خالد منصور يكتب: ستازي وفرويد وورطة مصر

في الجزء الأول من هذه المقالة ذهبت إلى أن الإجراءات الصارمة التي تتخذها الدولة المصرية ضد السلوك «الهدّام» من وجهة نظرها لا تأتي فحسب من مجرد رغبة سلطوية في السيطرة على المجتمع، بل إنها تضرب جذورها في حالة من التيه الجمعي، وفي إرث من الحداثة الكولونيالية يرمي إلى التشبث بالوضع القائم والماضي المتخيَّل.

وعليه فإن معاملة «الآخر» ترتبط جوهريًا بالتصور عن الذات، ما يجعل الحط من شأن الأقليات أو إنزال العقاب عليها وعلى من يختلفون في طريقة لبسهم أو تعبيرهم عن أنفسهم ضرورة لتقدير الذات. واعتبار الاختلاف خطرًا يؤدي إلى تبنِّي موقف متناقض، يكون فيه الاختلاف موضع اشمئزاز، وفي الوقت نفسه تذكرة بعجز الذات. فكأن النخب المصرية ـ من ساسة وقضاة وصحفيين وشرطة ـ في دفاعها عن الماضي الديني والثقافي والسياسي «المجيد» تذكِّر نفسها بدونيتها المادية الراهنة من خلال ممارستها الاستعلائية لتفوقها المفترض.

لقد حذر سيجموند فرويد في كتابه «الوجيز في التحليل النفسي» An Outline of Psychoanalysis (الصادر سنة 1939) من تحطم المجتمع في حالة «المقاومة الفاشلة للعالم الخارجي إذا ما تغيَّر هذا العالم على نحو لا يمكن أن تتعامل معه تكيفات السلالة (المجتمع) التعامل المناسب».

وبالتالي لا تعكس الضراوة المتزايدة للموقف السلبي من حرية التعبير في مصر خلال السنوات الأخيرة مجرد رغبة النخبة الحاكمة في السيطرة الاجتماعية، لكنها نتيجة أيضًا لخطر تتصوره ذات وطنية بطريركية أُضفي عليها طابع رومانتيكي وأعيد تغليفها في أوائل سنوات مصر ما بعد الكولونيالية، لا سيما في خمسينيات القرن الماضي. لقد أنتجت عقود التدهور الثقافي والاجتماعي الاقتصادي ـ لا سيما منذ هزيمة 1967 المخزية ـ ذاتًا مصرية نمطية ممزقة بين قومية مؤمنة بصوابها وتحظى برعاية الدولة وأيديولوجيات إسلاموية وواقعًا من الفشل والمهانة. ويمكن تتبع أصول هذا وصولًا إلى أول اشتباك حاد، وقد يوصف بالعنف أيضًا، بين المجتمع والحداثة عندما غزا الجيش الفرنسي بقيادة نابليون البلد سنة 1799. فمنذ ذلك الحين بات الجدل يحيط بكثير من الأعراف والتقاليد ـ لا سيما في ما يتعلق بالسياسة والدين والجنس.

ولقد وجهت ثورة 2011 ضربة أساسية للأعراف الاجتماعية البطريركية المحافظة، وهنا يكمن سر الجهود الرامية إلى تصوير يناير 2011 بوصفها مؤامرة من «الآخرين» –الأجانب الدخلاء الخونة لا المصريين الوطنيين حقًا، والرجوع من خلال القمع إلى الوضع الذي يُفترض أنه كان مستقرًا وقائمًا من قبل.

ولنا في قضية الكاتب أحمد ناجي مثالًا على ذلك. فناجي في السجن بسبب «مشاهد جنسية سافرة» في روايته، وفصل منها نشر في أسبوعية أدبية قاهرية. لماذا ترى محكمة مصرية في نشر عمل خيالي في إصدار محدود الانتشار ـ مهما يكن فاحشًا أو مسيئًا ـ خطرًا على الأخلاق العامة في بلد يتجاوز تعداد سكانه 90 مليونًا، وتقدر الأمية فيه بـ 26 %؟

15157014_1852249128343889_4596390642218850267_o

قال ناجي ذات مرة «إنهم [أي النيابة] يمثلون حرسًا لأخلاق المجتمع وفضائله، لا للقوانين الحامية للحريات. وقد ساء هذا الوضع منذ تولي عبد الفتاح السيسي الرئاسة، فقد جاء إلى السلطة من خلال تحالف بين مؤسسات الدولة ـ كالقضاء ـ وهم يشتركون معًا في تولي مسؤولية حراسة مكتسباتهم. فالسيسي يراعي مصالحه، بينما يكرس القضاء نفسه لحراسة الأخلاق وتعليمنا الفضائل».

انتهت محكمة الاستئناف التي حكمت على ناجي (بعد تبرئته في محكمة الدرجة الأولى)إلى أن غاية القانون هي حماية الأخلاق العامة والدين والوطنية والأسرة. وذهب القاضي إلى أن كتابة ناجي تقوض المجتمع ذاته، وتتجاهل قيم المجتمع وحدوده الأخلاقية وتحرض على الفسق. ودعا القاضي البرلمان إلى تغليظ عقوبة السجن على هذه الجرائم«لأن نشر الرذيلة سعيًا إلى تدمير قيم المجتمع وقواعده الأخلاقية مسألة خطيرة تستوجب عقابًا صارمًا». ومضى ينتقد كل من يرون أن القواعد الأخلاقية نسبية متغيرة.وقال إن من العار أن يُترك «مصير أمتنا تحت رحمة من يتعاملون معه باستخفاف واستهتار كمن يلعبون الورق». وانتهى إلى أنه «تسقط الحرية التي جلبت لنا الفساد وضياع الأخلاق والتحلل الأخلاقي بعد الأحداث التي أحاقت بمصرنا الحبيبة» ـ في إشارة إلى ثورة 2011 التي تشيع الإشارة إليها بوصفها «الأحداث» بين من يرونها مؤامرة غايتها الاضطرابات، وليست دعوة إلى الحرية والعدالة الاجتماعية.

لو لم تتخذ الدولة إجراءات صارمة ضد حرية التعبير، لاعتبر ذلك إقرارًا باستحالة عودة الماضي المتخيَّل، وخطوة باتجاه الامتثال لواقع جديد غير محدد بدقة. لذلك فإن حالة مصر العصابية الراهنة تهدف فيها الذاتان الجوهريتان اللتان تروج لهما النخب الدينية والنيوليبرالية للحفاظ على الوضع القائم تحت حماية رحيمة من الدكتاتور الأب. فيكون أي تحد لهذا النظام هو بمثابة تحد لصورة الزعيم الأب.

ومن هنا تكون حرية التعبير أكثر تهديدًا حينما لا تأتي محل القديم بواقع جديد كل الجدة، بل تسائل المقدس، وتفتح إمكانيات جديدة أمام الراشد/ة للاختيار وتحمل مسؤولية اختياره/ها. وهي كذلك رفض للموقف المحافظ المنافق الذي يستعمل من خلاله الحرس المجتمعي شفرة أخلاقية لقمع الاحتجاج العام، في حين تتعرض هذه الشفرة الأخلاقية في الأماكن شبه العامة للانتهاك المنتظم وعلى نحو أكثر تغلغلًا، كما يحدث في الفساد الاقتصادي، والتعذيب في السجون، والحصانة وزوال سيادة القانون.

ما يهدد الأفراد واضح تمامًا في نظر مؤسسات الدولة، مثلما يتبيّن من وثائق وزارة أمن الدولة في ألمانية الشرقية [ستازي] في متحفها ببرلين الشرقية السابقة. وليس غريبًا أن تكون ستازي قد تولت تدريب جهاز أمن الدولة المصري الوليد في أواسط الخمسينيات وظلت تدعمه عشرين عامًا. ولا يخفى على أحد مدى الضعف المتزايد والفشل المتعمق الذي تعاني منه المؤسسات البطريركية (الدينية والسياسية والاجتماعية) في ضمان الهيمنة على الأسرة والمؤسسات التقليدية والمجتمع الكبير. والوسيلة الوحيدة للتغطية على هذا الفشل هي استحضار شفرة اجتماعية وأخلاقية مفترضة.

13690762_10157246753905374_5716287999243797975_n

يرفض أغلب المصريين الاعتراف علنًا بما تتغاضي عنه أغلبيتنا أو تقبل به سرًا، وهو أن نظامنا الأخلاقي أصبح مختلًا تمامًا. فالفجوة المتسعة بين الواقع والرغبات والشفرات المجتمعية لم تترك مجالًا كبيرًا للحلول الوسطى. ونتيجة لذلك، يتجاهل الأثرياء والمتنفذون الأخلاق العامة داخل مجتمعاتهم المغلقة وأنديتهم، بينما يزداد رفض الفقراء لها في الممارسة.

إن المصري المحافظ الغاضب النمطي الآن فريسة للتفكير التآمري المريض في الأجندات والتأثيرات الأجنبية، أو ما يعرف بـ«قوى الشر» في الخطاب الرئاسي. ولكي تخرج مصر من هذا المستنقع، لا بد من إصلاحات سياسية ومؤسسية عميقة، وكذلك لا بد من إنهاء السيطرة المطلقة للنخبة الحاكمة. وسيستغرق ذلك وقتًا، لأن المغالاة في الوطنية والبطريركية هما جزء لا يتجزأ من الدفاع عن مصالح مادية واختلالات سيكولوجية.

لقد أشعلت ثورة 2011 الأمل مجددًا في أن تبدأ الدولة والمجتمع مرحلة تحول، لكننا كنا ساذجين وغافلين عن أعماق وتعقيدات الفساد المادي والمعنوي في المجتمع الأوسع. ولو كانت النخبة والمؤسسات الحاكمة هي مصدر الشر الوحيد، دون المرض الأعمق الكامن في الذات الوطنية المتشظية المضللة في حالة من الإحساس الدائم بأنها ضحية، لكانت المهمة أسهل.

__________

*هذه المقالة مأخوذة من «حرية التعبير في مصر: كيف يهدد الشعر الطويل والقمصان الوردية والروايات وفيديوهات الهواة وفيسبوك النظام العام والأخلاق في مصر» “Freedom of Expression in Egypt: How Long Hair, Pink Shirts, Novels, Amateur Videos and Facebook Threaten Public Order and Morality” وهي مقالة أطول للكاتب نشرت في عدد سبتمبر 2016 من The International Journal of Applied Psychoanalytic Studies الجزء 13 عدد 3.

ترجمة: أحمد شافعي. نشرت أولاً على مدى مصر

سؤال عام 2016 هل السيرالية المصرية فرنسية أم عربية؟

نشرت في أخبار الأدب في يناير 2016

فجأة امتلأت الصفحات الثقافية المصرية بالمقالات التى تشيد وتثنى على ميراث الحركة السيرالية المصرية، بل وتؤكد على مصريتها وضرورة الاعتراف بهذا الميراث. مُبادرة لطيفة وإن أتت مُتأخرة ستين عاماً، وربما تكتمل لطافتها إذا أثمرت أى نوع من الاهتمام من جانب وزارة الثقافة المصرية بهذه الحركة وتراثها الذي كانت الوزارة أول من عمل على تهميشه ونبذة، بل ولدت  وزارة الثقافة المصرية في عهد الضباط الأحرار لأسباب كثيرة منها محاربة  استئصال تراث وأفكار الحركة السيرالية وتشريد مبدعيها وطمس تاريخهم، وهو ما نجحت الوزارة في فعله على مدار نصف قرن. فلم تكن السيرالية أبداً بالحركة الوطنية، دافع مبدعوها عن حرية الفرد وعن مفهوم عالمى للمواطنة، وحذروا من الفاشية التى هى ابنة المشاعر الفياضة للوطنية والدولة القومية، وكانوا كذلك جزء من المناخ المتنوع لغوياً وثقافياً وايدلوجياً التى عاشته مصر قبل يوليو 52، والذي لم يعد له مكان بعد ذلك في دولة الضباط الأحرار.

joyce-mansour-avec-andrc3a9-breton-circa-1960-dans-l-c3aele-de-la-citc3a9
جويس منصور وأندرية بريتون في باريس 1960

هذا الاهتمام بالسيرالية هذا العام هو نتاج للسباق والتنافس الذي انطلق بين مركز بامبيدو في باريس، وبينالي الشارقة في الامارات. حيث يتنافس الاثنان على تقدم تراث حركة السيرالية المصرية. المعرض الأول ينظمه سام بردويلي ويفتتح في سبتمبر القادم بمركز بامبيدو الثقافي بالعاصمة الفرنسية. وقد قضي بردويلي أكثر من ثلاث سنوات مع فريق من الباحثين لجمع تراث فنانى وكتاب وشعراء الحركة الموزع بين مصر وأوروبا.

المعرض الذي سعتبر الأضخم لم يكن بالامكان تنظيمه دون عرض لوحات رواد الحركة السيرالية والتى يقبع جزء كبير منها في مخازن وزارة الثقافية يعانى الاهمال والضياع. لهذا ففي نوفمبر الماضي زار وفد فرنسي وزير الثقافة حلمى النمنم والأخير وافق ببساطة وتلقائية شديدة على سفر الأعمال بصحبة المرممين وأطقم موظفي الوزارة دون أى مقابل مادى، أو اتفاق يفرض الشراكة المصرية أو الأقل يضمن إقامة المعرض في مصر.

 بعد العرض في باريس، يطوف معرض السيراليون المصريون أكثر من مدينة أوروبية دون أن يأتى للقاهرة. وستعود أعمالهم لتدخل مخازن الوزارة ويغطيها النسيان بينما ينسى الجميع صور الوزير مع الوفد الفرنسي واحتفاءه بالحركة والفن السيرالي.

** *

انتهت السيرالية مع صعود دولة يوليو، وفي مناخ فاشي أسست فيه الدولة وزارة الثقافة لم تنظر الوزارة بأى نوع من التقدير لأعمال السيراليين. أحد الحكايات التى توضح العلاقة التاريخية بين وزارة الثقافة والحركة السيرالية هى حكاية الفنان رمسيس يونان الذي أمام التضيق على المجال العام الذي مارسته دولة يوليو تقدم في أحد السنوات لنيل منحة التفرغ من قبل الوزارة. لجنة التحكيم التى كانت تضم عباس العقاد وأم كلثوم رأت أن أعمال رمسيس يونان التي كانت تعرض في أشهر قاعات العرض في باريس منذ الأربعينات ليست أعمال فنية، بل أن أم كلثوم قالت له أنه لا يجيد الرسم. وتمكن رمسيس يونان في النهاية من الحصول على المنحة كمترجم متقدماً بمشروع ترجمة لكتاب.

حينما توفيت بولا حنين حفيدة أحمد شوقي وزوجة جورج حنين، عرض الورثة التبرع بمكتبة جورج حنين في بداية الألفية لصالح الوزارة لكن لم يتلقوا أى رد، فتبرعوا بالمكتبة لصالح المركز الثقافي الفرنسي في المنيرة حيث تقبع مكتبة مؤسسة الحركة في مقر المركز بالمنيرة حتي الآن.

مع الاهتمام العالمى باعادة تقديم السيرالية المصرية هذا العام، لم يتعد موقف وزارة الثقافة ومساهمتها سوى التقاط الصور التذكارية مع المسئولين الفرنسيين والاماراتيين الذي اتوا لعقد الاتفاقيات مع الوزارة.

** *

لكن وكالعادة انقذنا الرز. مؤسسة الشارقة التى تشق طريقها لتصبح أهم المؤسسات الفنية المعنية بالفن الحديث والمعاصر في المنطقة لا ينافسها حالياً سوى متحف الفن العربي الحديث في قطر، قررت الدخول إلي معترك البحث عن تراث السيرالية المصرية، واختارات لهذه المهمة السودانى د.صلاح محمد حسن مدير معهد دراسات الحداثة المقارنة بجامعة كورنيل بأمريكا. والذي يعمل على إعداد وتجهيز معرض بعنوان “حين يصبح الفن حرية، السرياليون المصريون” والمقرر إقامته في مطلع عام 2017 في الشارقة، على أن يعرض جزء منه بعد ذلك في مصر.

الشارقة أيضاً وحينما حاولت تنظيم مؤتمر بحثي حول تاريخ الحركة السيرالية المصرية في نوفمبر الماضي، اتجهت للجامعة الأمريكية التى استضافت المؤتمر على مدار ثلاثة أيام.

لكن لماذا تهتم مؤسسة ثقافية إماراتية بإعادة الاعتبار لحركة فنية مصرية. الاجابة كانت في كلمة حور القاسمى مدير مؤسسة الشارقة للفنون التى أوضحت أن المؤتمر والمعرض جزء من مشروع ضخم تطلقها الشارقة لتوثيق الحركات الفنية العربية، وذلك كما أوضحت حور في كلمتها في نوفمبر الماضي بمؤتمر القاهرة: “كي نستطيع صياغة تصور لمستقبل أكثر غنى في منجزه الإبداعي وفي طاقته التعبيرية، مستقبل نتشارك جميعاً في رسم ملامحه، وفي إغناء وتعميق محتواه الإنساني، خارج المفاهيم والانتماءات الضيقة.”

** *

بالطبع لا مجال للانتماءات الجديدة في سوق الفن الذي تؤسسة دبي والدوحة الآن. فنظراً لصغر ومحدودية الأرشيف التاريخي والفني لهذه الدولة وحداثة مشاريع التنوير والحداثة فيها تسعى إلي تحويل متاحفها ومشاريعها الفنية إلي مستودعات تعكس أحياناً صورة افتراضية عن هوية عربية متخيلة، وأحياناً تتشبث بعالمية غير محددة المعالم.

في هذا الاطار وفي عالم السوق الحر ومادام حجا –وزارة الثقافة- ليس مهتماً بلحم ثوره فالافضل توجيه الثور لمن يعرف قيمته ويستطيع رعايته.

يتم تفريغ المتاحف المغلقة ومخازن الوزارة من كنوزها وتعرض للعالم في باريس ودبي والدوحة، والتراث المصري لا يجد مكاناً له في مصر، والوزير سعيد وفخور بالتقاط الصور مع الوفود الأجنبية، بينما الثقافة المصرية وتاريخها إلي ثور ونقطة صراع بين ممولين الثقافية الفرنسيين الذين يرغبون في نسبة تاريخ الحركة إلي الحقبة الاستعمارية الفرنسية وانجازاتها، وأخوة عرب يريدون نزعها من انتمائاتها الضيقة إلي فضاء عروبي مبتدع يغطون به على الثقب الاسود في هويتهم القومية. وفي هذا كله تقوم الوزارة فقط بدور أمين المخازن والسمسار الذي يوفر لصناع الفعاليات الثقافية العالمية والعربية الفرصة لاخراج هذا التراث من مصر وعرضه .

هيثم الوردانى يكتب: ضمير المتكلم وسياسة اﻷدب

يقبع الكاتب “أحمد ناجي” في السجن منذ فبراير الماضي تنفيذًا لحكم بالحبس لمدة عامين بعد إدانته بتهمة “خدش الحياء العام”. وتعاقبت فصول محاكمة ناجي كما هو معروف إثر نشر جريدة أخبار الأدب القاهرية الفصل السادس من روايته “استخدام الحياة” في صيف ٢٠١٤، إذ أقام أحد القرّاء دعوى على الكاتب والجريدة بعد “إصابته بارتفاع في ضغط الدم واضطراب في نبضات القلب” من هول ما قرأ في الفصل المنشور. وقبلت النيابة الدعوى المقدَّمة، ثم شرعت في التحقيق مع الكاتب الشاب (30 عامًا) منطلقةً من أن الجزء المنشور من الرواية هو مقالة صحفية وليس عملًا إبداعيًا، ووُجهت له تهمة “خدش الحياء العام”. جاء حكم درجة التقاضي الأولى في مطلع يناير ٢٠١٦ ببراءة الكاتب لعدم توافر القصد الجنائي، أعقبه حكم محكمة الاستئناف المفاجئ في فبراير الماضي بإدانة الكاتب. ودخل ناجي السجن، في حين بقيت روايته، للمفارقة، حُرّة طليقة، تُباع على أرفف المكتبات وأرصفة بائعي الكتب.

من يتكلم؟

تأتي قضية ناجي في لحظة استثنائية وصلت فيها الخصومة السياسية في مصر إلى درجة غير مسبوقة من التوحش والفُجور. فلا يكاد يمر يوم من دون خبر اعتقال أو إخفاء قسري أو تصفية خارج إطار القانون. ومن نافل القول إن حرية الصحافة أو التعبير لا تحظى بوضع استثنائي في هذا المشهد الكئيب. لكن رغم التسيس الذي لا مفر منه في اللحظة الحالية، ورغم انخراط أحمد ناجي وجيله في نشاطات وممارسات استطاعت تغيير المشهد السياسي جذريًا على مدار العقد الماضي، رغم كل ذلك فإن قضية ناجي هي قضية أدبية في المقام الأول وليست قضية سياسية. أو على نحو أكثر دقة، قضية ناجي لا تتعلق بالسياسة بوصفها صراعًا على السلطة، وإنما بما أسماه “جاك رانسيير” سياسة الأدب. أي تلك السياسة التي ينحتها الأدب من خلال ممارساته. فالكتابة، حتى ولو لم تتناول مواضيع سياسية، أو تروج لفكرة سياسية، هي دائمًا في حالة اشتباك مع الواقع. والانحيازات الأدبية للكتابة، أي طرقها المختلفة للعمل على مادتها، من تنظيم وتوزيع وتأطير وتشتيت، هي ما تخلق سياسةً للأدب، وتتيح له التفاعل مع واقعه. قضية ناجي بهذا المعنى هي قضية لا تنتمي إلى الصراعات السياسية الحالية، أو على الأقل لا تنتمي إليها فقط، وإنما تنتمي بعمق إلى معركة الأدب القديمة، أي منذ ظهوره كشكل جديد من أشكال فن الكلام. هذه المعركة تتمثل في إصراره على تأسيس سياسة نصيّة مستقلّة والعمل من خلالها. تتقاطع هذه السياسة مع الواقع في نقاط مختلفة عن تلك التي تتقاطع معه فيها السياسة بمعناها التقليدي. وفي زمن احتقار السياسة، بل ومحاولة وأدها من قبل الجميع، يغدو من الأهمية بمكان تلمس أفق جديد للسياسة، نوع آخر من السياسة، وذلك من خلال فهم معركة الأدب وتأملها في خصوصيتها وصيرورتها، لا باعتبارها مجرد تابع لصراع سياسي راهن، من دون أن يعني ذلك بالطبع عزل تلك المعركة عن اللحظة الحالية.

ث

يمكن القول إجمالًا إن قضية ناجي بُنيت على تهمتين، إحداهما مضمرة والأخرى معلنة، التهمة المضمرة هي قيام الكاتب أحمد ناجي نفسه بالأفعال التي قامت بها الشخصية الرئيسية في روايته، والمقصود بالأفعال هنا هي أفعالٌ من قبيل تعاطي المخدرات وممارسة الجنس. أما التهمة المعلنة فهي كتابة ونشر ألفاظ وعبارات تُعدّ خادشةً للحياء العام. التهمة الأولى كانت حاضرة بقوّة في التحقيقات الأوليّة حسب شهادة من حضرها، ثم تراجعت تدريجيًا، وهيمنت التهمة الثانية شيئًا فشيئًا على مسار القضية، لتصبح في النهاية قضية خدش حياء عام. غير أن هذا لا يقلل من الأهمية الكبرى للتهمة الأولى المضمرة، إذ إنها تنطوي على أحد أسئلة الأدب الجوهرية. فهي تحيلنا مباشرة إلى صراع خافت يعمل في قلب قضية ناجي، صراع آخر غير الصراع على حرية التعبير أو حدود الخيال، إنه الصراع على ضمير “الأنا”. هذا الصراع يدور حول سؤال: من يتكلم على لسان ضمير المتكلم؟ من هي هذه “الأنا”؟ رواية “استخدام الحياة” لمن لم يقرأها اختارت أن تسرد ما حدث لبطلها “بسّام” باستخدام ضمير المتكلم. “بسّام”، أي المتكلم، هو شاب يعيش في قاهرة المستقبل. يعمل “بسّام”، ويحب، ويمارس الجنس، ويدخل في صراعات مع آخرين في المدينة، تمامًا كما يحدث عادةً مع غيره من الشخصيات الروائية. وبعد نشر الفصل السادس من الرواية في صحيفة أخبار الأدب انفجر فجأة هذا السؤال القديم مرة أخرى في وجه الجميع: من يتحدث هنا بضمير المتكلم؟ هل هو المواطن أحمد ناجي متخفيًا وراء شخصية مختلقة؟ أم هو الشخصية المختلقة “بسّام”؟

الادعاء رأى أن ما نُشِر هو مقال، وبالتالي فهو يسجّل حقائق. هذه الحقائق تُنسَب إلى من كتب المقال، أي ناجي، وبالتالي يحق للقانون محاسبته عليها. أما دفاع الكاتب أحمد ناجي فحاجج بأن ما نُشِر ليس مقالًا صحفيًا وإنما نص ابداعي متخيل ومقتطع من رواية، يسرد أفعالًا قامت بها شخصية مختلقة تدعى “بسّام”، ومنفصلة عن شخصية كاتبها. هناك إذن طريقتان في فهم الذات تتصارعان في هذه القضية. الأولى ترى في الذات وحدة مكتملة، متوحّدة مع نفسها ومنفصلة عن أي آخر. أقوالها متسقة دومًا مع أفعالها. والثانية ترى في الذات وحدة غير مكتملة، يداخِلُها الآخر وتعتريها الشقوق. أقوالها لا تتسق دائمًا مع أفعالها.

لذلك فعندما يكتب أحمد ناجي نصًا بضمير المتكلم على لسان “بسّام”، فإن الطريقة الأولى في فهم الذات – وهي ليست قاصرة على القارئ مقيم الدعوى أو الادعاء، بل تنتشر بدرجات مختلفة بين كثير من القراء، والكتّاب أيضًا – هذه الطريقة سترى في هذا النص اعترافًا بأفعال حقيقية وقعت لناجي نفسه، لأن ذاته هي ذاتٌ مكتملة، مسؤولة عن أفعالها، وأقوالها تشير إلى أفعالها تلقائيًا بصرف النظر عن أي حِيَل كتابية. في حين سترى الطريقة الثانية أن الذات، أيّةُ ذات، هي مكان للاختلاف والغيرية، وبالتالي يمكن لناجي أو غيره أن يتحدث مستخدمًا “أنا” لا تخصه، “أنا” أخرى، لقول حقيقة لم تقع بالضرورة. لنُسمِّ الآن الأنا التي تقترحها الطريقة الأولى “الأنا القانونية”، والأنا الثانية “الأنا الأدبية”.

يعتمد القانون، بما هو إدارةٌ للحقوق والواجبات، اعتمادًا كليًّا على منظومة الذوات. عليها يضبط الحقوق والواجبات، ومن دونها لن يمكنه أن يقوم بوظيفته. الذات من وجهة نظر القانون هي شرط وقوع الفعل. فلا يوجد فعل من دون فاعل، أي من دون “أنا” يُنسب إليها هذا الفعل، سواء قامت به أو وقع عليها، وسواء اعترفت به أم لم تعترف. ولا يمكن للقانون أن يقبل بفك الارتباط بين الفعل والفاعل، أو بتعقيد مفهوم الفاعل، لإن ذلك يعني فساد منطقه. فالذات إذا لم تكن نقطة ثابتة ومحددة في الفراغ، فلن تُمكن نسبةُ الأفعال إليها، وبالتالي ستسقط المسؤولية من وجهة نظر القانون، ولن تمكن محاسبة المرء على ما فعله. الذات قانونيًا هي إذن وحدة إدارية، تقع في إطار نظام حكم سياسي واجتماعي معيّن. وتنبع مسؤوليتها القانونية من واقع ارتباطها بأفعالها بعلاقة سببية تخارجية، أي أنها سبب خارجي ومستقل عن الفعل نفسه، ومن ثمّ تمكن محاسبتها عليه. أما الأدب فمن خلال الصدع الذي يحدثه في ضمير “الأنا”، أي من خلال إتاحته الفرصة لاستعارة أو إعادة تشكيل الأنا أثناء الكتابة، فإنه يُخرج الذات من البناء القانوني المحكم، ويجعل الفعل نشاطًا لا يصدر عن فاعل يسبقه، بل عن فاعل يتشكل من خلال الفعل نفسه.

فعل الكتابة هو نشاط تقوم به ذات قيد التشكل، فالكاتب يحصل على ذلك الاسم فقط عندما يكتب وليس قبلها، وينتج ذوات أو شخصيات روائية هي أيضًا قيد التشكل. والعمل الأدبي ينبع، في إحدى مداراته، من حركة ترفض رؤية الواقع بوصفه قد اكتمل بالفعل، فالأدب يبحث دائمًا عن طرق ووسائل لإعادة فتح الواقع بعد أن بدا أنه قد تجمّد وأخذ شكلًا نهائيًا، من أجل العمل عليها وإعادة تشكيله. أين تكمن إذن المسؤولية في الأدب إذا كانت الأفعال فيه تتماهى دائمًا مع فاعلين قيد التشكل؟

في الأدب لا توجد قوانين تَفرض على الذوات واجبات أو تمنحهم حقوقًا، بل هناك ذوات تتداخل في طريق تخلقها وتشكلها. ذوات لا ترغب في البقاء على ما هي عليه، أو ما كُتب عليها أن تكونه. وهذه هي مسؤوليتها. بكلمات أخرى، المسؤولية الأدبية هي إعادة فتح الواقع من أجل جعل عملية إعادة تشكيله ممكنة. في الأدب يصعُب بالتأكيد نسبة فعلٍ ما إلى نقطة وحيدة تُدعى الذات كما يفعل القانون، لأن هذه النقطة أصبحت غيمة من ذوات متداخلة، قيد التشكل دائمًا. لكن ذلك لا يجعل المسؤولية تسقط، وإنما يجعلها تتعاظمi.

سؤال من هي هذه “الأنا” التي تتكلم هو سؤال سياسي بامتياز. فهو وثيق الصلة بسؤال إلى أيّ جماعة تتحدث هذه الأنا، وأيُّ إطار يحكم العلاقة بينهما. الذات القانونية هي ذات من الممكن حُكمها وإدارتها بيروقراطيًا. من السهل سوقها وتحريكها في حشود، ومن السهل أيضًا تفريقها وعزلها داخل أبنية القانون. فهي نقية ومتسقة مع نفسها، مسؤولة عن أفعالها. عندما تقول “أنا”، تعني ما تقوله، لأنها تعرف ما هي هذه “الأنا”. إنها مكعب صغير يقف جوار مكعبات أخرى صغيرة ليكوّن معمارًا مجردًا يسمى الجماعة، ومسؤوليتها تجاه جماعتها تنظمها حزمة من القوانين والحقوق والواجبات التي تضمن عدم تداخل هذه المكعبات. أما الذات الأدبية فإنها عندما تقول “أنا” فهي تعني شيئًا آخر غير ما تقوله. لأنها لا تعرف على وجه الدقة ما هي هذه “الأنا”. أو لأن هذه “الأنا” هي دائمًا قيد التشكل، هي طيف من ذوات متداخلة، هي جماعة صغيرة. عندما يستخدم الأدب ضمير الأنا فإنه يُغيّر مرجعيته، مُفسحًا الطريق لنوع آخر من الذاتية. “الأنا” في النص الأدبي لا تحيل إلى ذات مكتملة مُعرَّفة، سواء كانت ذات الكاتب أو غيره، وإنما هي أقرب إلى كونها إمكانية جديدة، أو ولادة ثانية. الأنا هنا تُحيل، إن جاز التعبير، إلى ذاتية قائمة على ممارسةٍ داخليةٍ للغيرية. ولعلّ ذلك هو أحد الفروق الجوهرية بين الشخصية الأدبية والشخصية الواقعية. فالشخصية الأدبية ليست محض استنساخ لنمط الشخصيات الواقعية بكل خصائصها، بل هي نوع آخر من الذاتية. ذاتية تحيل إلى إمكانية الاختلاف والتغيير. هي نقد للذاتية كما يعرفها القانون.

DSC_0029
واحدة من رسائل التضامن التى وصلت لى عن طريق نادى القلم الدولى

كيف يمكن إذن حُكم وإدارة مثل هذا الذاتية التي يقترحها الأدب؟

ما هو الإطار الذي ينظم علاقتها بجماعتها؟

لا يُمكن بالتأكيد أن يتم ذلك بقوانين إدارية. ما يقترحه الأدب هو، ويا للغرابة، رفع المسؤولية إلى مرتبة القانون الأساسي. فتصبح أفعال تلك “الأنا”، أيّة “أنا”، خاضعة في الأساس لمسؤوليتها أمام نفسها، أي مسؤوليتها المترتبة على فهم أن الذات ما هي سوى مكان لاختبار الغيرية. بنية لا يمكن أن تستقر، وإذا استقرت تخلّت عن مسؤوليتها. الأدب لا يكفّ عن إنتاج شخصياته وإخراجها إلى الواقع، لا لتمييع المسؤولية، وإنما على العكس، من أجل تعقيدها. والمسؤولية التي يقترحها الأدب كإطار لعلاقة الفرد بجماعته هي مسؤولية إعادة فتح الواقع، إعادة فتح الماضي، إعادة فتح الذات، لا لترسيخ كل ما سبق، وإنما من أجل جعل إمكانية تغييره واردة. فالأدب ليس شأنًا خاصًّا يحدث فقط في الكتب، بل هو أداة اجتماعية يمكن للجميع استخدامها. أداة لفهم الذات وصياغتها بناءً على التفاوض المستمر مع المستحيل في لحظة تاريخية بعينها. وضمير “الأنا” كما يمارسه الأدب يصلح أيضًا للتطبيق خارج الكتب بالكفاءة نفسها. فخصوصية الأدب في فهمه للسياسة، لا تعني عزلته، وإنما تعني دقّته في تشكيل مجال عمله. تعني رغبته في الانتماء إلى الواقع المشترك من خلال محاولة تغييره، على طريقته. أو كما قال “رانسيير” في كتابه “سياسة الأدب” “إنه [أي الأدب]، باختصار، مركزٌ آخر للمدركات وطريقة أخرى في ربط قدرة انفعالية حسيّة بقدرة على الدلالة. إلّا أن رابطةً أخرى بين المعنى والعالم الحسيّ، وعلاقةً أخرى بين الكلمات والكائنات، تعني أيضًا عالمًا آخر مشتركًا وشعبًا آخر”.

ما هي هذه البنية التي نسميها “أنا”؟

هل هي بنية تخيلية؟ أم هي بنية قانونية؟ أم لعلها مزيج منهما؟

بتقدم التحقيقات في قضية ناجي توارى سؤال الأنا شيئًا فشيئًا، وتراجعت التهمة الأولى لكي تتصدر التهمة الثانية الخاصة بخدش الحياء مجريات القضية، حتى أصبحت الأخيرة تتمحور حولها. وصدر الحكم النهائي بعقوبة السجن بعد أن أثبتت المحكمة تهمة خدش الحياء تحديدًا. لكن الالتباس الخاص بالتهمة الأولى وسؤال من هي “الأنا” التي تتكلم ظل مخيمًا على القضية، وظهر جليًا في منطوق الحكم. فالمنطوق يشير إلى نص ناجي تارةً باعتباره “مقال للعرض والتوزيع حوى مادة كتابية”، وتارةً أخرى باعتباره “مادة مكتوبة”، وتارةً ثالثة باعتباره “مقال”. في الجلسة الأخيرة للقضية قبل صدور الحكم، وبعد أن يأس الحاضرون من رفع هذا الالتباس، قام رئيس تحرير جريدة أخبار الأدب، والمتهم الثاني في القضية، طارق الطاهر، وقال للقاضي إن لديه ما يرغب في إثباته في محضر الجلسة.

ما الذي رأى الطاهر أن من المهم إثباته في هذه اللحظة التي ترتسم فيها ملامح الكارثة في الأفق؟ ما أراد الطاهر إثباته هو أنه في أثناء إحدى جلسات التحقيق التي لم يحضرها ناجي قال له ممثل الادعاء إن بإمكانه حبس ناجي بتهمة تعاطي الحشيش الذي كان يدخنه بسّام في الرواية. وعندما أثبت الطاهر ذلك في محضر المحاكمة دافع ممثل الادعاء عن موقفه قائلًا إنه كان بإمكانه أيضًا حبس ناجي بتهمة تصنيع الحشيش، لأن بطل قصة “السنيورة” التي كتبها ناجي أيضًا بضمير المتكلم، قام بطبخ الحشيش، لكنه لم يفعل. مما يدل من وجهة نظر الادعاء على أن موقفه من ناجي موقف غير شخصي. من المستبعد أن تكون بادرة الطاهر قد لعبت دورًا في حكم المحكمة النهائي، إلا أن أهميتها تكمن في كونها آخر ما يمكن الدفاع به. كأن لسان حال هذه البادرة يقول: إذا لم يكن من الممكن دفع الالتباس، فعلى الأقل يمكن تسجيله. بعدها رُفعت الجلسة للحكم، وأُدين طارق الطاهر أيضًا في القضية، وحصل على أقصى عقوبة يوقعها القانون على رئيس التحرير في جرائم النشر، وهي غرامة مالية قيمتها عشرة آلاف جنيه.

الجسد الأدبي

يزخر التراث العربي بالكثير من النصوص التي تتحدث صراحة ومن دون تورية عن الجنس. لذا لم يكن من الغريب أن يحاجج دفاع ناجي على براءة موكله من تهمة خدش الحياء العام مستخدمًا مقاطع من “العقد الفريد” و”أغاني الأصفهاني” و”أخبار أبو نواس”. في هذه المقاطع نقرأ عن نساء يتحايلن لكي يضاجعهن أزواجهن، وعن أمراء يغرقون في عسل جواريهم. نقرأ ما قاله الظرفاء عن الأعضاء الجنسية، وما أنشد به الشعراء في المضاجعة. ورغم منطقية هذا الدفع الذي يستند على وجوب إجازة لناجي ما أُجيز لمن سبقه، وذلك بحكم انتماء الجميع إلى الحقل المعرفي نفسه، أي الكتابة، إلا أن هناك اختلافًا جذريًا بين الأدب بمعناه الحديث، والذي تنتمي إليه رواية ناجي، وبين النصوص التراثية التي تتناول الأخبار والنوادر وأوضاع الجماع.

الفارق باختصار هو أن الأدب كما نعرفه اليوم هو خطاب مباين تمامًا للخطابات التي تقف الأعمال الأدبية التراثية على أرضيتها، فهو شكل جديد من أشكال فن الكلام، شكل تاريخي مرتبط بعالم لم يعد يسكنه فقهاء وأمراء وجواري ورعايا، وإنما يسكنه أفراد يعيشون في عمران ينفجر كل يوم في وجوههم، وتحكمهم فيه سلطة سياسية لم تعد تتركز في يد شخص واحد.

الجنس في الأدب الحديث ينتمي إلى ذاتية لم تعد تبحث عن إطار فقهي لرغباتها، أو عن أبيات تحتفل بفحولتها. إنها ذاتية باتت أكثر تعقيدًا ووعيًا بما يلحق بمسارات رغبتها من انسدادات جراء وضعها المعيشي. والأدب هو خطاب لهذا النوع من الذاتية، والتي يمثل الجنس أحد خطوط مواجهتها مع المجتمع وأخلاقه. على هذا الخط تفحص الذات ضعفها وهشاشتها، تفحص شبقها وانحرافها عن المعياري. مشهد الحفلة في الفصل الأزمة الذي قاد ناجي إلى السجن ينطلق من سؤال: “ما الذي يفعله الشباب في مرحلة العشرينات في القاهرة؟” أو بكلمات أخرى، ما هي الإمكانيات المتاحة في هذا المكان وفي هذه اللحظة؟ بعد هذا السؤال تأتي تلك الجملة التي وقفت على الأرجح في حلق القارئ صاحب الدعوى، وهي الجملة التي تذكر الأعضاء الجنسية بأسمائها المعتادة، ثم مشهد ممارسة الجنس مع السيدة “ملعقة”. ما حدث لباسم بطل رواية “استخدام الحياة”، وما حدث لكاتبها أحمد ناجي من بعده، هو بالضبط ما تقدمه القاهرة اليوم لشبابها.

10483911_739261326135048_8090798527048330377_n
تفاصيل من لوحة صلب المسيح لوليد عبيد

من المثير ملاحظة أن منطوق الحكم لا يعارض تناول الجنس في الأدب بشكل منهجي، بل يعارض استخدام ألفاظ بعينها. يقول منطوق الحكم إن “من علوم اللغة العربية علم البلاغة ومن أساليبها أسلوب الكناية والتورية، فلو كان المتهم عالمًا بأساليب اللغة وآدابها لاستخدم أيًا منهما في التعبير عما أراد إذا ما اقتضى سياق الرواية ذلك، ولكن أنّى له بعلوم اللغة فقد اختار لنفسه أحطّ الألفاظ التي لا تستخدم إلا في مجتمعات يغيب عنها الناموس الأخلاقي”. ليس من الصعب أن يخمّن المرء سبب الارتباط شبه القدري بين الجنس والكلمات الفاحشة في كل اللغات. إذ يظهر للوهلة الأولى أن الجنس، الذي كثيرًا ما تصمه المجتمعات المحافظة بـ “القذارة”، يجد صورته في الألفاظ “القذرة”، لأنها مثله محرمة ومستبعدة. أو لعلها استُبعدت بعد أن عبّرت عنّه. على أية حال هناك فيما يبدو جذر محافظ، أو ارتباك قديم حيال الرغبة مرّت به معظم المجتمعات وخلّف أثره في اللغة. بين الجنس والكلمات الفاحشة ما يشبه الحبل السُري. كلاهما يحمل ما يهدد النظافة الاجتماعية الكاذبة، ويُعيد وحش الرغبة الذي أراد الجميع إخفاءه بعيدًا. بلا كناية أو تورية.

لكن ما هي هذه الألفاظ التي تخدش الحياء العام؟

الألفاظ الخارجة النابية الفاحشة البذيئة الإباحية الساقطة القذرة؟ ما هي الألفاظ التي أسمتها المحكمة “أحطّ الألفاظ”، والتي أُقيمت عليها التهمة الثانية في القضية، وقادت ناجي إلى السجن؟ إنها ألفاظ تجري على الألسنة كغيرها من ألفاظ اللغة. لكن على ألسنة من؟ على ألسنة من أسمتهم المحكمة “مجتمعات يغيب عنها الناموس الأخلاقي”. إنها لغة السوقة والدهماء، لغة الأوغاد والسفلة، لغة المراهقين والمتمردين. وكمجرم تائب يتسامح المجتمع مع استخدام هذه الألفاظ مؤقتًا، شريطة أن يجري التخلّي عنها بعد ذلك. المجرم القديم الذي يعرف حلاوة الخروج عن القانون سيتسامح مع المراهقين والشباب إذا ما عزفوا عنها بعد وصولهم لمرحلة النضج والتحقق. وسيتسامح مع استخدام السوقة لها إذا ما تخلّوا عنها أمام مترفيهم. جريان الألفاظ النابية على الألسن يعكس إذن تصورًا اجتماعيًا للحياة كرحلة تصعد بالأفراد من القاع إلى القمة، من القذارة إلى الطهارة، من الفقر إلى الغنى، من سوقية الطبقات الدنيا إلى حذلقة الطبقات العليا. كأن السوقية هي ما تجب مغادرته إلى الأبد في سلم الترقي الاجتماعي، وليست أداة تعبير تكون هي الأدق والأفصح في سياقات معينة. لكن ما يثير الدهشة حقًا، أيًّا كان تصور المجتمع عن نفسه، هو عمق الجرح الذي تسببه هذه الألفاظ عندما تُقرأ في كتاب، مقارنة بالجرح الذي يمكن أن تحدثه عند سماعها فقط. مالذي يستدعي مقاضاة ناجي وعدم ترك روايته ببساطة جانبًا كما يحدث عندما يجد المرء نفسه في مكان يكثر فيه السباب مثلًا فيغادره؟ هل لأن الكتاب مرتبط بالطهارة؟ هل لأن القراءة مرتبطة بتصور طُهراني عن الذات؟ مرتبطة بتلك الخرافة الجماعية لرحلة عصامية تحمل المرء من القاع إلى القمة؟

اللغة مادة الأدب الأولى، والألفاظ الفاحشة هي منتج عضوي أفرزته اللغة نفسها، لذلك من الطبيعي أن يتوقف الأدب أمام هذه الظاهرة التي تجعل بعض الكلمات محرّمة وأخرى محلّلة.

أليس استخدام ألفاظ فاحشة في نص أدبي هو مراجعة لهذه التراتبية، بما يحمله ذلك من مراجعة لتراتبية الناطقين بكليهما، وبذلك هو جزء من سياسة الأدب؟ أليس استخدام ألفاظ نابية مراجعةً لأسطورة الطهارة؟ وإذا كان هذا هو هدف الكاتب حقًا فكيف يمكنه استخدام هذه الألفاظ من دون السقوط في الشعبوية أو الابتذال؟ ليس أحمد ناجي هو أول من يقف أمام كل هذه الأسئلة، فتاريخ الأدب المصري حافل بأمثلة متنوعة لخلق إجابات عنها، ولعلّ أكثرها زخمًا وقوّة هو ديوان الشاعر نجيب سرور، غير المطبوع والمنتشر رغم ذلك على نطاق واسع، ديوان “… أميّات” الشهير. وهو ديوان غني عن التعريف، صاغ شعرية شعبية مستخدمًا كل الألفاظ المحرّمة على الشعراء. الكلمة الأولى في عنوان الديوان غير خافية على معظم القراء، لكن كاتب هذه السطور قرر أن يستخدم مكانها النقاط الثلاث الشهيرة، فهل هذا هو عمل الرقابة الذاتية؟ عمل شرطة الأدب الداخلية؟ ربما. أو لعل الأمر مرتبط أيضًا بسياسة الأدب، فالأخيرة هي ما تجعل نصًّا يختار ممارسة حقّه في استخدام كلمة باتت تُعدّ خارجة، رغم أن الجميع يستخدمها ليلًا نهارًا، في حين يختار نص آخر وضع النقاط الثلاث، لأن قضيته ليست ممارسة الحق في استخدام ألفاظ يعدّها المجتمع خارجة، وإنما تأمّل هذا الحق.

كل اختيار منهما مرتبط بسؤال وبمجال بحث. مرتبط باختيار أدبي وانحياز في الكتابة في لحظة بعينها، باختصار مرتبط بسياسة أدبية. ومن حق كلا الاختيارين التواجد والعيش.

نعم، ليس ناجي هو أول من يقف أمام سؤال الألفاظ الفاحشة، ولا أول من يقف أمام سؤال الجنس في الأدب، ولكنه أول من يُودع السجن بسببهما في تاريخ الأدب المصري الحديث.

لماذا صدر الحكم ضد ناجي في هذه المرحلة تحديدًا؟ لماذا انتهت القضايا الشبيهة سابقًا إلى سحب الأعمال من الأسواق أو فرض غرامة مادية فقط على مؤلفيها؟ هل يرجع ذلك إلى الظروف السياسية الحالية والدور الذي تلعبه السلطة القضائية فيها؟ هل يعود ذلك إلى تغيّر في ذائقة المجتمع وتوجهه أكثر إلى المحافظة؟ هل سنشهد إذن مزيدًا من القضايا ضد أعمال أدبية؟ أم أن الأمر هنا سوء حظ ومصادفة عبثية؟ من الصعب العثور على إجابة مقنعة عن كل تلك الأسئلة، فهناك عدد لا بأس به من الأعمال الأدبية التي تنشر في مصر اليوم يتضمن نقدًا اجتماعيًا أو سياسيًا.

كذلك لا توجد جهة رقابية حكومية تُعرض عليها الأعمال الأدبية قبل صدورها، وتملك سلطة رفضها أو الموافقة عليها. من ناحية أخرى، فهناك أكثر من قضية نشر حُكم مؤخرًا فيها بحبس الكتاب، مثل قضيتي الإعلامي إسلام البحيري الذي يقضي في السجن عقوبة بالحبس لمدة عام لتقديمه حلقة تليفزيونية اُعتبرت مسيئة للإسلام، والكاتبة فاطمة ناعوت المقيمة حاليًا خارج البلاد بعد صدور حكم بحبسها بتهمة ازدراء الأديان في تعليق لها على موقع الفيسبوك. جميع هذه القضايا أثيرت بدعاوى أقامها مشاهدون أو قراء. مما قد يشير إلى تنامي سلطة ما يدعون بـ “المواطنين الشرفاء.” لكن ما هي معايير عمل سلطة المواطنين الشرفاء تلك إن صح وجودها؟ وعلى أي أساس تُرفع قضية على عمل ما دون الآخر؟ لا أحد يعرف بدقة. هذه الضبابية هي سمة اللحظة الحالية في مصر، إذ لا يمكن معرفة ما إذا كان المرء قد تجاوز خطًا ما أم لا، ويصبح من العسير تقدير الخطوة التالية. يمكنك أن توجه نقدًا للنظام السياسي في مقال صحفي ولا يحدث لك شيء، أو تكتب رواية بها مشهد جنسي فتودع السجن. وهو الأمر الذي يثير الرعب حقًا.

لنعد مرة أخرى إلى تناول الجنس في الأدب.

الجنس في الأدب ليس ألفاظًا جنسية فحسب، بل أجساد أيضًا، أي نوع آخر من الكلمات يسمّى الضمائر. ومثلما يمتد حبلٌ سُري بين الجنس وبين الألفاظ الفاحشة، يمتدّ حبلٌ آخر بينه وبين ضمير المتكلم.

بالطبع لا تقتصر معالجة الجنس في الأدب على مقاطع تتحدث بضمير المتكلم، لكن هناك صدى شهواني خافت يرافق ضمير المتكلم، حتى ولو خلا كلامه من أي شهوة أو جنس. فالأنا مشحونة جنسيًا بطبيعتها، هي تجسّد وحميمية، بمجرد ظهورها يظهر جسد يتقاطع مع جسد الواقع الأكبر. الأنا ليست لحظة انتباه فكري فقط، أو جزءًا من تنظيم سياسي واجتماعي، وإنما أيضًا لحظة انتباه وتفتُّح جنسي. لحظة اتصال بالطاقة الليبيدية التي تسري في الحياة. إنها تمدّ تلك الطاقة بالحضور الذي تحتاجه، ليتشكل الجسد الذي ستتلبّسه في هذه اللحظة، ومن دونها تظل هذه الطاقة متخيلة وغير متعيِّنة. لكن ما هو هذا الجسد الذي يظهر مع ظهور الأنا؟ ما هو هذا الجسد الأدبي؟

إذا كان الأدب يرى في الأنا مجالًا للغيرية والتحول، كيف يمكن إذن لهذه الغيرية أن تحلّ في جسد؟ إنه جسد غريب بلا شك. جسد بلا اسم. درجة من التجسّد مختلفة عن الجسد الفيزيقي. فالأخير هو جسد هويّاتي، أو حُكم عليه أن يحمل هوية واضحة لا لبس فيها. أما الجسد الأدبي فهو الإمكانية التي لم تُكتشف بعد في الجسد، هو تجسّد خال من التأطير، وبالتالي فهو بلا اسم علم، حتى ولو حمل واحدًا. الجسد الأدبي هو إعادة فتح للجسد الفيزيقي من أجل شق مسارات داخل الانسدادات التي أصابته، من أجل البحث عن إمكانية جديدة لم يُلتفت إليها فيه. بكلمات أخرى، فالجسد الأدبي هو إعادة اكتشاف الجسد الفيزيقي وكل ما لا يزال كامنًا فيه، من أجل إعادة تشكيل لما ظننا أنه أخذ شكلًا نهائيًا إلى الأبد.

15619_10206083415233058_5471382005290153661_n
الأنا والعالم. خريطة فلكية قديمة لجسد السماء ومواقع الأبراج والأفلاك

يومًا ما سنقرأ تاريخًا لضمير الأنا في الأدب العربي. سيخبرنا هذا التاريخ كيف تتشكل الذاتية على ضفاف النص المكتوب، وكيف تُعاد صياغتها مع كل حقبة وسياق فكري واجتماعي وسياسي. سيرينا هذا التاريخ أن هناك طرقًا متعددة لتكوّن الذاتية كعلاقة بين الذات ونفسها، هذه العلاقة تربط الأفراد بالسياق الخارجي الحاكم لحياتهم، والذي يتغير في كل حقبة. سيكشف لنا هذا التاريخ كيف يمكن للأنا أن تصبح مركزًا للمقاومة، وكيف يمكن أن تلتف على نفسها لتتحول إلى ثقب أسود. تاريخ مثل هذا سيرينا الخطوط والمحطات التي تطوّرت الذاتية عبرها، وقد يعرّج في إحدى محطاته القريبة على كتابة التسعينيات في مصر، بوصفها الكتابة الأقرب إلى ضمير الأنا في الأدب الحديث، والصوت الأكثر التصاقًا بالذاتية. فكتابة التسعينيات مسكونة بضمير المتكلم، عثرت فيه على حليفها في رحلة انطلقت من الذات والجسد، رحلة جاءت في لحظة كان الجسد فيها يختفي تحت أستار التنميط والأيدولوجيا. لن يضع هذا التاريخ الذاتية على الطرف النقيض من الجماعية، ولن يساويها بالانعزالية، بل سيراجع اختيار الأنا التسعينية موضعة نفسها داخل جسدها الفردي كاستراتيجية للخلاص، ليحدد متى نجحت هذه الاستراتيجية في انتزاع حق تشكيل الحياة بشكل مستقل أمام التنميط الاجتماعي، ومتى انغلقت على نفسها لتعيد إنتاج التنميط الاجتماعي. سيراجع مثل هذا التاريخ كل ذلك، لأن الأنا التسعينية هي في النهاية “أنا” تاريخية.

الخيال كأداة للحقيقة

لا تكتمل الكتابة من دون أنا أُخرى أو ذات أُخرى، تعمل عليها قوى الكتابة. إنها ذات القارئ التي هي المجال الحقيقي لعمل الأدب. فالأدب هو تأثير ذات على ذات. لذلك لا يصعب تصديق القارئ الذي اختصم ناجي عندما قال إنه شعر “باضطرابات في نبضات القلب، وارتفاع في ضغط الدم”، فهذا هو بالضبط رهان الأدب. رهان الأدب هو أن الكلمة، على كل هشاشتها، يمكنها أن تُغيّر، يمكنها أن تؤثّر، يمكنها أن تجرح الواقع وتعيد فتحه بعد أن بدا أنه أُغلق إلى الأبد. هناك دومًا ذات تتلقى النص الأدبي مهمًا كان الضمير الذي كُتب فيه، ذات تفكر في ما تقرأه بينها وبين نفسها. اللغة لم تسعفنا بضمير خاص بالقارئ على غرار ضمير المتكلم، أي بتلك الأنا التي لا تتكلم وإنما تقرأ وتستمع. تلك الأنا الشاردة في الكتاب الذي بين يديها، غائبة عن الواقع وحاضرة فيه في آن. لذلك ليس أمامنا سوى استخدام ضمير واحد لكليهما، أنا واحدة. وقد يكفي ذلك بالفعل، لأن الأنا هي ذلك الحيز الذي يتغيّر فيه صاحبها كما رأينا. والقراءة الحقّة هي أيضًا استعداد لمبارحة النفس، وقبول دعوة التغيير التي يحملها النص المقروء، وليست مراكمة لما يُقرأ في مستودع داخلي يدعى الذات.

الكتابة والقراءة إذن تؤسسان لنوع خاص من الذاتية، فهما لا تنفكان تتصلان بضمير الأنا، ومعركة الأدب المستمرة هي كيفية فهم هذا الضمير. هل هو وسيلة لتحريك الواقع أم وسيلة لتثبيته؟ هل تقف وراءه ذات قيد التشكل أم ذات قد فرغت من تشكيل نفسها؟ بإمكان القارئ أخذ دعوة المراجعة والتغيير التي يطلقها الأدب بجدية، أو يهملها جانبًا. بإمكانه الاستمرار فيها أو العمل ضدها. فهذه هي مسؤوليته. ومن هذا المنطلق فإن جميع قضايا النشر الأخيرة هي قضايا تتعلق بمسؤولية القراءة وتبعاتها. هناك قراءة تؤدي إلى إقامة دعوى على الكاتب، وأخرى تسمح للنص أن يُغير القارئ. قراءة تنخرط في خدش الواقع، وأخرى تقيم حوله الأسوار.

هذا الواقع الذي خُدش يتأسس مثله مثل أي واقع آخر داخل خطاب ما للحقيقة، خطاب يحدد ما هو واقعي وما هو غير ذلك. لنعد الآن مرة أخيرة إلى الالتباس الأولي في هوية نص ناجي عند القارئ عندما نُشر في الجريدة. ما هو هذا الخطاب الآخر الذي خُلط بينه وبين الأدب في بداية القضية؟ إنه الكتابة الصحفية. رافع الدعوى وممثل الادعاء، بل والمحكمة في منطوق حكمها، الجميع تعامل مع فصل الرواية المنشور باعتباره مقالًا صحفيًا، أو في أفضل الأحوال باعتباره مقالًا حوى كتابة روائية. وما هي الصحافة؟

ما هو هذا الخطاب الذي نسميه صحافة؟

الصحافة الحرّة هي خطاب يضع على عاتقه في المقام الأول تقديم معلومة صحيحة، بعيدة عن التزييف أو الدعاية. فيمدّ قارئه بتقارير وآراء دقيقة وموضوعية، وبتحقيقات استقصائية تكشف الحقيقة. أو لنقل إن معركة الصحافة الحرّة أو الجادة مع غيرها من أنواع الصحافة هي معركة على ضمان صدق الخبر ونزاهته. هذه المعركة لا تُخاض فقط ضد الصحافة المدلِّسة، بل ضد أنواع أخرى من الصحافة أيضًا. علينا فحسب أن نتذكر المعركة التي شهدتها الصحافة العقد الماضي مع ظهور أشكال صحفية أخرى مثل المدونات وصحافة المواطن، ودارت رحاها حول كيفية التثبت من صحة المعلومة التي تقدمها تلك الوسائل الصحفية الجديدة، وضمان نزاهتها. باختصار يمكن القول إن الصحافة تنتمي لخطاب الحقيقةiv، هدفها تقديم الحقيقة وحمايتها من التزييف، وإشراك قارئها في هذا الخطاب لكي يكون جزءًا من الواقع الذي تؤسسه هذه الحقيقة. قارئ ناجي والادعاء خلطا إذن بين الصحافة والأدب، وتعاملا مع الأخير باعتباره خطابًا يُنتظر منه أن يقول الحقيقة. وفي خطاب الحقيقة لا توجد شخصيات مختلقة أو قصص مؤلفة. عندما تُدلي الأنا بشهادتها، عندما تقول إنها فعلت شيئًا، يُنتظر منها أن تكون صادقة فيما تقول، وبالتالي قد قامت بذلك بالفعل، وتتحمل تبعاته، وإلّا فإنها تكذب. ما منبع ذلك الخلط؟ هل الأدب لا ينتمي حقًا إلى خطاب الحقيقة؟ هل الأدب “كذب”؟ ما هي الحقيقة الأدبية؟

12208364_10156182734265414_7271227328139111475_n

الأدب هو عمل دؤوب لإلحاق الخيال بالحقيقة. والحقيقة الأدبية المعجونة بخميرة الخيال ليست هي حقيقة ما حدث وتمّ بالفعل، ليست واقعة منتهية يمكن فقط معرفتها من خلال الاعتراف أو التقصّي، وإنما هي حقيقة غريبة تتعلق بما يمكن أن يحدث، أو ما كان يمكن أن يحدث. أي أنها حقيقة لم تقع بالضرورة بعد، أو لن تقع أبدًا. باختصار الأدب معنيٌ بتأسيس الحق في نسبة ما لم يقع (بعد) إلى الحقيقة.

تأسيس حق الخيال، لا الكذب، في الانتماء إلى خطاب الحقيقة. الأدب من هذه الزاوية يقدم أرضًا جديدة لخطاب الحقيقة بعيدًا عن أرض الصدق والكذب التقليدية. إنها أرض الخيال. والخيال هنا ليس مجرد تهويمات في الفراغ، بل هو تقنية لاختبار الحقيقة.

هو إعادة فتح الحقيقة من أجل العمل عليها، هو بالضبط رفض تصوّر الحقيقة بوصفها قد تمّت واكتملت، وإنما بوصفها دائمًا صالحة لإعادة التشكل. ولا يمكن لهذا الاختبار أن يحدث دون القراءة. أو على نحو أدق، القراءة هي اختبار الحقيقة عبر أدوات الأدب. مالذي يجعلنا نقرأ الأدب؟ لماذا لا نكتفي بقراءة العلم أو الدين أو غيرهما من مصادر الحقيقة النهائية؟ أو قراءة القصص الصحفية الجادة والتعليقات السياسية التي سترشد طريقنا في عالم مضطرب؟ ألا تكفينا كل هذه السرديات التي تحيط بنا؟ لماذا نحتاج ما يزيد حيرتنا وبلبلتنا؟

ربما لأننا بحاجة دومًا إلى البحث عن مخرج. فالأدب ليس مركزًا لإنتاج الحقيقة، وإنما لمراجعتها. إنه لا يدّعي تقديم مضمون الحقيقة أو فحواها داخل سردية، وإنما تقديم أدوات من أجل الخروج على سردية الحقيقة. والحقيقة بالنسبة إليه ليست جوهرًا مخبأ في مكان بعيد المنال، وإنما تتشكل في اللحظة التي ينفتح فيها الواقع على إمكانية مفاجئة. وأين يبدأ كل ذلك؟ في القراءة. فهي ما يجعل الخيال رجعًا لصدى الواقع، أرضًا نضع فيها الحقيقة على المحكّ، وليست أرضًا نهرب إليها من الواقع.

عندما يلجأ الأدب لضمير المتكلم فإنه يُلحق الذاتية بخطاب الحقيقة، فيصبح ضمير الأنا إحدى أدوات الأخير. هذه الأداة تختلف عن أدوات الحقيقة الأخرى مثل الاعتراف والتقصّي. عندما يتكلم ضمير الأنا في النصوص الأدبية التي تستحق فعلًا هذا الاسم فإنه لا يكذب علينا، بل يتحدث بمنتهى الصدق. لكنه لا يريدنا أن نفهم ما يقوله على أنه مضمون الحقيقة، وإنما يريدنا من خلال القراءة أن نفرك الحقيقة بورقة الخيال الخشنة التي يمدنا بها، ثم نقف لنتأمل الإمكانيات الجديدة الكامنة في الحبيبات المتساقطة.

في فصل الرواية المنشور في الجريدة يتحدث بسّام عن ممرات سرية تحت القاهرة يحتمي فيها من العاصفة التي دفنت القاهرة تحت أطنان من الرمال والأتربة، فهل يريدنا أن نصدق أن هذا ما سيقع للقاهرة فعلًا في المستقبل؟ أم أنه يقدم لنا أداة تساعدنا على مراجعة واقع المدينة؟ يقدم لنا حقيقةً لن تحدث لكي نختبر بها حقيقةً تحدث؟ ما نسميه الخيال هو مجموع التقنيات والأساليب والأجناس التي يبتكرها الأدب أثناء احتكاكه بمادة الحقيقة. القصيدة والرواية والقصة ما هي إلا أشكال مختلفة لدفع الحقيقة إلى حدودها القصوى، للضغط عليها حتى تتوهج. الأدب يقدح الحقيقة بحجر مجازها فيتطاير شرر الجمال. ومع الجمال قد يولد ذلك العالم الآخر أو الشعب الآخر الذي يتحدث عنه “رانسيير”.

هذا النص هو محاولة لإعادة قضية ناجي إلى بساط الأدب. محاولة لتأمل اللبس القديم بين الأنا الذي تظهر في النصوص الأدبية وبين تلك التي تعيش في السجلّات القانونية.

اللبس الذي تسبّب – ولو جزئيًا – في دخول الكاتب أحمد ناجي إلى السجن، ليس بالجديد، بل قديم قِدَم الأدب، يتجدد في كل عصر بقضية جديدة وضحية جديدة، وينطوي على واحد من أكثر أسئلة الأدب جوهرية. وسعى هذا النص إلى القول بأن الفارق بين طريقتي فهم ضمير الأنا يكمن باختصار في أن مدخل الأنا الأدبية إلى الحقيقة ليس الاعتراف بها، وإنما وضعها موضع اختبار. اختبار يقوم به قارئ. والحقيقة التي يريد الأدب اختبارها وإعادة فتحها ليست حقيقة مكتملة ونهائية، وإنما يُعاد تشكيلها مع كل مرة تُفتح فيها. هذه الحقيقة هي ما يؤسس الذات كحيّز للتحولات، ويؤسس الجسد كمكان للاكتشاف. وهذه الطريقة في فهم الحقيقة هي ما يمكّن الأدب من صياغة سياساته في التعامل مع الواقع.

الدفاع عن الأدب انطلاقًا من الحق في حرية التعبير وحرية الخيال هو دفاع مشروع وضروري بلا جدال. فلكل إنسان الحق في التعبير عن أفكاره كيفما شاء، بما في ذلك كتابة الأدب. لكن هل تعريف الأدب حقًّا هو أنه كلام حُرّ؟ هل ما يميز الأدب عن غيره من الخطابات النصيّة هو حرّيته في التعبير عن نفسه؟ بالتأكيد لا.

الحرية في أن يقول كل من يريد، ما يعنّ له، بالطريقة التي تحلو له، وفي الوقت الذي يجده مناسبًا، هذه الحرية هي الوعد الذي تقدمه شبكات التواصل الاجتماعي لمستخدميها. أمّا الأدب فهو خطاب من نوع آخر. الأدب ينتمي إلى خطاب الحقيقة. فهو لا يريد أن يقول أي شيء فحسب، بل يريد أن يختبر الحقيقة، وهذا هو وعده. وهو يعمل على ذلك من خلال سياسات واستراتيجيات دقيقة خاصة به، مختلفة عن سياسات الأنواع الأخرى لخطاب الحقيقة مثل الصحافة أو القانون أو التاريخ، ولها أثمان غالية، يدفعها الكتاب من أعمارهم كما حدث في حالة ناجي أو غيره من الكتاب الذين سجنوا بسبب ما كتبوا. بين الكاتب والقارئ عالم مشترك. يريد الكاتب أن يفحص حقيقة شيء ما فيه، يريد أن يعيد صياغة هذا العالم المشترك، وهذه هي حريته. ويريد أن يفعل ذلك بمنتهى الصدق، ومن دون أن يتعرض للسجن أو الأذى، وهذا هو حقه.

سيخرج أحمد ناجي من السجن حتمًا عمّا قريب. إن لم يخرج اليوم فغدًا، وإن لم يخرج في هذا العام ففي الذي يليه. أمّا الجرح الغائر الذي أحدثته قضيته في جسد الأدب المصري فسيبقى مفتوحًا لعقود طويلة.

—— —–

نشرت في موقع مدى مصر عام 2016

ملف صوتى من نص : وداعاً للشباب

أسبوعين قبل دخولى السجن في فبراير 2016. كنت في مارسيليا في حفل اطلاق كتاب بولين المصور، حيث شرفتنى بكتابة النص الافتتاحى للكتاب الذي يفترض أن يعكس الجو العام والخلفيات التاريخية لصور بولين التى التقطتها على مدار خمس سنوات قضتها في مصر، حيث حمل الكتاب عنوان “جيل التحرير”

دعيت أنا وبولين لتسجيل حلقة في راديو radio-grenouille حيث طلبوا منى قراءة جزء من النص.

اكتشفت الآن أنهم نشروا المقطع الذي اقرأ فيه على الانترنت أثناء سجنى كنوع من التضامن. حتى اليوم لا أزال كل يوم اكتشف شئ جديد كان يفعله الآخرون أثناء فترة حبسي تعبيراً عن تضامنهم وتأيديهم، الشكر للجميع، شكرا على كل هذا الحب والدعم للقضية ولشخصي الضعيف

من نص وداعاً للشباب.

وائل العشري يكتب عن ذباب القانون وذباب الأدب

“يبدو أن القانون كقانون ليس له أبداً أن تصدر عنه أي قصة.”

جاك ديريدا، أمام القانون

يدخل أحمد ناجي أحمد حجازي، الذات القانونية، بصحبة أحمد ناجي، الكاتب، وبسام، الراوي الرئيسي لـ “استخدام الحياة”، والرواية أيضاً (تحديداً فصل واحد منها)، إلى متاهة القانون. لقد خدش، أو خدشوا جميعاً، “الحياء العام”، هكذا يخبرنا من يمثّل القانون.

“سخر . . . أنامله،” تقول النيابة في قرار إحالته إلى المحاكمة “لنشر مادة كتابية نفث فيها شهوة فانية ولذة زائلة وأجر عقله وقلمه لتوجه خبيث حمل انتهاكاً لحرمة الآداب العامة وحسن الأخلاق والأغراء بالعهر خروجاً على عاطفة الحياء وهدماً للمثل المصطلح عليها فولدت [مَن؟ المادة الكتابية؟] سفاحاً مشاهد صورت اجتماع الجنسين جهرة وما لبث ينشر سموم قلمه برواية أو مقال في صفراء باليه حتى وقعت تحت يد القاصى قبل الدانى والقاصر قبل البالغ فأضحى كالذباب لا يرى إلا القاذورات والنجاسات فيسلط عليها الأضواء والكاميرات حتى عمت الفوضى وانتشرت النار في الهشيم وجاءت تحريات جهة البحث كخرزات نظم ينحدرن توافقاً على قيام المتهم بكتابة المقال وأحتوائه على الفاظ خادشة للحياء”

3
من رسومات أيمن الزرقانى في رواية استخدام الحياة لأحمد ناجى

لا يخبرنا قرار الإحالة بما فعل أحمد ناجي أحمد حجازي على وجه التحديد. إنه يشير فقط وعلينا أن نفهم. علينا أن نقطع طريقنا من مجاز إلى آخر، من محسن بديعي إلى آخر، من خطأ لغوي لآخر (كاتب هذا المقال ليس ضد الأخطاء بشكل خاص، لكن ربما من المهم أن نلاحظها حين تأتي من القانون وبيروقراطيته) حتى النهاية. علينا، ربما، أن يملأنا الإعجاب أيضاً بهذه اللغة “الجميلة” التي تُدين شخصاً تحول إلى ذبابة.

يبدو قرار الإحالة مثل تدريب مدرسي متحمس على كتابة مقال. وكما يحدث في الحالات الشبيهة، يجد الكاتب لذة لا تفنى، وسعادة لا تزول من مخزون لا نهائي، معدّ سلفاً، من قائمة مجازات يُعاد تدويرها باستمرار، مرة بعد مرة بعد مرة، من موضوع تعبير إلى آخر، ولهذا فهي مضمونة التأثير. عليها خاتم ما، ربما للدولة، أو لمؤسساتها التعليمية، أو ربما هو ختم المجازات العامة. أجازته سلطة ما، وضمنت تأثيراً مُحدَّداً على متلقيها، تأثيراً يمكن أن يكون مادة لسؤال مدرسي عن مواطن الجمال، عن صورتين ممتدتين متضادتين: شخص تحول إلى ذبابة تنشر الفوضى وتشعل النار في مقابل خرزات نظم ينحدرن توافقاً على إعلان حقيقة قانونية مطلقة. هكذا يعكس نص الإحالة إحساساً عمومياً منضبطاً بالجمال (لا يرى أخطائه بكل تأكيد) وبلاغة عمومية لا تأتي بالضرورة من معرفة عن قرب بكتب أو تراث كتابة معين، بل هو “الحس السليم” للغة كما يُدرَّس، كما يُلقَّن في مدارس الدولة، حيث مجازات تعكس خيالاً محدوداً، ومفرغة من المعنى (هل أثار الفصل الروائي الفوضى فعلاً؟ هل رأها أي قاص أو دان؟ هل تدنى مؤشر الحياء في المجتمع المصري بعد أن نشر ناجي فصله؟) يُلقى بها في أذن من عليه أن يقدّر جمالها، من تدرب جيداً على ذلك.

“الذبابة” في قرار الإحالة، وهو المجاز الذي يمكننا أن نفترض أنه يلخص رؤية النيابة، محددة تماماً، واضحة المعنى مسبقاً. لا يحتاج المرء إلى التفكير كثيراً في معناها. هذا هو الحس السليم على أي حال. الذبابة مصدر ضيق. تثير القرف. تحمل المرض وتنشره. الحضارة، هكذا يبدو الأمر، تعتمد على نفي الذبابة، وهو ما قد يعني أيضاً نفي القاذورات والنجاسات والخراء (بالمناسبة، هل يحاسب القانون على استخدام كلمة الخراء؟ ما هي الكلمة الأكثر صداقةً للقانون، الكلمة التي يجيزها، ولا يراها تخدش؟ الهراء؟ ) بكلمات أخرى، إن قبلنا أراء بنيامين وكونديرا، في هذا الشأن، فنفي الذبابة هو لحظة ميلاد الكيتش.

أسلوبياً، نص قرار الإحالة بأكمله نموذج مثالي لكتابة الكيتش، إن أخذنا في اعتبارنا تعريف فالتر بنيامين للكيتش بأنه “لا شيء سوى فن متوفر للاستهلاك بدرجة مائة في المائة، مطلقاً ولحظياً، تحديداً داخل الأشكال المكرسة للتعبير [التي يعرفها ويقدرها “القاصي قبل الداني،” على سبيل المثال،] ولهذا، يقف الكيتش والفن في تضاد لا يقبل التوفيق” (مشروع البواكي، ٣٥٩) أما عن التصورات المسبقة التي تجعل لغة هذا القرار على ما هي عليه، والتي تمنحه مفاهيمه المسبقة عن الحياة، والسلوك القويم، والحياء العام، والسعادة المعقمة الطاهرة الخالية من “القاذورات والنجاسات” فينطبق عليها تعريف ميلان كونديرا للكيتش على أنه المثال الجمالي (وقد نضيف الحياتي) “الذي يُنكر فيه الخراء ويتصرف الجميع كما لو كان لا يوجد.” (كائن لا تُحتمل خفته) يستخدم كونديرا “الخراء” كمجاز بطبيعة الحال، للإشارة إلى كل ما قد يثير وجوده، في طباع بعض البشر، في أجسادهم، كعضو بين أعضائهم، في رغباتهم، وفي طرق حياتهم قلق البعض الآخر، كل ما قد يؤدي إلى قلق حاد يصل لنفي وجود مصدر القلق من الأساس، ويؤدي أما إلى تجاهل وجوده (لا يجب تسمية الأعضاء الخاصة! ) أو إلى معاملته كشذوذ عن قاعدة أو عادة يجب عقابه.

من المهم أن نلاحظ هنا أنه لا توجد مشكلة جوهرية في وجود الكيتش في ذاته، كنظرة للفن أو للحياة، ذلك أنه توجد على أي حال أنواع مختلفة، وأحياناً متضادة، من الكيتش. فكما هو الحال في كل مجاز، لا يعني “الخراء” شيئاً واحداً لكل الناس. تظهر المشكلة حين نضطر إلى التعامل مع ما يطلق عليه كونديرا “الكيتش الشمولي” ويعرّفه كما يلي:

حين أقول “شمولياً،” ما أعنيه هو أن كل شيء يهدد الكيتش يتعين نفيه من الحياة: كل تبدي للفردية (إذ الانحراف عن المجموع هي بصقة في عين الأخوة المبتسمة)؛ كل شك (لأن كل من يبدأ في الشك في التفاصيل سوف ينتهي به الحال إلى الشك في الحياة ذاتها)؛ كل سخرية (لأنه في عالم الكيتش كل شيء يجب أخذه بجدية تامة).

2007439
ما خدشه ناجي هو هذا التصور المدرسي عن اللغة والجمال والسعادة، وذلك الكيتش الشمولي المسلح بسطوة القانون، مثلما خدش تصوراً معيناً للحياء العام في قلب ذلك الكيتش الشمولي. لكن ما هو ذلك الحياء العام الذي يرفع من شأنه الأب والقانون وكل من ينوب عنهما؟ ما معناه؟ من يقرّر معناه؟ هل يحاول القانون حتى أن يُسمِّي أفعال خدش الحياء؟ هل يقارب الدقة ويعدّدها؟ وهل يكمن عدم الحياء في التسمية، في اللغة؟ هل يرتبط الأمر بالفعل ذاته أم باللغة المستخدمة في وصف الفعل؟ هل الأمر أنه في الفصل (أو المقال!) الذي يُحاكَّم يُعطِي بسام (الشخص الخيالي، الراوي غير القانوني، الذي لا يعرفه القانون) أكثر مما ينبغي من التفاصيل، أنه أكثر دقة مما يجب أن يكون، أم أنه يأتي أفعالاً تثير القلق لأنها تفسد هناء الحياة في كيتش الصفاء، أفعالاً لا تتصف بالحياء، وبالتالي يشجع آخرين على إتيانها؟ ما الجاذبية المفترضة لأفعال يفترض القانون ذاته أنها تسبب ألماً للقارئ، تخدش شيئاً جوهرياً في تكوينه السليم النقي؟ ألا يجب أن يكون تأثيرها هو النفور؟ ألا يجب أن تثير تلك الأفعال غثيان كل قارئ؟ ألا يجب أن يتألم أنفه وتصله رائحة سيئة، فيرفضها؟ أليست السعادة على أي حال هي تجنب الألم؟ أم هل يفترض القانون أن كل من يأتي تحت سيطرته يميل، بالطبيعة البشرية، نحو الانحراف؟ وما هو “الانحراف” إن كان القانون يفترض تحديداً أن كل ذات تخضع له منحرفة مسبقاً وتحتاج إلى حماية، تستوجب أن يضعها القانون تحت نظرته؟ هل يحمي القانون ذواته من أنفسهم؟

في ذلك الفصل الذي نشر الفوضى وأشعل النار في الهشيم، ينزل بسام على المرأة التي يقابلها في شقتها. يقترب بأنفه من أعضاءها الخاصة، من تلك الأجزاء التي يهتم بها القانون كثيراً. يقترب بشفتيه ولسانه منها، وبأنفه أيضاً، من أجزاء تصدر عنها مخلفات الجسد، مما يجب أن نبتعد جميعاً عنه، وننكره. يشم منها ما يهدّد الحضارة، ما يتعين أن يكون مكروهاً. يأخذ هيئة الحيوان الجاثي، على أربع ربما، ويبتعد عن القانون. هل ما يجده القانون إشكالياً هو أن بسام فعل ذلك أم وصفه، تحديداً أنه وصفه بألفاظ صريحة؟ هل كان الأمر ليختلف إن استخدم لغة أخرى، إن استخدم مجازات مدرسية، تقترح ولا تصرح؟ ماذا عن: “وتحركت نفسي بالشهوة فأعطيتها الجنس الفموي؟” أم هل سيروق للمحقق أكثر إن قال: “ثم استولى الشر على نفسي، فارتشفت رحيقها الأنثوي، فتحركت داخلي شهوة فانية، وأسكرتني لذة زائلة، فصرنا حيوانين أو أدنى، ومت، في نهاية المطاف، لأن هذا الرحيق، عزيزي القارئ، ليس سوى سماً؟” هل سيخدش مثل هذا القول حياء شخص ما، هل سيتحول بسام، لا إلى ذبابة، بل لنحلة مخلفاتها عسل؟ (بالمناسبة، أحد المجازات الكيتشية الساحرة حقاً تصف ما اقترب منه بسام، وحدد اسمه، بـ”الوردة” أو “الزهرة”).

كيف نواجه مثل هذه المتاهة التي تُدخلنا فيها بيروقراطية القانون؟ أو كيف نحاول أن نخرج منها؟

في مواجهة القانون وتجاوزاته ومحاكماته المتكررة لأعمال إبداعية، ثمة إغراء براجماتي في أن نضع الأمر بأكمله في زاوية “محاكمة الخيال”، الافتراض المبدئي هنا هو أن القانون، على عكس الأدب، يخلو من الخيال ولا يفهمه، ولهذا لا يستطيع أو ليس من حقه أن يفرض قواعده على ما يأتي عن نشاط بشري (يوصف، إعلاءً لقدره، بـ”الإبداعي”) ليس بمقدور القانون، بسبب طبيعته، أن يتفهمه.

لكن هل يخلو القانون من خيال حقاً؟ من أين يأتي إذن إن كان كذلك؟ وكيف له أن يعبّر عن نفسه؟ هل له قصة أو تاريخ يمكن أن يُحكى؟ وماذا عن لغته، بل وماذا عن المجازات التي يستخدمها لوضع أوامره ونواهيه، “خدش الحياء العام” على سبيل المثال في مادة القانون التي يُحاكم بمقتضاها أحمد ناجي أحمد حجازي؟ ما معنى الخدش هنا، في القانون وفي الأدب؟ وما الذي يمكن أن يُخدش؟ الجلد، الزجاج، القانون، الحياء، المرآة مجاز الفن؟ أي مجازات يمكن أن تُخدش؟ وهل يمكن أن يفكّر القانون في لذة الخدش، في ارتباط ما محتمل، قد يحدث، بين اللذة والخدش؟ أي فكرة يحملها القانون عن اللذة وتاريخيتها والقانون الأخلاقي كما يتحدث عنه فرويد على سبيل المثال؟ وما هو “الحياء” سوى إن كان خيالاً، مفهوماً تاريخياً يتكون في سياق معين وتاريخ محدَّد. نفس الأسئلة من الممكن طرحها بخصوص مفهوم العام/العمومية. ما الذي يمكن أن يوصف بالعمومية؟ من يقرر ذلك؟ من يقيس النسبة؟ أي جماعة متخيلة، طبقية أو مهنية أو عمرية، تنطبق على معاييرها مفهوم “العام”؟

ياسر عبد الحافظ: نجيب محفوظ ليس أفضل من أحمد ناجي

لاثنين الماضي، انعقدت داخل البرلمان اللجنة التشريعية لمناقشة مشروع قانون بتعديل المادة الخاصة بخدش الحياء داخل قطاع النشر. الاقتراح تقدم به النائبان: أحمد سعيد ونادية هنري، للمناقشة، وقد سقط المشروع برفض 21 عضوا، في مقابل موافقة ستة. لم يكن أحد ربما ليسمع عن الجلسة، أو ربما مر ما توصلت إليه في ضجة أقل لولا أن المناقشات دارت بصورة دراماتيكية أوصلتها للصحافة تحت عنوان: نائب يطالب بحبس نجيب محفوظ.

المادة التي طالب النائبان بتغييرها هي تلك التي يقضي الروائي أحمد ناجي بناء عليها سنتين حبسا كعقوبة على نشر فصل من روايته “استخدام الحياة” في جريدة “أخبار الأدب”. والمادة سيئة الذكر رقمها 178 من قانون العقوبات المصري رقم 58 لسنة 1937 وتنص على: “يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنتين وبغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه ولا تزيد على عشرة آلاف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من صنع أو حاز بقصد الاتجار أو اللصق أو العرض مطبوعات أو مخطوطات أو رسومات أو إعلانات أو صورا محفورة أو منقوشة أو رسومات يدوية أو فوتوغرافية أو إشارات رمزية أو غير ذلك من الأشياء أو الصور عامة إذا كانت منافية للآداب العامة”.

لم يكن مطلوبا داخل اللجنة التشريعية إلغاء المادة التي يمكن الاستناد إليها دوما في مطاردة الأدب والفن، كل ما اقترحه النائبان تعديل العقوبة من الحبس إلى الغرامة، بمعنى أن الفن سيظل مشكوكا في أمره إن كان ينافي الآداب أم لا، يمكن اتهامه في أي لحظة، لكن وفق التعديل المقترح فإن صاحبه على الأقل لن يخسر حريته، فقط سيدفع مالا مقابل جريمته.

الرعب

من المخيف بالفعل تأمل مناقشات اللجنة حول الموضوع والتي آلت في النهاية إلى بقاء تلك المادة على حالها، كتلة النواب المساندة لرأي الحكومة باستمرار عقوبة الحبس في قضايا النشر الخاصة بخدش الحياء، كان على مقدمتها الصحفي والنائب مصطفى بكري الذي شدد على أن هناك فروقا بين العمل الابتكاري والفعل الفاضح، و”إما أن نحافظ على المجتمع وقيمه، وإما أن نفرط في ثوابتنا”. بكري هنا يؤكد على الخطاب القديم والذي اعتدنا سماعه طوال عقود، خطاب العموميات الذي لا تفهم منه شيئا، خطاب القيم والثوابت الذي يقرر وحده ما هو فن وما هو إباحي، وفق نظرته ومعرفته. ورغم أننا كنا نعتبر النقطة التي توقف عندها أصحاب هذا الخطاب قديمة للغاية، لكنها تبدو الآن، وفي مقابل قناعات جديدة كشف عنها نواب آخرون في تلك الجلسة، رؤية ما بعد حداثية.

النائب سمير رمضان مثلا استند في رفضه إلى أن التعديل سيسمح هكذا بالإباحية، وأنه بهذا الشكل يمكن نشر صور عارية لأى امرأة، بل ومن الممكن تصوير عمل خادش للحياء بزعم أنه إبداع.

هنا خلط بين الفن و”البورنو”، ومن الصعب شرح الاختلافات بين النوعين لمن لا يدركها، هل من المتصور أصلا أن نائبا لا يعرف كيف يميز بينهما! لكن المصيبة أنها لم تكن رؤية فردية تخص رمضان، فقد وجدت صدى لدى البعض للدرجة التي دفعت أحمد سعيد، أحد النائبين اللذين تقدما بمشروع التعديل، للدفاع عن نفسه: “احترم كل الآراء، ولكن يصعب علي أن يقال إني مقدم مشروع قانون يتيح الإباحية”.

المساواة.. في حق الحبس

أثناء المناقشة جاء ذكر نجيب محفوظ، سعيد بينما يدافع عن مقترحه تساءل عن معايير خدش الحياء: هل محفوظ كان يخدش الحياء في “السكرية”، و”قصر الشوق”؟

الرد المنطقي الرسمي الوظيفي المعتاد كان سيقول إن الفارق كبير بين إبداع أديب عالمي مثل محفوظ وبين أعمال أخرى لا فن فيها وتسعى لهدم الثوابت، لكن أحد النواب فاجأ اللجنة ومصر كلها برده أن أعمال نجيب محفوظ خادشة للحياء وأنه كان يستلزم معاقبته أثناء حياته.

اسمه أبو المعاطي مصطفى، لكن هذا ليس مهما لأن لقبه سيتحول إلى: النائب الذي أراد سجن نجيب محفوظ، مستندا إلى دفوعات غرائبية حيث يرى أن إلغاء الحبس في قضايا النشر يهدر مبدأ المساواة بين المواطنين بمنح فئة امتياز عدم الحبس عند خدشهم للحياء، يقصد المبدعين بالطبع، لا ميزة للفن بالنسبة لأبو المعاطي، ووفقا لكلامه فلو كان محفوظ حيا لكان من المفترض أن يكون رهن التحقيق. صحيح.. ما الذي يمنح محفوظ الظن بأنه أفضل من أي آخر مرتكب لجريمة الخدش؟!

الروائي النائب يوسف القعيد علق، في تصريحات صحفية، قائلا أن هذا النائب لا يستحق الرد عليه، ومن المؤكد أنه لم يقرأ لنجيب محفوظ تماما، وإنه، أي القعيد، يرفض بشدة أن يتم تناول اسم الأديب العالمي بالسلب داخل البرلمان.

n820754936_733870_2482
نجيب محفوظ بجوار تمثال مجهول له

والحقيقة أنه لا يمكن الاتفاق مع تصريح القعيد، كلام أبو المعاطي يستمد قوته من كونه أحد نواب الشعب، ورفض القعيد الإساءة لمحفوظ جاء متأخرا جدا، ما الذي يضمن الآن ألا يتقدم أحدهم ببلاغ إلى النيابة يطالب فيه بسحب أعمال محفوظ ومصادرتها لأنها خدشت حياءه، وأنه كاد يصاب بأزمة قلبية عندما قرأ “قصر الشوق”، تماما مثلما قال المواطن صاحب الثوابت في بلاغه عما أصابه عندما قرأ رواية أحمد ناجي.

أهلا بالجميع في قاعة المحكمة

الجلسة التي تحولت إلى فضيحة بما تعنيه الكلمة انتهت بسؤال حاسم لأبو المعاطي: هل يعنى الإبداع أن أقوم بتصوير حالة جماع كامل على الشاشة، وأقوم بإذاعتها؟ النائبة نادية هنري المشاركة في تقديم مشروع اقتراح التعديل لم تجد ردا إلا: “يا نهار اسود…هتودونا في داهية”. وللأسف هو كذلك.

هذه الجلسة التي تستحق التأريخ عن جدارة أتت مباشرة بعد يوم واحد من رفض الاستشكال الذي طالب بوقف حبس أحمد ناجي مستندا إلى مجموعة من الأسباب أهمها، أن “الحكم كان به العديد من الإشكاليات منها أنه تعامل مع الفصل المنشور من رواية “استخدام الحياة” على أنه مقال، في تجاهل واضح للفرق بين الرواية والمقالة، الرواية محض خيال، ليست لها صلة بالواقع”.

كما أوضح الاستشكال أن: “تراثنا الأدبي والثقافي مليء بالعديد من الروايات بهذا النمط، رواية ألف ليلة وليلة تمت مصادرتها في منتصف الثمانينيات، تحت زعم أنها خادشة للحياء، ولكن في عام 1986 حكم رئيس محكمة شمال القاهرة بإلغاء الحكم والإفراج عن الرواية التي كانت تحاكم بنفس المادة 178 من قانون العقوبات التي يحاكم بها أحمد الآن وإعادة نشرها باعتبارها عمل أدبي. وفرقت ما بين القصد الجنائي والقصد الأدبي، فلا يوجد قصد لدى الكاتب عند تخيل عوالم روايته خدش الحياء أو قصد جنائي لإثارة الغرائز الجنسية، ولكن له قصد أدبي في تقديم رواية خيالية، ولكنها لا تعبر عن الواقع”.

هذه الحجج التي ساقتها هيئة دفاع ناجي عنه يبدو أنه من الضروري الآن تقديمها أيضا لبعض نواب البرلمان، وتوزيعها على نطاق واسع مجتمعيا، مع قائمة قراءة لإدراك معنى مصطلح “فن” لأنه بخلاف هذا فنحن على وشك أن نشهد واحدة من أكثر المراحل الهزلية المسجلة في المسيرة الإنسانية بجر تاريخ الفن المصري كله جنبا إلى حاضره إلى قاعات المحاكم.

—- —

نشرت في موقع مراسلون: 30 نوفمبر 2016

http://www.correspondents.org/ar/node…

فيديو: جزء من مرافعة النيابة العامة

الفيديو المرفق هو جزء من مرافعة ممثل النيابة العام في الجلسة التى عقدت أمام محكمة جنح بولاق أبو العلا، حيث قضت المحكمة بالبراءة من كل اتهامات النيابة التى عادت واستئنفت على الحكم أمام محكمة الاستئناف

ورد الوردوش: رسالة الخروج من السجن

كتبت هذه التدوينة مباشر بعد الخروج من السجن، ونشرت لأول مرة على صفحة “وسع خيالك” وصفحة “ضد محاكمة الخيال” بتاريخ 24 ديسمبر 2016

صباح الخير، وورد الوردوش على الجميع..‏

بعد أكثر من 300 يوم من العزلة عن العالم الخارجي والانترنت الحبيب، يدور المكن ببطء ‏في محاولة لاستيعاب ما يحدث في العالم وإيقاع اللحظة حتى أكون قَادراً على التحدث بما ‏يمكن فهمه، لذلك عذراً على التأخر في الكتابة.

‏ لا أزال في المرَاحل الأولى لاستيعاب ما حدث وكل رسائل الحب والتضامن التى فاقت كل ‏توقعاتى ولم أكن أعلم عنها شيئاً طوال فترة السجن حيث كان يتم حجب هذه الرسائل لذلك لا ‏أزال في صدمة استيعاب كل ما كان يدور بالخارجِ طوال عشرة شهور مضت ومعرفة كل ما ‏فعلتوه. الموضوع مُذهل خصُوصاً بالنسبة لشخص غير اجتمَاعى مثلي، ولا مُثقف تنويري. ‏كل ما حدث وما يحدث من حُبكم يبدو مُفاجأة مُتجددة أحتاج لوقت طويل لاستيعَابها. أدين لكل ‏هذه الرسائل بالطاقةِ والدفء التى كانت أفضل عون للاستمرار والتماسك والقدرة على ‏ممارسة وتجاوز التجربة.‏

أدرك أيضاً أن الكثير من هذا التضامن ليس لشخصي الضعيف ولا لـ #استخدام_الحياة بل ‏يأتى من أفراد يهمهم أن يكونوا في مُجتمع صحى أكثر بحد أدنى من سقف لحرية الرأى ‏والتعبير. من أخرين لديهم هذا الشغف بالأدب وبالايمان بأخوته العابرة للحدود القومية ‏والأعراق الجنسية. وأنا لم أكن أتخيل أن يكون عدد أفراد الفئات سابقة الذكر بمثل هذا العدد ‏وهذا الاهتمام والحماس للتعبير عن أنفسهم، وعن ما نحب. فشكراً لهؤلاء الذين لا أعرفهم ‏لأنهم فتحوا عينى عل عالم كنت أظنه في هشَاشةِ الزجاج بينما أتضح أنه في قوة الماء.‏

الشكر بالتأكيد في القلب من كل ذلك لفريق المحامين الأساتذة ناصر أمين، نجاد البرعي، خالد ‏على، ياسمين حسام الدين، محمود عثمان وكل فريق عمل موسسة حرية الفكر والتعبير. إلي ‏جانب كل الأساتذة والزملاء الذين حضروا معانا جلسات الاستشكال المتعددة. أدين للجهد ‏القانونى والصبر وتكاتف جهود الجميع بخروجى الآن وكتابة هذا.‏

الزملاء الكتاب سواء في مصر أو الدول العربية، على عهد المقاومة والمرواغة وسعيد بأنى ‏جزء من هذه الفيسفَاءالمُتنَاقضة المُتنافرة الشَاردة وسط خرابات الشرق الأوسط الكبير، وفي ‏زمن عودة الانحطاط القومى الغربي مُدججاً بقوة سخَافة الديمقراطية فأخوة الكُتاب مُمتدة ‏ومتمَاسكة، وسعادتى لا توصف برسائل التضامن والمحبة التى وصلتنى بشكل خاص من ‏كتابي المفضلين وبعضهم كانت أعمالهم اللذة الوحيدة المتاحة في السجنِ، والبعض الآخر ‏قرأت لأول مرة له أيضاً داخل السجن.‏

أما مفاجأة العام فقد كانت هذه التيار من السياسيين والبرلمانيين المصريين الذين أظهروا ‏انحيازهم للدستور أولاً الذي أقسموا عليه، ولتعزيز حرية الرأى والتعبير من خلال تغيير ‏القوانين المعوقة لحرية الرأى والتعبير أو التى توقع عقوبات سَالبة للحرية على النشر أو ‏التعبير الفنى مما يحمل تناقض صريح مع الدستور. صحيح أن جهود هؤلاء لا تزال جزء من ‏عملية الشد والجذب في حلبةِ الصراع اللاسياسي في مصرنا الحنونة. لكن شهدنا زمن يكون ‏فيه البرلمان هو المبَادر بتغيير العقوبات السَالبة للحريةِ في جرائم النشر والعلانية بينما ‏تعترض الحكومة. وهى خطوة أولى على طريق طويل.

بشكل شخصي أوجه الشكر للنواب ‏أحمد سعيد، ود.نادية هنري على مبادرتهم بتقديم مقترح لتغيير العقوبة السالبة للحرية في مادة ‏خدش الحياء بما يتماشي مع الدستور وعلى التكاتف والتأييد الذي أبداه عدد من النواب ‏أبرزهم أعضاء حزب المصريين الأحرار. وخارج البرلمان كان التكاتف والاهتمام من جانب ‏عدد من الأحزاب السياسية دليل آخر أنه حتى وسط وحش التضخم الذي نهوى جميعاً داخل ‏أحشاءه لا نزال قادرين على التفكير في حقوقنا الطبيعية.‏

أيام السجن بصراصيرها وعرقها وبردها ومهانتها. لم أكن بقادرٍ على تحملها ‏وتخطيها إلا بسبب رفقة الزملاء المساجين، وبشكل خاص زملاء عنبر 4-2 بسجن الزراعة، ‏والسادة البكايتة والدباديب من كل الجنسيات الأفريقية واللاتينية والعربية في عنبر 1-2. ‏وأمنيتى للجميع أن يأتى الغد بتعديل أكثر انسانية لقوانين الحبس الاحتياطى بحيث لا يكون ‏عدد مرتدى الأبيض في السجون أكثر من مرتدى الأزرق.‏

الزملاء الصحفيين والإعلاميين. شكراً على المتابعة والاهتمام والتغطية. لدي ظروف صحية، ‏والتزامات عائلة تحتل الآن ولأيام قَادمة الجزء الأكبر من وقتى إلي جانب عدم وجودى داخل ‏القاهرة. فقدت خط هاتفي لكن سأحاول الحصول على رقم جديد في أقرب وقت. ليس لدى ما ‏أضيفه أو أرغب في التعليق عليه في الوقت الحالي، والأولوية للالتزامات العائلية الآن، ‏أعتذر عن عدم قدرتى على تلبية أى دعوات لإجراء أى أحاديث أو تصريحات في الوقت ‏الحالي حتى نرفع المكن ونزيت الماتور وأفهم ما الذي يحدث يدور في الكون الذي يدور، ‏شكراً لاهتمامكم وتفهمكم.‏

الأصدقاء والصحاب والأحباب نفر نفراية وفرد فردايه، في سويداء القلب ومحبة موصولة ‏دائماً وليالينا قادمة وكلام وأحضان كتير في انتظارنا.

أخيراً، لا تزال القضية مفتوحة، ولا تزال هناك جلسة مصيرية يوم الأحد بعد القادم أمام محكمة ‏النقض. تضامنكم وحبكم حتى نتجاوز تلك الخطوة الأخيرة بكل الخير وبسعادة.‏

https://www.facebook.com/plugins/post.php?href=https%3A%2F%2Fwww.facebook.com%2Fahnajeahmed%2Fposts%2F948574795273674&width=500

Teresa Pepe: ‘Literature’ is on trial in Egypt

In August 2014, an Egyptian citizen named Hani Saleh Tawfik came across issue 1097 of literary magazine Akhbar al-Adab, and upon reading the pages included in the section Ibda (Creativity), declared that “his heartbeat fluctuated, his blood pressure dropped and he became severely ill.” Tawfik went to court and filed a case against the author of the text, Egyptian novelist and journalist Ahmed Naji, and the magazine’s editor-in-chief, Tarek al-Taher, for having published a “sexual article” that harmed not only his health and morals, but also the morals of Egypt as a whole.

The text in question is a chapter from Naji’s most recent novel, Istikhdam al-Hayah (The Use of Life, 2014), as was specified by the magazine. It contains explicit sexual content – as many works of Arabic literature do (see the 1994 book Love and Sexuality in Modern Arabic Literature). On November 14, Naji and Taher will have to defend themselves and the novel in front of a criminal court. The author faces up to two years in jail or a fine up to LE10,000 (US$1250) if found guilty, as the charge falls under Law 59, Article 187, which covers defaming public morals. Taher is also accused of neglecting his responsibilities as editor-in-chief of Akhbar al-Adab, since he told the prosecution that he did not read the chapter before allowing its publication.

In a Facebook status, Naji has explained that the accusation assumes that the text published is an article, and not part of a novel, which would make it a work of literature. It fails to understand the difference between journalism (supposedly based on true events) and fiction (based on imagination). It thus attributes the harmful thoughts and actions of the novel’s protagonist, Bassem Bahgat, to the author himself.

The chapter is actually narrated in first person. It recounts a normal day in the life of the 23-year-old Bassem spent in the alienating city of Cairo, a city that never sleeps, but rather “branches out” and “erupts.” Bassem finds consolation among his friends, with whom he spends the night smoking hashish, drinking alcohol, listening to music and talking about sexual fetishes. This group appears to him as the only gift he has received from the capital. Bassem spends the day after in the greener and calmer neighborhood of Zamalek with his beloved Lady Spoon, as he likes to call her because of the earrings she wears. She is described as an Egyptian Christian, educated abroad and nine years older than himself, who has decided to live the rest of her life in Egypt but has lost faith in men her age. The island of Zamalek and the comfort of her house are like a shelter inside the unstable city. The chapter culminates with a graphic and poetic description of their sexual intercourse. It ends with Bassem surrounded again by his friends, staring at the sunset from the top of Moqattam hills.

Using 19th–century jargon, the prosecutor describes the chapter as “lustful written material,” and accuses Naji of using his mind and pen for “malicious” purposes in “violation of the sanctity of public morals.” The accusation seems to disregard the fact that the novel had already received a pass from Egyptian censors, when it was imported to Egypt after being printed in Lebanon by Dar al-Tanweer.

Naji’s novel is not the first Egyptian book to be taken to court for spreading immorality. In 2008, Magdy al-Shafie experienced a similar accusationfollowing the publication of his graphic novel Metro. The author and his publishers were fined LE5,000, and Metro was confiscated and barred from publication until two years ago.

But the news of Naji’s trial immediately reminded me of an account of the trial of the Lebanese author Layla Baalbaki in 1964, which is included in the 1977 book Middle Eastern Women Speak. Like Naji, Baalbaki had been accused of having published explicit sexual content in her book Safīnat hanān ilā al-qamar (A Spaceship of Tenderness to the Moon, 1964). The questioning concerned two sentences: “He lay on his back, his hand went deep under the sheet, pulling my hand and putting it on his chest, and then his hand travelled over my stomach,” and, “He licked my ears, then my lips, and he roamed over me. He lay on the top of me and whispered that he was in ecstasy and that I was fresh, soft dangerous, and that he missed me a lot.”

Just like in Naji’s case, Baalbaki’s novel had been published nine months before, and after she obtained legal permission to print and publish it. Following the accusation, however, the book was confiscated (Naji’s novel is still available).

After more than 50 years, the account of Baalbaki’s trial, written in arid juridical jargon, can still highlight some important issues concerning the work of literature, the meaning of fiction and censorship. It raises some points that should be mentioned in defence of Naji as an author, and in defence of literature and creativity in general.

Baalbaki’s defense lawyer, only referred to as “Salim,” obtained a support letter from a committee of well-known Lebanese intellectuals, who were asked to read the novel and the rest of Baalbaki’s works before the trial. Salim argued that such a committee would be able to explain better than him “that the work under discussion is a work of literature; that its goal is to elevate literature in general, and its aims are as far as possible from arousing sexual desire in the reader and thus harming public morality.” Among the points raised by the lawyer and committee during the trial, the first concerns the role of writers and the nature of literary writing:

I would like to remind the court that the defendant is a serious writer. What is a writer? A person who tries to communicate his/her thoughts and emotions to other people through the medium of words. The author, or writer, is in a sense a camera, but one which photographs life with words, creating pictures in which we may see her thoughts and feelings clearly.

In this passage, the lawyer explains that writers of literature are endowed with a special sensibility that allows them to decipher and depict the surrounding reality for their readers. Unlike the journalist, whose writing is based on factual, reliable truth, writers of literature write about an emotional, subjective truth, based on thoughts, feelings and emotions.

In the The Use of Life chapter currently under scrutiny, Naji, far from giving us detailed information about the character, focuses on Bassem’s emotions and feelings while he wanders in the city. The sexual intercourse is depicted in a realistic manner, a mode of writing dominant in most Arabic literary production since the beginning of the 20th century (see Selim S., “The Narrative Craft: Realism and Fiction in the Arabic Canon.” Journal of M.E. Literature, vol 14, issue 1-2, 2003). Naji, just like Baalbaki, gives acts and emotions specific names in order to actualize the idea he is presenting. My reading shows that the passage is not meant to arouse sexual desire, but show that sexuality is experienced as a refuge from the bustling and chaotic city, which tends to erase humanity. Sexuality is experienced also as a liberating act in a society permeated by repressive and conservative attitudes toward the body. Indeed, Bassem ruminates: “In this city the lucky ones who overcome the phase of sexual repression find themselves in a situation in which sex is only a small component of friendship. Otherwise, sex becomes an obsession.”

الرقابة

It seems here that Naji is hoping to not just speak in his name, or in his fictional character’s name, but to depict the condition of a large part of Egyptian youth who struggle to survive in the capital. Bassem reflects on the fact that if you look at Cairo from above, you see that “human beings appear like ants that buy, sell and pee while the wheel of production never stops.” But standing on his feet among the crowd, he feels like “a small rat entrapped in the production wheel,” unable to get out of his cage, and not even perceiving the consequences of his own movements.

This feeling of loss and alienation in the city and in society in general appears often in Naji’s literary work. It is present also in his previous novel, Rogers (Dar Malamih, 2007), which recounts the life of a young protagonist through flashback descriptions of hallucinations induced by alcohol, hashish and the lyrics of Pink Floyd’s album The Wall. The same theme can be also found in his autofictional blog Wassiʿ Khayālak-ʿIš kaʾannak talʿab (Widen Your Imagination, Live as if You’re Playing). In this blog, Naji, adopting the fictional name Iblis (Diabolos, the devil), tempts readers to enlarge their imagination and join him in a world inhabited by spaceships and whales, where he sits beside Trotsky, Jonny Cash and Egyptian belly dancer Samia Gamal. It is somehow ironic that Naji chooses this blog title, and is then brought to court because his work is read as merely reporting reality.

Baalbaki’s lawyer goes on to argue:

It is important, for the court, your honor, to look at the book in its entirety, rather than singling out two sentences in the work as representative and stating that these two sentences alone are harmful to public morality.

This echoes Saint Augustine’s claim, written over 1,600 years ago with regard to scriptures, that meanings found in one part of a text must be congruous with meaning found in other parts. In other words, interpretations have to work for the whole text (for more on the wholeness of narrative fiction, see H.P. Abbot, The Cambridge Introduction to Narrative Fiction, 2008). Likewise, René Wellek and Austin Warren, in their Theory of Literature (1949), argue that a literary work is a “highly complex organization of a stratified character with multiple meanings and relationships” that needs to be analyzed in its entirety.

By reading the novel as a whole, one understands that it is not only about sex and drug use. The Use of Life is a hybrid work between an ordinary novel and a graphic novel, as it includes prose by Naji and drawings by Egyptian cartoonist Ayman Zorkany (some of them can be seen here). The story rotates around two main characters: Bassem and Cairo. Bassem is accompanied by his group of friends, the secret “Society of Urbanists,” who aim to radically transform the capital. Among its enemies, we find Egyptian postmodern writer Ihab Hassan and the magician Paprika, which again shows that the novel plays with surrealism and pop culture (a detailed analysis of the novel is provided by Elisabetta Rossi, translator of the novel into Italian, here).

Baalbaki’s lawyer concluded his defense by arguing that:

The concept of public morality must also be discussed, as the Lebanese legislation does not give a detailed definition of public morality, rather it is subject to change and development according to the time. They are subject to change and development also according to the writer’s time.

In the course of the past year, the Egyptian government has subjected gay men, Shias and certain belly dancers to detention and prosecution in the name of defending ‘”public morality.” In a discussion held by the Egyptian Initiative for Personal Rights in August 2015, researcher Amr Ezzat pointed out that in the debates following such citizens’ arrest and prosecution, the expression “public morality” is recurrent, but used in a very vague manner. Naji’s case, once again, brings attention to the ambiguous meaning of this phrase, at a time when sex scenes and pornography abound on the internet and television but are — sometimes — not admitted in a novel. Arguably, an accusation referring to public morality must define what is meant by “morality” in a time when leaders transgress basic human rights and persecute journalists, artists, political activists and in general the young generation that led the January 2011 uprising.

Baalbaki was finally declared innocent and the confiscated books were returned to their owners. Following the tortuous legal process, however, she almost disappeared from the literary scene and decided to privilege journalism instead.

Naji will have to wait until November 14 to see how his trial will evolve. In the meantime, authors from many countries are showing their support in form of Facebook status, blog posts, articles and joining the Twitter campaign in support of the novelist using the hashtag لماذا يذهب الكلام للمحكمة# (Why do words go on trial?) in support of Ahmed Naji.

Translations of The Use of Life by Teresa Pepe.

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ