التداوى بالماء والملح

SAM_0718.JPG
تصوير: أحمد ناجى

في الطريق إلى المسرح الوطنى مساء أمس بدأت أشعر أن هناك أمر ليس على ما يرام، أعرف هذا الاحتقان في الحلق، ونحن في شهر نوفمبر المخيف.

وصلت متأخراً إلى مسرح الوطنى بعد أن أخذت أكثر من 20 دقيقة، أبحث فيها عن الباب الصحيح. في النهاية أنقذتنى واحدة من طاقم المهرجان، قادتنى عبر دهاليز طويلة. عبرنا من قاعات صغيرة إلى قاعات كبيرة، مع كل ممر كنا نعبره كان صوت موسيقي مختلفة يرتطم بأذنى.

بدا كأن المكان غابة متشابكة معقدة ممتلأة بالبشر، لم أكن لأصل أبداً بمفردى، لكن بمساعدة السيدة مجهولة الاسم وصلت في الموعد المناسب إلى “قاعة النصر” حيث كان يجب أن اقرأ مع الكتاب والمترجمين الآخرين.

بعد انتهاء جلستنا في “قاعة النصر” خرجت بدون خريطة ولا أعرف إلى أين. كنت أحاول الخروج من المسرح، لكن في الوقت ذاته بدأت أشعر بإرهاق الانفلونزا، وارتفاع درجة الحرارة. فتحت باب ضخم وجدته أمامى فوجدت نفسي في الدور الثانى من المسرح الكبير، جلست على أحد الكراسي لاستريح ثم دخل مغنى كبير السن بصحبة عازف بيانو، كان يغنى بصوت حزين كأنه “سيلين ديون” تغرق فوق سفينة على مقربة من شاطيء لاهاى. درجة حرارتى بدأت ترتفع. الآن كنت متيقناً أنا أصبت بالانفلونزا، وسأقضي ليلية بين الفراش والحمام دون أدويتى، وسط الحمى وهلوساته.

لكن بدأت أشك في أن كل هذا حقيقياً. خرجت من القاعة بحثاً عن باب الخروج، لكن وجدت نفسي في قاعة آخري ترتفع منه إيقاعات موسيقية كأنها عازفين روك يحاولون أن يلعبوا موسيقي البلوز.

في زاوية ما كان هناك طاولة رصت عليها أسطوانات متعددة معظمها كان لفرق وموسيقيين هولنديين، لم استطيع قراءة الأسماء، لكنى أعتقد أن ظللت لأكثر من نصف ساعة أتأمل اللوحات والبوسترات، ثم انتبهت أن جميع جدران المسرح مغطاة بلوحات بعضها فوتوغرافيا وبعضها رسومات زيتية.

تضاعف احتقان الحلق، وبدأت اشعر وكأن هناك نهر صغير يخرج من أنفي. كل ما كنت أفكر فيه هو العودة إلى الفندق. أخذت أبحث عن مخرج، لكن كلما دخلت من باب وجدت نفسي في ممر يفضى إلى قاعة جديدة، أو مسرح صغير.

إذا هذا ما يبدو عليه الأمر بعد عبور الحدود، تختلط الحقائق بالخيال، تتوه معانى اللغات لكن تتبقي الصور التى تخلقها.

أخيراً، وجدت باب الخروج، لكن مع أول خطوة للخارج عطست بقوة. قضي الأمر. كان الجو بارداً لكنى وصلت إلى الفندق. استيقظت في الصباح كأن هناك حجر في حلقي، ذهبت إلى قاعة الافطار حيث قابلت وئام علمت منها أننى لست الوحيد في المجموعة الذي يعانى من أعراض البرد. لكن المشكلة أن أدويتى ليست معى. بعد ترددها المعتاد نصحتنى وئام بالغرغرة بماء دافيء مع ملح.

أشعر بحزن بالغ كنت أخطط اليوم للذهاب إلى البحر، لكن أقسي أمنياتى الآن استعادة صوتى الطبيعى استعداداً للقراءة مساءاً.

هراء الإصلاح والكتابة الدهنية

مثابرة ودأب يستمر عز الدين شكري فشير في الكتابة ليقدم لنا روايته السابعة. 

مسيرة بدأها العام 1995 بروايته “مقتل فخر الدين” وآخر محطاتها روايته التي صدرت مؤخراً عن دار الكرمة “كل هذا الهراء”.

 

سبع روايات كل رواية هي ركن في عالم واحد يضيف له فشير، لكنه لا يغادره.

موضوع العالم الروائي لدى فشير هو السلطة والنميمة السياسية. وهو لا يكتفي بوحدة الموضوع في كل أعماله، بل إن الشخصيات تتكاثر وتتناسل من رواية إلى أخرى، وفخر الدين الذي يرد ذكره في أول رواية لفشير، يكون ابنه عمر هو بطل روايته الأخير، التي كان يريد منحها عنوان “أمل وعمر في الفراش”، لكنه تراجع ليعنونها بالهراء، ليستمر تناسل شخصيات فشير من رواية إلى أخرى في عودة مُختلفة لأدب السلاسل الروائية الذي احتكره نبيل فاروق وأحمد خالد توفيق في العقود الأخيرة.

والحق أن عالم فشير الروائي يتحدر من سلالة أخرى، لا سيما من رواد الأعمال السياسية ذات الطابع البوليسي، مثل فتحي غانم وصالح مرسي. لكنه، على العكس من الاثنين اللذين طمحا ليصبحا صوت السلطة وصائغي روايتها، يسير فشير في رحلة عكسية. فهو ابن مؤسسات السلطة المصرية، إذ عمل لسنوات طويلة في وزارة الخارجية. ورواياته غالباً عن ضحايا تلك المؤسسات (الجيش، الداخلية، الرئاسة، القضاء)، أو عن حالمين يريدون إصلاحها، وحينما يفشلون يتحولون الى إرهابيين. إيمان فشير بالإصلاح من الداخل، وتمحور الحياة وأي فرصة للتقدم حول تلك المؤسسات وأطرها القانونية والحقوقيةن لا يتزعزع، وحتى حينما غادر عمله في الخارجية وقامت ثورة يناير، كان الموقع الذي اختاره لنفسه يشكل استمراراً للمنهج الإصلاحي، إذ ظهر مباشرة بعد الثورة كأمين عام للمجلس الأعلى للثقافة، واستمر مشاركاً بحماس في مسيرة حماية المسار الديموقراطي من دون أن يندمج في أي حزب أو مشروع ما، لم يكن مؤسسة من مؤسسات الدولة، حتى وقع أخيراً في هوة الإحباط واليأس وهو يرى المؤسسات التي كانت منتهى أمله تنهار، ويأكل بعضها البعض أمام عينيه، فقرر كتابة رواية عن إحباطه ويأسه والهراء الذي ضيع وقته، فكانت روايته الأخيرة.

عز الدين شكري كاتب واقعي بقدر ما هو كاتب بوليسي، وفي روايته الأخيرة يتخلى عن عناصر التشويق والحبكات المعتادة في أعماله السابقة، مغادراً الأدب البوليسي، ليقدم عملًا روائيًا يدّعي الواقعية ويُلبس شخصياته أقنعة هزائمه الشخصية.

لكن، وفي كل مرة يخرج فيها على العوالم التي يتقنها، ويقدم شخوصاً ليست إرهابية أو ضباط جيش أو أمن دولة، تتبدى هشاشة القناع الذي يفقد واقعيته ووفائه للبحث الدقيق المخلص الذي اعتاد علاء الأسواني، مثلاً، تقديمه في أعماله الأولى. ففي روايته “كل هذا الهراء”، حينما يحكي شكري قصة الأصدقاء الثلاثة أعضاء “الألتراس”، يأتي البناء مفككاً خالياً من أي بحث عن تاريخ الحركة أو نشأتها وكيفية عمل روابطها، ناهيك عن أنك لن تقرأ سطراً واحداً عن علاقة هؤلاء الشباب بالنادي وما تمثله لهم هذه العلاقة، بل يصورهم كخلية عمل سياسي مثلما تراهم السلطة ومؤسساتها. والغياب ذاته نصطدم به في تفاصيل العالم الواقعي، إذ يتكرر الاضطراب مثلاً حينما يحكي حكاية الصحافي، صديق هند، الذي يبرر غربته عن زملائه بأنه متفوق عليهم ويريد الإلتزام بمعايير العمل الصحافي العالمي التي قرأ عنها في الجرائد الأميركية!

غياب الواقع بتفاصيله وحساسيته، يعوضه فشير بالكثير من زيوت ودهون الميلودراما، ورثاء الذات. فالرواية التي بدأت بلقاء في الفراش بين أمل وعمر، تحولت إلى حفلة لطم، حيث يتبادل الإثنان رثاء الذات وجَلْدَها.

لكن تراكم الكتابة يكسب الكاتب المعرفة، ورغم إدراكه الثغرات، لا يحاول الكاتب المخلص تغطيتها. بل يترك الثغرات مكشوفة ويتبرأ منها، مدعياً أنها ليست حكايته، بل وصلته الحكايات كملف صوتي لحديث أمل وعمر وقرر هو كتابتها، وهو تكنيك يظهر بأشكال متعددة في روايات شكري حيث يتخذ من الإيهام الروائي جداراً يستتر خلفه.

ورواية شكري هي حوار مسرحي طويل بين أمل وعمر. أمل خارجة من السجن وهي على عكس كل الخارجين من السجن، تقول إنها تعودت على صمت السجن وتريد البقاء مع شخص واحد، رغم أن الصمت آخر ما يمكن أن تجده في السجن، لكن ربما تكون هذه تجربتي أنا التي يحولها الكاتب إلى “أفيه” ثقيل ومكرر طوال الرواية. تختار أمل شاباً أصغر منها لتقضي معه ليلتين قبل سفرها، يتقلبان في الفراش بينما يتبادلان الأدوار في الحكي. حكايات مُتناثرة مثل تقارير الأفلام التسجيلية التي اعتادت برامج التلفزيون انتاجها عن شهداء الثورة. هو لا يحكي حكاية الثورة، بل وكما تقول أمل في الصفحة 130 “أنت من تحكي الحكاية: تنظر إلى وقائع كثيرة تنتقي من بينها مجموعة تنظر إليها – وتغفل جوانب بأخرى- وتدفع بنظرتنا نحو الجوانب التي تريد منا رؤيتها. بهذا المعنى حكايتك منشئة للحكاية؟”.

يبدأ فشير روايته بصفحات طويلة من الشكر والإهداء، بل ومقدمة أيضاً، ولا نصل إلى الرواية إلا بعد 15 صفحة. يحذرنا في مقدمة الرواية، أنها خادشة للحياء، وأنه لذلك يحظر أصحاب القلوب الضعيفة من قراءتها، خصوصاً وقد ترافقت كتابتها مع سجني بتهمة خدش الحياء العام. هكذا، تتوقع أن تأتي اللغة غير نمطية على الأقل، لكنك بعدما تجاوز المقدمة التحذيرية الساخنة، لا تجد إلا الهراء والجنس العقيم واللغة المخصية. وفي كل مشهد يحمل قدراً من الانفتاح، يرضخ الكاتب ليغطي كل الجمل الخادشة بجملة “الجزء الذي يسجن القضاة مَن يذكر اسمه”. في البداية يبدو الأمر كسخرية لطيفة، لكن تكرار الجملة “الأفيه” على طول الرواية يصيبك بالحموضة، وتتساءل لماذا إذن وضع المقدمة التحذيرية الخطيرة؟

أما الحكاية التي ينشئها فشير في روايته، فهي مجموعة من الأدراج، في كل درج صور نمطية للنماذج التلفزيونية لشباب الثورة. ورغم العناوين المرحة التي يضعها للفصول، يمكن أن نضع عناوين أخرى مثل، قصة شابة نسوية، قصة مثليَين جنسياً. وهكذا تتوالى الأنماط التي شاهدناها في كل المسلسلات والأفلام الجماهيرية التي قدمت الثورة خلال السنوات الأخيرة.

رواية فشير، مريحة وممتعة للقارئ، تقدم له معرفة مزيفة معلبة تحوّل البشر إلى مجموعة من البيانات، والقارئ يسترجع تجربته ويعيد تسكين الأشخاص الذين عرفهم أو تسكين نفسه في الأدراج التي أنشأها الكاتب.

تنعكس هذه الرؤية على لغة الرواية وسردها. فحينما يقدم فشير شخصية جديدة، فإنه يفعل ذلك على طريقة الملفات الحكومية والتقارير الأمنية عن الأفراد. الاسم، السن الطبقة الاجتماعية الموقف من الدين.. لأن كل شخصية هي انعكاس لفكرة إصلاحية مجهضة داخل الكاتب، كل شخصية هي رمز لنظرية سياسية، فشلت في معمل النجاح والفشل لدى الكاتب.

لا مجال في هذا العمل، مثل معظم أعمال فشير السابقة، لاضطراب العواطف أو تناقضها. فكل شيء مفسر ومبرر، حتى حينما يقدم شخصية شاب مثلي جنسياً، فإنه يفسر لنا السبب بالشكل النمطي المعتاد في الأدب العربي لأنه تعرض لتحرش جنسي من زميل له عندما كان صغيراً!

الشخصية الروائية لدى فشير أحادية، تطورها محتوم كبرامج الكومبيوتر، هكذا يستحلب القارئ العمل تحت لسانه، مهما كان موقفه السياسي، لتغيب -للحظات- الفوضى المحيطة به وينام آمناً داخل درج من أدراج فشير.

تأمين الحب

 

كتبت الكثير من الأعمال العظيمة والخفيفة حول الحب. شرارته الأولى، شبقه، استحالته، إخفاقاته، الفراق، الحنين، التراجيديا، الدموع والبعاد، الهجران والذبول ثم النسيان. الأخير اعتبره بورخيس الشيء الوحيد الذي لا وجود له.

 المدهش نُدرة الأعمَال العظيمة التي تتحدث عن استمرار الحب. ما بعد اللقاء. الفراغ الذي يملئ الصفحة بعد جملة وعاشوا في هناء وسعادة. يسكن الشوق باللقاء لكن لا دليل موثق لدينا أن الحب ينمو أو يسكن أو يتوقف عن بعث الآلام باللقاء. مهلوسي الميتافيزيقيا تحت دعوى التصوف قالوا يوماً “كل شوق يسكن باللقاء لا يعول عليه”. لكن لا نعنى بالحب هنا ذلك الشوق لغائب لا يمكن تجسيده، بل لجسدين، لشوق وحب ينمو بين بشريين محصورين بعوامل الزمن وضغوط الحياة وتآكل الجسد تحت وقع ضربات الحياة والزمن. وإذا استمر الحب بين الاثنين، فلا تأمين أو ضمان للمدى الزمنى لتلك الاستمرارية. وما نقصده هنا لا يتعلق بضمان الولاء الذي يتبع اللقاء، بل بضمان استمرار تلك الرجفة والنشوة التي يبعثها تسكين الأشواق. هذا الأمر خطر يا أصدقائي، هناك صرعى، أناس تنتحر وأناس تموت بسبب الحب، وأحياء تسلب منهم نشوة الحياة، والإنسانية طورت نظم رعاية وتأمين على كل شيء من الأرداف وحتى ناقلات البترول، لكن لم يكلف أحدهم نفسه بوضع كتيب إرشادي لكيفية التعامل مع هذا الأمر الخطير، أو بناء شبكة ضمان وتأمين ورعاية للحب.

حياة الأوغاد

كتب أحدهم على جدار مواجه لقسم شرطة حى الزمالك –أحد الأحياء البرجوازية في القاهرة- العبارة التالية: “إن حياة الفرد الأخلاقي تقوم على احتذاء النظام الخلقي الكونى، أما حياة الأوغاد فتقوم على معاكسة ذلك النظام الكونى”. بجوار تتلك العبارة رُسم جرافيتى ضخم لوجه الأسطورة الشعبية “الهرم” وهو يلف بين أصابعه سيجارة حشيش بينما أحاطت برأسه هالة كهالة القديسين.

“الهرم” هو أحد الأساطير الشعبية المعاصرة في مصر، ويصنف في مناطق بصفته إله “الديلارات” والدهاء. وفي مناطق شعبية تباع أيقونات صغيرة “للهرم” عليها الآية القرآنية “فأغشيناهم فهم لا يبصرون” حيث من يرتدى الأيقونة يحميه ظل الهرم من عيون ضباط الشرطة والأفراد الأخلاقيين وكلاب النظام الخُلقي الكونى.

لكن العبارة الفلسفية والعميقة المصاحبة للرسم، ليست من أقوال الهرم. ولم يعرف من صاحبها، ولما تستخدم بجوار أيقونة “الهرم”؟

كان هذا في الفترة التى تلت أحداث 25 و 28 يناير. وكانت جدران القاهرة تعج بآلاف الكتابات والرسومات معظمها ذات صبغة سياسية، لكن جرافيتى “الهرم” وبجواره العبارة الملغزة ظل شرخاً عميقاً في المشهد وهرمونية الروح الوطنية والثورية التى غطت البلاد في هذا الوقت.

** *

هناك أكثر من عالم.

ولكل مسألة أكثر من طبقة وزاوية. في النظام الخلقي الكونى هناك انشغال بالديمقراطية، الثورة، كرامة نبي، فيلم مسيء، كلاب تنبح، ديون وقروض ودول تشهر إفلاسها، صراعات تدور على الشاشة ونشرات الأخبار. لكننا هنا في حياة الأوغاد ندرك أن هذه الأوهام ليست سوى التمثيل الكاذب للحياة.

20091011(004)
صورة فوتوغرافية من تصوير أحمد ناجى، تعود إلي العام 2009

بينما يتحدثون في النظام الأخلاقي عن أهمية الأدب والموسيقي في التواصل الحضارى بين الشعوب وحوار الحضارات، ندرك أنه لا حاجة لهذا الدفع أو التوجيه من قبل “النظام” لكى يكون الأدب والموسيقي في هذا الاتجاه.

في مصر نمت في السنوات الأخيرة موسيقي الأوغاد، أو ما يعرف بموسيقي المهرجانات وهى نوع موسيقي يختلط فيه إيقاع الهيب هوب، بألعاب الأصوات الألكترونية بأصوات النجوم الأوغاد. يتم تسجيل هذه الأغانى في منازل وعشش  وإضاءة خافتة للشوارع الخلفية، والكلمات منفلتة عن كل الأطر الأخلاقية والنظامية المعتادة.

دون الحاجة إلى التوجيه اكتشفت مؤخراً تشابه غير معقول بين تلك الموسيقي المخلقة في حوارى القاهرة الشعبية، وبين نوع آخر من موسيقي العصابات يزدهر بجنون في البرازيل.

أى حدود يجب تجاوزها إذن؟

الحدود الحقيقية لا تقع بين اللغات المختلفة أو بين الدول ذات أنظمة منح “الفيزا” المختلفة. بل بين نظامين؛

 الأول أخلاقي وكونى يفرض صوراً نمطية بين البشر أفراداً وأمماً ثم يدعى بأنهم جميعاً بشر لهم نفس الحقوق وحباً في الخير ومصلحة الكون يدفعهم لما يقول عنه “حوار” قالبه الأساسي التنافس والملكية.

والثانى هو حياة الأوغاد حيث الفرد مكتملاً في ذاته، ويستمد حريته وطاقة المغامرة لاستكشاف الحياة من معاكسة هذا النظام الكونى، لا بهدف تقويضة أو تفجيرة من الداخل، بل من أجل تللك اللذة السرية الصغيرة.

لكن تلك اللذة السرية ليست كل شيء فهناك الجانب الآخر، أو كما يقول أحد سكان المدينة الأوغاد بالعامية المصرية: “في الحالة دى مفيش آمان، حياتك بتبقي زى القمار، طالع نازل، لما تسيب حبة ريح توديك وتجيبك، لما تجريك لقمة عيش أو ريحة خطر، لما تعس نهارك وليلك من غير ما تولف راسك على حيط أو رجلك على أرض، لما الوقت يبقي بالنسبة لك فرصة، والمكان ضربة حظ.. ساعتها وساعتها بس تعرف أنك بقيت وغد..

بس خلى بالك، أصول لعب القمار.. الشجاعة

الشجاعة اللى متهزهاش كترة

نشرت في 2012

مصر والتاج الصفيح

كَرِه حسني مبارك الشعارات القومية والجمل الانشائية. عبّر دائماً عن سخريته من الكلام الكبير الذي كان يطلقه من سبقوه في الحكم. احتقر فكرة المشروعات القومية، حينما كانوا يسألونه أسئلة من نوع: أين هوية مصر؟ الشباب ضائع؛ نريد مشروعاً قومياً لكي نجمع ونحمّس خلفه الشباب، كان يرد: لديكم مشروع الصرف الصحي وكباري القاهرة. ولما ملّ من الضغط بخصوص المشاريع القومية، رضخ في النهاية، وحوّل صفقة بيع أراض للوليد بن طلال ومستثمرين عرب، إلى مشروع قومي بعنوان مشروع توشكي.

وفيما كان مبارك يفتتح أضخم مشاريع الصرف الصحي في الثمانينات، كان الثنائي الشاب  السيناريست ماهر عواد  والمخرج  شريف عرفة  يقدمان  سلسلة من الأفلام التى تنكل بكل السرديات الكبري للخطاب الوطني المصري الحديث. بداية من “الدرجة الثالثة” وحتى “سمع هس”. كان لديهما حسٌّ ساخر وعدمي استخدماه في تهزيق التيمات الرئيسة لمشروع الدولة القومية، من الأناشيد الوطنية ومؤسسة العدالة في سمع هس“، وحتى مشروع الاستقلال الوطني في “يا مهلبية يا“.

يعجب الكثيرون من النقاد بتلك الفترة من تجربة شريف عرفة، ويرون أنه كان فناناً ثورياً متمرداً على خطاب السلطة. لكن، إذا استعدنا، للدقة، خطاب وهوية تلك السلطة في الثمانينات، سنجد تطابقاً واضحاً بين ما قدمه شريف عرفة، وما كانت تروج له السلطة السياسية في مصر وقتها. وحتى إذا اعتبرنا أن شريف عرفة وماهر عواد في تلك الفترة، كانا شابين متمردين، فالسماح لهما بإنتاج وعرض مثل تلك الأفلام، بل والترويج لتجارب مشابهة كتجارب سعيد حامد ورأفت الميهي، يعكس رضا السلطة عن هذا الخطاب التهزيقي لشعارات الدول الناصرية وقيمها.

لهذا نُحب شريف عرفة. إنه المخرج ابن الناس الكويسين، المصري المحترم الذي يعارض بأدب من أجل المعارضة البناءة، والذي يقدم الضحكة بلا بذاءة، والاستعراض والرقصة بحشمة. إنه مخرج العائلة المصرية الذي نثق في توقيعه على أي فيلم بحيث يتوافر فيه الحد الأدنى من الاتقان وتماسك السرد، وبالطبع دائماً النهايات السعيدة حيث يتعانق ضابط الشرطة الشريف مع رجل الشعب وينتصر الخير وتعم الفرحة على الجميع. لكنه المخرج القادر على التقاط حساسية السوق واتجاه الريح. فقط شريف عرفه، يمكنه أن يصور ما يشبه الفيلم التسجيلي عن مبارك، ثم بعده بشهور يصور فيلماً قصيراً عن الثورة التي خلعت مبارك، وفي الحالتين يلتقط حساسية السوق وموجة السلطة ويركب فوقها.

يأتي فيلم “الكنز” المعروض حالياً في السينما، بعد شهور قليلة من عرض فيلم مروان حامد “الأصليين“. يشترك الفيلمان في استخدام الفانتازيا التاريخية، تقديس رجال الأمن والسلطة، والبحث عن هوية خفية، سر مكنون، كنز مدفون يحتوي على القلب النابض لمصر.

يردد الرئيس ومن خلفه جوقة السلطة أن مصر ستصبح أم الدنيا، بل هي أم الدنيا. يتحدث عن وجوب أن نكون يداً واحدة في حين تتعارك أصابع تلك اليد، وتُبتر الأصابع التي لا تعجبه. هناك مؤامرات ودسائس، حروب الجيل الرابع، أشرار مرسلون لخراب مصر كما “صلاح الكلبي” في فيلم “الكنز”. ووسط كل هذا، ليساً مهماً من يحكم أو من في السلطة، بل المهم أن نثق في رجل الأمن الذي يعرف كل شيء ويساعد الفقراء ويُحسن إليهم، لكنه جاهز لمعاقبتهم إذا ما اختلفوا معه، لأن هذا الاختلاف يضرّ بمصر، وبعقابهم فإننا نحميهم من شرور أنفسهم، كما خالد الصاوي في فيلم “الأصليين”.

محمد سعد من فيلم الكنز
محمد سعد من فيلم الكنز

في الفيلمين، يتجلى مفهوم مصر كرؤيا هيولية مُمتدة عبر الزمن وعبر آلاف السنين. هناك مصر واحدة وهي أبدية وخَالدة، ولها جوهر ثابت، هذا الجوهر قد يكون مدفوناً في صورة كنز أو رمز كبير، مثل بهية وعيون بهية في “الأصليين”. وفي الفيلمين، مثل خطاب السلطة، لا يخبرنا أحد ما هو جوهر هذه الـميصر” –بصوت الشيخ الشعراوى؟ وما علاقة هذا الجوهر بواقعنا الآن؟ ولماذا يريدون إجبارنا على تصديق خرافة أن هذا الجوهر خالد وأبدي؟ وكيف يكون ثابتاً وهذا البلد، حتى 150 عاماً خلت، كان أهلها لا يفهمون لماذا بنوا هذه المعابد وهذه الأهرامات؟

إن تاريخ هذا البلد هو سلسلة من الانقطاعات والنسيان، ثم إعادة تذكر ما نريد، ودفن ما لا نريد، وهي استراتيجية نافعة للبقاء. فجّرت السنوات الأخيرة، وما صاحبها من صراع سياسي، مناقشات وأسئلة عميقة لدى سكان هذا الوادي، حول هويتهم وتصوراتهم عن ذواتهم والحياة التي يرغبون فيها. هذه الأسئلة كلها كُتمت بفوهة البندقية، ودُفنت تحت جنازير الدبابة. وبدلاً من السؤال والنقاش في اضطراب الهوية لجماعتنا المتخيلة كمصريين، تتبنى السلطة الجديدة خطاباً تعكسه هذه الأفلام، وسنشاهد في السنوات المقبلة المزيد من الأفلام والمسلسلات التي تعكس تصور الهوية الجديدة التي يجري بناؤها. ويمكن وضع عنوان فرعي لها: “إطفح وانت ساكت”. فالمهم ليس “جوهر مصر”، بل أن تثق في حارس هوية مصر وكنزها المدفون، أن تُسلم له، وأن تعاونه وتنصره لأنه يضحّي بكل شيء من أجل مهمة سامية، مثل محمد سعد رئيس القلم السياسي في فيلم “الكنز”، والذي يسجن أخاه ويعتقل المعارضين لكنه يحب الفن ويطارد الحب المستحيل ويحرس الكنز.

لكن الواقع أن تلك السلطة لا تحمي أي كنز، بل هي تبيع وتبيع وتتنازل. منطقها في الحكم والإدارة هو منطق إدارة السوبرماركت: كله على الرف بالسعر المناسب، أو كما قال رئيس السلطة ذات مرة اللي يقدر على مصاريف مصر يشيل. وبالتالي، فالغرض من أفلام مثل “الكنز” و”الأصلين” هو إضفاء زخرفة رديئة تُشبع أسئلة المراهقين عن هويتهم، وتقدم للسلطة كوكتيل مصر الجميل، حيث حتشبسوت ترتدي تاجاً، وحيث سر عبقرية المصريين يكمن في تناولهم المخدرات وزهرة اللوتس الأزرق كما في “الأصليين”.

أما إذا كنت أذكى من ذلك، واكتشفت خواء السلطة، وأن بهية التى تحرس عيونها ليست إلا راقصة وعاهرة كانت تابعة لياسين قاطع الطرق، فالحل الذي يقترحه مروان حامد وأحمد مراد أن نذهب جميعاً للصحراء لنؤسس فندقاً بيئياً ونبحث عن السلام والخلاص النفسي في اليوغا والتأمل، ونترك المهام الكبرى وحراسة الكنز لرجال السلطة والأمن، حراس عيون بهية.

بوستر فيلم الكنز

العلم يعري الحلم

في تجربة متكررة، يتم ادخل المتطوع إلى جهاز الأشعة المقطعية، وعلى الشاشة يتم عرض مجموعة من الصور لعناصر مُتعددة. تم قياس كل عمليات النشاط الدماغى التي تحدث في الدماغ عند رؤية كل عنصر وتسجيلها. بعد ذلك طلب من ذات الأشخاص إغلاق أعينهم وتذكر ذات العناصر والنتيجة هي تكرار ذات العمليات الكيمائية والكهربائية في المخ. لم توصل هذه التجارب لإجابة سؤال الرؤيا، هل نري بالعين كعضو من أعضاء الجسم إذا اشتكى تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمي، أما نري بالمخ الذي يترجم ويخزن ويخلق العلاقات ويكسب الألوان والأشكال المعانى المختلفة.

ثم تبين أن البعض يمكنهم الرؤية بعيون مغلقة. وجميع البشر يمكنهم الرؤية وهم في حالة النوم على حسب ما يرونه يتم تصنيف الأمر تحت فروع متعددة تنبثق عن بندين رئيسين، الحلم والكابوس.

1004419_539568756101087_1186123563_n

أيتها العاملات.. الآتي أشرس

حينما خرجتُ من السجن، بعد عام قضيته بعيداً من شوارع القاهرة، كان أول ما لاحظته، إلى جانب كثافة سُحب الإكتئاب والإحباط على وجوه سكان المدينة، هو تلك الزيادة في عدد النساء والفتيات العاملات، بل ظهورهن بكثافة ندر وجودهن فيها في القاهرة. ظننت أن الأمر شخصي وأني بسبب البقاء في السجن لشهور طويلة، بلا تواصل مع الجنس الآخر، أصبحت حساساً لوجودهن وأكثر ملاحظة لهن. حتى مررت ذات مساء أمام واحد من مطاعم الوجبات السريعة في وسط البلد، اعتدت التعامل معه طوال أكثر من عشرة أعوام، ولا أذكر أبداً أني رأيت فيه أي أنثي عاملة. كان الوقت قد تجاوز الحادية عشرة ليلاً، ووقفت أمام “الكاشير” لطلب السندويش فوجدت فتاة تجلس خلف ماكينة الحسابات.

استغربت الأمر لأن وردية الليل في هذا المطعم تنتهى في الثانية بعد منتصف الليل، فما الذي تفعله هذه الفتاة هنا؟ لاحظت كيف أنها، خلافاً لزميلها الجالس بجوارها على ماكينة آخرى، وضعت أمامها طبقاً صغيراً لتضع فيه “الفكة” فيأخذها الزبون، حتى لا تضطر للتعرض لملامسة يد الزبائن. لكن، بعدما طلبت ما أريده، لم أستطع أن أقاوم فضولي وسألتها: “هو أنت بتشتغلي هنا من زمان؟”. جاء الرد بارداً بالطبع، كأنها ملّت من هذا النوع من الأسئلة والحوارات، وقالت: “اتفضل يا أستاذ روح خد طلبك من جوا”.

10393722_516183941843269_569061840803221652_n
صورة من تدريبات السيدات في الدفاع المدنى في الخمسينات بمصر أثناء العدوان الثلاثي

بدأت ألاحظ هذه الزيادة في عدد الفتيات والبنات العاملات في المطاعم وفي أماكن خدمية آخرى، مثل بعض محطات البنزين وحتى المقاهي الشعبية. لم تكن مطاعم القاهرة باستثناء مطاعم الفنادق لترحب بعمل الفتيات، وفي الغالب كانت الكافيهات التى توظف الفتيات توصف بأنها مفتوحة لأغراض أخرى غير تقديم المشروبات.

حاولت كذلك الوصول إلى أرقام أو إحصائيات ترصد أي تغيير في معدلات عمل المرأة في سوق العمل، لكني لم أجد أي أرقام واضحة يمكن الاعتماد عليها. اكتفيت بسؤال الأصدقاء والدوائر القريبة ومعظمهم رصد الظاهرة ذاتها. مالك ومدير سلسلة من مطاعم الوجبات السريعة، أكد لي الأمر، قائلاً إنه بدأ، العام الماضي، بتعيين فتيات للعمل لديه، وأنه قبل ذلك كان يرفض الأمر لأن “البنات مشاكلهم كتير” على حد قوله. فمطاعمه متخصصة في الوجبات الشرقية (سندويشات الفول والطعمية بشكل أساسي)، وبالتالي يرى أن زبائنه من طبقات متنوعة ومعظمهم من طبقات شعبية، ومن الممكن لأحدهم أن يتطاول أو “يعاكس” إحدى العاملات. لكن موقفه تغيير مؤخراً مع ارتفاع معدل التضخم وازدياد الأسعار.

“لما تحسبها تلاقي البنت بتكلفني أقل من الولد”، يلخص بهذه الجملة تغيير سياسته في التوظيف. فمعظم العاملين لديه طالبوا برفع أجورهم مع ارتفاع الأسعار، ولما رُفض طلبهم، غادروا المحل.

“البنت أو الست اللي نازله تدور على شغل تبقى محتاجة الشغل بجد، مش هتنزل من بيتها ولا راجلها هيسيبها تنزل إلا إذا كانت محتاجة القرش، مش زي الشاب اللي نازل يدور على شغلانة على مزاجه وعايز يشتغل في التكييف”، يقول. بدأ صاحب هذا المطعم بتوظيف الفتيات في المطبخ، ثم لتقديم الطلبات في الصالة، والآن تمثل الفتيات حوالى 20% من العاملين/العاملات لديه، وذلك كله حدث في عام واحد.

لا قوانين تنظم العمل في مثل هذه الوظائف، معظم العاملين لا يتم تعيينهم بعقود. ومعظم المطاعم تعتمد على الأطفال والقاصرين في العمل للسبب ذاته، لأنهم “أرخص”، ويمكن الاستغناء عنهم بسهولة. يدافع صاحب المطعم عن التمييز في الرواتب بين الذكور والإناث، بأن دوام عمل الشاب يبلغ عشر ساعات، بينما دوام الفتاة عنده ثماني ساعات، كما أن الفرق في الأجر ليس كبيراً، وهو لا يحاسبهن على البقشيش بل يتركه لهن، والفتيات رزقهن واسع ويمكنهن أن يحصلن على بقشيش أكثر من الشبان. كنت أهز رأسي وأنا ابتسم له، وأثني على “عبقريته وطيبة قلبه” في مساعدة تلك الفتيات ليجدن مهنة شريفة، فيصدمني أكثر بالمزيد عن ظروف العمل. فالمطعم يعمل طوال اليوم، حتى في الإجازات والأعياد، وبالتالي فإنه لا سياسية للإجازات لديه. أما أغرب ما قاله، هو أنه لا يوظف فتيات متزوجات أو مطلّقات، ولم يفسر السبب إلا بجملة “حتى لا تكون عيونهن مفتوحة”.

ترسخ السلطة الذكورية في أي مجتمع، ليس نتيجة أفكار دينية واجتماعية فقط، بل الأساس ينهض على البنية الاقتصادية داخل ذلك المجتمع. وفي المجتمع المصري، تتراكم الثروة من خلال الأراضي والمنقولات العقارية، وحيث يفرق القانون في الميراث بوضوح شديد بين المرأة والرجل. وحتى هذا القليل لا تحصل عليه المرأة في الكثير من مناطق الجمهورية، فالأرض لا تورث للفتيات في الصعيد، وفي الكثير من مناطق الدلتا. بالتالي من الطبيعي أن تظل النساء في كنف الرجال، طالما ظلت عملية تراكم الثروة تصب في مصلحة الرجل، وطالما استطاع هذا الرجل تلبية احتياجات بيته.

كنت شاهداً وبشكل شخصي على وصول سيدة من الفيوم، لتعمل في “مدينة 6 أكتوبر”، كحارسة عقار، وفي تنظيف الشقق، وكيف تحملت لسنوات بطالة زوجها واستيلائه على ما تجنيه، حتى اكتشفت أنه تزوج بمالها شابة ثانية. حينها، ثارت عليه وطلبت الطلاق وحصلت عليه بالفعل، وعاد هو زاحفاً بعد عام بدعوى مسؤوليته عن أولاده. لكنها أبداً لم تعد القطة “المغمضة” التي أتت إلى شارعنا منذ خمس سنوات، بل بسطت سلطتها على كل عمارات الشارع وزوجها الذي كان يضربها، أصبح يعمل على “توك توك”، ويأتي ليقف عند باب المنزل في انتظار ظهور أولاده، إذ ترفض دخوله المنزل. صحيح أنها ما زالت تسمح لابنها الصغير أن يضرب ويتطاول على أخواته الفتيات بدعوى أنها ولد و”راجل” البيت الآن، لكن وكما الدرس الذي يعرفه يعلم الجميع، تظل الاستقلالية الاقتصادية المسمار الأول في نعش الذكورية المجتمعية.

سيقلص التضخم والكساد الاقتصادي في البلاد من فرص العمل، سينفجر غضب الرجال في وجوه النساء اللواتي من المفترض أن يخضعن لسلطانهم. الأسرة التي كان من الممكن أن يرعاها رجل واحد، ستحتاج الآن لعمل الأم، بل والابنة، لكي تستطيع البقاء. سيواجَه نزول النساء إلى سوق العمل بالاستغلال والتمييز، وستزداد حوادث التحرش والعنف ضد النساء. أخبار مثل تخفي سيدة وزعمها أنها رجل لكي تحصل على عمل ستزداد بالتأكيد.

كل عنف وتحرش جنسي شهدته القاهرة خلال السنوات الماضية، لم يكن سوى رد فعل مباشر وغير مباشر على وجود النساء في المجال العام، على تحركهم في الشارع، على تهديدهم من خلال العمل والاشتباك مع القضايا العامة لتلك السلطة الراسخة. لكن الموجة المقبلة ستكون أعنف. الأخبار الإيجابية أن المجال الآن مفتوح مع المؤسسات النسوية لتستعد للمزيد من الحقوق التي يمكن اقتناصها. فوسط الحصار الذي يعانيه المجتمع المدني بكافة تشكيلاته القتالية، يبدو الأمل في النساء وفي حركتهن وفرضهن لشروطهن -وهذه المرة الفرصة لتشكيل حراك حقيقي- ليس مضطراً للاعتماد على غطاء من قبل سيدة أولى في قصر الرئاسة.

نائل الطوخى في الثلاثين: أنا كاتب الكونتراست

بمناسبة اقتراب عيد ميلاده الأربعين، نعيد نشر حوار أجراه أحمد ناجى وأحمد وائل مع أمير الرواية الذهنية والدراما الهزلية نائل الطوخى. أجرى هذا الحوار منذ عشر أعوام حينما بلغ نائل الثلاثين، على أمل أن نصدر جزء ثانى منه بمناسبة عيد ميلاده الأربعين. ولا يفوتنا أن نهنئ نائل الحبيب بروايته الأخيرة التى يخرج فيها من البلاعة، ونقول له انزل يا جميل على الساحة، فالأربعين سنة النبوة، ولقد أوتيت الحكمة صبيا فأصعد  من عيون القادمين إلى غروب السهل. أصعد من صناديق الخضار. و قوّة الأشياء أصعد

DSCF0138
صور أرشيفية لنائل الطوخى تعود لعام 2008 أثناء محاولته الهروب من حصار الأسئلة

حاوره: أحمد وائل

وأحمد ناجى

نائل فى الثلاثين..خبر مهم، بل حدث مدو، هل تغير أمير الذهنية بعد وصوله للثلاثين؟ هل سينتقل إلى خندق حراس الجمود؟

هل سيتوقف عن الكتابة؟ ما معنى الثلاثين عند نائل الطوخي.. يقول المتصوفون أن الناى حزين لأنه يبكى الشجرة التى نزع منها.. لهذا يحن الناي إلى بداياته.. ويحزن بعمق، بنبل، بأسى، هل يحزن نائل مثل ناى وحيد؟

قبل أيام من بلوغ نائل الثلاثين كان يحدثنى بشكل ودى وحميمى عن مشروع رواية جديدة يريد أن يكتبها باللبنانية، ونشر فصلا منها تحت عنوان “82”. كان لنا ، ولكم، وللأمة العربية، هذا الحوار مع صاحب “خواطر ثائرة لفلاح مصرى”، ورواية “أرانب مطبوخة بالسمنة”

…………………………………..؟

انظروا. حينما بدأنا الكتابة كان العالم غير العالم والكتابة غير الكتابة. كانت

الدنيا رائقة وودودة ولم يكن هناك ذلك الصراع الفارغ حول الأفضل والأروع (يغمز بعينيه ويخرج طرف لسانه) والأكثر استحقاقا للترجمة والجوائز.

الكتابة كانت زي الحشيش: مزاج. طبعا كنا مجرد شباب ثوري متحمس. ظننا أن الثورة ستقوم بكرة، ومضى بكرة، ومضى بعد بكرة، واكتشفنا أن الثورة وهم كبير، فتفرغنا للسهر بالبار والاتهامات بالعمالة التي كنا نطلقها بين الحين والآخر كنوع من المداعبات المرحة والظريفة بيننا وبين زملاء القرطاس والقلم.

عن نفسي، أنا لم أحب السهر في البار، كانت عندي دائما مشاكل مع دماغ الخمرة، كنت أشعر أنها تتدخل بقسوة في تكويني الجسماني الصافي، بعكس الحشيش، ومثلما قلت لك: الكتابة حشيش، هذه مقولة أنا مؤمن بها، ومستعد للدفاع عنها حتى الموت.

………………………..؟

هذا شيء بتاع ربنا.

ربنا سبحانه وتعالى يقول ولا تدري نفس ماذا تكسب غدا ولا تدري نفس بأي أرض تموت. وبعدين أنا دائما بأحرص على أن أستحمى بعد ممارسة الجنس أو الشرب. حتى لا يأخذني الموت على خوانة.

meritwritersnaeleltoukhi
نائل الطوخى 

………………………؟

نعم. مجموعتي الأولى أصدرتها وأنا أبلغ واحد وعشرين

سنة، كانت عبارة عن خواطر متناثرة ومكتوب على غلافها “خواطر ثائرة لفلاح مصري” حسب الطريقة التي كانت متبعة زمان. وقد لاقت استحسانا كبيرا عند نشرها. كتب عنها الناقد الكبير الأستاذ أحمد الهندي والروائي محمد

أحمد، ولكن أكثر مقال أتذكره بالامتنان كان مقال الناقد الكبير تامر أبو هيثم، حيث استغل موقعه في جميع الجامعات الأجنبية وقدم تعريفا جيدا بها وبي فله كل الشكر.

إذا قارنتم هذا بما يحدث الآن فلن تجدوا أحد يكتب أو أحد يقرأ. خلاص. الجهل بقى نعمة (ينفخ دخان السيجارة بشجن). يعني أنا مثلا متابع للأدب الشاب،وتعجبني بعض الأسماء التي تحاول تقديم طريقة سرد جديدة وإن كان ينقصها المشروع المتكامل والدأب. ولكن من الذى يتابعهم من النقاد مثلما قام النقاد الكبار بمتابعتنا؟ لا أحد للأسف.

أنا أرى أن هذا جيل مظلوم. الله يكون في عونكم.

……………………….؟

آه. بالنسبة للأستاذ أحمد الهندي فلقد كان واحدا من أهم نقاد جيلنا. لقد كنت أراه في أستوريل يوميا من الساعة الثانية ظهرا حتى الثانية من صباح اليوم التالي. تصوروا أنه كان يشرب طول الوقت، وكان يعتبرها عيبة كبيرة في حقه إذا قعد وماشربش أو إذا ترك شخصا آخر يحاسب على الترابيزة. وكان طول الوقت يكلمنا عن التيارات الجديدة مثل الواقعية ومابعد الواقعية وغيرها. ولم يتخلف عن ميعاد جلسته هذه يوما واحدا. أما محمد أحمد فهو يعتبر أديب عالمي، وبعدما نشرت المجموعة بسنتين أخدت بنته، تزوجتها، وتصور أنه على مدار عشرين سنة زواج لم يتدخل في حياتنا الخاصة أبدا. برغم أنها – أي بنته –كانت سليطة اللسان ودائمة الشكوى، ولكنه كان – بتفهم الروائي الكبير – يقول لي: هذه زوجتك، وأنا لا أريد أن أتدخل في حياتكو أبدا.

 لقد كان نعم الروائي والصديق والحما رحمة الله عليه (يفتح يديه ليقرأ الفاتحة(.

……………………………؟

(يضحك بصوت عالي) السياسة حلوة. بصوا. السياسة دماغ. وأحلى دماغ كمان. أحلى من الحشيش.

أنا لما أكون مش مزبوط باروح أعمل دماغ سياسة. ندوة. مظاهرة. مناقشة جامدة. هكذا يعني. فيه بعض الناس التي تقول إن السياسة وحشة. لأ. أنا رأيي الشخصي أنها حلوة.

……………………….؟

أنا وإنتوا نقول هذا الكلام. ليه؟ لأن الناس تتصور أن الكاتب عندما يبلغ سنا معينا فإنه يغير أفكاره. لكن أنا وإنتوا عارفين الحقيقة. أنه لايغيرها. صح؟

طيب، كلامي واضح، أنا لم، ولن، يتغير موقفي من الذهنية، فهي تعتبر أول من قدمني للقراء بشكل أنصفني، وهي التي قدمت لي الخلفية التي أتسند عليها في أعمالي كلها. يعني خذوا عندكم مثلا، إنت مثلا بتكتب قصة حببين واحدة فقيرة وواحد غني، هذا موضوع ممتاز ومبتكر، ولكنه ليس ذهني بمافيه الكفاية، وبالتالي فالأمر لا يمنع من وجود بعض التيمات الذهنية في الكتابة، يعني أن تجعل البنت الفقيرة فقيرة جدا، والغني غني جدا، وهكذا يحصل الكونتراست.

n610580249_1551570_1636
صورة مهزوزة يظهر فيها من اليمين لليسار، ياسر عبد اللطيف، نائل الطوخى، وأحمد وائل

………………………….؟

(بتسم) نعم. أنا كاتب كونتراست. بعض الناس يتصورون أنني أزعل من هذا الوصف ولكن الحقيقة هي لا. أنا أرى أن كل واحد أستاذ في صنعته. وكان أول من وصفني بهذا الوصف الراحل الجليل الأستاذ محمد أحمد، الأديب العالمي وحمايا العزيز.

…………………؟

مثل ما قلتلكو من شوية، كل واحد أستاذ في صنعته. ربنا دائما يسبب الأرزاق. لا أحد يرزق حد، ولكن دائما هناك أسباب. الرواية الذهنية مثلا عندما ظهرت كان هناك تيارات أخرى.. ولكن هي اكتسحت الجو لأنها أثبتت جدارتها.. بينما التيارات الجديدة تحاول أن تثبت لنفسها مكانا ولكنها تفشل المرة تلو المرة.. لماذا؟

لأن الناس تنبذها. وربنا سبحانه وتعالى يقول أن ما ينفع الناس يمكث في الأٍرض.. لأحكي لكم قصة طريفة. أنا كنت ماشي في الشارع أقوم بجولتي الصباحية المعتادة. قابلني شخص استشفيت من ملابسه أنه بسيط الحال. وسألني لماذا لم أقم بواجبي في محاربة التيارات الجديدة التي جاءت بعد الذهنية. أنا قلت له شوف يا حاج. إنت شغال إيه؟ قال لي أنا على باب الله. قلت له إنت راجل طيب. لو جاء شخص ما وقرر أن يزاحمك في رزقك. هل تحاربه أم تترك ربنا ياخد لك حقك منه؟ قال لي أترك ربنا ياخدلي حقي طبعا.

قلت لهو هكذا هي الكتابة الذهنية يا صديقي.

إذا لم تخني الذاكرة فالرجل اعجبه كلامي لدرجة أنه حاول أن يقبل يدى ولكنني رفضت. .

………………….؟

)بتسم بسخرية) والموبايل الذي تحمله حضرتك غربي. وجهاز التسجيل الذي تسجلبه غربي. هل معنى هذا أن لا أستخدم هذه الأشياء وأتقوقع داخل نفسي؟ لا. يبقى الحل إيه؟ يبقى أنا آخذ من الغرب الأشياء التي تنفعني وأترك الأشياء التي لا تنفعني. وأنا أرى أن قصيدة النثر والشيوعية لم ينفعوا المواطن المصري، بينما الرواية الذهنية نفعته كثيرا. جعلته أكثر صحة، أكثر اهتماما بنفسه، وحققت له مستوى من الرفاهية لم يكن يحلم به قبلها. بالنسبة لماضي الرواية المصرية فأنا واحد من الناس الذين يرون أن إمبارح أحسن من النهاردة، والنهاردة أحسن من بكرة. قل لي: ليه؟.

اقولك. لأن النهاردة أنت عرفته بالفعل، بينما بكرة لا تعرفه. صح كدا؟ وهذه

إجابتي على مستقبل الرواية المصرية أيضا. أرجو أن يكون كلامي واضحا وألا

يساء فهمه.

………………..؟

شوفوا. أنا لا أسميه جنسا وإنما لذة جنسية. لأن كلمة جنس لوحدها هكذا تحمل لي دلالات غير مريحة. أنا لا أستريح لها. بالنسبة للذة الجنسية فهي من وجهة نظري لذة جنسية ذهنية، يعني مثلا أنت ممكن تزبط مراتك بالليل، لكن هذا يتم بدون ذهنية، هنا أنا لا أعتبر التزبيط تزبيط.

التزبيط في رأيي هو عمل كل الحواس، وأولها الذهن طبعا. (يقهقه بعنف شديد) إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى.

…………….؟

بالنسبة لموقعي من المؤسسة فأنا أحب المؤسسة. (يبتسم بود) هناك ميكروباص عندنا دائما ما يقول التباع بتاعه مؤسسة مؤسسة. هذه مجرد نكتة طريفة طبعا،ولكنها ترمى على ما هو أعمق. فأنا أرى أنه يتم التعامل مع المؤسسة كأنها مجرد تبّاع ميكروباص. وهذا ظلم. المؤسسة تمثل بالنسبة لي تاكسي. أنتوا عارفين. أنا بطلت ركوب ميكروباصات من زمان.

الصحة لم تعد مثل زمان. زمان كان هناك بركة كما قلتلكو. أنا أفضل التاكسي دائما. طبعا أدفع أكتر فيه. ولكن من الذي لا يدفع أكتر في هذه البلد. الإنسان هو الوحيد الذي يرخص يا أصدقاء.

تم حذف نص الأسئلة لاعتبارات خاصة بالمساحة، كما سنوفيكم تقريباً بالصور الخاصة بالحفل الذهنى الكونى الذى نظمه مجموعة من المعجبين ومحبى نائل بمناسبة بلوغه الثلاثين.

طيف سامية في مطعم الزهور

لم يكن مُهمًا لي أن أعرف إلى أين نتجه، لكن بسهولة كنتُ أرى أننا نتجه نحو ميدان السيدة عائشة، وهو ما جعلني أحاول أن أتذكر أي مطعم باسم “الزهور”، هامّ ومثير لدرجة أن يدعوني أنور وليلي، ليس إلى تناول الغذاء فيه معهما، بل وتخصيص نصف يوم كامل للاستمتاع بنزهة جميلة – كان هذا هو التعبير المحبب لدى ليلى- في مطعم الزهور.

أعرف أنور وجدي منذ فترة طويلة، لكن علاقتي بهما ظلت مُتوقفة لفترة على السلام العَابر حينما نلتقي في حفلات لأصدقاء مشتركين. في واحدة من هذه الحفلات تبادلتُ حديثًا قصيرًا مع أنور حول المزيكا عبرت فيه عن إعجابي بجيري لويس، لكنه اختلف معي مُفضلا جوني كاش عنه. أما سام كوك فقد كان رقم واحد بالنسبة إليه، حتى أنه دعاني للاستماع إلى بعض أغانيه وعبر عن استعداده لمنحي بعض تسجيلاته النادرة لسام كوك.

ذهبتُ إلى منزله واستمعتُ إلى سام كوك وشربنا البيليز بقطعة ثلج واحدة في كل كوب،  وبعدما انتهت الزجاجة انتقلنا إلى الويسكي حتى مكثنا في هزار ونكات مُستمتعين بأمسية بديعة انتهت بغناء ليلى لنا وصرنا أصدقاء من بعدها.

ذات ظهيرة بينما كنتُ واقفًا في شرفة منزلهما بجاردن سيتي أدخن سيجارة بصحبة أنور، دخلتْ علينا ليلى ترتدي قميصًا منزليًا أبيض خفيفًا ذا حمالات رفيعة تنسدل إحداها كل لحظة عن كتفها. وقفت بجواري مستندة إلى سور الشرفة وقالتْ وهي تمسح العرق من على جبهتها: “أوفف الجو حر جدًا”. بدا أنور غير مُنتبه وهو يتابع غروب الشمس من أعلى القاهرة، فجاوبتُ ليلى: “كل دا واحنا لسه في يونيو، بعد كدا الواحد مش عارف هيعمل ايه في أغسطس”. أخرجتْ تنهيدة قصيرة أخرى، وقربتْ كتفها العاري أكثر باتجاه كتفي.

كنتُ أرتدي قميصًا بنصف كُمَّ، لذا شعرت بملمس بشرتها البيضاء رطبًا في تلامس خفيف مع ذراعي، وبطرف عيني كنتُ ألمح قلادتها الذهبية تتأرجح بين ثدييها، الذي كشف القميص ذو الفتحة الدائرية عن جزء كبير منهما. وفي لحظة التفتت إلى أنور فخرجتْ أنفاسها ساخنة في وجهي وهي تقول: “أنور احنا لازم نروح مطعم الزهور”، رد أنور دون أن يلتفت: “فكرة هايلة.. وأنت كمان لازم تيجي معانا”.

تبسمتُ، وهززتُ رأسي موافقًا بمعنى ماشي الحال. انصرفتُ يومها وقد نمت مشغولًا ببياض بشرة ليلى وبروز حلمتيها.

* * *

في سيارة أنور الكاديلاك قطعنا الطريق من جاردن سيتي إلى القصر العيني، عبر أنور بالسيارة ميدان السيدة عائشة وبدا متجهًا إلى القلعة، لكن وقبل أن نصل إليها انحرف يسارًا لندخل شارع ضيق وسط المنطقة السكنية المجاورة للقلعة. مشينا في الشارع بصعوبة حيث كان الطريق غير مسفلت وتوقفنا حوالي خمس دقائق لأن أحد الأغبياء أوقف سيارته في منتصف الشارع، لكننا أكملنا الطريق. يمين في شمال وشمال في يمين. كنا الآن في قلب مسَاكن القلعة أو هكذا خمنتُ، ثم وصلنا إلى ساحة يلعب فيها الأطفال كرة القدم، فأوقف أنور سيارته على طرف الساحة بجوار عدد آخر من السيارات الفخمة، والتي بدا وجودها في هذه المنطقة غريبًا.

نزلنا من السيارة متجهين نحو أحد المنازل الشعبية ذات الأبواب القديمة، ووسط السيارات لمحتُ سيارة جاجوار سوداء انخلع لرؤيتها قلبي. وقفنا أمام الباب فضغط أنور بيمينه على زر الجرس بينما يده اليسرى كانت تحمل حقيبة المناشف ولباس السباحة. فتح الباب رجل ضخم يرتدي جلبابًا بلديًا بني اللون، ابتسم ما أن رأى أنور وليلى وسَلَّم عليهما بحرارة شديدة، ثم قادنا من الباب في ممر طويل حتى أوصلنا إلى سلالم تمتد إلى الأسفل، فنزلناها حتى وصلنا إلى باب آخر يجلس أمامه أحد رجال الأمن غارقًا في عرقه، واضعًا بجواره مروحة ماركة فريش، فتح لنا الباب وهو ينحني ودخلنا.

* * *

شكرتُ أنور وليلى على النزهةِ الجميلة وعزومة الغذاء، وطلبتُ أنا وسعيد أبو بكر منهما إنزالنا في ميدان الأوبرا. كان أنور وليلى مرهقين وينويان التوجه إلى منزلهما، بينما بالنسبة لي أنا وسعيد كان اليوم لا يزال في بدايته. الساعة لا تزال العاشرة والنصف، مما يعني أن بار البراندي سوف يفتح أبوابه بعد نصف ساعة.

مشيتُ أنا وسعيد في ميدان الأوبرا وجلسنا تحت التمثال العظيم للفارس المحارب إبراهيم باشا، أخرج سعيد سيجارتين ماركة فاطيمه من جيب معطف بدلته السوداء، أشعلتُ له السيجارة من ولاعتي، أخذ نفسًا وقال لي:

–        أنت شفت سامية النهاردا؟

جاوبته: “لا جينا متأخر بعد ما خلصت، بس شفت عربيتها”. ابتسمتُ بلا سبب وأنا أضع السيجارة في فمي، ناظرًا لحواجبه السوداء الكثيفة وصلعته الخفيفة، التي ينعكس عليها ضوء مصابيح الشارع. لم يلحظ ابتسامتي، لكنه رد قائلاً :”آه الجاجوار السوداء دى رهيبة.. بنت الإيه، عارف جابتها من مين”. قاطعته: “يلا نروح نشرب براندي”، لكنه استمر بصوته الحاد: “فاكر الراجل اللي كان بيجي دايمًا في نايت كلوب الخديو”، فقاطعته بحدة أعلى: “يلا نروح نشرب براندي يا سعيد، ومش عايز اعرف جابتها من مين”. انخرس سعيد، وقمنا من تحت التمثال متجهين باتجاه بار براندي عبده.

* * *

يتكون مطعم الزهور من قاعة دائرية كبيرة في منتصفها قرص خشبي، قدرتُ أنه يشكل البيست أو بلغة أهل العرب ساحة الرقص، وحول القرص الدائري تتراص ما يمكن أن نسميه الطاولات، وهي عبارة عن أحواض جاكوزي صغيرة تتسع لأربعة أفراد، وفي المنتصف طاولة لوضع الطعام.

كنت منبهرًا بالشكل، وأنا أشَاهد الجميع يتحركون في المايوهات وأردية السبَاحة، وعملًا بنصيحة سابقة لأنور لم أفهم مغزاها وقتها، كنتُ قد ارتديتُ أسفل ملابسي المايوه، حيث لم أحتج إلا لخلع القميص والبنطال ووضع الشراب في الحذاء في واحدة من خزائن الملابس الملحقة بغرفةِ جَانبية.

جلستُ أنا وأنور وجدي وليلى، يصل الماء إلى مُنتصف صدرنا. طلبنا بيرة فحضرت البيرة. كان شعوري بالماء البارد محيطًا بجسدي منعشًا خصوصًا في مثل هذا الطقس، الذي جئنا منه في الخارج بينما كان المكان مُكيفًا على درجة حرارة مُنخفضة يمكن وصفها باللطيفة. في الجو كانت تنتشر رائحة بخار، خليط من الياسمين وشيء لم أستطع تحديد ماهيته، ربما يكون اللافندر. نظرتُ لزجَاجة البيرة الباردة تتساقط قطرات الماء من على جانبيها. عن يميني كانت تجلس ليلى وأنور بجوارها، وقطرة من الماء تنحدر من على كتفها الأبيض العاري.

* * *

بالصدفة أتى سعيد وشاركنا الطاولة. المشكلة الوحيدة في المكان أن التدخين ممنوع بداخله. استأذنا أنا وسعيد وذهبنا لشرب سيجارة وبينما كنا نسير في اتجاه الباب لمحتها خارجه بكامل بهائها. كانت تلف نفسها في عباءة سوداء تحتها فستان أسود قصير، مع جزمة ذات كعب عال ورفيع ينغرس سنه الفضي في قلبي مع كل خطوة تخطوها في اتجاه سيارتها الجاجوار السوداء.

انحنى لها الحارس وهو يفتح الباب انحناءة خادم فخور بأنه ينحني لسامية جمال. انحنى راضيًا مبتسمًا لبهائها. بهائها الذي نبذني كمجذوب يجب نفيه وحرق روحه. لماذا أحرقتِ روحي يا سامية؟

* * *

شربتُ أنا وسعيد ما أعتقد أنه كان نصف لتر من البراندي الرديء، وأكلنا كيس شبيسي من الحجم الكبير كاملًا، أما الترمس والفول فلم نستهلك إلا طبقًا واحدًا.

كان سعيد كلما رفع حبة ترمس إلى فمه يفتح حنكه ويمد حبة الترمس بين فلقتي شفتيه ويقشرها، ولا أجد حرجًا لأقول أنني وجدت المنظر مقززًا، خصوصًا في إطار اللحظة الشعرية التي كنتُ أعيشها، كشخص مُحبط شَاهد حبيبته القديمة التي هجرته، يسكر بالبراندي ويحرق السجائر، لذا فقد تحاشيتُ أن أطلب طبقًا ثانيًا من الترمس، مكتفيًا بالسجائر. لا أملك غيرها منذ غادرتني سامية.

* * *

مشيتُ سكرانًا من ميدان الأوبرا حتى شارع 26 يوليو ومنه إلي محطة الإسعاف، وبجوار الكنيسة الإنجيلية جلستُ وبكيتُ.

 

16731190_10158246512470343_858280118_o

نشرت في مجموعة لغز المهرجان المشطور، ونشرت أولا عام 2007 بجريدة البديل

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ