه معنى الكتابة بالنسبة له، ويكون ذلك عنوان أحد الفصول في «حرز مكمكم».

سواء في الرواية أو «الحرز»، يدافع ناجي عن كاتب لا يحمل بالضرورة رسالة إصلاحية، بقدر ما يلعب بالفن واللغة وتاريخ النوع الأدبي الذي يكتبه ويدعو القارئ لمشاركته هذا اللعب. عن كاتب يتواضع عن اعتبار نفسه لسان المجتمع، فإذا هو قدّم ذلك المجتمع في كتابته، ومهما بدا ذلك واقعيًا ومهما حمل من فجاجة الهامش، فليس من أجل اعتبار ذلك درسًا أو عِبرةً أو «وثيقةً إلا بشكل ثانوي». في المجمل، عن كاتب يؤمن بعدمية ولا جدوى الدروس، لكنه يظل عدميًا إيجابي الممارسة، أولًا لأن هذا ما يستهويه، وثانيًا لعل نظريته خطأ أو عساها تعجب جانبًا من القوم.

[هنا يمكنكم سماع فصول من كتاب حرز مكمكم لأحمد ناجي، بصوت فادي عوض]

لا يتطرق «حرز مكمكم» فقط إلى معنى الكتابة عمومًا أو كتابة الرواية بصفة خاصة، وإنما يُفرغ صفحات طوالًا للحديث عن أدب السجون.. وينعي على كتاب ذلك الأدب من سابقيه -وهم سُجنوا بسبب سياسي مباشر وليس بسبب أعمالهم الأدبية- رغبتهم في تقديم وثيقة، بتعبيره، «يكون الشكل فيها مجرد مطية». يستمر في النقد: «لا يدخل المعتقل السياسي السجن وحيدًا… تجربة السجن عندهم هي بوتقة لصهر الجماعة السياسية… حين تنهمر الدموع عند صلاة الفجر أو ترتجف الأعضاء في نشوة الأورجازم حين يهمهم الرفاق بأغنية الشيخ إمام». أفهم تمامًا وأودّ أن أؤكد أن ناجي طبعًا لا يدين مسجوني السياسة بحال، وإنما يدين الكتابة المعتادة عن تلك اللحظات. ويلفت النظر -مرّتين- إلى أن واحدًا من أئمّتها، وأحد الشهود في قضيته، قد غيّر رأيه حول جدوى الكتابة في سنواتنا الأخيرة. كتابة ناجي عن السجن لم تسع إلى تقديم «وثيقة إلا بشكل ثانوي»، ولم تكن حتى تنويرية بالمعنى الذي دافع عنه الشاهد الثاني الدكتور جابر عصفور في نقاش ناجي معه، والذي حكاه ناجي باحترام وتسامح وعرفان لا يغض النظر عن اختلاف الرؤى والأجيال. بخفة إذن، بسخرية، بغضب، بفردية مدهشة، وبفجاجة مغلفة بالشاعرية، يحكي ناجي تجربته دون أن يتخلى أبدًا عن تعريفه للأدب الذي هو «مكتفٍ بذاته، وجوهره في تفرّده، لا في إيضاحه». فها هو في لحظات قرفه الحرفي من الحشرات والروائح والحرارة والرطوبة و.. و.. و..، يشاركنا بعضَ الغضب ضد الكتابة التي طبعًا لا تستحق هذه التضحية.. غير أن سٌخرية ناجي تحمي كتابته دومًا من السقوط في براثن الدراما، هذه هي الكتابة التي يكتبها وهي الكتابة التي يدافع عنها.

بصمات ناجي

في كل ما سبق وصفٌ لبصمات كاتبنا، لكن تفرّده الأهم يبقى في لغته. وذلك من زاوية التذييل الساخر واللفظ الخادش. سأدع هذه النقطة الأخيرة جانبًا، فلا أريد المزيد من تلخيص كتابة ناجي فيها، وأخشى أن يطول مقالي أكثر من اللازم.

أعني بالتذييل الساخر سمة لم تُكسبها السنون في كتابة ناجي إلا تطوّرًا. لا تنجو شخصية واحدة في كتابته من سخريته. وتأتي هذه السخرية في جمل أو أنصاف جمل يعقّب بها الراوي، خاصة حين يكون عليمًا، على الصعود الدرامي الذي ما كاد يَفرغ من خَلْقه، فتزول الدهشة وتكشيرة القارئ ليحل محلهما التأمل. يجيد ناجي هذه اللعبة، ويستعملها كثيرًا، وهي مسؤولة في ظني عن نسبة كبيرة من مذاق نصوصه.

 سأعطي أمثلة هنا من «النمور» فقط: أولًا حين يحدّثنا الراوي عن شرخ عميق أحدثه الطلاق في نفسية إحدى الشخصيات، ينهي كلامه بأن «الحب خطير يا سادة، الحب دمار وهلاك و»كأنما نسمع مصمصة شفاهه ونرى ابتسامته بعد جملة كهذه. وثانيًا حين يصف اللحظة التي تراجع فيها الشخصية ذكرياتها، يؤكد في النهاية أن كل ذلك «ذهب أدراج الرياح»، فتعلو الدراما باستخدام التعبير المصكوك، ليطفئ هو شعلتها بالقول «أو مع مياه السيفون». وثالثًا حين يصف وضعًا جنسيًا شديد الغرابة لرجل مازوخي، يعلّق: «اتسعت الغرابة وبالتالي -كما علمني النفري- الإثارة». هذا تناص كاذب مع عبارة النفّري «كلما اتّسعت الرؤية ضاقت العبارة» وهي التي احتفى بها أدباء حديثون. غير أن إقحامها على نهاية مشهد بطلُه ديلدو هو صورة أخرى للتذييل الساخر هنا. رابعًا وأخيرًا، حين يريد أن يُعبّر عن موقف من «مهرجان موسيقي نظّمه «الثوّار» ومنهم إحدى شخصياته الرئيسية يسمّي الراوي هذا «مهرجان سيدي الأسفلت». هذه السمة تتكرر بعدة أشكال أخرى في عمل ناجي، في نهايات فقراته كما في عناوين فصوله، والعناوين تذييلات إذا اعتبرناها تعليق الراوي على أحداث الفصل كما يقول شيخنا چيرارچينيت. التذييل الساخر هو وسيلة ناجي الأولى ضد الإيهام الدرامي، ووسيلته الثانية في الاستفادة من الراقات العديدة للغة العربية من الألفليلي إلى الخيال العلمي.

وبعد،

إذا كان ناجي، شئنا أم أبينا، أول روائي مصري يسجن عامًا كاملًا بسبب نص روائي، فإن كتابه حول السجن سيسجل مكانًا هامًا في تاريخ الأدب العربي الحديث. دعني أختم مقالي بالإشارة إلى فصل من أجمل الفصول في «حرز مكمكم»، والذي يحمل عنوان «غضب وضحك»، وقد خصّصه ناجي لما يمكن أن أسميه «محاكمة أدبية للمحاكمة القانونية»، واستعرض فيه نص حكم إدانته فقرة فقرة. اعترف ناجي بالجريمة التي أثبتها عليه وكيل نيابة لم يعرف عن الأدب أكثر مما درسه في الثانوية العامة، وقاضٍ حكم دون اختصاص ودون رد على دفع المحامين بعدم الاختصاص، واعتَبر جريمةً ما ليس بجريمة. ليس الفصل جميلًا فقط لأن به تحليلًا صادقًا لموقفين اجتماعيين متناقضين، ولكن أيضًا لكونه تبكيتًا أدبيًا سيعيش طويلًا حول من له الكلمة العليا في استخدام اللغة، ولكونه يصنع موسيقى جميلة من الجمع بين نص قانوني متهافت منقوض ونص أدبي مبتكِر.أجمل ما في هذا الفصل أنه يبين كيف أن الأدب والقانون هما مجالان للغة، يتنافسان في تصوّر إتقانها لكنهما يختلفان للغاية في التعامل معها. يسعى الأدب لدفع حدود المعنى -سواء معنى اللفظ أو معنى النحو- إلى أقصى ما تستطيع العبارة أن تعطيه، وهكذا كلما تعدد المعنى صار الأدب أجود. أما القانون -إذا صحت نوايا القائمين عليه- فيسعى إلى تضييق تلك الحدود إلى أدنى درجة ممكنة، آملا أن يكون لكل لفظ واحد معنى واحد، وكلما تحدد المعنى صار النص أجود، فإذا تعدد المعنى وجب التعريف. لهذا ربما تميل الديمقراطية إلى إبعاد يد القانون عن لغة الأدب، وتميل السلطوية إلى استغلال تلك اليد كلما احتاجت إلى إثبات رعايتها للأخلاق، ذلك أن مجال التقاطع الأكبر في التنافس المذكور هو تعريف وإعادة تعريف الأخلاق في اللغة وباللغة.

[1]شكرًا للأصدقاء: أحمد عبداللطيف، وعائدة الكاشف، وعمرو عزت، وليلى أرمن، ووليد الخشاب، وياسر عبداللطيف على كرمهم في النقاش حول بعض النقاط المطروحة في هذه المقالة، خاصة مسألة «الواقعية السحرية».

[2]الشكر واجب للفيلسوف عمرو عزت أول من أوحى إلينا بهذا المصطلح. ونحن متشوقون لقراءة تعريفه له.

.

وصفات لتجاوز آلام الفراق من ابن حزم إلى مضادات الاكتئاب

يروي ابن حزم الأندلسي في كتابه طوق الحمام حكاية رجل يصفه بأنه كان حكيم الطبع عاقلاً وفهيماً، حتى دخل ذات يوم بغداد وبات في أحد خاناتها ” فرأى ابنة لوكيلة الخان فأحبها وتزوجها، فلما خلا بها نظرت إليه وكانت بكراً، وهو قد تكشف لبعض حاجته، فراعها كبر أيره، ففرت إلى أمها وتفادت منه. فرام بها كل من حواليها أن ترد إليه، فأبت وكادت أن تموت، ففارقها ثم ندم، ورام أن يراجعها فلم يمكنه، واستعان بالأبهري وغيره. فلم يقدر أحد منهم على حيلة في أمره، فاختلط عقله وأقام في المارستان يعاني مدة طويلة حتى نقه وسلا وما كاد، ولقد كان إذا ذكرها يتنفس الصعداء.”

من رسومات كتاب القزوينى عجائب المخلوقات

منذ بضع سنوات اختلط عقلي مثل الحكيم في حكاية ابن حزم، لكن في عصرنا لا نذهب مباشرة إلى المارستان، بل ذهبت إلى طبيب نفسي لأول مرة في حياتي وبإرادتي الحرّة. لساعة كاملة أخذت أشكو إليه نوبات البكاء التي تداهمني، ساعات النوم الطويلة وعدم قدرتي على مغادرة الفراش، اضطراب وظائف الكبد الذي لا يجد الأطباء له تفسيراً، شعري الذي يتساقط من ذقني ورأسي، استقالتي من العمل منذ شهور، ولا جدوى الحياة واليأس المسيطر علي ، وكميات المخدرات المختلفة والمتنوعة التي ابتلعها دون أي متعة أو راحة.

استمع إلي وأنا أحكي كل شيء، ثم علّق قائلاً أن كل ما أعاني منه هو آثار جانبية لتجربة الانفصال التي مررت بها، وأنّ مثل هذه الآلام النفسية التي تترك أثرها على الجسد هي عارض متكرّر عن آلام الانفصال المصاحبة لنهاية العلاقات الطويلة أو نهاية قصص الحب الحميمة. في موقف غير الموقف كنت سأنفعل وأرفض أن توضع تجربتي العاطفية وقصّة حبّي المهشّمة في مقارنة أو مرتبة مساوية مع قصص الحب الأخرى. فجميعنا نؤمن أن قصّة حبّنا مختلفة عن قصص الآخرين. لكن أمام الطبيب كنت تعب ومرهق ومُتألّم، ومستعد لتقبّل أيّ وصف لما جرى. أي طريق كان سيشير له كنت سأسير فيه، دون أن أعترض أو أسأل.

منحني الطبيب شريط دواء مضاد للاكتئاب. خفّف الدواء من الألم وأعاد الاتزان لأعضاء الجسد المضطربة لكن احتاج الأمر وقت طويل حتى “أسلو” عما بي كما يصف ابن حزم شفاء رجله الحكيم.

وقعت في الحب مثل حكيم ابن حزم، لكن هجرتني الحبيبة ليس لكبر أيري، ولكن بسبب طموح أيري في المغامرة وأشياء آخرى لا مجال لذكرها. حينما كنت في غياهب جبّ آلام الانفصال كان كل من حولي يضغط عليّ مطالبين بضرورة سرعة تجاوز هذا الأمر، فاخترت الهجرة ومغادرة المدينة مبتعداً عن الضغوط. وفي رحلة التلذّذ بألم الفراق وإفساد أي مشاريع لعلاقات آخرى، اكتشفت “بيزنس” آلام فراق المحبوب، أو اقتصاد حيل التجاوز في الحب.

يخصص ابن حزم لآلام فراق المحبوب أو أحزان الـ”Breakups” فصل بعنوان “الضنى”. يليه فصل بعنوان “السلو” يقول فيه ” والسلو المتولّد من الهجر وطوله إنما هو كاليأس يدخل على النفس من بلوغها إلى أملها، فيفتر نزاعها ولا تقوى رغبتها”. ثم من خلال تجربته المضنية مع جارية أحبها في مراهقته وشغف بها وتبعته في تنقلات العائلة من وإلى قرطبة ثم هجرته، يستنتج ابن حزم أوّل علاج لضنى الحب وفراق المحبوب وهو”السلو” مقسّماً مراحل التعافي لثلاث وهي النسيان والملل والاستبدال.

لكن ابن حزم يعود ويعلّق قائلاً أن كل حب يمكن تسليته وكل علاقة يمكن نسيانها لا يعوّل عليها، ولا يصفها بالحب الحقيقي. لاحظ أنه على عكس الكتابات العاطفية والنفسية التحليلية في عصرنا الحالي، فابن حزم من زمن يرى أن العشق والحب هو امتداد لصلة مع العالم الميتافيزيقي. كل روح يتمّ شقّها لنصفين ويرسلان لهذه الحياة ، وكل نصف يبحث عن النصف الآخر الذي يكمله. وحينما ت/يلتقي الواحد/ة بنصف روحه/ا المفقود يتحقّق الغرام والعشق الحقيقي لا العشق الذي لا يعوّل عليه. وابن حزم يكتب كتابه “طوق الحمامة” لكي يساعد العشّاق والعاشقات على تمييز الحب الحقيقي من الشهوة الزائلة، ولكي يرشدهم/ن في طريق الأشواك والعزال حتى يتحقّق الوصال ويتم المراد.

كل ما سبق بالطبع رأى مختلفة عن زمننا حيث اختفى الكلام عن الحب لصالح الحديث عن العلاقات الايجابية والعلاقات السلبية، وضرورة التوازن في العلاقة بين الطرفين وعدم استغلال طرف للآخر والمساواة والاحترام وغيرها من الأفكار التي تسرّبت من عالم “الصوابية السياسية” لتحاول تصويب أخطاء الغرام والهوى.

الرجل الحكيم في حكاية ابن حزم دخل “المارستان” لأنه كان يعاني ويتألّم، والمارستان في ذلك الزمن كان الغرض منها تخفيف آلام المريض/ة ومعاناته/ا لا تطويعه/ا وإعادة تهيئته/ا ليعود/تعود للعمل وحلقة الإنتاج. حكيم ابن حزم لم ينس الحبيبة، بل إنه ينتهّد كلما ذكر اسمها. تعلّم مع الوقت أن يكتم شوقه، ويسيطر على انفعالاته واتزان عقله. أما نسيان الحب فهو أمر لا ت/يفعله في ذلك الزمان إلا الخسيس/ة والحبيب/ة الكاذب/ة.

ينظر علم النفس الحديث نظرة مختلفة لآلام الانفصال عن ابن حزم ففي تلك الدراسةالتينشرتهاد.ميليناجرينبرج تشير إلى فحوصات أجرتها باستخدام جهاز اشعة الرنين المغناطيسي علي عينة من الرجال والنساء ممن تعرضوا/ن لتجربة انفصال في خلال مدة لا تتجاوز الستة أشهر، حيث عرضت عليهم/ن مجموعة من الصور لشركائهم/ن وشريكاتهم/ن السابقين/ات ولاحظ الأطباء إن المناطق التي تنشط في المخ عند عرض هذه الصور هي ذاتها المناطق التي تنشط عند تعرضنا للأذى البدنى. ولأن مفهوم الطب الحديث يقوم على حماية جسد الإنسان من نفسه/ا قبل الآخرين/الأخريات، فلا يعتبر التلذذ بآلام الهجر والفراق دليلاً على الإخلاص كما ظن ابن حزم. بل دليلاً على المرض.

ولحماية عقل وجسم الانسان من هذا الألم تنصح د.ميلينا بوصفة التعافي من آلام الانفصال والتى تؤكد عليها كل المواقع وبرامج الطب النفسي الأخرى وهي نفس الكلام سيكررونه بصيغ مختلفة: إحتفظ/ي بمسافة بعيدة عن الحبيب/ة السابق/ة واجعل/ي التواصل في أضيق الحدود، تخلّص/ي من محفّزات الذكريات. لكن بعد ذلك تجد/ين النصائح متضاربة: سيقولون لك لا تجلس/ي في غرفتك حزين/ة بل أخرج/ي وقابل/ي ناس جدد ، فالحياة مليئة بالملذّات والمغامرات. لكن النصيحة التالية حينما يرونك تتقرّب/ين من أحدهم/ن، هي ألا تندفع/ي في علاقات جديدة سريعاً فقد تعرّض/ي نفسك للأذى.

سيقولون لكِ اترك/ي الحزن يخرج من داخلك، ابك وعبّر/ي عن حزنك، لكن حينما يستمرّ حزنك يتهمونك بالضعف والاستسلام للآلم بل ويتهمونك بالتلذّذ بها أو الأسوء من ذلك أن كل هذا ليس إلا وسيلة للحصول على الاهتمام بعدما هجرك من كان يهتم بك.

هذا التضارب في النصائح منبعه يكمن في أنه لا توجد خريطة واضحة لتفادي الآلم أو تجاوزه، ومنبعه أيضاً الخلط بين محاولة التغلّب على ألم الانفصال والتغلّب على ذكرى الحب.

حكت لي صديقة تعاني من آلام ما بعد الانفصال والطلاق، انها ذهبت إلى محلّلة لا طبيبة نفسية. وبدلاً من أن تصف لها دواء وتنهي المسألة مثل طبيبي، اختارت صديقتي مسار الجلسات الطويلة، وحتى الآن مرّ حوالي العام والنصف وهي تواظب على زيارة المحلّلة، تتصنّع التماسك وفخورة لأنها تمضي أكثر من عشر ساعات في عملها كل يوم وأحياناً تعمل ست أيام في الأسبوع لا خمسة فقط، تربي كلباً وتتحاشى الدخول في أي علاقة بحجّة أنها ليست مستعدّة كما نصحتها المحلّلة. هي تعتبر هذه الحياة مستقرّة وترى أن وضعها هذا سيستمرّ فتقول أنها “محتاجة وقت اشتغل على نفسي شوية”.

حلّلت صديقتي علاقتها السابقة المنتهية ورأت أنها تنجذب للذكور الذين يستغلّونها عاطفياً ويكذبون عليها، وكان ردي عليها: “هل هناك ذكور لا يفعلون ذلك؟”

هزت رأسها وقالت: “لن تفهمني، ليست المشكلة فيهم، المشكلة في أنني أنجذب لهذه الأنواع”.

تدفع صديقتي ما يوزاي 25 دولارا أمريكيا لكل جلسة لدى المحلّلة، لكنها الآن لا تفكّر في الانتحار ولا تستعير هواتفنا لتتجسّس على فيسبوك صديقها، وهي مقتنعة أنها قد نست هذه العلاقة وتجاوزتها، لكنها تحتاج أن تركّز على مشاكلها الداخلية.

على عكسها فأنا لم أسع أبداً للنسيان. أتذكّر أخطائي كما أتذكّر لحظات السعادة في كل العلاقات العابرة. ما الذي يتبقّى لنا إذا نسينا تجاربنا العاطفية وأهم وأعمق التجارب التي تشكّلنا؟ ثم إن ما يحدث لا يكون أبداً نسياناً، بل إننا نضع العلاقة وكل ملحقاتها في صندوق أسود، ولأنه ما من مكان لنضع فيه هذا الصندوق، فأنت تحمله/يه إلى الأبد على ظهرك، وتسير/ين به بين الناس وأنت تظن/ين إن أحد لا يلاحظ ذلك. وفي كل مرة تحاول/ين فيها إن تفتح/ي باباً للحب ينظر لك الصندوق الأسود من زاوية الغرفة فيشتت انتباهك عن الشريك/ة الجديد/ة الذي/التي ت/ينتظر آهات نشوتك دليلاً على تحقق الوصال والاتصال.

كل تجاوز قائم على إدّعاء النسيان، هو هروب للأمام ومهما جرينا ستلحق بنا الذكرى أو ستكمن في زاوية الغرفة ومعها أجزاء معطوبة من قلبنا وروحنا.

بدلاً من النسيان ربما يكون الحل أن نترك الجروح مفتوحة، أن نحملها بفخر ونشارك بها مع الآخرين، سواء نريد إن نصحبهم/ن إلى السرير أو إلى السينما. لا تخف تجاربك عن الشريك/ة الجديد/ة، فمهما حاولت/ي إخفائها مدعيا/ة أنك قد نسيت/ي أو ترغب/ين في النسيان سيظل الوحش في الصندوق منتظراً اللحظة المناسبة، بدلاً من هذا قد ت/يساعدك الشريك/ة على إخراج الوحش وترويضه وعلى تحويل غضبك من نفسك ومن الحبيب/ة القديم/ة إلى طاقة تدفعك للتغيير وإعادة خلق حياة جديدة مع الشريك/ة الجديد/ة. وقد يصبح هذا الوحش هو حيوانك الأليف.

—— —

نشر في موقع: جيم

الفصل السابع والعشرون: إن في الجنة لسوقًا

تفصيل من غلاف الرواية رسومات : ميجو

أمسكت فرح كوب الحجامة الزجاجي. وضعته على ظهر الأمير. رفعت حافة الكوب بيد وبالأخرى أشعلت القداحة، ثم أدخلت شعلة النار أسفل الكوب، فأكلت النار الهواء المحبوس، كبست الكوب سريعًا على ظهر الأمير ليتحول بفعل تفريغ الهواء إلى آلة شفط تمتص السموم، الشرور، الحسد والعين، من تحت العظام واللحم، لتظهر آثار الشر على الجلد.

عبر زجاج الكوب شاهدت تلون جلد الأمير إلى الأحمر، ثم إلى الأزرق. أمسكت كوبًا ثانيًا وكررت ما فعلته في أكثر من موضع في ظهره. امتلأ ظهر الأمير بأكواب الحجامة. أنهت مهمتها ونظرت في ساعتها لتحصي الوقت.

تستخدم فرح أكواب الشفط لتحديد الأماكن التي تتكتل فيها الأحماض الناتجة عن المجهود العقلي، ثم تستخدم تقنيات التدليك والسحب والتمديد لتحريك تلك السموم، تذويب بعضها وأحيانًا إخراجها.

يتمدد الأمير على بطنه، في حديقة قصر الرضوان المكيفة.

جالت فرح بعينيها في الحديقة، داعب نسيم بارد شعرها، ومثل كل مرة تلج الحديقة، استغربت كيف يمكن تكييف هذه المساحة الكبيرة من الحدائق المفتوحة، بحيث تكون درجة الحرارة فيها أقل عشر درجات من درجة حرارة الطقس الطبيعي خارج الحديقة؟ لكن فصلها عن أسئلتها وشرودها صوت الأمير. خاطبها دون أن يرفع رأسه:

-فرح، هل تدرين أول ما يحدث للمؤمنين حينما يدخلون الجنة؟

لم تنبس فرح، والأمير كعادة معظم حواراتهما لم ينتظر إجابتها:

  • يدخل المؤمنون الجنة ليجدوا شجرة عظيمة، قطوفها دانية، ترتوي من عين تفيض فضة متلألئة. يشربون منها فينقي الله قلوبهم من كل غل وحسد، يستحمون فيها فيصير شعرهم الأشعث ناعمًا أملس، وتبيضّ جلودهم، يعودون شبابًا فلا يهرمون ولا تتلوّن بشرتهم ولا يذبل أو يتغير حُسنهم.

(لئن جزعنا على الشباب أسى/ لقد ألفنا ظلاله حينًا)

تنبهت حواس فرح. حديث الأمير ذكرها بتلميحات ماما كريمة. فهل أخبرته؟ لم تقاطعه فاستمر:

  • خبرني شيخي رحمة الله عليه. تعرفين أن الأمراء الملكيين جميعًا يتلقون دروسًا مختلفة في الدين وعلومه منذ الصغر. شيخنا من جيل قديم، يحدثنا عن خطورة الراديو على النساء، والفتن التي ينشرها الغرب. كان أعمى، ولم يعرف كيف تطور العالم منذ كان مع جدي يؤسسون للدولة وكيف صار العالم. لكني شغفت بأحاديثه عن الجنة، وكنت أحثه على إخباري بالمزيد عنها.

(والدهر لونان في تصرفه)

أخذت تنزع كاسات الهواء عن ظهره. مكان كل كأس علامة زرقاء مستديرة وأحيانًا حمراء. رفع الأمير رأسه وأكمل:

  • بالنسبة إليه الجنة حلم من المستقبل مليء بالمعجزات، لكن بالنسبة إليّ فأوصاف الجنة ومعجزاتها، منجزات حققها العلم أو على وشك تحقيقها. خذي مثلاً حديث العين الذي أخبرتك به. في التسعينات كانت هناك عيادات التجميل والعلاج بالأكسجين وتجديد البشرة، وغيرها. كل ما يرد من تحولات لأجساد المؤمنين لدى دخولهم الجنة كان يمكن الحصول عليه في أقرب عيادة وصالون تجميل.

لمست فرح ظهره بأصابعها. تأوه الأمير وأحنى رأسه مُستسلمًا للمستها. لمسة فرح عابرة للحدود، شفاؤها يزيح الزمن وتراكماته. تضع أصابعها في الثقوب المناسبة فتفتح الأبواب. تصفي عقلها ليركز في مهمته، لكن صدى قصيدة بديع الزمان الهمذاني يتردد في فضاء ذهنها الذي تحاول تصفيته

 (لئن جزعنا على الشباب أسى/ لقد ألفنا ظلاله حينًا).

***

بعد يومين من وصولها ونسيم إلى نيوم، عرض عليها فريد بيه البقاء هنا. قال إن موهبتها في التدليك والعلاج الطبيعي فريدة ولا يجب تبديدها في القاهرة وسط من لا يستحقونها. شكرته فرح على المجاملة، لكن فريد بيه أصر على أنه على حق، واستشهد بتجربته لأحدث وأعقد طرق العلاج التشريحي المتقدم في نيوم، لكن لم يصل قط إلى النتيجة التي يصل إليها معها.

“أنتِ لا تفكين الشد العضلي، بل تحلين تراكيب وتعقيدات المخ”. لم تعرف فرح بمَ ترد. لكن أعجبتها نيوم، كل يوم جديد تكتشف عشرات العجائب، كل ساعة هناك احتفال أو عرض أو مهرجان أو تجمع ينتصب. الأموال تتدفق كل ثانية، ومعها يأتي الابتكار والكذب والخيال والإبداع والابتداع.

بسبب دعوتها إلى نيوم من قِبل فريد بيه، فهي ونسيم يحظيان بامتيازات يحتاج العامل العادي في نيوم إلى سنوات ليحظى بنصفها لا ينالها أبدًا. أعجبتها حياة “الفخفخينا” لكن عرفت أن النعيم ليس أبديًّا، فما هي إلا زائرة حتى لو طالت إقامتها. داعبها حلم الاستقرار هنا، ولكن كيف؟ نظم التعيين والعمل في نيوم غاية في التعقيد. فريد بيه وعدها ألا تحمل همًّا، ثم دعاها إلى حفل خاص شرط أن تحضر من دون نسيم.

حضرت وحدها. ارتدت فستانًا أسود طويلاً مفتوحًا بشق يصل حتى أعلى الركبة. ولجت قصرًا شاهق البياض مقامًا على الشاطئ، صحبها خادم من الباب الرئيس حتى باب قاعة كبيرة، وحين دخلت وجدت نفسها محاطة بأمراء الصف الثاني، ونخبة من رجال أعمال ومستثمري نيوم، وعدد من الروبوتات الشهيرة الحاصلة على الجنسية الفخرية لنيوم. بينما هي تائهة لمحها فريد بيه، رحب بها وشقّا معًا الزحام حتى وجدته يعرفها إلى الدكتورة ك.

ابتسمت الدكتورة ك ما إن رأت فرح، وصححت لفريد بيه “لا يا فنان، د. فرح تعرفني من زمان وممكن تقول لي ماما كريمة على طول”.

اندهش فريد بيه من معرفة فرح بماما كريمة، أما فرح فاحتاجت إلى ثوانٍ لتربط الاسم بالوجه، وفي النهاية عرفتها من ابتسامتها وضحكة فمها العريض، بينما اختلف كل شيء فيها. بدت أصغر سنًّا… عشر سنوات ربما. لم تكن ترتدي ملابس الهيبيز التي شاهدتها بها في الكامب، بل فستانًا أنيقًا، وقبعة إنجليزية صغيرة، ومكياجها مرسوم بعناية.

أخذتها ماما كريمة بعيدًا عن الحفل. خرجتا إلى واحدة من شرفات القاعة. وقبل أن تمر دقيقة على وجودهما أحست فرح بالأرض تتحرك من تحت قدميها، نظرت من الشرفة فشاهدت القصر يشق صفحة الماء متقدمًا في البحر. باندهاش سألت ماما كريمة، هل هذا القصر سفينة؟

ردت ماما كريمة، أو ربما نيوم كلها ما هي إلا سفينة. ثم فرقعت بإصبعيها فتقدم نحوهما روبوت ساقٍ يحمل زجاجات عدة، صب المزيد من الشمبانيا لفرح ومشروبًا آخر أبيض شفافًا لماما كريمة لم تعرفه فرح ولا نحن.

مع الكأس الثالثة تدلدق الكلام من فرح، عن طفولتها وشعورها الدائم بكراهية أمها لها، حبها لأحمد وكيف سحقها، عن تماسكها، عن أحلامها بالكتابة، شغفها بالأجساد والرؤى التي تداهمها أحيانًا وهي تدلك وتركب العضلات على العظام، وعن…

احتضنتها ماما كريمة. خلعت الاثنتان أحذيتهما، وخرجتا من الحفل تغنيان معًا “نودع الماضي وحلمه الكبير/ نودع الأفراح..”

تضحكان وتتعثران في خطواتهما، ثم تكملان الأغنية “راح اللي راح.. ماعادش فاضل كتير/ إيه العمل”

تضحكان.

ثاني يوم استيقظت لتجد نفسها في منزل ماما كريمة، الذي لم يكن إلا ملحقًا سكنيًّا بمعملها.

بينما تودعها ماما كريمة، سألتها إن كان بإمكانها أن تأتي غدًا لمعاينة مريض حالته مُستعصية لا تجد لها حلاً.

“حبًّا وكرامة” بكل سرور وافقت فرح.

أتت في اليوم التالي في الميعاد المتفق عليه بينهما، فوجدت المريض سمو الأمير  شخصيًّا.

***

طلبت فرح من سمو الأمير القيام من السرير. اعتدل جالسًا. جسده الضخم يمتلئ بالشعر الكثيف كدب صغير استيقظ للتو من نوم هادئ. ليس عليه إلا مثلث أبيض يستر سوأته. نزل من السرير، اتجه إلى طاولة الماء والمشروبات، صب لنفسه كوبًا من ماء زمزم. حولهما في الحديقة ترعى مجموعات من حيوانات وطيور الزينة، وقف طاووس بديع مُعدل جينيًّا أمام الأمير، فرد ذيله فظهرت عليه لوحة تصور الأمير وهو يرتدي زيًّا عسكريًّا ويركب واحدة من الطائرات الحربية، ابتسم الأمير وأشار لفرح هل رأيت هذه الهدية، عدلوا الطاووس جينيًّا لي خصوصًا. ابتسمت فرح، ولم تنطق. تأملها بعينيه من فوق إلى تحت متفحصًا، ثم ذهب وجلس على كرسي في مواجهتها.

أشار لها الأمير لكي تكمل آخر فقرات الجلسة، التي تتطلب جلوسه على الكرسي. وقفت خلفه، رفعت ذراعه اليسرى، ثنتها خلف ظهره لتمدد عضلات الرقبة والكتف. تحدث الأمير:

  • لكن اعلمي يا فرح أن هذه الألعاب الصغيرة كالطاووس ما هي إلا أوراق الشجر المتساقطة من شجرة المعرفة، أما ثمارها وفروعها وخيرها فيمتد في كل مكان وأبعد مما نتخيل. جسد أهل الجنة الذي تخيلته صغيرًا في التسعينات، كما أخبرني شيخي وقتها، يمكن تحقيقه بزيارة عيادة جراح التجميل. أما الآن فلدينا بالفعل مثل تلك العين. مياه مشبعة بالروبوتات متناهية الصغر من إبداعات تكنولوجيا النانو، ما إن تغتسلي بها حتى تتسلل إلى كل خلايا الجلد، وتعيد تنشيطها وتوليدها ومعالجة كل أعطابها.

رفعت فرح ذراعه اليمنى وثنتها. صمت الأمير وأغلق عينيه. حاول التركيز داخل نفسه، الاندماج في حركة الكون، لكن للأسف لم يحدث أي شيء.

كان الأمير شغوفًا بالعلم والمعرفة، لكنه فهم أن المعرفة الغربية القائمة على التجربة والمعاينة ليست الباب الوحيد، لذا وجّه الإنفاق الملكي للمزج بين العلمين، الروحانية الميتافيزيقية والتجربية الفيزيقية. ورغم قدرته على التمييز بين الدجالين وعلماء الروحانيات الفاعلين، عجز عن فهم كيفية عمل علومهم وسحرهم. مثلاً الأطباء والمعالجون جميعًا الذين ذهب إليهم شخّصوا مرضه بأنه إرهاق في العضلات، لكنه حتى لو لم يبذل أي جهد، كانت عضلاته تفرز بكثافة السموم التي تتكاثف وتضغط على الأعصاب وتؤلمه. الحسد والضغينة يسببان الألم الذي يعوق تدفق الطاقة الثالثة إلى مخه، قالت له ماما كريمة التي فشلت في علاجه، حتى ظهرت فرح.

على يد فرح، اكتشف الأمير أن الثقل في كتفيه الذي عاش به طوال حياته ليس جزءًا من تكوين الجسد البشري. صار قادرًا على النوم بعمق لمدة ثماني ساعات مُتصلة والاستيقاظ دون آلام في الرقبة، بل صار قادرًا على إدارة رقبته إلى أقصى اليمين وأقصى اليسار دون صعوبة تذكر. نفت فرح أن يكون الإجهاد سببًا لمشكلاته، وبدلاً من ذلك سألته في ثاني جلسة لهم إن كان لديه إخوة أكبر منه.

  للأمير ثلاثة إخوة أكبر منه، والملك اختاره لأنه ابن الزوجة المفضلة التي استحوذت على الملك والمملكة، أما مصير الإخوة الثلاثة فلا أحد يعلمه.

غضب الأمير من سؤال فرح، سألها ما علاقة هذا بمشكلة ظهره. فقالت إن الإخوة تتولد بينهم الأحقاد. ولأن الإخوة يشتركون في الدم، فرابطة الأخوّة تنقل كذلك الحقد مثلما تنقل المحبة، وهذه الأحقاد أحيانًا ما تتحول إلى سموم تعوق مسار قنوات أخرى فتسبب الآلام الجسدية. استمع الأمير لتحليلها ثم سألها وما العمل؟

شمرت ساعديها وبدآ سلسلة جلسات العلاج التي أعادت تعريف الأمير على مذاق الراحة والسلام النفسي والجسدي. سحرت فرح بلمستها لب الأمير.

جففت يديها في منشفة بيضاء ثم قالت: سموك أتمنى تكون جلسة اليوم أفضل؟

رد عليها بسؤال:

  • فرح، هل قررتِ الاحتفاظ بالطفل الذي في بطنك؟

اسودت الدنيا، وهوى القلب بين الساقين.

البحر المحيط- هامش

ماذا يعنى القول إن الحقيقة لا تنقاد إلا للخوف، وإنه لكي نصل إليها، كان علينا أن نمر من هذا الجحيم، ولكى نراها، كان علينا أن يُهلك بعضنا بعضاَ، ولكى نملكها، كان علينا أن ننقلب وحوشاً مفترسة، ولكي نخرجها من وكرها، كان علينا أن نتمزق من الألم. لكي نكون حقيقيين، كان علينا أن نموت. لماذا؟ لماذا تصبح الأشياء حقيقية فقط بين أنياب اليأس؟
من شكل العالم بهذه الطريقة، أن الحقيقة يجب أن تكون في الجانب المعتم، وأن المستنقع المخزي لبشرية منبوذة هو الأرض الوحيدة الكريهة التي ينمو فيها ذلك الذي ليس، في حد ذاته ، أكذوبة؟
وفي النهاية: أي حقيقة هى هذه التى تفوح منها رائحة الجثث وتنمو في الدم، وتتغذي بالألم، وتعيض حيث الإنسان يهان، وتنتصر حيث الإنسان يتعفن؟
حقيقة من تكون؟
حقيقة لأجلنا نحن؟

—–

أليساندرو باريكو

البحر المحيط

ترجمة: آمارجي

أشهر خمسة «إفيهات» عن الإحباط

 

1- مفيش فايدة.. مفيش أمل

لدي صديقة على فيس بوك تعمل منذ سنوات في مجال التنمية الثقافية، ما يفترض أنه أمر وثيق الصلة بحرية الرأي والتعبير. وفي تعليق مؤخراً صرحت بأنها ضد الشعارات الدينية حتى لو خارج الانتخابات، فالشعارات العرقية أو الدينية في رأيها تؤدي للتميز والتفرقة ولا يجوز لأحد أن يرفع شعارا يفرق المصريين.

لا أريد الرد على الزميلة هنا، ولا تخيل هذا العالم الكابوسي حيث لا أحد يرفع شعار إلا «تحيا مصر». تخيل مثلا لو أنك نوبي ورفعت شعارا خاصا فأنت خارج العالم الجميل والتصورات المثالية لتلك الصديقة. لكن الصدمة أن هذه السيدة الفاضلة لسبب ما أو آخر تعتقد أنني وهي في جبهة واحدة. مثلما يعتقد مؤيدو حمدين أن رفض مسار صناعة الفرعون الإله «سسي-نعخ» فأنت معهم في ذات الصف. وحينما يفشل أنصار كل تيار من هؤلاء ينسحب منه قطاع ينظر لك بحزن ويقول «مفيش أمل».

الحمد لله يا أخى أن «مفيش أمل» وأن صديقتي الليبرالية اللي بتحب مصر لكل المصريين وتكره التمييز لا تحكم وليس لديها سلطة لتقرر للناس نوع الشعارات التي يرفعونها، فمثل هذه الظواهر تجعلك تحمد لله على محمد إبراهيم وزيراً للداخلية.

لذا فكلما شاهدت شخصاً يردد بإحباط «مفيش أمل» تذكر أن مصائب قوم عن قوم فوائد. والحياة ميدان. والصراع دينامو التقدم. وأن يفقد أحدهم الأمل معناه ارتفاع فرصة تحقيقك لأملك أنت.

2- شعب ليس جديراً بالحرية

مع كل جملة أسمعها أو أقرؤها تحتوى على كلمة الشعب أشعر بأن هناك كارثة في الطريق. من يملك القدرة على التحدث باسم الشعب؟ ولماذا؟

الاثنان حالات خطرة، من يتحدث باسم الشعب لكى يصبغ على حديثه رأي الجماعة والتأييد الشعبي أو شرعية الصندوق. ومن يتحدث باسم الشعب بأن الإحباط وأخلاق العبيد قدر ومسألة جينية. وإذا كان الشعب لا يريد الحرية فما علاقة ذلك بأني أريدها. وأصلاً أليست المعركة بالأساس مع هذا الشعب وتحطيم أساطيره، بداية من أسطورة الإسلام هو الحل، وحتى أسطورة الدولة العبيطة الذي يصر في مازوشية على التمرغ في ترابها، بعد أن فاته القطار.

أنت فرد. أهميتك من فرديتك. والأحلام دائماً خاصة، لا تقبل أن يقايض أحدهم حلمك الخاص بحلمه يصفه بأنه حلم الشعب، ثم يحوله إلى مقورة كوسة تحملها في يدك بلا كوسة لتقورها، وتقول ها هو الإحباط تحت الباط.

ثق في نفسك، ولا تثق في الجماهير والجموع مادمت لا تعمل في المجال الفني أو التليفزيوني. شاهدت على مدى ثلاث سنوات فقط كيف يتقلب مزاجها، وكيف في يوم تهتف باسم حسن شحاتة وفي اليوم التالى تلعنه.

3- البلد محتاجة خمسين سنة على ما تتصلح

صياغة هذه العبارة وتكوينها يجعلان المسألة في مصر مشكلة ميتافيزيقية غيبية، وكأن آلام الناس وبؤس حياتهم لا يرتبطان بمنظومة تشريعية استبدادية سائدة ولا بسلطة غاشمة، غشيمة، فاشلة. تنزعك هذه العبارة من همك الفردى وأزماتك الأساسية مع هذا النظام لتحولها إلى أزمة ضخمة لا يمكن حلها إلا في المستقبل البعيد.

تحكى ماهينور المصري في شهادتها من داخل السجن كيف أن معظم السجينات معها نساء تم سجنهن بسبب ايصالات أمانة ومبالغ لا تتجاوز الآلاف اقترضنها لتزويج بناتهن، وكيف يعشن بطموح انتظار العفو الرئاسي من الرئيس القادم.

نحن نواجه سلطة منحطة، ومجتمعا قيمة الشرف فيه ترتبط بالوضع الاجتماعى والطبقي قبل أي شيء. ليس من أهدافي شخصياً جعل مصر قد الدنيا، ولا أعتقد أن أم أحمد المحبوسة لمدة 6 سنوات بسبب شيكات لا تتجاوز الخمسين ألفا لديها أي اهتمام بهذا الأمر. ما نرغب فيه هو أن نحيا العشرين سنة المتبقية من عمرنا دون قنبلة تنفجر فجأة، وأن تمضي أيامنا دون التعرض لسخافات الكمين كل يوم.

4- الثورة خلصت ولازم نسلم نفسنا

بغض النظر عن «الكيد» المتبادل بين شباب 25 يناير الطاهر النقي، ومؤيدي ثورة 30 يونيو. وموقف السيسي في المنتصف بين الاثنين. فقد دخلت ثورة 25 يناير في التاريخ الرسمي للسلطة بصفتها ثورة طاهرة نقية، مثلما دخلت حركة 30 يونيو.

لا تعش في الماضي، ولا تترك الحنين يلتهمك. نقد ثورة 25 يناير يجب أن يكون إحدى المهمات العاجلة، محاربة التسطيح الذي يمارسه الإعلام لثورة 25 يناير أهم كثيرًا من الاستسلام للعبة «شطة وفلفل» مع الفلول المحروقين. التحليل وإعادة التدبير يعنى أيضًا التحرك خارج تلك اللحظة الآن وفوراً، والتموضع في مكان وموقف جديد غير تعريف «شباب الثورة».

5- الناس تعبت

ومتى كانت الناس طوال سبعة آلاف سنة من الحضارة والتاريخ والشقاء وعصر الشهداء والمجاعات وسنوات الجفاف والأزمات الاقتصادية، طوال هذه الرحلة العظمى التي يتفاخرون بها كل يوم، ومع كل أغنية، متى كان ناس مصر مش تعبانة.

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ