حوار مع جدلية عن كتاب حرز مكمكم

جدلية (ج): في البداية، ما معنى “حرز مكمكم”؟

أحمد ناجي (أ. ن.): الحرز هو مفرد الأحراز، وهى في اللغة القانونية الأدلة التي تثبت الجريمة. مثلًا إذا ضُبط لص وبحوزته المسروقات، فهذا هو حرزه.

مكمكم صفة من الكمكمة، وهى في القاموس “الستر بالثياب”، وذكر لسان العربي “أن عمر، رضي الله عنه: رأَى جارية مُتَكَمْكِمة فسأَل عنها فقالوا: أَمةُ آل فلان، فضرَبها بالدِّرّة وقال: يا لَكْعاء أَتَشَبَّهِين بالحَرائر؟ أَرادوا مُتَكَمِّمة فضاعَفوا، وأَصله من الكُمَّة وهي القَلَنْسُوة فشبه قِناعها بها”.

وقد انحرف المعنى في العامية المصرية ليُطلَق على الشيء المستور المغطى حتى أصابه العفن أو العته، فمثلًا الثياب القديمة إن تُركت في الخزينة لسنوات دون تهوية يقال عليها “كمكمة”. وكانت أمي توصيني دائمًا بعدم ترك الملابس في الغسالة ونشرها فورًا حتى لا تصيبها “الكمكمة”.

أما في السجن، فيُطلَق لفظ “حرز” على المسجون “الشمال” – وأتمنى ألا تسألني يعني إيه شمال – أو المسجون “اللي مش سالك”. أما وصف “حرز مكمكم” فهو من أشد وأقسى المسبات المستخدمة في السجن، إذ شاهدت في مرة مسجونًا كا أن يفقد عينيه لأنه وصف مسجونًا آخر في خناقة بأنه حرز مكمكم. أن تصف مسجونًا بأنه حرز مكمكم، فهو يعني أنه ذات نفسه هو “الحرز”، هو دليل الاتهام، وهو السبب في سجن نفسه ومن معه، أما وصفه بالكمكمة فمعناه أنه سيظل في السجن للأبد، لأنه حرز مكمكم.

استخدام المصطلح كعنوان للكتاب نظرًا للتقاطعات المتعددة، والإشكاليات الإبستمولوجية التي يطرحها الكتاب. فهو كتاب عن الكتابة، التي هي دليل اتهامي/حرزي، لكنه أيضًا كذلك حرز خفيّ، أما لماذا هو بالحرز الخفي، فأدعوك لتقرأ الكتاب لتجد إجابة على تلك الأسئلة.

أحب أن أنوّه أيضًا أني استلهمت العنوان من أغنية الفنان رضا البحراوي “حديد” التي كتب كلماتها الشاعر محسن الشبراوي، وكذلك مهرجان “حرز مكمكم” للفنانين كاتي ونانا وشرارة، وهي من كلمات شاعر العامية الكبير “الجن والأسطورة”.

(ج): كيف تبلورت فكرة الكتاب وما الذي قادك نحو الموضوع؟

(أ. ن.): قادنى نحو المشروع السجن.

أما كيف تبلورت فكرة الكتاب، فلأنه حين راجعت معظم كتابات أدب السجون وجدتها تتحدث عن السجن السياسي، وتتكلم عن المعركة والنضال والتنظيمات السياسية والرفاقية، وأشكال المقاومة، وهو أمر بعيد تمامًا عن تجربتي كمسجون بتهمة مخالفة الآداب العامة ومصنّف مع مروجي الدعارة وبائعي الهوى والنصابين والمزورين والقضاة وضباط الشرطة والجيش الفاسدين.

كان هناك رغبة، لا في تسجيل التجربة أو الشهادة للتاريخ، بل لفهم كل ما حدث والحوار معه، لكي أتمكن من إعادة بناء ذات جديدة تهضم ما مضى وتعاشره وتعشره، وتستولد المستقبل من رحم الحاضر واللحظة الراهنة التي هي بغير تأكيد لحظة فارقة مثل كل لحظات حياتي.

(ج): ما هي الأفكار أو القصة الرئيسية التي يتضمنها الكتاب؟

(أ. ن.): مثل كل أعمالي وما أكتبه، فالفكرة الرئيسية ومحور العمل هو: الحب والصداقة.

(ج): ما هي التحديات التي جابهتك أثناء الكتابة؟

(أ. ن.): لا شيء إلا ما يواجهه كل كاتب؛ كيفية تدبير الوقت اللازم للكتابة، ضمن مشاغل الحياة وضغوط العمل والحاجة المادية، أتمنى يومًا أن أصبح مليونيرًا حتى أتخلص من هذه التحديات والضغوط، وأفرغ وقتي للطهو والكتابة وتعلم صناعة الكوكتيلات وأستثمر مليونًا في إنشاء جائزة أو منحة باسمي تمنح للكاتبات أو الكتاب للتغلب على مصاعب الحياة وتحديات الكتابة.

(ج): كيف كنت تكتب داخل السجن، وكيف تعامل السجناء مع هذا الأمر؟

(أ. ن.): بالنسبة للجزء الثاني من السؤال، فكل السجناء يكتبون. الكتابة في السجن ليست نشاطًا مقدسًا يمارسه المرء في برج عاجي، بل الجميع يكتب. بعضهم قد حكم عليه بالسجن لمدة خمس سنوات يجد في الكتابة استخدامًا مناسب للوقت، يفقد الكاتب تميزه داخل السجن. في حالتي نظرًا لطبيعة قضيتي فقد حذرني مدير مباحث السجن من النشر أو تهريب أي رسائل للخارج، مقابل السماح لي بالاحتفاظ بدفتري الأسود والكتابة فيه، لكن لأني كنت أعرف أني أكتب تحت ظل الرقابة وربما نتعرض للتفتيش في أي لحظة فكنت أكتب بما يشبه الشفرة، وجمل وكلمات مختصرة خاصة جدًّا.

بالنسبة للشق الأول من السؤال، فربما يكون مفيدًا مشاركة هذا المقطع معك:

“رفيقي كان يسكن مصلبًا مجاورًا لي. جميع المصالب في عنابرنا كانت مبنية من الخرسانة المسلحة والأسمنت، وبين مصلبي ومصلبه يوجد حاجز إسمنتي بارتفاع عشرة سنتيمتر، كنا نضع عليه كرتونة تحتوي على علب السكر، والقهوة، والشاي، والنسكافيه، إلى جانب بعض قطع البسكويت أحيانًا، وعلبة الزيتون الأسود الذي أدمن مضغه، وكتبي. أما أوراقي والكرّاس الذي كنتُ أكتب فيه روايتي فكنتُ أضعه أسفل المرتبة التي أنام عليها.

على ضوء اللمبة حيث أقرأ ترجمة عربية لرواية “أطفال منتصف الليل” لسلمان رشدي، يسهر رفيقي الليل وهوم يكتب على ورق فلوسكاب خطابات طويلة من صفحات متعددة، يكتب بالقلم الأزرق، وأحيانًا يخرج قلم التصحيح الأبيض، يهزّه، ويمسح حرفًا خطأ أو جملة ندم على كتابتها. كان لديه شغف جنوني بكتابة الخطابات، وكنتُ أحسده على قدرته الجسدية على الكتابة لفترات طويلة بهذا الشكل.

لطالما كان لدي مشكلة مع إمساك القلم والكتابة لفترات طويلة، في الامتحانات كنتُ أحيانًا أختصر في إجابة الأسئلة، ولا أكتب كل ما أعرفه لأن يدي متعبة. منذ المراهقة بدأت في كتابة قصصي ويومياتي على الكمبيوتر، وبعد التخرج هجرت الورقة والقلم. والآن في السجن كنت أتعلم من جديد كيفية إمساك القلم وكيفية الكتابة على الورقة ذات السطور.

أولًا تمكنا أنا وشريكي من شراء عدد قديم من مجلة زهرة الخليج، وهي مجلة اجتماعية ذات طباعة إماراتية فاخرة. كنا نستخدمها كمسند للكتابة نضع فوقها الورق. نضعها فوق الفاصل الخرسانى بين المصلبين ونكتب عليها. كان يحفظ أوراق رسائله داخل صفحات المجلة. لكنه أقصر مني لذا كان بإمكانه الكتابة في هذا الوضع، أما أنا فبعد أول خمس دقايق كنت أشعر بعظام وعضلات ظهري تصرخ من الألم. جربت الاستناد بظهري على الجدار ووضع مجلة زهرة الخليج على فخذي مع ثني الركبتين، وكان هذا أفضل وضع للكتابة وصلت له.

يمكن قراءة بقية الحوار علي الرابط التالي: https://www.jadaliyya.com/Details/43054/%D9%83%D8%AA%D8%A8-%D8%AD%D8%B1%D8%B2-%D9%85%D9%83%D9%85%D9%83%D9%85%D8%8C-%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D9%86%D8%A7%D8%AC%D9%8A

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ