هل انتهى زمن الأغنية البديلة؟

نشرت على موقع معازف عام 2013

مقدمة موجزة للتأصيل التاريخي

قاد جمال عبد الناصر ورفاقه منذ الخمسينيّات عمليّة تغيير جذري، ليس فقط للنظَام العام للدولة وأجهزتها التنفيذيّة، بل للفضَاء العام والمجتمع ذاته من أجل تطويعه في آلة ضخمة لتحقيق مشروع ضخم لم تتضح أبداً معَالمه– وإن كنا عرفناه كأجيال لاحقة بـ“المشروعِ الناصري المُجهض“.

كان الفن والثقافة من ضمن تلك المجالات التي تعرّضت لعمليّة تطويع ضخمة شملت سيطرة الدولة على وسائل البث والنشر من إذاعة وسينما وتلفزيون بعد ذلك، وامتدّت لاحقاً لتشمل أدوات الإنتاج الثقافي والفنّي نفسها، ليتم تأميم الصحف وشركات الإنتاج الفنّي تحت ذرائع مختلفة.

تحرّكت دولة عبد الناصر في مجال الأغنية على مستويين أساسيين: المستوى الأوّل: امتلاك أدوات الإنتاج والبث، وبالتالي: التحكّم في الأغنية العربيّة والمصريّة، والمُسَاهمة في إضفاء تابع القدَاسة على نجومها المرضيّ عنهم، عبد الحليم وأم كلثوم نموذجاً، أو تهميش آخرين لانتمائهم إلى العهد البائد، صفر علي وفؤاد المستكاوي، أو لأن أغانيهم ليست أغانٍ هادفة، شكوكو نموذجاً.

pict0031

أما المستوى الثاني فقد كان جزءاً من خلق عملاق وزارة الثقافة، وقاده وقتها زكريا الحجّاوي الذي طاف المدن والأقاليم لجمع الفنانين الشعبيين من الموالد ومن الفضاء العام، وتحويلهم لموظفين يؤدّون فقرات ثابتة وجاهزة على مسارح الدولة.

لكن ومثلما تعملنا من “فوكو“: أينما وجدت السلطة وبدأت في ممارسة أدوات تسلّطها، وجدت المقاومة. لذلك، لم تمر عملية سيطرة الدولة على الأغنية من دون مقاومة التي برزت أوّل صورها في تجربة الشيخ إمام. لكن على هامش آخر، ومع نهاية الستينيّات، ظهرت مجموعة من الفرق الشابة المتأثرة بالتطورات النوعية التى حدثت في مجال الأغنية في أوروبا وأميركا. وتجلّت في عدد متنوّع من الفرق بداية من”The Rocket” و“The Black Coats”، ومشاريع إسماعيل توفيق الحكيم الذي مات منتحراً بعد ذلك في ظروف غامضة.

للآسف، لم تحمل تجارب تلك الفرق خلفها ميراث آيدولوجيّاً أو جماعة ثقافيّة مولعة بأمجاد التاريخ كاليسار لكى تحفظ لنا تجاربها الموسيقيّة. بينما توفّرت مثل هذه الظروف للشيخ إمام، الأمر الذي كفل لتجربته الاستمرار التاريخي كنموذج لما سيعرف بعد ذلك بـ“الأغنية الملتزمة“.

توسّع الهامش أكثر فأكثر مع سنوات السبعينيّات والثمانينيّات كنتيجة لتراجع تسلّط الدولة النسبي على مجال الفن والثقافة، ولظهور تقنيات بث ونشر جديدة أقل تكلفة وأوسع انتشاراً ويصعب السيطرة عليها كشريط الكاسيت، حتى أصبح هناك تيّار غنائي كامل يعرف باسم “الأغنية البديلة“.

لم يتّضح أبداً ما هو التعريف الدقيق للأغنية البديلة، لكن اصطلح على وصفها بالأغنية القابعة في الهامش بعيداً عن آلات البث الخاضعة لسيطرة الدولة التى تضخّمت لتصبح نظاماً وشبكات إنتاج خاصّة قد لا تكون تابعة للدولة، لكنها تمارس دور النظام الحاكم. لكن تسمية “الأغنية البديلة” لم تشمل أبداً الأغنية الشعبيّة بداية من أحمد عدويّة وسلالته، بل تم وضعهم في ركن منفرد، أو التعامل معهم كإفراز لحالة مجتمعيّة سياسيّة ملتبسة وغير مفهومة.

جاء ذلك في وقت تراجع فيه اهتمام الدولة مع الوقت بتأكيد سيطرتها على المجال الثقافي والأغنية، إلا في قضايا حساسّة، وللحفاظ على الخطوط الحمراء في الوقت ذاته. صحيح أن الآلة الإعلاميّة للدولة، والتي ظلت الأضخم والأوسع انتشاراً، حافظت على انحيازها للأغنية للرسميّة– لكن على حساب لتجارب الموسيقيّة المختلفة الشابة، أو حتى لتلك التي تحمل اسم الأغنية الشعبيّة، ناهيك عن استبعاد الغناء المحلّي، وكل ما هو خارج القاهرة من الطنبورةوحتى الغناء البدوي، والتعامل معها كمنتجات فولكلوريّة مكانها مساحة بسيطة في فرق الفنون الشعبيّة.

مشهدان وبضعة أسئلة

طوال أيام الاعتصام الذي أعقب مظاهرات 28 يناير، كان الميدان ساحة لإذاعة الأغاني الوطنيّة، بداية من تلك التي ظهرت مع المشروع الناصري المجهض، وحتى أغاني الفرق الشابة الجديدة التي تكرّر نفس التجارب القديمة، وتخلط هتافات المظاهرات بالموسيقى.

كان الميدان بالنسبة لكثيرين حالة من حالات الفن الجميل. وفي يوم 11 فبراير في ميدان التحرير، وفي إحدى الإذاعات، ومع ارتفاع موجات فرحة الجماهير وطوال أكثر من ثلاث ساعات، كانت الموسيقى التي يتم بثها هي موسيقى المهرجانات فقط: بداية من عمرو حاحا وفيجو وحتى 8%. لماذا اختفت حالة الفن الجميل مع الاحتفالات إلا من شرفة حزب التجمّع فقط التي كانت تبث أغاني عبد الحليم يومها، وتم استبدالها بأغاني المهرجانات، ومنها أغنية مهرجان “يا حسني سيبنا حرام عليك“؟ ولماذا بعد ذلك تقوم مؤسسة كالمورد الثقافي باستضافة نجوم المهرجانات كـ“إسلام شبيسي” و“عمرو حاحا” في مسرح الجنينة؟ بينما تستضيف البرامج الحواريّة على التلفزيون الرسمي والقنوات الفضائيّة فرق كـ“إسكندريلا” وغيرها؟

جرت العادة أن تختار شركات المشروبات الغازيّة نجماً غنائيّاً عالميّاً وعربيّاً ليقوم بحملتها الإعلانيّة السنويّة. وكانت بورصة النجوم تتغيّر تبعاً للنجم الذي ستختاره الشركة كل عام. اختيار نجم ما لإعلان واحدة من شركتي المشروبات الغازيّة يعد بمثابة تنصيب هذا الفنان كنجم للعام.

بعد عام من الثورة، اختارت شركة مشروبات غازيّة فريق “وسط البلد” للقيام بحملتها الإعلانيّة، بينما اختارت الشركة الأخرى فريق “كايروكي“. تنتمي الفرقتان للأغنية التى ظهرت قبل الثورة وتنامى جمهورهما في الأماكن الثقافيّة المستقلة التي كانت تستضيف حفلاتهم، أو من خلال تسجيلاتهم التى كان يتم تبادلها مجاناً على الإنترنت. لماذا بعد الثورة يتم اختيار فرقة مستقلة لتنفيذ إعلان شركة مشروبات غازية؟ لماذا لم يتم اختيار عمرو دياب أو حمادة هلالأو محمد فؤاد، رغم أن الثلاثة قدّموا أغاني للثورة؟ وهل يمكن استمرار وصف الأغنية التى تقدمها فرق موسيقيّة تقوم بعمل إعلانات لشركات مشروبات غازيّة بأنها أغنية بديلة أو مختلفة أو مستقلة؟

“التطوّر الطبيعي للحاجة الساقعة“

في كتاب عبد الله كمال وابراهيم عيسى عن الأغنية البديلة الذي صدر في طبعة واحدة تقريباً على نفقتهما في الثمانينيّات، يبدي جميع الفنانين الشباب الذين يقدمون ما اصطلح عليه المؤلفان باسم “الأغنية البديلة” استياءهم من اضطرارهم للغناء في كباريهات شارع الهرم. مصطلح الأغنية البديلة في الثمانينيّات كان يعني تجارب علي الحجار ومحمد منير وجيلهما الذي حارب في سنوات “العدم” من أجل وجود مكان وشركات إنتاج تتبنى تجاربهم الغنائيّة.

لكن مع بداية الألفيّة، ومع سياسات العولمة والانفتاح الاقتصادي التي سمح بها النظام لتشمل السماح بالتمويل الأجنبي لمنظمات المجتمع المدني، ومنها تلك التي تركز على التنمية الثقافيّة، تغيّر المشهد ليصبح هناك منظومة كاملة ترعى ما يسمّى بـ“الفن البديل” في كل المجالات ومنها مجال الأغنية.

سمحت هذه المنظومة بتكاثر الفرق الغنائيّة الشابة، وبتوفير المسارح وخيارات الدعم. لكن ظلّ معيار استحقاق دعم الفن، لدى هذه المنظّمات، مقتصراً على تلك التجارب الغنائيّة التي تتكئ على تراث مشاريع الأغنية البديلة منذ الستينيّات. لهذا، حمل قاموس الكلمات والجمل اللحنيّة في تلك التجارب الغنائيّة أطياف وأرواح تجارب سابقة، بل وأحياناً بدت بعض تلك التجارب استنساخاً لما كان.

لم تكن منظومة إنتاج الفن المستقل، التي وفرتها مؤسسات التنمية الثقافيّة المختلفة، تتحرّك أيضاً بالحريّة الكافية:إذ حافظ ظل الدولة ونظامها وخطوطها الحمراء على التواجد، ثم ظل الخطوط الحمراء بالنسبة للمجتمع والذوق العام. الأمر الذي أثّر بدوره على طبيعة تلك التجارب الفنيّة، فابتعدت عن المحظورات السياسيّة والاجتماعية أو الحسيّة. وخارج هذه الخطوط، لن تجد لك مكاناً تحت ظل صناعة الفن المستقل.

لكن التطور التكنولوجي في تلك الفترة أيضاً فتح أبواب لعالم آخر من خلال الإنترنت. فحتى إذا كنت بعيداً عن منظومة الفن البديل، ولا تمت بأي صلة للفن الرسمي، وحتى إذا كان ما تقدمه محاولة للتجريب أو التخريب أو العبث، يمكنك من خلال الإنترنت نشر تلك التجربة بدون اشتراط الكشف عن الهويّة عليها إذا كانت لديك تخوّفات من ردود أمنيّة أو اجتماعيّة.

سمح الإنترنت بخلق عالم جديد وتجارب جديدة. وأصبحت صناعة الفن البديل تحاول اللحاق بركاب هذا العالم.لهذا، لم يجد مكان مثل “الساقية“، الذي كان يرفض في بدايته استضافة حفلات الفرق التي تقدّم موسيقيي “الراب“، أمامه بعد فترة إلا القبول بهم، خصوصاً بعد أن تحوّل بعضهم بفضل الانترنت إلى أسماء لديها جمهورها.

نهاية العالم القديم

خلق تكاثر وسائل الإعلام في مصر ما بعد الثورة من قنوات فضائية لإذاعات لصحف معادلة أخرى: الحاجة إلى منتج لتغطية كل ساعات البث والصفحات البيضاء، وفي وقت يتزايد فيه الاهتمام بالشأن السياسي. هنا، يزداد الطلب على الأغنية الوطنيّة، وتصبح المطالبة برد الاعتبار للفن البديل في تصوّر البعض نوعاً من الانتصار لوجهه نظر سياسيّة.ناهيك عن استخدام الأغنية في خدمة العمل السياسي كنوع من البروباغندا الإعلاميّة. وفي هذا الحالة، لا يصبح التقييم الفنّي – الذي هو بطبعة مسألة نسبيّة– مسألة تقتصر على مستوى مكوّنات العمل الغنائي، بل تمتد لتشمل طبيعة رسالته السياسيّة والآيدولوجيّة، ومواقف الفنان السياسيّة.

لكن المدهش أنّه بدلاً من أن يدفع هذا الأمر إلى تطوير الأغنية السياسيّة والوطنيّة تطوّراً نوعيّاً ينعكس على فن البروباغندا السياسيّة، تأتي تلك الأغاني خالية من أيّ طموح للاختلاف أو التجريب. بل يجمعها المباشرة والإصرار على استخدام القوالب الموسيقيّة الجاهزة، وبالتالي يختفي الفرق بين أغنية “شهداء 25 يناير ماتوا في أحداث يناير” لحمادة هلال، وأخرى يقدّمها فريق “كايروكي” مع عايدة الأيوبي “ياه يالميدان كنت فين من زمان بتجمعنا“.

لم يعد الغناء البديل بديلاً لأي شيء. فقد روحه التجريبيّة وخياله غير المؤطّر، لكنه احتفظ بالختم التى حمله قبل الثورة: بوّابته الحاليّة نحو العالميّة والتجارويّة.

وفي هذا الحالة، لا يقتصر التحدّي فقط على الفنانين الموسيقيين بخروجهم من العباءة الهلاميّة لذائقة الفن البديل، بل أيضاً على تلك المؤسسات الثقافيّة التى رعت هذا الفن طوال السنوات الماضيّة، والتي يبدو واضحاً تخبطها أكثر من الفنانين أنفسهم في العام الماضي من حيث استضافة فرق موسيقيّة في تظاهرة كـ“الفن ميدان” في الشارع، واستضافة إسلام شبيسي على مسرح الجنينة.

وهو تخبّط يكشف ضمن ما يكشف أن مؤسسات الدولة الثقافيّة والفنيّة ليست الجهة الوحيدة التى تحتاج إلى إعادة هيكلة والتفكير في طبيعة رسالتها، بل أيضاً مؤسسات رعاية الفن البديل والمستقل والجديد حتى لا تسقط في حالة المهرجانات فقط.

النوايا الطيبة والإعلانات السيئة

نشرت في المصري اليوم في صيف 2013

تضايق بعض المسؤولين في جمعية «رسالة الخيرية»، بسبب الشائعات التي طالت الانتماءات السياسية لبعض كوادر فريق الإدارة وعلاقاته بقيادات جماعة الإخوان المسلمين. «رسالة» لم تكن لوحدها، فمعظم الجمعيات الخيرية التي طالما تلقت تبرعات من رجال أعمال من كل التيارات، ومنهم الإخوان، وتطوع فيها آلاف الشباب، ومنهم شباب الإخوان، سارعت إلى إنكار أي صلة لها بالإخوان. في سلوك يعكس مقدار جُبن قيادات هذه الجمعيات من الشائعات الإعلامية، لأنهم ببساطة يعتبرون ما يقدمونه عملًا في مجال الدعاية والتسويق، لا مجال التنمية وإدارة المؤسسات الخيرية.

 بدلاً من إنكار صلتهم بالإخوان، لماذا لا تتبع هذه الجمعيات أسلوبًا أكثر شفافية يكشف عن مصادر تبرعاتها وأوجه إنفاقها، وبدلاً من إعلاناتهم السخيفة القائمة على الابتزاز العاطفي، فنشر تلك الجمعيات لميزانيتها جدير بنيل ثقة المتبرعين وجذبهم.

لا نعلم عن تلك الجمعيات التي تجمع الملايين سوى العبارات الدعائية التي يعلنون عنها، ولا أُشكّك في نزاهة القائمين عليها لا سمح لله، بل أطرح أسئلة حول أوجه إنفاق أموال المتبرعين في تلك الجمعيات. يكفي أن تفتح التليفزيون أو الإنترنت أو حتى تمشي في الشارع لترى بنفسك إعلانات تلك الجمعيات التي تُقدّر حملات بعضها خلال شهر رمضان بالملايين.

عرف المجتمع المصري الجمعيات والمؤسسات الخيرية بأشكال متعددة وكانت دائمًا يد إنقاذ لملايين المحتاجين في مصر، وحكمها باستمرار مجموعة من المعايير الأخلاقية أبرزها أن تنفق بيمينك ما لا تعلمه يسارك، لكن في السنوات الأخيرة ظهرت أشكال جديدة من تلك الجمعيات، تتم إدارتها بمنطق وأدوات المؤسسات الرأسمالية، فأصبحت الدعاية والإعلانات جزءًا أساسيًا من ميزانياتها. وهنا من حقنا أن نسأل: أين تذهب أموال المتبرعين بالضبط؟

 فزكاة المال وزكاة شهر رمضان مثلًا هناك جهات صرف في الشريعة الإسلامية محددة لها بدقة ووضوح، وهناك في مصر ملايين الأفراد في أمس الحاجة لأي قدر من المساعدة، لكن تخيل مثلًا أن «عشرة آلاف جنيه» من أموال المتبرعين لجمعية خيرية يكون مصيرها بدلاً من الذهاب إلى المحتاجين أن تذهب إلى إحدى القنوات الفضائية لشراء خمس ثوانٍ وسط مسلسل غادة عبد الرازق لعرض إعلان لتلك الجمعية.

لطالما كانت السرية في التبرع وفعل الخير بعيداً عن أعين الناس وسيلة لدفع الرياء والتفاخر حتى يكون الخير خالصاً لوجه الله، والآن يدافع المسؤولون في تلك الجمعيات عن حملات الإعلانات الباذخة بأنها وسيلة لجذب متبرعين ومتطوعين أكثر، ورغم أن وظيفة تلك الجمعيات مساعدة المحتاجين لا جذب مُتبرعين أو رفع رأس مال تلك الجمعيات، فهناك عشرات الأسئلة التي تحيط بأوجه التخطيط الإعلاني لتلك الجمعيات. فدفع كل هذه الأموال من أجل إغراق موقع «يوتيوب» مثلًا بإعلانات جمعية رسالة يفتح الباب للكثير من الأسئلة حول نوعية المتبرعين المستهدَفين، وهل يجذب اليوتيوب هذا القدر حقاً من المتبرعين؟

 ناهيك عن الدور الذي يلعبه القائمون على التخطيط الإعلاني في تلك الجمعيات في صب أموال المتبرعين في قنوات إعلامية محددة. لماذا مثلاً تحصل القناة (س) التليفزيونية على كل هذه الأموال من إعلانات الجمعية الأخرى، ولا تحصل القناة (ص)، وحينما يظهر مدير الجمعية في عشرات المناسبات والصور مع إعلاميين وأصحاب قنوات محددة لا يتم توجيه أموال الإعلانات إلا إلى برامجهم وإعلاناتهم، ونفس الإعلاميين يظهرون في إعلانات الجمعية ويدافعون عنها، فنحن هنا أمام «لوبي» وشبكة مصالح وعلاقات غير واضحة المعالم.

إذا كنا نطالب بمجتمع أكثر شفافية وانفتاحًا، يمارس فيه الشعب الرقابة على ثرواته ومقدراته، فالأولى بتلك المؤسسات الاجتماعية أن تكون أكثر شفافية، ويكون لديها ميثاق مهني أكثر رقياً وأخلاقاً. فهناك عشرات الأسئلة والملاحظات حول الرسائل التي تحملها تلك الإعلانات، على سبيل المثال واحدة من المؤسسات الطبية الخيرية تقوم كل رسائلها الإعلانية على انتهاك خصوصية الأطفال المرضى، وبينما تمنع المواثيق الطبية الأطباء والمؤسسات العلاجية الإفصاح عن أي بيانات خاصة بالمرضى، تقوم المستشفيات الخيرية بعرض صور الأطفال المرضى وأسمائهم، وتصويرهم في أكثر الصور بؤساً بشكل يستغل حاجتهم ومرضهم.

نعرف جميعًا هشاشة الوضع الاقتصادي المصري وافتقاده للعدالة الاجتماعية، ونرى بوضوح كيف يقوم الاقتصاد المصري على «الشحاتة» والتبرعات من الأشقاء العرب، بل حتى الدولة المصرية التي تجني الضرائب وتمتلك حق إدارة الثروات الطبيعية تمارس تلك «الشحاتة»، وكل فترة يروّجون لرقم حساب بنكي تبرع عليه حتى تنقذ اقتصاد مصر. كأن الاقتصاد هو خزنة إذا امتلأت بالمال فسوف يكون كل شيء على ما يرام، لا سياسات أو مناخ يكفل استمرار ونمو المجتمع. طبعاً نحن شعب بذاكرة سمكة، وننسى سريعاً ولا نسأل المذيعين أو الشيخ محمد حسان أو رئيس الوزراء أين تذهب أموال تبرعات إنقاذ مصر. مثلما أيضاً لا نسأل مثل تلك الجمعيات لماذا تنفقون أموالنا في مقرات زجاجية فخمة في أرقى أحياء القاهرة أو توجهونها لمنتجي المسلسلات من أجل مساحة إعلانية.

يمكن أن يستمر الوضع هكذا مثلما كان وسيكون، تجلس أمام التلفاز فيعرضون لك إعلاناً يتاجر بآلام المرضى والفقراء، ضميرك يوجعك، فتذهب للتبرع، ينفقون مالك على إعلان جديد يخبرك بأن هناك وجوهًا أخرى لإنفاق مال الزكاة ويقدم لك حالة بائسة أخرى، فتتبرع مرة أخرى. هذا حل لطيف يحافظ على وجود الفقراء حتى يتم استغلالهم في التصوير وتستمر تلك الجمعيات في شراء الأتوبيسات ورفع رأسمالها وإنتاج الإعلانات وتوزيع الأموال على القنوات التليفزيونية، وكلما وجعك ضميرك تُخرج مالًا وتعطيه لهم. أو حل آخر أن نبدأ في طرح الأسئلة والبحث عن وسائل أكثر نزاهة وفاعليه لإنفاق وإدارة ملايين التبرعات الخيرية.

 

كروش ونعوش

نشرت في المصري اليوم في 2013
مهما تناولوا من مشهيات، وسلاطات، وبابا غنوج وحمص وشاورما سوري وكباب وكفتة وسيارات فارهة ومنازل بحدائق وخدم وحشم، لا تمتلئ أبداً كروش «الشيوخ».
وفي هذا يقول ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أناساً من أمتي سيتفقهون في الدين، ويقرؤون القرآن، ويقولون نأتي الأمراء فنصيب من دنياهم، ونعتزلهم بديننا ولا يكون ذلك كما لا يجتنى من القتاد إلا الشوك، كذلك لا يجتنى من قربهم إلا الخطايا». والحمد لله لم يعد في عصرنا أمراء، بل أمير واحد هو الرئيس باراك حسين أوباما ومعه مجلس الكونجرس الموقر، وهم  في العاصمة «واشنطن دى.سي» لا يفتحون الأبواب للعلماء بل يصدرون إليهم الأوامر فيطيع الشيوخ الأمر ويهبون لتنفيذ رغبات أمير المؤمنين.
رأينا كيف ما إن وافق الكونجرس الأمريكي على تسليح المعارضة، كيف هب شيوخ الكروش من كل مكان ليطرقوا أبواب السلطان، القرضاوي في السعودية، والعريفي يدعو لمرسي في مصر، وأخيراً كل نخبة كروش الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح المعروفة باسم تكية شهبندار التجار خيرت بيه الشاطر الزغلول الكبير.
يقف العلماء أمام مرسي لا يسألونه عن ضحايا التعذيب الذين يموتون على يد جنده وضباطه في وزارة الداخلية، ولا يعاتبونه على كذبه المستمر بل ينافقون ويمدحون ويتغزلون في حلاوة دمعته ويقبلون الأيادي أمام الشاشات.. إذا لم يكن هؤلاء هم علماء كروش السلطان، فماذا يكونون؟
أوباما يعطي الأوامر، ملوك النفط في الخليج يدفعون، يلبي الشيوخ بكروشهم وألسنتهم الملتوية يزيفون الحقائق ويخدعون الناس لمصلحة السلطان. أو كما قال أحمد عدوية «هما الإدارة يا ليل.. واحنا الحيارى يا ليل». لكن كروش الشيوخ لا تشبع ولا تمتلئ مهما منحهم السيد الأمريكي من سلطة وتطمينات، ومهما انهال عليهم أمراء الخليج بالقروض والودائع، لا تمتلئ كروش الشيوخ إلا بالدم ونعوش الشباب الذين يدفعونهم نحو الموت باستمرار وإصرار وعزيمة لا تلين. فقط النعوش تملأ كروش الشيوخ.
كيف إذن يحصل شيوخ الكروش على نعوشهم؟
من خلال لعبتهم، التدليس، والنفاق، وتزييف الحقائق. فيصبح الاختلاف السياسي والمظاهرات أو التمرد يوم 30 يونيو فرصة للتكفير ودعوة للشباب للجهاد ضد الكفار المتمردين، كما يقول محمد عبد المقصود الشيخ المهاجر من ضيق السلفية وشحها إلى رحابة الفتة والمشويات في كرش الزغلول الكبير. يحب كرش عبدالمقصود دماء المتظاهرين السلميين الكفار العلمانيين والرافضة الشيعة.
أما علي السالوس ومحمد حسان، فكروشهما لا تكفيها هذه الأمور التافهة، وهم مستعدون للتلاعب بآيات الله، والمصطلحات الفقهية بحيث يتحول «رد الفئة الباغية» إلى «جهاد في سبيل الله»، وبحيث يتحول الصراع في سوريا لا بين شعب يحلم بدولة آمنة ديمقراطية متعددة الهوية والعرقيات، بل صراع بين فئتين سنة وشيعة رافضة، والنصر بالنسبة لحسان والسالوس لا يتحقق إلا بالذبح والنحر، وإبادة كل الرافضة الشيعة ورفض الحوار معهم ومنعهم من دخول البلاد.
يخاطب حسان والسالوس المواطن الجالس بلا كهرباء ولا ماء، يعددون فضائل وخيرات سوريا، ثم يدعونه إلى الجهاد، فإما الشهادة وإما الغنائم من خيرات الشام.
ومثلما ارتوت كروش شيوخ قبل ذلك بدماء الشباب المصري الذي تم إلقاؤه في الجحيم الأفغانى الذي كان حلالا وقت الجهاد ضد السوفيت وحرامًا الآن ضد الأمريكان، تنتظر كروش الشيوخ في تكية خيرت بيه الشاطر (هيئة الحقوق والإصلاح) النعوش التي ستأتى من سوريا وتروي وتملأ كروشهم. لن يتحرك أحد منهم بل سيدعون للجهاد من القاعات المكيفة في فنادق القاهرة كيهود موسى حينما قالوا: فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون. فلدينا كروش نحتاج لملئها بالدماء والنعوش.
ورغم أنهم في السلطة ورئيسهم المنتخب كان حاضراً، ومجلس الشورى في يدهم. فهم لن يختاروا الطريق العلنية. لن ينادوا بخطة معلنة لتدريب الشباب أو تأمينهم أو حتى مشاركة القوات المسلحة المصرية فيما طالب به الرئيس مرسي من فرض لحظر طيران. بالطبع لا، للشيوخ طرق ملتوية أكثر تعبر عن نفسها ببجاحة حينما يهاجم الشيوخ الغرب الكافر والملحد وفي الوقت ذاته يطالبونه بأن يقف بجوارهم ويدعم السنة في سوريا ضد الرافضة الكافرين!
  أما هم فهم قاعدون على مؤخراتهم التي تأخذ يوماً بعد يوم شكل مقاعد مهرجى السلطان، ينتظرون الشباب الصغير ويرتبون طرق شحنه إلى سوريا في معركة بلا تدريب ولا تأمين ولا يعلم الهدف منها ليموت ويعود في نعش يغذي كرش الشيخ الجالس يسبح بحمد الرئيس في ظل خيرات الشاطر.

ملحوظة عابرة عن فيلم الكنز وواقع الحرفة الآن

احنا بقي عندنا مشكلة خطيرة فعلا يا جماعة في السوق، الناس من كتر ما اتعودت على شغل النحت نسيت الشغلانة والفن. افلام زى الكنز او الاصليين رغم الطموح العالي فيهم، لكن سقف الافكار والخيال والتنفيذ لا يتجاوز مستوى اعلان سمنة منحوت من اعلان زبدة امريكانى. علشان كدا حاجات زى افلام بيتر ميمى وامير كرارة واحمد السقا فيها منطق ونضج اكتر من المستوى الركيك اللى طالع عليها الافلام دا.

ايمن ابو المكارم دا مثلا مدير تصوير اخره يصور سيت كوم وتوريه قبل كل مشهد الريفرينس اللى يشتغل عليه، تجيبه في حاجة زى الكنز فينور معبد فرعونى بكينو ونيون ومفيش شعلة نار او مصباح زيت واحد ويقعد يكافح هو وشريف عرفة علشان يعملوا اى حاجة عميقة او مغايرة فيجيبوا درونز تصور، فالدرون وهى بتصور يقوم يبان الكاميرا واللوكيشين، … والمفروض لسه ان فيه انسانة قاعدة على المونتاج بعد كدا قصت وعملت المشهد عادى، وقدمت لنا دا وراحت تنام بدون ذرة تأنيب ضمير 

.لان كل اللى شغالين اتعودوا مش بس على شغل النحت والريفرينس، لكن كمان ان يكون فيه عميل يشوف الشغل قبل عرضه وان العميل هو اللى بيتحمل مسئولية العمل، فعادى واحدة قاعدة على مكنة المونتاج عماله تخرف ونايمه على المكنة ومخرج كبير يطلع لنا فيلم بالركاكة التقنية دى

مسيرة الديك

يقال أن الديك. هذا الحيوان ذو العرف الأحمر الأليف كدجاجة تمتلك قليل من عزة النفس، هذا الطير النبيل ذو المنقار الحزين، يقال أنه يبيض.

بيضة واحدة في العام. حتى الأسطورة الواقعة بين المعلوم بيولوجياً والمتردد كسراب فولكلوريا لم تمنح الديك غير بيضة واحدة. أي مأساة هذه؟

تخيل كل مرة يشعر الديك بحرقان في معدته أو فتحته الشرجية يشك أن هناك بيضة في الطريق، لكنها في الوقت ذاته قد تكون وهماً. بين الشك والحيرة في رشاقة ينتصب على خيط رفيع. الديك أيضاً مضطر لأن يجد نفسه في عدد من المواقف غير المفسرة. مَدفوعاً بكيمياء بيولوجيا يظل يصدر صوته المحير “كوكاديل.. كوكو كوكو”. وأن يتحول مزاجه من الحالة التأملية الواقف فيها شامخاً أمام الشمس في غروبها إلى حالة بهيمية يطارد فيها الدجاج ويقفز عليهن هنا وهناك.

2012-12-10 13.08.36
من تصويري 2012

أيها الديك النبيل!

أي مصير تعس كان يجب أن تدفعه، من أجل أن تحفظ مكانتك منتصباً، عزيزي ذو البيضة الواحدة

اجلس ها هنا

دعنا نشرب سوية، فالزجاجة لا تزال ممتلئة

والشوارع ليست طيبة في الخارج

هاهو المعطف يحترق

فلا حاجة لكى نأخذ الشمس في قلبنا، ضعها هنا فوق المدفئة

علها ترغب بقليل من الراحة

الشمس متعبة عزيزى الديك

فقط هذا مصيرها.. مثلما هذه مسيرتك

1

كان هذا الشتاء، وفي إطار مسيرتنا البائسة كنا مضطرين لقضاء ليلة رأس السنة في مدينة البؤس المتجدد “المنصورة”. والإرهاق مسيرة أنهار تحفر مجاريها على الوجه. بنوا أمام مبنى الجامعة عمل ما يفترض أنه ينتمى إلى الفن الحديث يتكون من مجموعة من الكتب الضخمة مصفوفة في ميدان ليس بالميدان، وعلى أطراف المدينة المختنقة ببؤسها وحزامها الزراعي حملت بين يدي نسخة مما سيحمل بعد ذلك عنوان “روجرز”. لم أكن أعلم ما الذي يمكن فعله بهذه الجثة.

أمسكت الملف بين أصابع يديها، وكانت أظافرها قصيرة حيث اعتادت أن تأكلهم لسنوات كما بهيمة الصغيرة داخلها مجرة كبيرة. وكنت أعرف وأبحث عن باب للمحيط من خلال ابتسامتها. كان المشروع الذي حلمت به طوال سنوات المراهقة والجامعة ينهار بين يدى بعد اكتماله، يتبدى سخيفاً كما “الكلوت” الذي ارتدته أول مرة نمنا فيها مع بعضنا البعض.

ويا إلهى، تخيل بعد كل هذه الأعوام، يأتي التافه كما “المذى” يتساقط من الزب “كينى ويست” ليقولها حقيقة على قد ما تبدو صادمة، سطحية في الوقت ذاته.

ما من كنيسة هنا عزيزى الديك لتتصدر المشهد

ما من زخرف

لا متاع

لا لهو

لا صياح

لا رقص

.. أو موسيقي ميتة

هذه القصة صارت من قديم الزمان، هذه القصة صارت من أعوام.

n540375930_498819_4339
من حفل توقيع إطلاق رواية روجرز 2007

2

هذه الرؤيا..

حوت يسبح نائماً كمن في سراب حلم لنجيب محفوظ، يحمل فوق ظهره جمل من النوع ذو السنام الواحد، عليه ديك أشقر زاهياً بحزنه، وبخيط الدم السائل من جرح في فتحته الشرجية.

3

كان (ش) زميلاً في الدراسة وشخصية للآسف تفرض نفسها في حياتى لأسباب يطول شرحها. في الوقت ذاته ابناً لعائلة بنت متناكة تعمل في مجال المقاولات في الحى العجائبي المعروف بدار السلام، وكان ل(ش) أخاً ابن متناكة أحياناً ما يظهر معه زائراً لشقتى المشتركة وقتها. وكنت مضطراً لتقبل صحبة ابن المتناكة أخو (ش) بسبب ورق البانجو الذي كان يحضره معه.

ولقد حاول أخو (ش) إغوائي دوناً عن كل الناس لسبب ما أكثر من مرة بتجربة “الانجكة”، إلا أننى لطالما قرفت من ابن المتناكة، وأى حاجة من طريقه أو سكته.

ثم أن ابن المتناكة كان يحكى كيف أن أحد العاملين في مخزن من مخازنهم اختلس ما يوازى تقريباً 500 جنيه، فقاموا بتكتيفه وسجنه في أحد المخازن لبضعة أيام وتعذيبه ثم إطلاق سراحه.

لا أعرف لماذا شعرت بقرف بالغ من ابن المتناكة هذا، لا بسبب الشغف الذي يحكى به عن التعذيب بل لتفاهة العمل كله، أتذكر أنى قاطعته بينما يحكى:

-هو حد فيكم يا زميلي في الحفلة دى ناك الواد دا؟

انقلب وجه فجأة للون الأحمر، توتر الجو في الغرفة وكان هناك جوب، واللى معاه الجوب مش بيحور.

نلتقي بعد الفاصل..

4- ذكر ما جرى في “مجاز الباب”

تقدمت امرأة للقاضي تشكو له قسوة زوجها في معاملتها، فلما استوضح القاضي الشهير ببسمته الودودة، كشفت المرأة عن سروالها فبان على مؤخرتها آثار أصابع وضربات ولون أحمر وما يشبه الجروح. كانت المرأة ذات بشرة بيضاء، تزداد نوراً فوق نور عند كفلها، كأنها قبة وتحت القبة شيخ كما قال مولانا.

هز القاضي رأسه، وربت بيده اليمنه فوق كرشه الصغير، حيث يحتفظ في معدته بتمثال لبوذا -الشخصية الفلكورية الهندية- ثم هز رأسه بمعنى “سننظر في الأمر”. وبعث في طلب الرجل، أجلسه أمامه وأخرج “خيرزانة” وضعها بجوار ساقيها، خاطب الراجل “لماذا تضرب امرأتك”. رد الرجل “حاشا وماشا سيدى.. لم يحدث فأنا أحبها”. أجاب القاضي: “لكنها أرتنى آثار الضرب وأصابعك”. رد الرجل “هذه أصابع الحب سيدنا”.

بهت القاضي، ولم ينطق البوذا في كرشه محتاراً.

5

نظر أخو (ش) ابن المتناكة لى شذراً، هذه النكرة، حثالة طفيليات المجتمع المصري من همل ورعاع، وقال:

-لا طبعاً.. استغفر الله، أنت مجنون يا ابنى… تلميس الطرابيش دا حاجة يهتز لها عرش الرحمن عز وجل من فوق سبع سماوات

مددت يدى وتناولت الجوب من يد كس ام ابن المتناكة، أخذت أول نفس بهدوء، وقلت:

-تصدق.. أنك ابن متناكة

2953130374
جورج وسوف

6

صحيح..

وليه يا حبيبتى نسمعهم؟

7

ليل/خارجى

زقاق ضيق أمام مقر جريدة الفجر- حى مونفلورى- تونس

سيارة شرطة تصل إلى الزقاق، لا صوت أو حركة لكن كل العيون تتابع وهى تكتم أنفاسها من النوافذ، تترجل من السيارة شرطية “زبورة” زميلها يتبعها، غير مقدر لخطورة الموقف عيونه تتبع مؤخرتها في السروال الضيق، تتقدم الشرطية “الزبورة” من قوة التدخل إلى البناية التي تقع فيها مقر جريدة الفجر التابعة لحزب النهضة الإسلامي –انيكك تقول تانى- أمام البناية تتمدد جثة السياسي اللامع ذو المعجزات البارع الحبيب اللوزى، ممدة كمن مات للتوا برصاص القناصة، لكن سبحان الله ما من دم يخرج من أي مكان.

تتعجب الشرطية، تقترب منه مهرولة:

-سي الحبيب، اسم الله عليك، اللطف عليك.. سى الحبيب..

تركع الشرطية وتجلس على ساقيها وتأخذ رأس سى الحبيب بين فخذيها، تهدده كأم رؤوم تشرب الروم –أنيكك حتى لو انت مش مخروم- ، سى الحبيب فجأة –صلى .. صلى- يستفيق من غفوته كحوت يشرق من تحت الماء والشمس تغرق للمنتصف في رحلة الغروب.

هذه نهاية كل بدايات وملذات البهجة عزيزى الديك. هذا ما لديك، القلق وحتمية الأفعال.

تفتح الشرطية أزرار قميصها، تخرج نهدها محلاه، يتلقف سى الحبيب الحلمة ويأخذ في مصة، يستفيق الحبيب كعنقاء تشرق من رماد أعمدة قرطاج –تشبيه بليغ- يقف سى الحبيب، والمرأة الشرطية تحت قدميه، نهديها عاريين والشرطى يركع بعيون دامعة، وسى الحبيب يضحك:

-نيك رب زب أمكم، استغفر الله العظيم، كانوا فاكرين أنهم ممكن يغتالونى.

8

أوه.. ايت تيرنس مى أون.

 

 

9

في إسطنبول، وقت متأخر ربما قبل شروق الفجر، كانت ترتدى شورت جينز، نحمل في حقيبتها مشط زجاجة ويسكى وزجاجة ماء صغيرة، نغادر “استكلال” ونسير في حارات شعبية فرعية بعيدة، حتى نصل لشارع رئيسي، هناك بارات شعبية، أكشاك، مواقف للميكروباص، ولا نتوقف عن الضحك رغم آلم الأسنان الذي يضغط على فكى.

boris-mikhailov.jpg
فوتوغرافيا: boris-mikhailov

وهناك تلك الرائحة، الشيء الأكثر ازعاجاً في إسطنبول في كل حى تداهمك رائحة لشيء ما، تنظر حولك فلا ترى آثر له، “يشار كمال” تحدث ذات مرة عن هذا المذاق الكثيف لرائحة إسطنبول. قد تكون في سلطان أحمد فتشم رائحة مصانع الجبن القريش المصري ولا تجده، قد تكون صبحاً في استقلال فلا تجد أي آثر لأشجار الياسمين، والآن كنا ليلاً فداهمتنى رائحة تفاح أخضر، ولا تسألنى بكس أمك ما هي رائحة التفاح الأخضر.

ثم كان أن وصلنا لحديقة صغيرة، وبينما يدى تعانق خصرها الضيق قالت: “عايزه أعمل بيبي”

وقفنا في الحديقة، سكارى كما أسلاف قدماء في بحر من خمر الجنة، نظرنا حولنا وتأكدنا من خلو المشهد، وتصنعت كأنى أدارى عليها، بينما أزاحت هي الشورت وجلست لتبدأ في التبول. خيط أصفر كان يخرج من كسها على العشب الأخضر. جلست وفتحت بين فخذيها، رفعت حاجبيها فوق عويناتها كمن يراقب في الظلام، وحينما التقت عيوننا ابتسمت وانهمر الماء من كسها، كأنها تلك الطمأنينة الأبدية بينكما.

 وداخل أحد القصور السلطانية تمددت على العشب في الشمس، والشبق والرغبة سلسلة مربوطة بمرسي حديدى عملاق تجرنا إلى الأسفل نحو أعماق الباسفور.

وضعنا في ذلك الوقت النواة الأولى لمتحف ألعابنا الجنسية، وبهذه المناسبة حملت لها “فايبروتر” مرصع بزجاج ماسي، ورأس جلدى صلب. وحينما ودعتنى في موقف الميكروباصات، قبلتنى على خدى وأكدت: “أنا أخدت الفايبرتور”..

هل مازال يهتز؟ هل مازالت الرعشة المنتفضة تفعل فعل مداهمتها، هذا جيد، على الأقل أحدنا مازال حياً وقادراً على ممارسة الحياة.

10-أشياء مؤسفة عن النجاح

+لن تعرف الصبر ولا لذته المازوشية.

+الوفاء فقط يشمل القضايا الخاسرة.

+الجسد يشيخ، ولا شيء يعوض ذلك.

+فراق الحبايب أصعب من طلوع الروح.

+كل ما هو خارج من مجتعمات إنسانية مخلقة في إطار النظام العالمى المعاصر لا يعول عليه.

+حتى من سيتحملك لن تتحمله لذا لا تحمل في انتظار مقابل، دينك ستدفعه غداً إن لم يأخذك ملاك الموت.

+كفاية عليك، وابقي تعالى بالليل وأنا أوريك الويل.

11

نظرة آخرى على إعادة تعريف الإنسان “البضائي.”

12

بلاد العجائب في أليس، نسخة انجليزية في مترو القاهرة. فتاة الإشعاعات تتحدث إليكم من خارج المجرة.

13

طيب ماخدتش.. ماخدتش.

n903460533_3648218_4996
أحمد عدوية

14

في تلك الليلة، سترت كسها باندر وير أسود، ووضعت ما يشبه الشال الملون بخطوط ما بين الأحمر والأزرق والكحلى، شدت شعرها وربطته خلف رأسها، بانت عظام وجهها، والذقن المثيرة للأكل. هل من حنجرتها؟ هل من ضوء الأباجورة الخافت؟ هل من أشجار الياسمين؟ هل من شعر السجادة الذي يحتاج إلى الحلاقة؟

من أي مكان “هل” كان يأتي الصوت كأنها صوتها شافيلا في أغنية قمرنا، وكانت كل الطاقة في جسدى تنسحب من الشرايين، ولا شيء أملكه.

15

وفي تلك الصباحات حيث البسمة قريبة. استجمع الطاقة التي تتبدد من الشرايين، وصوت عبد الفتاح جرينى وقصي يأتى “وأنا بشكى بصوت قلبي للنسيان.. إلخ”. أقول كل هذا الركض اقترب من النهاية ويبدو الشاطئ كما يقولون قريباً.

16

إذا تكلمت بضانى فسوف تقول أن أكثر ما آلامها، ويؤلمه في هذه المسيرة هو صور ادعاء المثالية الزائفة؟ ببساطة لأن الحقيقة عمرها ما تموت يا آكوكو…

17

تأخذ المدونات مساحة بين ما هو خاص وعام في شيطنة عجيبة يصعب مقاومة إغرائها ويصعب مقاومة ادعاء أنها لا تفتح الباب لسجل لآثار حوافر البوم والخفافيش والحداية وغيره من الطير الجارح.

18

وبينما أحمل “صبارة” صغيرة، وأبحث عن مكانة لكس أم الباركنج في كس أم القاهرة، ينفجر صوت عدوية وعيونه تنظر للدور السابع والعشرون ويقول “شباكها من ستاير/ ومزيانة عنابية”. أعثر على مكان فارغ ويظهر وحش الباركنج ليأخذ المفتاح، ينتقل عدوية وخلفه الكورال النسائي “نظرة.. نظرة فوق، ونظرة تحت.. ياللى فوق”.

لكن يا عدوية اتجه نحو الأسفل، هاهى المدينة وكل المدن التي عبرنها معاً خلفي وأنا اتجه لأرض آخرى تحت البحر. كل المدن أعنيها يا عدوية؛ بداية بهامبروج الحبيبة حيث غنيت موال الخسيس، وخبرتنى يا مولانا: “الصاحب اللى يخون عيشك/ لابد يوم تنساه.. والخسيس خسيس مهما الزمن علاه” والله عليك يا أبو السعود وزمن الأكورديون.

وفي أوستن تكساس بينما الطفيلية البترولية يخوض الانتخابات ضد أوباما لكزتنى مذكراً: “قال دا في حد فيها مخلد.. / قلت له لأ،

قال أيه يكفي ابن آدم/ قلت له طقة

قال أيه يعجل بعمره/ قلت له زقة”

وفي باريس يا عدوية في ليلة باردة في محطات مترو حقيرة قلنا “تيك.. ايت إيزى” بالراحة بشويش كله إلا الجيش، دخلته وحياتك يا عدوية، ووهبت قلبي ونفسي راهب في معبد تلك الأرداف العظيمة، وكان هذا الشروق اللامع لشهوة الحب الضائع.

ونحن نصعد هذه السلالم في بيروت وأنت تقول: “والله لأجيبك برضاك يا بلح/.. يا ما جرالى/ واطلعك فوق قصر عالى.. يا بلح/ بربعامية سلم.. وكل سلم عليه بنت بتوحد الرحمن.. يا حاللى”.

19

يإلهى كأنى أفهم فيلم “دعاء على حس الكلاب” لشريف العظمة رغم أنى لم أشاهده.

20

بيبي، لماذا يتوقعون أحاديث سعيدة بعد الثورات؟

لقد كنا هناك، وسط الرصاص وقنابل الغاز ولم يكن شيئاً جيداً، عرفنا ذلك منذ البداية وتبادلنا القبل وقت الحظر. كأنه الفراق، كأنها مواساة.

10441419_10154259881305541_553298798796366136_n
من أرشيف مظاهرات التحرير من 2011 – 2012

21

يأتي أحمد عدوية كأسطورة متكاملة، محمية ومدججة بالتاريخ والحكايات الخرافية كما كل الأساطير. أتذكر أنى كنت طفلا ربما في الخامسة أو السادسة حينما كان سائق السيارة التي تقلنى من المدرسة إلى المنزل يشغل أغانى أحمد عدوية، ويحكى عن السلطان عدوية الذى تترمى النساء تحت قدميه، ويرتدى جزمة ذات كعب من الذهب.

وحتى بينما اعبر بمرحلة الموسيقي الأجنبية والروك وغابات الميتال مراهقاً، وحتى حينما وصلت لمرحلة الاستقرار الموسيقي، فطوال هذه الليال والأيام.. عدوية هو السلطان، وأينما ظهر طيفه فلا أملك إلا الخشوع، وتجميع شذرات الحكايات والأساطير  والاستسلام لهذا الخدر الخفيف الذي يتسلل كسم مثير للشبق ومهيجاً للروح من صوته وأغانيه.

أحمد عدوية هو الأسطورة الوحيدة التي عرفتها منذ طفولتى المبكرة وحتى الآن لم تهتز لحظة، ولم يخفت وهج تأثيرها، أو إشعاع روحها، بل يزداد وهجاً على وهج، ونور على نور.

وبينما أكتب هذا النص لموقع “معازف” المتخصص في النقد والانطباعات والمتابعات الموسيقية أشعر بحرج بالغ لعجز منطقي العقل وحسي النقدى في كل ما يتعلق بعدوية، وضعفي أمام الخدر والدلع الذي تثيره الصور والذكريات والمترادفات بمجرد ذكر اسمه مولانا السلطان طويل العمر يطول عمره.

أشعر أيضاً أن تلك اللحظة لم تأتى بعد. لا لست مأهولاً ولا قادراً على الكتابة عن عدوية، لا أبسط قواعد المنطق المعرفي، ولا الشجاعة للجرأة على المقدسات الوجدانية امتلكها للكتابة على عدوية، لكن ها هنا.. أخصص هذه المداخلة لموال بسيط لعدوية، وقعت في سحره على مدار سنوات، ومازالت صوره تتجدد وتتغير وتكشف عن عمقه ما يجعلنى دائماً غارقاً في سحرها الساطع كما الشمس على سطح البحر..

يفتتح موال “يا نجمة يا أخت القمر” بإيقاعات كهربائية ذات روح سبعانيه، كأنها شفايف “الكوكوروتشي”. وهناك في الخلفية كمنجات، ورق، وطبلة، ومزمار، وأكورديون، حفلة جنس جماعى خافتة تحتاج إلى تركيز وصفاء تأملى عالى، ثم يدخل صوت عدوية شاباً لكن كأنه رآى كل ما يجب وما تنفع رؤيته.

“يا نجمة يا أخت القمر/ قولى لى مال بختى../ بقول يا نجمة يا أخت القمر..” عدوية محتار من البغددة، والأكورديون  تحت ذراعى وفوق صدر وكرش الرايق دايماً حسن أبو السعود، يلعب في تقاطعات كأنما سكران يصعد سلالم أحلامه نحو الشمس بعد طرده من بار رخيص.

وفي النسخة الأكثر شهرة تلعب تقنيات “الاستريو” كما في معظم أعمال عدوية بعداً سرمدياً، خصوصاً مع القفزات التي يقوم بها الأورج ليخرج نغمات فضائية، يا إلهى هذه كانت ذات الفترة التي خرجت فيها أفلام كاميرون وحروب النجوم والمجرات، وعدوية يسير فوق سراب، يدخل الكهرباء إلى فن الموال، ولا أحد في هذا العالم الحقير يرفع ولو حتى القبعة شكراً..

وعدوية لا ينتظر، هو يعرف مصيره كما أي أسطورة من الدراما الإغريقية؛ “إن كان نصيبي كدا/.. أنا هرضي بنصيبي” وما الذي قد ينتظره سلطان كعدوية ملك الليل المتوج لعالم لا تحلم حتى أن تقف أمام بوابته.

أسطورة آخرى سأعرفها حينما أكبر كان عدوية يدخل شارع الهرم الساعة الثامنة، يخرج منه الثامنة صباحاً بعدما يكون قد طاف وبارك كل الكباريهات في شارع الهرم. ينحنى عادل إمام ويقبل رأس السلطان، وفي لندن يستوقفون الملك بينما يشرب كوب الشاي الصباحى ليحصلوا على توقيعه.

موال “يانجمة يا أخت القمر..” جوهرة فريدة من جواهر عدوية التي يلقيها كما طير عبر يوماً بوداى خلف جبال الوقواق وعادى ليلقي بإهمال الأحجار الكريمة التي تعكس أشعة الشمس فتضايقه، يخاطب عدوية الحلو بأسلوب شاعرى يتلاعب بضمائر المخاطب لينتج متاهة مُتشَابكة ترتفع بالمستمع لأفلاك عابرة “من بعد نوم العلالى.. يا بلح/ نيموك على الخوص.. ياما جرالى/ والله لأجيبك برضاك يا بلح.. يا ماجرالى..

واطلعك فوق قصر عالى يا بلح

بربعامية سلم..

وكل سلم عليه بنت بتوحد الرحمن

يا حاللى….. “

بين كل جواهر أحمد عدوية تقف يا بنت السطان كحجر جهنمى مجرد التفكير في مسه كفيل بإشعال النار في خلايا مخك الرمادية، هذه الجوهرة يقف عليها عدوية شخصياً في المقدمة حيث الزفة البلدى يقول: “واحد.. اثنين.. ثلاثة.. أربعة، بص شوف عدوية هيعمل أيه../ الشنجر بنجر نو عدوية هيملا الجوا/ الشنجر بنجر نوا.. أحمد هيملا الجو”

لكن بالضبط خلف هذا البناء الشامخ لموال وأغنية يا بنت السلطان الأسطورية، يقف موال “يا نجمة يا أخت القمر” من السهل التقاط الإشارات بين الأغنيتين، وهذا التردد للروح الكهربائية الشعبية، تلك القفزة الأسطورية التي حققها عدوية مبكراً كمن يرفع كأس تكيلا في دفعة واحدة دون ملح أو ليمون لأنه صاحب معدة مدربة على براندى 84 المقدم في قاع كباريهات وسط البلد بالقاهرة المدينة الأكثر وحشية في دائرة قطرها قارتين على الأقل..

هذا هو قاع أرواحنا القاهرة يا عزيزى.. أحمد،

وسط كل هذا الضباب الكونى، حيث “يوم يجى عقلك في راسك ويوم بيتوه”، وحيث تنعل البحر وسأم موجه الأبدى، يفتح عدوية ثقباً في السماء، عمل فريد من نوعه يمكن وضعه بجوار “استار واى تو هيفن” لليد زبلين أو الويش يو هير للبينك فلويد..

أنك تصعد في هذا الموال نحو جنة في قصر مشيد بقمة جبل مرتفع خلف وادي عميق، تحتاج للجلد والتجلى وقلب شفاف لكى تقبض على روح الموال الصوفي المطعم بالبلح، والخوص. وهذا التقشف وتلك الرغبة في التحقير الذاتي التي تنقلب فجأة لتحدى بأنى سأجيب كس أمك في مشهد مهيب..

كيف يمكن أن تحى فرحاً تتزواج فيه النجوم التي تخلق المجرات والأساطير يا عدوية؟ كيف لك أن تخلق النجم أوميجا الذي عنه تنبثق ملايين الشموس والنجوم المنفجرة والمجرات الآخرى..

أربعائمة سلمة يجب أن نصعدها معاً يا حمادة، وفوق كل سلمة بينما يزفنا أكورديون أبو السعود، هناك بنت بتوحد الرحمن..

صلى على النجوم الزاهرة.

The_Sorrows_of_the_King
لوحة لـ : Henri-Matisse-

22

انظر خلفك..

هاهى أعمدة الملح شامخة

وهناك “روج” على شكل شفاه كأنها يمامة تتعلم التقبيل فجأة وسط عاصفة

غارقة في المطار

ومغامرات ليلية مع زك أم الشرطة وقوات التدخل وأضوائها العالية

بينما نعبر بحيرة من الماء داخل “الكرهبة”..

جثة جاك كرواك تطفو محترقة

كأرنب على وشك الموت.. لا أنبت بشفة

ولا صوت يخرج من الحنجرة

فزعنا أغلق النافذة.. كرواك ميتاً في بحيرة من مياة المطر

و “مونى مى” تستغيث من هولوكست في القلب

ليلة الشموع

هذه ليلتى… أو كما حكم علينا الهوى..

هذا الثور المذبوح،

خصيتاه قرباناً.. لرحيق أنفاسك،

لا يوجد “يوتيرن” على طريق المحور عزيزتى –غزالة ترعى-

لا مفر..

ضعى القبعة،

فهذه الشمس

لا مفر..

ارتدى وشاحك،

فالسرطان ينمو فوق ساقي

لا مفر..

لا مفر

لا مفر

23

أوف هذا الرقم “23” أين كنا وقتها يا حمادة؟

يا إلهى 2008، كم أشعر بالشفقة لكن لا مفر من المطحنة على الجميع، الهرمونات تحترق هنا، ولعها..

وكما قال المرحوم “يا لعبك.. يا لعبك”

24- ملذات الدراما على طريقة تارنتينو

لنحكى عن الحاج جمال إبراهيم.

أولاد الأصول منكم، وأنا عشمى فمن سيتحملون معى إلى هذا المستوى سيمتلكون خلفية معرفية ومستوى محدد من الذائقة القرائية، أن يتذكروا هذا الشهاب الذي لمع كعاشق خط سطراً ومحى، والمعروف باسم على صالحين..

لقد تشرفت في سلسلة من الصدف النادرة أن حضرت للراحل على صالحين في فرح شعبي في محافظة المنيا، ووسط أنهار البيرة والبانجو وقبلها الملوخية بالشطة وجولة صباحية في بن حسن كنت أرفرف من بضانى لما فوق السحاب، ثم تجلى على صالحين.

أوه هل كان 24 أم 23.. أم ربما قبل هذا ببعيد، كما تلك التجعيدات والجبال والوديان الصغيرة فوق ظهر السلمندر البري.

في لحظة ما التقت عيونى مع عيون “على” وحينها نطق جملته مشيراً بأصبعه على: “حد ينسي نفسه..” ربما لم تتجاوز في زمن نبضات الساعة ثلاث ثوانى، لكن رأيت أوهام وصوراً كاملة عن كل ما سيكون، وحينما آتانى خبر رحيل على صالحين كما رأيت، تحققت من كل ما سيكون..

كنت مع “سلومة” في النادى اليوناني الحقير بعماد الدين، وقلت هذه أوهام، ثم في رسالة نصية قصيرة انهار العالم، عرفت أنه لا يمكن جمع الشتات الآن.. لكن ما هو أجمل من مشاهدة النهايات

أو كما قال على: “هوب.. هوب/ صب.. صب صب”

هو الشغل كدا يا رحال، أهم من الفن الاتقان في الفن.. والحاج جمال إبراهيم

25

مفيش حاجة اسمها حب..

………………. لو عايزه حاجة.. هات لها جوب

جرافيتى في مدينة 15 مايو

26

ويقول بشار بن برد عن الإنتظار:

قد زرتنا مرة في الدهر واحدة ثنّي/ ولا تجعليها بيضة الديك

27

وعلى فترات متباعدة لكن محسوبة ذات إيقاع زمنى شه سنوي، تزورنى الكوابيس. كنت أقوم مفزوعاً وأحياناً بعيون تغرقها الدموع. وكانت بجوارى لا تستوعب ما جرى وتظل مكانها رابضة. وحينما تداهمنى حالات التعب واضطرابات المزاج غير المبررة أو المفهومة، كانت تتقوقع داخل ذاتها.

تقول: “أنت عايش جوا دماغك”.

ولا أجد إجابة، أو مخرج.

لكن شكراً. كان الهجران والآلم ممراً لاكتشاف ما هو أعمق، ربما الآن يمكنني إن امتلكت الإرادة أن انقذ نفسي من مصيرها التعس الذى ينتظرنى في المستقبل، وربما كما جدى يمكننى أن استمر إلى ما لا نهاية في تناول الدواء الذي كان يتناوله من أكثر من ثلاثين عاماً. الآن فقط صرت أمتلك إجابة لما لست سعيداً، ولدى اختيار بين مسارين، ومصيرين…

في النهاية أرواحناً، ليست انعكاس إلا لكيمياء جسدنا، لكن لعلكم تعلمون.

28

في عمره القصير المليء بالإحباطات، وبعد فشله في معظم العلاقات التي حاول بناءها، ورغم قناعته بأنه لا مجال لتحمله، وليس في قلبه حب ولا طاقة يمكنه منحها أكتر مما منحه لحبيبته في خطاباته الشهيرة. قرر كافكا الاستسلام لمغامرة غير محسوبة العواقب في عامه الأخير والانتقال إلى برلين لكى يعيش مع صديقته الجديدة “دورا”.

الأسطورة تقول أنه كان يتمشى في حديقة القمر “ماوير بارك” في برلين حينما لمح فتاة صغيرة تبكى لأنها فقدت دميتها. تقدم كافكا من الفتاة، وبسبب كذبة بسيطة حاول بها التخفيف من ألم الفتاة، قال:

-لكن دميتك لم تضع، لقد ركبت القطار وذهبت في رحلة.

“وكيف عرفت؟” سألت الفتاة.

“لقد أرسلت إلى خطاب” أجاب كافكا

“وأين هذا الخطاب؟” سألت الفتاة.

“في المنزل، لكن لو انتظرتينى إلى الغد سوف آتى لك به”. أجاب كافكا.

وبوجل كمن يكتب عمله الآخير جلس كافكا ليكتب خطاب مرسل من الدمية إلى الفتاة، في الخطاب تخبر الدمية الفتاة بأنها قد تعبت وملت من المدينة لذا قررت آخذ القطار والذهاب إلى مكان آخر. لكن الفتاة لم تكتفي بخطاب واحد فقط، لمدة أسبوعين ظل كافكا يكتب الخطابات على لسان الدمية موجهة للفتاة، والدمية تخبر الفتاة بحياتها الجديدة وكيف تعلمت أشياء جديدة، وصنعت “تاتو” على ظهرها، والتقت بدمية آخرى، وتمت خطبتها، وفي خطاب الدمية الآخير قالت الدمية أنها لن تسطيع مراسلة الفتاة بعد ذلك حيث أنها ستتزوج بالدمية الآخرى، وسيكون لديها أطفال آخرين مثل الفتاة يحتاجون رعايتها.

بعد أشهر قليلة من هذه الواقعة توفي كافكا.

 

خضر العمائم نادوه فأجاب

نشرت في 2014 بعد رحيله

التقيت بساقي الأرواح في مناسبات عديدة. حفلة بحديقة المركز الثقافي الفرنسي حضورها من الدبلوماسيين والأجانب ونخبة فرانكفونية. مولد السيد البدوى وسط أمواج لا نهائية من البشر والدراويش. بجوار السيدة زينب وسط الضحكات الرائقة والأنفاس العالية وستى الكريمة بتسقي بيدها. مع “بارمان” من الشمال الأوروبي في حفلة بساقية الصاوى وسط محبين للساقي من كل الطبقات والثقافات.

كل القلوب إلى الحبيب تميل. والقلب شرط المحبة، إذا لم تمتلك القلب سترى الكأس خاوية. بينما هو يناديك معه في طريق لسبيل الست الكريمة، بدون شوائب ولا عكارة يقدم الماء هناك من نبع فياض، يوقد من شجرة من أسيوط منبعها الحواتكة بمركز منفلوط، سيقولها الساقي لك وهو يقدم نفسه. وبخبرة من تعود على مثل هذه اللقاءات والمناسبات، سيجلس صامتاً أمام الكاميرا، وفي يده كوب الشاي. يأخذ رشفة، ثم يظل نظره معلقا في اتجاه الكوب ثم للكاميرا ولك مرة ثانية. حينما يطلب منه “البرديسور/ المنتج” الأمريكي الذي يعد فيلما تسجيلياً، سينطق الجملة بأليه “اتولدت سنة 1932 الحواتكة مركز منفلوط”. وحتى هذا الأمريكي المتحمس بلا داعى سيسقيه. سيرفض سجائرك، وسيخرج علبة السجائر السوبر الكليبوترا مدعوكة، والنفس الأول مثل الجمرة، تشتعل وتزهر مع كل نفس من الروح.

شجرة التونى تضم جيلاً كاملاً من منشدين الصعيد على مذهبة ومن جوقته خرجوا، لكنهم ليسوا تلامذة، وليس لطريقة التونى من تلامذة. مهما صغروا أو كبروا هم رفاقه وأحبائه. هناك خليط كثيف المكونات فيما يقدمه ساقي الأرواح. مقامات مدهوسة ومخلوطة في ارتجال آلات التخت التي تسبح في حرية كما النجوم للجاهل، لكنها مربوطة بناموس عامود خيمته هو الساقي. يمد يده فيترك الكمان متقدماً ليقود، يقاطعة من مقام آخر، ويؤشر للرق إشارة خفيفة فيباغت الاثنان. يأتي المزيج كوكتيل خفيف المذاق والثقل نافذ الضوء والراحة. ولماذا الجدية، دع نفسك تلقائيا، الطاقة التي يمتلكها ساقي الأرواح قادرة على ضبط الإيقاع، وعلى إغراق الحضور مهما كونوا من فيضها، حتى لو غاب عنهم معانى الكلمات.

“سَكِرتُ وتُهتُ عنْ حَسي ونَفْسي

و مِلتُ برَشفِ راحَيَّ عن زَمَانِي

تُنادي كُلُ جَارحَةٍ وعُضوٍ

وأزهارٌ و أنْوارُ الجِنانِ

وأفْلاكُ تَدورُ على إنتِظامٍ

وأنْهارٌ بها حُلو الغَوانِي

جَمالٌ لا يُشابِهه جَمالْ”

لنفترض غياب المعنى، انظر مع وبين الكلام ما تسمع، همهمة، أنين، تأوهات، تأودات، تمطق، قهقهة، بحيح، لعلعة، نزيب، هديل، شقشقة، زفير. اسمع الضحكة الفاجرة في دلعها قبل كلمة الغوانى. من مثل هذه التفاصيل، من صوت “سبحته” على الكأس يأتي المزيج. هذا المدام للأحبة.

ليست الأصوات ولا الارتجالات المفاجئة في رعونتها، ليست أيضاً الرسوخ الكلاسيكى لفرضيات المقام العربي، ولا الانفتاح على عوالم موسيقية آخرى. بل اختيارات الساقي لكل كلمة وبيت وقصيدة. من الحلاج لابن الفارض، إلي المزج والارتجال الحر للكلمات. تحكى الأسطورة أن التونى كان يحيي حفلات لأكثر من ثلاث وأربع ساعات، ينتقل بعدها لمكان آخر ليحيا ليلة آخرى تمتد لساعات. وفي كل الحالتين لا يكرر بيتاً واحداً. لا ينضب معين الساقي.

في المرة الأولى التي شاهدت فيها السلطان، قدرت عمره بالتسعين. وكان وقتها في منتصف السبعينات. شاهدت على مدار السنوات نشاطه حماسة وكيف تفيض وتشيع طاقته أينما حضر أو انشد. ودون أي انتباه لاعتبارات البيولوجيا أو الجسد لم تخطر ببالى فكرة أن يموت التونى. عرفته من باب آخر، أتانى من طريق مفتوح وواصل. غلقت أبواب الجسد ربما، لكن الطريق موصول.

 

البحث عن شبح آية

نشرت في 2015

 ملك يحلم أن يكون فراشة، وفراشة تحلم أن تكون ملك. يتكرر الأمر هكذا في تبادل لا نهائي بلا فرار من الحلمين. يخلق هذا التكرار إيقاع موسيقي “لوب” مستقر، يشيد ببطء عالماً باطنياً من حلمين في منتهى البساطة.

tumblr_l0zk0miwlO1qaujolo1_1280

حينما يلتقي شخصان في مناسبة اجتماعية للمرة الأولي عادة تكون مواضيع الحديث لها علاقة بالطقس، من تعرف في المكان، ماذا تفعل، ماذا تشرب. المرة الأولي التي قابلت فيها آية كان موضوع الحديث كونديرا وماجريت وأفضل مكان في القاهرة لشراء قميص زهري اللون. كان هذا في وسط سأم القاهرة 2008. وكانت آية تدرس الأدب الإنجليزي في الجامعة، أخبرتنى أنها تغني قليلاً مع أصدقاء لها ثم اختفت.

سأسمع عن آية بعد ذلك تغني توزيعات مضطربة كأنها تدريبات دراسية لعدد من الأغاني معظمها لتوم وايتس. ستختفي آية، تُحرق مباني وأقسام شرطة وتسقط هيبة دولة،يحيي العسكر الشعب، ثم يحيي العسكر الإخوان، ثم يحيا الشعب العسكر. يخبو ويشتعل صراع ودورة تاريخ تعبر. وآية وسط ذلك في غرفة تمسك الجيتار وأمام كاميرا وصوت الكمبيوتر تغنى عن نجوم وشجر وزمن ساكن وصحوة بلا صباح.

ستتحرك آية في معظم الحفلات بذات الجيتار تغني في حفلات بأماكن تختارها بعناية. صوت وطبيعة تجربة آية في تلك الفترة كان يتناسب في أفضل حالاته مع أماكن كقاعة “استديو مائة نسخة” بوسط البلد أو “مكان” والاثنان لا يتسع الفضاء فيهما لأكثر من مائة شخص. في مكان حينما كانت تغني آية فهي تجلس في منتصف الغرفة لا يفصلها عن الجمهور مسافة ذراع. وفقط صوتها والجيتار. ليصعد لوب الأحلام بتوالي الأغاني والمقطوعات. تستعير آية معانى متناقضة وقاموسها لا يخلو من الفصحي ودائما هناك كائنات آخري تتحرك معنا في هذا العالم أشباح لشخصيات غائبة وأشخاص تتحاور برسائل مبتورة كأن هناك شيء موجع وساخر غائب تحت هذا اللوب الموسيقي الرتيب المميز لألحان آية، والذي يتحول في الأداء الحي بأماكن ليست ذات طبيعة مسرحية إلي سحابة كأن آية تدخلنا إلي عالمها الذي بنته لوحدها وبفرديتها المميزة.

18320687_1427149007344408_5512314696964294402_o

لا يمكن أن تصحب صوت آية معك بعد الحفلة، ولن تجده بسهولة في تسجيلات علي الانترنت. ولا تهتم كثيراً بتوثيق أعمالها، بل وكثيرا ما تحذف من أرشيفها. دوائر جمهورها الصغيرة والتي تعلق دائماً كيف “أنها دماغ لوحدها” تتداول أحياناً تسجيلات لها ترفعها من حفلاتها تعانى من رداءة الصوت.

 

ستخرج آية من قلعتها في حالات قليلة في البداية لكن على ما يبدو يتغير هذا حالياً. واحدة من المرات ستكون حفلة “كومبو” والتي أقيمت  في مسرح روابط عام 2012، بالمشاركة مع يسرا الهواري ومى وليد وإطلالة خاصة لبيري معتز على “الباص جيتار”. وقتها كان الحفل بمثابة إعلان مدوى عن وجود موسيقي جديدة وفتيات يلعبن ويجربن بآلات موسيقية فردية دون فرق أو أوركسترا تقديم حكايات وحالات موضوعه الأساسي هو الذات وخيبات العلاقات وطرق المقاومة المختلفة لإيجاد طرق ومسارات للحياة في مدينة قاحلة كالقاهرة.

بنات جيل آية من الموسيقيات والمغنيات، سعين إلي تطوير أنفسهم بسرعة، وصنعناً شعبية معقولة تنمو ببطء لكن بثبات. توسعن للعمل مع موسيقيين من بلدان وتيارات مختلفة أنشأن فرق فنية وأخذن قرار بإكمال التجربة إلي النهاية كمغنيات. لكن آية بعد كل حفلة كانت تضع الجيتار في حقيبتها وتجري قبل أن تقترب الساعة من الحادية عشر.

-رايحة فين يا آية؟

بصوت خافت مختلف عن صوتها أثناء الغناء ستكون الإجابة غالباً “بكرة مدرسة لازم أروح”. في الصباح تستيقظ آية في السادسة صباحاً لتذهب للعمل كمدرسة للأطفال، وفي فترة آخري بينما كان زميلاتها يسافرن حول العالم لإحياء الحفلات واستكشاف العالم والموسيقي الآخري، كانت آية تترك الموسيقي وتذهب لتتعلم لسنوات في مدرسة الرقص المعاصرة التي أسستها كريمة منصور.

17879852_1762120020764999_9087253803811318045_o

 تتوالي صور الأشباح عند البحث عن آية، من  العازفة والمغنية، لأية المدرسة، لآية الراقصة، لآية الشجرة، ثم آية على الفيسبوك والشبكات الاجتماعية التي تصرخ في جمهورها “أنا مش مغنية ومش بغني”. ولنفي أي محاولة للتصنيف تشاركنا من داخل قلعتها بفيديوهات تقوم فيها بأشياء بسيطة ككيفية غسل الأسنان بالفرشاة.

في البدايات حينما كنت أحضر لآية تغني لتوم وايتس أو لسيد درويش في حالات نادرة، ورغم أي ملاحظات أو هنات لكن كان من الواضح مساحة الصوت وقوتها الغريبة التي تختزنها آية، وفي التسجيلات والأعمال الأولي كان هناك مشكلة في السيطرة على هذه القوة والمساحات العريضة لكنها دربت هذا الصوت، مع الجيتار تحولت هذه القوة إلي جزء من “اللوب” الدائري لايقاع الحلمين وربما الأحلام المتعددة لشبح آية.

تتهرب آية من التصنيف ومن حصار المغنية أو الفنانة، لا تسعي للجمهور وخجولة في التجارب التي تختارها، تجلس داخل قلعتها وتفتحها لمن ترغب وتسمح له بالدخول. مؤخراً فقط بدأت في الانسجام أكثر فأكثر مع حالة آية المغنية. في سيناء في شهر سبتمبر الماضي مع فريق “كلاب المطر/ RainDogs” وعلى شاطئ المعجنة بينما الكلاب تلعب كانت آية طوال الحفلة تكرر آهاتها وجمل وكلمات وقصيرة كأنما الصوت تحول لآلة موسيقية تحمل نجوم سماء سيناء.

هذا الشتاء تخرج آية كثيراً لتحيي حفلات في مسارح وأماكن متعددة والجيتار الذي كانت تحمله أصبح يصحبه الآن مولف موسيقي إلكيترونية، حيث تستخدم النبضات والدفقات في أغانيها الجديدة. ليندمج الصوت مع الضوضاء كأنها تتحول لشبح يلوح لنا من عالم آخر.

21125447_1660396340699948_8014519751768400224_o.jpg

مستعمرة العذاب

في أحياء هامشية وشوارع فرعية تقود إلى مقرات حكومية صغيرة وفرعية كمكاتب الشهر العقاري أو مكتب العمل أو الصحة، بدأ الأمر دون أن يلحظه أحد. من أصلا يسير في هذا البلد وهو ينظر لأعلى ليلاحظ الأمر. بل على الأرجح كانت الرائحة هي ما جعل الناس يتلفتون بحثا عن مصدرها.

hunter_web8
Tom Hunter فوتوغرافيا

يستيقظ سكان الشارع الهامشي ليجدوا قطة مذبوحة ومعلقة على عمود الإضاءة في الشارع. في بعض المناطق حدثت مشادات وخناقات بين الأفراد والعائلات بسبب الربط بين القطط المذبوحة المعلقة كالذبائح والأعمال السحرية. وفي المناطق ذات التركيبة الطائفية تحول الأمر إلى صراعات طائفية على طريقة من ذبح القطة لمن؟

بعد أيام قليلة تزايد الأمر، ذات صباح على طول كوبري أكتوبر تراصت القطط المذبوحة معلقة على أعمدة الإضاءة، وتقريبا في كل الأحياء والمناطق الراقية، قدر البعض عددها بأكثر من خمسة آلاف قطة مذبوحة.

قال محلل سياسي إنها رسالة سياسية واضحة، وفسر كاتب من المدافعين عن الدولة الأمر بمحاولة للنيل من هيبة الدولة، تحدثت ريهام سعيد عن أعمال سفلية لمصر. لكن الأزمة أنه بينما بدأت أجهزة النظافة والمحافظة في إنزال القطط من على العمدان، فخطة عملها لم تغط كل أجزاء المدينة ناهيك عن الجمهورية، بالتالي لم تعد المشكلة معرفة من يقوم بقتل القطط وما الغرض من تعليقها، بل لماذا لا تقوم الحكومة بإزالة هذه الجثث، وتتركها لتتعفن في الهواء الطلق لتنشر سحابة من النتانة والعفن على البلاد- خرج مسؤول من المحافظة وأطلق تصريحا بأن المحافظة والحكومة ليستا مسئولتين والقطط هي التي تنتحر، باسم يوسف تناول تصريح المحافظ وصنع منه سلسلة من الأفيهات الظريفة، فتحولت قضية القطط المشنوقة إلى قضية رأي عام، انشغل بها الناس لفترة، وأخذوا يصورون جثث القطط وأشكالا متخلفة لنتانة أجسادها المبقورة المعلقة على أعمدة الإضاءة.

مصر هي الشباب السمر. وعلى رأي عمرو دياب « انحيازي عمره ما كان انتهازي». فخرج شاب بيحب مصر، كالنمل من الجميعات الخيرية ومراكز دورات التنمية البشرية وقادوا مبادرة تحت شعار «إكرام القط دفنه»، لكن المشكلة أين يمكن أن ندفن القطط؟

ظهرت تقارير تصور الشباب الإيجابي وهو يدهن الرصيف وينزل القطط من على الأعمدة، لكنهم كانوا لا يجدون مكانا لدفن القطط فيتركونها في الشارع، فيخرج أصحاب المحال ليجروا وراءهم ويمنعوهم من إلقاء جثث القطط أمام محالهم.

لارتباط الأمر بالأعمال السفلية رفض الجميع دفن القطط في أراضيهم، ولم تنجح مبادرة «شباب بيحب مصر» في القضاء على نتانة الجو الناتجة عن تعفن جثث القطط المعلقة على أعمدة الإضاءة.

بعد شهر كان الموضوع إعلاميا قد تم هضمه من كل النواحي، ولم تعد أخبار ظهور قطط مذبوحة أو مشنوقة معلقة على الأعمدة تثير الاهتمام. أما رائحة النتانة في الجو فاستقبلها المصريون كقدر على حياتهم واختبار لصبرهم واحتسابهم مثل السحابة السوداء، والتلوث الضوضائي، والزحام، وأحمد موسى.

مضى نهر الحياة في مصر ولكن بمزيد من النتانة فقط. ثم بعد شهرين آخرين، بدأت القطط المصرية التي عاشت في هذا الوادى لآلاف السنين في الاعتراض على المذبحة التي تتعرض لها، خصوصا كل المتهمين بعملية قتل وشنق القطط. كان يتم الإفراج عنهم وتمنحهم المحكمة حكم البراءة، لم يحاكم أي قاتل لأي قطة. فقررت القطط الانفجار.

عاشت القطط في مصر تتمشى داخل المستشفيات، وتستلقي في استرخاء في باحة مجلس الشورى، وتلهو في حمامات مجلس الوزراء، سواء مؤسسات خاصة أو حكومية أو مباني المحاكم، تعيش القطط في ألفة داخل أو بجوار أي مبنى في مصر، تخيل فقط حينما تتحول تلك القطط إلى قنابل. قفزت قطة في وجه رئيس الوزراء وانفجرت أحشاؤها وهى متشبثة بوجهه فانفجر وجه السيد الوزير ومات شهيد العمل، مشت رموز الدولة في جنازة عسكرية له. صرح خبير أمنى بأن ما يحدث هو ثورة القطط. وقالت شابة جامعية: يجب أن نصغو لمطالب القطط وتقديم القتلة لمحاكمات عادلة.

لمحاربة ثورة القطط التي لا نعرف من يقتلها، قرروا تنصيب الكلاب في السلطة لتخيف القطط، وبدأت المطاردات بين الكائنين آناء الليل وأطراف النهار، لكن على الكباري ظلت

متكدسة والقطط مبقورة البطون مشنوقة على الأعمدة، ورائحة النتانة تغرق المدينة. عذاب لا نعلم سبب إنزاله بنا.

حديث غير مُجد عن عقوبة الإعدام

ما إن يتم الحديث عن ضرورة النظر في حق الدولة بالإعدام والمطالبة بإلغائه، حتى يشهر رد “ولكم في القصاص حياة”. ودون كل حدود الله ينفعل المدافعون عن إجرام الدولة في قتل المواطنين وسلب أرواحهم أمام حكم الإعدام، ويتجلى الإيمان والخشوع في صوتهم عند الحديث عن الحكمة الإلهية التي يفترضونها أن الله منح الدولة حق إعدام المواطنين.

عبدالهادي الجزار

في القرن التاسع عشر، ولتأسيس الدولة المصرية الحديثة جرت تغييرات جذرية في طريقة حكم مصر وتأسيس الهوية المصرية. حيث لم يعد المصريون رعايا ولا الحاكم خديوا أو رئيس جمهورية مسئولا عن رعيته أو هكذا جرى تصور الأمر. ففي الدولة الحديثة تظهر المؤسسات ويتم تقسيم السلطات وإدارة اختصاصاتها بشكل قانونى يفترض التجريد والحيادية في خطابه، ويطرح نفسه بصفته ممثلاً لشيء خفي يدعى التطور أو التقدم أو أخطر ملاك ليس بوسع الجميع رؤيته يدعى حكمة العدالة.

لا تنظر الدولة الحديثة إلى المواطن كغنمة شاردة تستحق الرعاية بل كممول لضرائبها وجزء أساسي من بنيانها وسبب وجودها. المواطن الصالح ذو الجسد السليم والعقل السليم هو ترس إضافي في ماكينة الدولة. هكذا صار الأمر، لذلك فإذا أخطأ المواطن لا يكون البديل هو عقابه أو القصاص، فالغرض من السجن ليس العقاب بل الإصلاح وإعادة تهيئة المواطن بحيث يمكن دمجه مرة أخرى في بنية المجتمع ليعود الترس إلى مكانه.

لكن على رأيأستاذ مدحت يحدث هذا في حمامات الدول الأوروبية المتقدمة. أما في مصر فقد صار التطور في شكل هجين، لتكون النتيجة وحشا متنكرا في ثياب البراءة والعدالة يطلق عليه الدولة المصرية.

وضعت الدولة المصرية على سجونها شعار “السجن إصلاح وتهذيب”، وصدعت النخبة القانونية والتشريعية رأسنا طوال أكثر من قرن بالحديث عن الدولة الحديثة القائمة على إعادة مناقشة القوانين المصرية وإعادة تهيئتها بما يتناسب مع العصر الحديث. لكن كل هذا الخطاب يتوقف أمام عقوبة الإعدام ويظهر بدلا منه خطاب “نخاف ألا نقيم حدود الله في الإعدام وقتل الناس”.

لا علاقة بين حد الإعدام في التشريع الإسلامي وأحكام الإعدام التي تصدرها الدولة المصرية الآن، فأولاً يجعل الفقه والتشريع الإسلامي تنفيذ حدود الإعدام محصوراً بحالات محددة ليس من ضمنها على سبيل المثال قلب نظام الحكم، أو الاتجار بالمخدرات، أو حتى الاغتصاب وإن كان يقرها في الزنى. كما تجعل الشريعة تنفيذ عقوبة الإعدام في حالة القتل العمد معلقة بعفو الأهل فإذا عفا أهل القتيل عن القاتل أو وافقوا على الدية سقط حد الإعدام، بل اعتبر القرآن الكريم الصفح والعفو هو الأصل. لكن لا مجال لحق العفو وأهل القتيل حينما تصدر الدولة الآن حكمها بالإعدام على مواطن. أين إذا العلاقة بين عقوبة الإعدام في القانون المصري وحد الإعدام في الشريعة الإسلامية؟

الدولة المصرية تدعى مطابقة أحكامها بالإعدام لصحيح الدين والإسلام؛ ولذا يجب أن تأخذ بركة المفتى عليها، المفتى الذي يصدق على أحكام الإعدام لكنه لا يمتلك سلطة رفضها، ولا يمتلك السلطة على التحقق حتى من مدى مطابقة حكم الإعدام لقوانين الشريعة التي يفتى على أساسها.

الإهانة الأساسية للشريعة الإسلامية ولحد الإعدام كما نادى الفقه الإسلامي بتطبيقه ترتكبها الدولة المصرية تحديداً مؤسسة القضاء ومؤسسة الإفتاء. ولا علاقة بين عقوبة الإعدام المنصوص عليها في القوانين المصرية والتي على أساسها يتم إصدار تلك الأحكام الخرافية وبين الشريعة الإسلامية وحد القتل كوسيلة للقصاص.

لذا فمن يغارون على الشريعة والإسلام الحنيف يجب أولا أن يكونوا في الصفوف الأمامية في معركة انتزاع حق الإعدام من الدولة المصرية بكامل مؤسساتها. ربما تمنح الدولة الحق في السكن، وتنظم الحق في التعبير وبقية الحقوق المدنية، لكن الدولة لا تمنح الحياة، فبأى حق أصلا تحتكر الدولة حق الإعدام؟!

يحدثنا ميشيل فوكو في كتابه “المراقبة والعقاب” كيف أن حق الإعدام في عهد أوروبا القرون الوسطى، لم يكن يطبق على القاتل فقط لأنه قتل، بل لأنه انتزع حقا من حقوق الملك وهو حق الحياة. لذا فحتى إذا عفا عنه أهل القتيل، فالعفو النهائي منوط فقط بأمر الملك. في أوروبا ذات التركيبة الاقتصادية الإقطاعية يملك الملك الأرض وما عليها، وبالتالي فحياة الأفراد ملكه، وتعدى أحدهم على الأفراد التابعين له هو انتزاع لهذا الحق الملكى، وبالتالى يكون الرد بعقابه وإعدامه.

يقول شيخ الأزهر ومعظم شيوخ الوسطية بأن الإسلام جاء ليحرر الإنسان من الطاغوت. ومع نهاية القرن التاسع عشر بدأت من أوروبا حركة واسعة لمحاربة تقنين العباد والاتجار بالبشر، والذي أصبح الآن جريمة تعاقب عليها القانون. ذات القانون يمنح الحق لإنسان آخر لمجرد أنه يحمل في خانة الوظيفة لقب قاض أن يصدر أحكاما بالإعدام بحق المئات دون حتى أن يستوفي الإجراءات المنصوص عليها في هذا القانون. البنية القانونية والفلسفية التشريعية للدولة المصرية لا تقوم أبداً على الاعتراف باستقلال حياة الأفراد عن سلطاتها ولا تمنحهم أي وسيلة لمقاومة طغيان هذه السلطات سوى أن يكونوا منبوذين وفي حالة حرب معلنة ضدها. في دول تطبق عقوبة الإعدام كالولايات المتحدة الأمريكية تعترف القوانين والدستور بحق الأفراد في حمل السلاح، وتقننه كحق لضبط النظام العام وأداة حتى في يد المواطن للدفاع عن حقوقه. بينما في مكان كما مصر ستصر قوانين الدولة على تجريم حمل السلاح والتجارة فيه إلا بموافقتها في حين أنه أداة طبيعية موجودة في بيوت العائلات والأسر المصرية في أماكن كثيرة من سيناء إلى الصعيد والآن حتى في مناطق من شارع فيصل إلى مدينة نصر.

لصالح من تعمل فلسفة القوانين المصرية؟

الأكيد أنها تعمل بعيداً عن التكييف مع احتياجات المواطنين وواقعهم. والأكيد أن المسألة أكبر من الحديث عن إصلاح أو تطهير لقضاة ذوى توجهات وأحياناً أدوار سياسية واضحة. فالنخبة القضائية المصرية إجمالاً هي حكم وجزء أساسي من كتلة النظام وأداة من أدوات قراراته، وأمر كتبه الله علينا حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا.

حراشف تماسيح القامات الفكرية

كلفت بتغطية مؤتمر لأدب الطفل في زمن ما قبل 2011 . كعادة كل أنشطة الطفولة والأمومة في هذا الزمن كان المؤتمر تحت رعاية السيدة الفاضلة سوزان مبارك، ومن تنظيم واحدة من الجمعيات والهيئات العديدة التي كانت ترأسها. كان العمل من أثقل المهام على قلبي، حيث إن هذه المؤتمرات تكون سلسلة طويلة من الخطب والكلمات الإنشائية والجمل المكررة المليئة بالإطناب.

16540_226645746384_610856384_3008420_3055340_n

حضر الأمن الرئيسي أولاً، ثم حضرت زوجة الرئيس وألقت كلمة مكتوبة وزعت في الوقت ذاته على الصحفيين، وكان من اللافت أن القاعة تمتلئ بكل الكتاب والمثقفين ممن يحملون لقب “قامة فكرية” ومعظمهم ليس له أي علاقة بأدب الطفل، استغربت وجودهم في البداية لكن بعدما أنهت زوجة الرئيس كلمتها التي كانت تشبه موضوع تعبير مدرسي. خرجت لتقف في مدخل القاعة لما يقرب العشرين دقيقة، حيث فهمت حينها سبب وجود كل هذه القامات الفكرية.

كان المشهد كالتالي زوجة الرئيس تقف على رأس الدائرة وحولها سيدات المجتمع في حلقة ضيقة أولي وعن يسارها تقف زوجة وزير الإعلام وقتها أنس الفقي، تهمس في أذنها ببضع كلمات ثم تشير لكاتب من «القامات الفكرية» فيتقدم الأخير ليصافح زوجة وزير الإعلام وزوجة الرئيس ويتبادل معها بضع كلمات مليئة بكلمات الثناء على دورها وما تقدمه للطفل والأدب والتنوير والثقافة والمثقفين. بعد أقل من نصف ساعة انصرفت زوجة الرئيس، الكتاب الذين فازوا بالمصافحة ارتفعت قامتهم بضع سنتيمترات وابتسامة تعلو وجههم بينما الكتاب الذين لم يفوزوا بالشرف العظيم انزوي وقد قصرت قامتهم يشعرون بالنبذ والحزن من عدم نيل شرف الحديث مع السيدة الفاضلة. ثم انصرفوا جميعًا بعدها ببضع دقائق لتستمر بقية جلسات المؤتمر خالية من الحضور ومن الضيوف.

الصورة السطحية كشاب صحفي يتعرف على هذا العالم للمرة الأولي كانت بالنسبة لى أن ما يحدث هو نوع من «التعريض» المرتبط بالظرف السياسي وبالهرمية الحاكمة التي أسستها أسرة مبارك أثناء حكمها للبلاد. لكن في رواية بدر الديب البديعة «إجازة تفرغ» والتي تدور أحداثها قبل عهد أسرة مبارك كان هناك مشهد مماثل قدم له بدر الديب رؤية آخري قائلاً: «منذ أن أممت الثورة الثقافة وصنعت المجلس الأعلى وأجهزة الوزارة في الثقافة والإعلام، وهذه الأصناف من الناس تتكاثر وتقوي حراشيف التماسيح على ظهورهم. إنهم يتحركون في مستنقع آسن مخضوضر فيه ظلال ودسامة الركود، لا يجهد كل منهم إلا لكى يتخذ ركنًا أو مكانًا يمارس فيه شيئًا من السلطة ويستطيع فيه أن يرفع صوته. إنهم يتحدثون عن الثقافة وعن الفكر ويقرنونها بالوحدة العربية تارة والاشتراكية العلمية مرة أخري وبالثقافة الجماهيرية مرة ثالثة، وبمستقبل العالم والإمبريالية ودول العالم الثالث والثورة المضادة».

لم يعد في كل هذا من الجهد أو المعني إلا أن يكون لكل منهم حق في شيء منه وليس هذا الشيء تحقيقًا أو إنجازًا أو استكشافًا أو فكرة ولكنه أساسًا كتاب صغير في سلسلة أو كتابين، مقالة هناك أو مقالة في صدر جريدة ولكن المهم القدرة على حضور المؤتمرات وتنظيمها وإلقاء الخطب فيها وتصوير الانتصارات التي تتحقق في صياغة التوصيات والحصول على الموافقة بإقرارها. لا أحد منهم يذكر أن كل ما يفعله هو للسلطة وأنه لم يكن ليقدر عليها لولا سماحها ورغبتها. (…) إنهم يسعون لمنصب جديد أعلي أو لسلطة أكبر لأن هذا هو المشاركة في الفعل والتغيير وهما المحك الحقيقي للثقافة والفكر.

بدر الديب مع أعمال شريف يونس أفهمتنى أن المسألة ليست رغبة في التعريض فقط، بل لأن النظام وهو هنا شبكة القوانين والعلاقات التي أنشأتها الدولة الجمهورية خلقت معاني جديدة للثقافة ولدور المفكر تجعله مرهونًا بالاعتراف من قبل الدولة، وبجعله مستشارًا لها. وهذا القانون يترسخ داخل الكتاب والمثقفين أنفسهم أكثر من كونه مكتوبًا في لوائح وزارة الثقافة أو طريقة إدارتها.

هذا القانون يربط التنوير بالعمل مع الدولة، ويجعل من دور الكاتب والمثقف أن يمشى بجوار السياسي ممسكًا بالصاجات والطبلة يغنى تسلم الأيادي ويقول عن هذا فن. وتحقق ذات الكاتب يكون بمدى اقترابه من تلك السلطة، وصراعاته ضد الفساد تكون صراعات ضد أشخاص يجلسون على الكرسي وليست بهدف إزاحة الكرسي. ويتجسد هذا القانون في أعلى حالاته في شخص يوسف زيدان. الكاتب الذي لم تؤهله علاقاته الدولية وضعفه في اللغات الأجنبية لكى يكون واجهة مشرفة للثقافة كإسماعيل سراج الدين. متقمصاً حالة الكاتب الرسول وجدت نزعات زيدان التنويرية مكانها على الفيسبوك يعيد إنتاج معلومات عامة ونصوص قديمة متاحة على الإنترنت معتبراً أن ما يقوم به هو رسالته التنويرية ككاتب. وحينما تنبذه السلطة هازئة منه ومن لغته المصطنعة يواجه الحقيقة أنه لا شيء بدون هذه السلطة فيقرر الانسحاب من الحياة الثقافية كما أعلن مؤخراً في محاولة أخيرة لجذب الانتباه إلي حالته ووضعه الحزين.

يتصارع تماسيح الثقافة على منصب في تفاهة مستشار رئيس الوزراء للشئون الثقافية، ويلعبون لعبة البطل والفاسد بالتناوب لخلق دراما مسلية للأعلام. بينما شاعر وكاتب آخر كعمرو حازق خرج في عشرات المظاهرات والوقفات الاحتجاجية ضد فساد إسماعيل سراج الدين وكانت نتيجة كل ما فعله أنه محبوس الآن في سجون النظام بتهمة خرق قانون التظاهر غير الدستوري، لكن مع ذلك قادرين على الضحك والعمل ليصدر روايته «روائي المدينة الأول» من داخل محبسه بينما التماسيح لا تزال تتصارع أيهم يقترب أكثر من كرسي محلب.

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ