مسيرة الديك

يقال أن الديك. هذا الحيوان ذو العرف الأحمر الأليف كدجاجة تمتلك قليل من عزة النفس، هذا الطير النبيل ذو المنقار الحزين، يقال أنه يبيض.

بيضة واحدة في العام. حتى الأسطورة الواقعة بين المعلوم بيولوجياً والمتردد كسراب فولكلوريا لم تمنح الديك غير بيضة واحدة. أي مأساة هذه؟

تخيل كل مرة يشعر الديك بحرقان في معدته أو فتحته الشرجية يشك أن هناك بيضة في الطريق، لكنها في الوقت ذاته قد تكون وهماً. بين الشك والحيرة في رشاقة ينتصب على خيط رفيع. الديك أيضاً مضطر لأن يجد نفسه في عدد من المواقف غير المفسرة. مَدفوعاً بكيمياء بيولوجيا يظل يصدر صوته المحير “كوكاديل.. كوكو كوكو”. وأن يتحول مزاجه من الحالة التأملية الواقف فيها شامخاً أمام الشمس في غروبها إلى حالة بهيمية يطارد فيها الدجاج ويقفز عليهن هنا وهناك.

2012-12-10 13.08.36
من تصويري 2012

أيها الديك النبيل!

أي مصير تعس كان يجب أن تدفعه، من أجل أن تحفظ مكانتك منتصباً، عزيزي ذو البيضة الواحدة

اجلس ها هنا

دعنا نشرب سوية، فالزجاجة لا تزال ممتلئة

والشوارع ليست طيبة في الخارج

هاهو المعطف يحترق

فلا حاجة لكى نأخذ الشمس في قلبنا، ضعها هنا فوق المدفئة

علها ترغب بقليل من الراحة

الشمس متعبة عزيزى الديك

فقط هذا مصيرها.. مثلما هذه مسيرتك

1

كان هذا الشتاء، وفي إطار مسيرتنا البائسة كنا مضطرين لقضاء ليلة رأس السنة في مدينة البؤس المتجدد “المنصورة”. والإرهاق مسيرة أنهار تحفر مجاريها على الوجه. بنوا أمام مبنى الجامعة عمل ما يفترض أنه ينتمى إلى الفن الحديث يتكون من مجموعة من الكتب الضخمة مصفوفة في ميدان ليس بالميدان، وعلى أطراف المدينة المختنقة ببؤسها وحزامها الزراعي حملت بين يدي نسخة مما سيحمل بعد ذلك عنوان “روجرز”. لم أكن أعلم ما الذي يمكن فعله بهذه الجثة.

أمسكت الملف بين أصابع يديها، وكانت أظافرها قصيرة حيث اعتادت أن تأكلهم لسنوات كما بهيمة الصغيرة داخلها مجرة كبيرة. وكنت أعرف وأبحث عن باب للمحيط من خلال ابتسامتها. كان المشروع الذي حلمت به طوال سنوات المراهقة والجامعة ينهار بين يدى بعد اكتماله، يتبدى سخيفاً كما “الكلوت” الذي ارتدته أول مرة نمنا فيها مع بعضنا البعض.

ويا إلهى، تخيل بعد كل هذه الأعوام، يأتي التافه كما “المذى” يتساقط من الزب “كينى ويست” ليقولها حقيقة على قد ما تبدو صادمة، سطحية في الوقت ذاته.

ما من كنيسة هنا عزيزى الديك لتتصدر المشهد

ما من زخرف

لا متاع

لا لهو

لا صياح

لا رقص

.. أو موسيقي ميتة

هذه القصة صارت من قديم الزمان، هذه القصة صارت من أعوام.

n540375930_498819_4339
من حفل توقيع إطلاق رواية روجرز 2007

2

هذه الرؤيا..

حوت يسبح نائماً كمن في سراب حلم لنجيب محفوظ، يحمل فوق ظهره جمل من النوع ذو السنام الواحد، عليه ديك أشقر زاهياً بحزنه، وبخيط الدم السائل من جرح في فتحته الشرجية.

3

كان (ش) زميلاً في الدراسة وشخصية للآسف تفرض نفسها في حياتى لأسباب يطول شرحها. في الوقت ذاته ابناً لعائلة بنت متناكة تعمل في مجال المقاولات في الحى العجائبي المعروف بدار السلام، وكان ل(ش) أخاً ابن متناكة أحياناً ما يظهر معه زائراً لشقتى المشتركة وقتها. وكنت مضطراً لتقبل صحبة ابن المتناكة أخو (ش) بسبب ورق البانجو الذي كان يحضره معه.

ولقد حاول أخو (ش) إغوائي دوناً عن كل الناس لسبب ما أكثر من مرة بتجربة “الانجكة”، إلا أننى لطالما قرفت من ابن المتناكة، وأى حاجة من طريقه أو سكته.

ثم أن ابن المتناكة كان يحكى كيف أن أحد العاملين في مخزن من مخازنهم اختلس ما يوازى تقريباً 500 جنيه، فقاموا بتكتيفه وسجنه في أحد المخازن لبضعة أيام وتعذيبه ثم إطلاق سراحه.

لا أعرف لماذا شعرت بقرف بالغ من ابن المتناكة هذا، لا بسبب الشغف الذي يحكى به عن التعذيب بل لتفاهة العمل كله، أتذكر أنى قاطعته بينما يحكى:

-هو حد فيكم يا زميلي في الحفلة دى ناك الواد دا؟

انقلب وجه فجأة للون الأحمر، توتر الجو في الغرفة وكان هناك جوب، واللى معاه الجوب مش بيحور.

نلتقي بعد الفاصل..

4- ذكر ما جرى في “مجاز الباب”

تقدمت امرأة للقاضي تشكو له قسوة زوجها في معاملتها، فلما استوضح القاضي الشهير ببسمته الودودة، كشفت المرأة عن سروالها فبان على مؤخرتها آثار أصابع وضربات ولون أحمر وما يشبه الجروح. كانت المرأة ذات بشرة بيضاء، تزداد نوراً فوق نور عند كفلها، كأنها قبة وتحت القبة شيخ كما قال مولانا.

هز القاضي رأسه، وربت بيده اليمنه فوق كرشه الصغير، حيث يحتفظ في معدته بتمثال لبوذا -الشخصية الفلكورية الهندية- ثم هز رأسه بمعنى “سننظر في الأمر”. وبعث في طلب الرجل، أجلسه أمامه وأخرج “خيرزانة” وضعها بجوار ساقيها، خاطب الراجل “لماذا تضرب امرأتك”. رد الرجل “حاشا وماشا سيدى.. لم يحدث فأنا أحبها”. أجاب القاضي: “لكنها أرتنى آثار الضرب وأصابعك”. رد الرجل “هذه أصابع الحب سيدنا”.

بهت القاضي، ولم ينطق البوذا في كرشه محتاراً.

5

نظر أخو (ش) ابن المتناكة لى شذراً، هذه النكرة، حثالة طفيليات المجتمع المصري من همل ورعاع، وقال:

-لا طبعاً.. استغفر الله، أنت مجنون يا ابنى… تلميس الطرابيش دا حاجة يهتز لها عرش الرحمن عز وجل من فوق سبع سماوات

مددت يدى وتناولت الجوب من يد كس ام ابن المتناكة، أخذت أول نفس بهدوء، وقلت:

-تصدق.. أنك ابن متناكة

2953130374
جورج وسوف

6

صحيح..

وليه يا حبيبتى نسمعهم؟

7

ليل/خارجى

زقاق ضيق أمام مقر جريدة الفجر- حى مونفلورى- تونس

سيارة شرطة تصل إلى الزقاق، لا صوت أو حركة لكن كل العيون تتابع وهى تكتم أنفاسها من النوافذ، تترجل من السيارة شرطية “زبورة” زميلها يتبعها، غير مقدر لخطورة الموقف عيونه تتبع مؤخرتها في السروال الضيق، تتقدم الشرطية “الزبورة” من قوة التدخل إلى البناية التي تقع فيها مقر جريدة الفجر التابعة لحزب النهضة الإسلامي –انيكك تقول تانى- أمام البناية تتمدد جثة السياسي اللامع ذو المعجزات البارع الحبيب اللوزى، ممدة كمن مات للتوا برصاص القناصة، لكن سبحان الله ما من دم يخرج من أي مكان.

تتعجب الشرطية، تقترب منه مهرولة:

-سي الحبيب، اسم الله عليك، اللطف عليك.. سى الحبيب..

تركع الشرطية وتجلس على ساقيها وتأخذ رأس سى الحبيب بين فخذيها، تهدده كأم رؤوم تشرب الروم –أنيكك حتى لو انت مش مخروم- ، سى الحبيب فجأة –صلى .. صلى- يستفيق من غفوته كحوت يشرق من تحت الماء والشمس تغرق للمنتصف في رحلة الغروب.

هذه نهاية كل بدايات وملذات البهجة عزيزى الديك. هذا ما لديك، القلق وحتمية الأفعال.

تفتح الشرطية أزرار قميصها، تخرج نهدها محلاه، يتلقف سى الحبيب الحلمة ويأخذ في مصة، يستفيق الحبيب كعنقاء تشرق من رماد أعمدة قرطاج –تشبيه بليغ- يقف سى الحبيب، والمرأة الشرطية تحت قدميه، نهديها عاريين والشرطى يركع بعيون دامعة، وسى الحبيب يضحك:

-نيك رب زب أمكم، استغفر الله العظيم، كانوا فاكرين أنهم ممكن يغتالونى.

8

أوه.. ايت تيرنس مى أون.

 

 

9

في إسطنبول، وقت متأخر ربما قبل شروق الفجر، كانت ترتدى شورت جينز، نحمل في حقيبتها مشط زجاجة ويسكى وزجاجة ماء صغيرة، نغادر “استكلال” ونسير في حارات شعبية فرعية بعيدة، حتى نصل لشارع رئيسي، هناك بارات شعبية، أكشاك، مواقف للميكروباص، ولا نتوقف عن الضحك رغم آلم الأسنان الذي يضغط على فكى.

boris-mikhailov.jpg
فوتوغرافيا: boris-mikhailov

وهناك تلك الرائحة، الشيء الأكثر ازعاجاً في إسطنبول في كل حى تداهمك رائحة لشيء ما، تنظر حولك فلا ترى آثر له، “يشار كمال” تحدث ذات مرة عن هذا المذاق الكثيف لرائحة إسطنبول. قد تكون في سلطان أحمد فتشم رائحة مصانع الجبن القريش المصري ولا تجده، قد تكون صبحاً في استقلال فلا تجد أي آثر لأشجار الياسمين، والآن كنا ليلاً فداهمتنى رائحة تفاح أخضر، ولا تسألنى بكس أمك ما هي رائحة التفاح الأخضر.

ثم كان أن وصلنا لحديقة صغيرة، وبينما يدى تعانق خصرها الضيق قالت: “عايزه أعمل بيبي”

وقفنا في الحديقة، سكارى كما أسلاف قدماء في بحر من خمر الجنة، نظرنا حولنا وتأكدنا من خلو المشهد، وتصنعت كأنى أدارى عليها، بينما أزاحت هي الشورت وجلست لتبدأ في التبول. خيط أصفر كان يخرج من كسها على العشب الأخضر. جلست وفتحت بين فخذيها، رفعت حاجبيها فوق عويناتها كمن يراقب في الظلام، وحينما التقت عيوننا ابتسمت وانهمر الماء من كسها، كأنها تلك الطمأنينة الأبدية بينكما.

 وداخل أحد القصور السلطانية تمددت على العشب في الشمس، والشبق والرغبة سلسلة مربوطة بمرسي حديدى عملاق تجرنا إلى الأسفل نحو أعماق الباسفور.

وضعنا في ذلك الوقت النواة الأولى لمتحف ألعابنا الجنسية، وبهذه المناسبة حملت لها “فايبروتر” مرصع بزجاج ماسي، ورأس جلدى صلب. وحينما ودعتنى في موقف الميكروباصات، قبلتنى على خدى وأكدت: “أنا أخدت الفايبرتور”..

هل مازال يهتز؟ هل مازالت الرعشة المنتفضة تفعل فعل مداهمتها، هذا جيد، على الأقل أحدنا مازال حياً وقادراً على ممارسة الحياة.

10-أشياء مؤسفة عن النجاح

+لن تعرف الصبر ولا لذته المازوشية.

+الوفاء فقط يشمل القضايا الخاسرة.

+الجسد يشيخ، ولا شيء يعوض ذلك.

+فراق الحبايب أصعب من طلوع الروح.

+كل ما هو خارج من مجتعمات إنسانية مخلقة في إطار النظام العالمى المعاصر لا يعول عليه.

+حتى من سيتحملك لن تتحمله لذا لا تحمل في انتظار مقابل، دينك ستدفعه غداً إن لم يأخذك ملاك الموت.

+كفاية عليك، وابقي تعالى بالليل وأنا أوريك الويل.

11

نظرة آخرى على إعادة تعريف الإنسان “البضائي.”

12

بلاد العجائب في أليس، نسخة انجليزية في مترو القاهرة. فتاة الإشعاعات تتحدث إليكم من خارج المجرة.

13

طيب ماخدتش.. ماخدتش.

n903460533_3648218_4996
أحمد عدوية

14

في تلك الليلة، سترت كسها باندر وير أسود، ووضعت ما يشبه الشال الملون بخطوط ما بين الأحمر والأزرق والكحلى، شدت شعرها وربطته خلف رأسها، بانت عظام وجهها، والذقن المثيرة للأكل. هل من حنجرتها؟ هل من ضوء الأباجورة الخافت؟ هل من أشجار الياسمين؟ هل من شعر السجادة الذي يحتاج إلى الحلاقة؟

من أي مكان “هل” كان يأتي الصوت كأنها صوتها شافيلا في أغنية قمرنا، وكانت كل الطاقة في جسدى تنسحب من الشرايين، ولا شيء أملكه.

15

وفي تلك الصباحات حيث البسمة قريبة. استجمع الطاقة التي تتبدد من الشرايين، وصوت عبد الفتاح جرينى وقصي يأتى “وأنا بشكى بصوت قلبي للنسيان.. إلخ”. أقول كل هذا الركض اقترب من النهاية ويبدو الشاطئ كما يقولون قريباً.

16

إذا تكلمت بضانى فسوف تقول أن أكثر ما آلامها، ويؤلمه في هذه المسيرة هو صور ادعاء المثالية الزائفة؟ ببساطة لأن الحقيقة عمرها ما تموت يا آكوكو…

17

تأخذ المدونات مساحة بين ما هو خاص وعام في شيطنة عجيبة يصعب مقاومة إغرائها ويصعب مقاومة ادعاء أنها لا تفتح الباب لسجل لآثار حوافر البوم والخفافيش والحداية وغيره من الطير الجارح.

18

وبينما أحمل “صبارة” صغيرة، وأبحث عن مكانة لكس أم الباركنج في كس أم القاهرة، ينفجر صوت عدوية وعيونه تنظر للدور السابع والعشرون ويقول “شباكها من ستاير/ ومزيانة عنابية”. أعثر على مكان فارغ ويظهر وحش الباركنج ليأخذ المفتاح، ينتقل عدوية وخلفه الكورال النسائي “نظرة.. نظرة فوق، ونظرة تحت.. ياللى فوق”.

لكن يا عدوية اتجه نحو الأسفل، هاهى المدينة وكل المدن التي عبرنها معاً خلفي وأنا اتجه لأرض آخرى تحت البحر. كل المدن أعنيها يا عدوية؛ بداية بهامبروج الحبيبة حيث غنيت موال الخسيس، وخبرتنى يا مولانا: “الصاحب اللى يخون عيشك/ لابد يوم تنساه.. والخسيس خسيس مهما الزمن علاه” والله عليك يا أبو السعود وزمن الأكورديون.

وفي أوستن تكساس بينما الطفيلية البترولية يخوض الانتخابات ضد أوباما لكزتنى مذكراً: “قال دا في حد فيها مخلد.. / قلت له لأ،

قال أيه يكفي ابن آدم/ قلت له طقة

قال أيه يعجل بعمره/ قلت له زقة”

وفي باريس يا عدوية في ليلة باردة في محطات مترو حقيرة قلنا “تيك.. ايت إيزى” بالراحة بشويش كله إلا الجيش، دخلته وحياتك يا عدوية، ووهبت قلبي ونفسي راهب في معبد تلك الأرداف العظيمة، وكان هذا الشروق اللامع لشهوة الحب الضائع.

ونحن نصعد هذه السلالم في بيروت وأنت تقول: “والله لأجيبك برضاك يا بلح/.. يا ما جرالى/ واطلعك فوق قصر عالى.. يا بلح/ بربعامية سلم.. وكل سلم عليه بنت بتوحد الرحمن.. يا حاللى”.

19

يإلهى كأنى أفهم فيلم “دعاء على حس الكلاب” لشريف العظمة رغم أنى لم أشاهده.

20

بيبي، لماذا يتوقعون أحاديث سعيدة بعد الثورات؟

لقد كنا هناك، وسط الرصاص وقنابل الغاز ولم يكن شيئاً جيداً، عرفنا ذلك منذ البداية وتبادلنا القبل وقت الحظر. كأنه الفراق، كأنها مواساة.

10441419_10154259881305541_553298798796366136_n
من أرشيف مظاهرات التحرير من 2011 – 2012

21

يأتي أحمد عدوية كأسطورة متكاملة، محمية ومدججة بالتاريخ والحكايات الخرافية كما كل الأساطير. أتذكر أنى كنت طفلا ربما في الخامسة أو السادسة حينما كان سائق السيارة التي تقلنى من المدرسة إلى المنزل يشغل أغانى أحمد عدوية، ويحكى عن السلطان عدوية الذى تترمى النساء تحت قدميه، ويرتدى جزمة ذات كعب من الذهب.

وحتى بينما اعبر بمرحلة الموسيقي الأجنبية والروك وغابات الميتال مراهقاً، وحتى حينما وصلت لمرحلة الاستقرار الموسيقي، فطوال هذه الليال والأيام.. عدوية هو السلطان، وأينما ظهر طيفه فلا أملك إلا الخشوع، وتجميع شذرات الحكايات والأساطير  والاستسلام لهذا الخدر الخفيف الذي يتسلل كسم مثير للشبق ومهيجاً للروح من صوته وأغانيه.

أحمد عدوية هو الأسطورة الوحيدة التي عرفتها منذ طفولتى المبكرة وحتى الآن لم تهتز لحظة، ولم يخفت وهج تأثيرها، أو إشعاع روحها، بل يزداد وهجاً على وهج، ونور على نور.

وبينما أكتب هذا النص لموقع “معازف” المتخصص في النقد والانطباعات والمتابعات الموسيقية أشعر بحرج بالغ لعجز منطقي العقل وحسي النقدى في كل ما يتعلق بعدوية، وضعفي أمام الخدر والدلع الذي تثيره الصور والذكريات والمترادفات بمجرد ذكر اسمه مولانا السلطان طويل العمر يطول عمره.

أشعر أيضاً أن تلك اللحظة لم تأتى بعد. لا لست مأهولاً ولا قادراً على الكتابة عن عدوية، لا أبسط قواعد المنطق المعرفي، ولا الشجاعة للجرأة على المقدسات الوجدانية امتلكها للكتابة على عدوية، لكن ها هنا.. أخصص هذه المداخلة لموال بسيط لعدوية، وقعت في سحره على مدار سنوات، ومازالت صوره تتجدد وتتغير وتكشف عن عمقه ما يجعلنى دائماً غارقاً في سحرها الساطع كما الشمس على سطح البحر..

يفتتح موال “يا نجمة يا أخت القمر” بإيقاعات كهربائية ذات روح سبعانيه، كأنها شفايف “الكوكوروتشي”. وهناك في الخلفية كمنجات، ورق، وطبلة، ومزمار، وأكورديون، حفلة جنس جماعى خافتة تحتاج إلى تركيز وصفاء تأملى عالى، ثم يدخل صوت عدوية شاباً لكن كأنه رآى كل ما يجب وما تنفع رؤيته.

“يا نجمة يا أخت القمر/ قولى لى مال بختى../ بقول يا نجمة يا أخت القمر..” عدوية محتار من البغددة، والأكورديون  تحت ذراعى وفوق صدر وكرش الرايق دايماً حسن أبو السعود، يلعب في تقاطعات كأنما سكران يصعد سلالم أحلامه نحو الشمس بعد طرده من بار رخيص.

وفي النسخة الأكثر شهرة تلعب تقنيات “الاستريو” كما في معظم أعمال عدوية بعداً سرمدياً، خصوصاً مع القفزات التي يقوم بها الأورج ليخرج نغمات فضائية، يا إلهى هذه كانت ذات الفترة التي خرجت فيها أفلام كاميرون وحروب النجوم والمجرات، وعدوية يسير فوق سراب، يدخل الكهرباء إلى فن الموال، ولا أحد في هذا العالم الحقير يرفع ولو حتى القبعة شكراً..

وعدوية لا ينتظر، هو يعرف مصيره كما أي أسطورة من الدراما الإغريقية؛ “إن كان نصيبي كدا/.. أنا هرضي بنصيبي” وما الذي قد ينتظره سلطان كعدوية ملك الليل المتوج لعالم لا تحلم حتى أن تقف أمام بوابته.

أسطورة آخرى سأعرفها حينما أكبر كان عدوية يدخل شارع الهرم الساعة الثامنة، يخرج منه الثامنة صباحاً بعدما يكون قد طاف وبارك كل الكباريهات في شارع الهرم. ينحنى عادل إمام ويقبل رأس السلطان، وفي لندن يستوقفون الملك بينما يشرب كوب الشاي الصباحى ليحصلوا على توقيعه.

موال “يانجمة يا أخت القمر..” جوهرة فريدة من جواهر عدوية التي يلقيها كما طير عبر يوماً بوداى خلف جبال الوقواق وعادى ليلقي بإهمال الأحجار الكريمة التي تعكس أشعة الشمس فتضايقه، يخاطب عدوية الحلو بأسلوب شاعرى يتلاعب بضمائر المخاطب لينتج متاهة مُتشَابكة ترتفع بالمستمع لأفلاك عابرة “من بعد نوم العلالى.. يا بلح/ نيموك على الخوص.. ياما جرالى/ والله لأجيبك برضاك يا بلح.. يا ماجرالى..

واطلعك فوق قصر عالى يا بلح

بربعامية سلم..

وكل سلم عليه بنت بتوحد الرحمن

يا حاللى….. “

بين كل جواهر أحمد عدوية تقف يا بنت السطان كحجر جهنمى مجرد التفكير في مسه كفيل بإشعال النار في خلايا مخك الرمادية، هذه الجوهرة يقف عليها عدوية شخصياً في المقدمة حيث الزفة البلدى يقول: “واحد.. اثنين.. ثلاثة.. أربعة، بص شوف عدوية هيعمل أيه../ الشنجر بنجر نو عدوية هيملا الجوا/ الشنجر بنجر نوا.. أحمد هيملا الجو”

لكن بالضبط خلف هذا البناء الشامخ لموال وأغنية يا بنت السلطان الأسطورية، يقف موال “يا نجمة يا أخت القمر” من السهل التقاط الإشارات بين الأغنيتين، وهذا التردد للروح الكهربائية الشعبية، تلك القفزة الأسطورية التي حققها عدوية مبكراً كمن يرفع كأس تكيلا في دفعة واحدة دون ملح أو ليمون لأنه صاحب معدة مدربة على براندى 84 المقدم في قاع كباريهات وسط البلد بالقاهرة المدينة الأكثر وحشية في دائرة قطرها قارتين على الأقل..

هذا هو قاع أرواحنا القاهرة يا عزيزى.. أحمد،

وسط كل هذا الضباب الكونى، حيث “يوم يجى عقلك في راسك ويوم بيتوه”، وحيث تنعل البحر وسأم موجه الأبدى، يفتح عدوية ثقباً في السماء، عمل فريد من نوعه يمكن وضعه بجوار “استار واى تو هيفن” لليد زبلين أو الويش يو هير للبينك فلويد..

أنك تصعد في هذا الموال نحو جنة في قصر مشيد بقمة جبل مرتفع خلف وادي عميق، تحتاج للجلد والتجلى وقلب شفاف لكى تقبض على روح الموال الصوفي المطعم بالبلح، والخوص. وهذا التقشف وتلك الرغبة في التحقير الذاتي التي تنقلب فجأة لتحدى بأنى سأجيب كس أمك في مشهد مهيب..

كيف يمكن أن تحى فرحاً تتزواج فيه النجوم التي تخلق المجرات والأساطير يا عدوية؟ كيف لك أن تخلق النجم أوميجا الذي عنه تنبثق ملايين الشموس والنجوم المنفجرة والمجرات الآخرى..

أربعائمة سلمة يجب أن نصعدها معاً يا حمادة، وفوق كل سلمة بينما يزفنا أكورديون أبو السعود، هناك بنت بتوحد الرحمن..

صلى على النجوم الزاهرة.

The_Sorrows_of_the_King
لوحة لـ : Henri-Matisse-

22

انظر خلفك..

هاهى أعمدة الملح شامخة

وهناك “روج” على شكل شفاه كأنها يمامة تتعلم التقبيل فجأة وسط عاصفة

غارقة في المطار

ومغامرات ليلية مع زك أم الشرطة وقوات التدخل وأضوائها العالية

بينما نعبر بحيرة من الماء داخل “الكرهبة”..

جثة جاك كرواك تطفو محترقة

كأرنب على وشك الموت.. لا أنبت بشفة

ولا صوت يخرج من الحنجرة

فزعنا أغلق النافذة.. كرواك ميتاً في بحيرة من مياة المطر

و “مونى مى” تستغيث من هولوكست في القلب

ليلة الشموع

هذه ليلتى… أو كما حكم علينا الهوى..

هذا الثور المذبوح،

خصيتاه قرباناً.. لرحيق أنفاسك،

لا يوجد “يوتيرن” على طريق المحور عزيزتى –غزالة ترعى-

لا مفر..

ضعى القبعة،

فهذه الشمس

لا مفر..

ارتدى وشاحك،

فالسرطان ينمو فوق ساقي

لا مفر..

لا مفر

لا مفر

23

أوف هذا الرقم “23” أين كنا وقتها يا حمادة؟

يا إلهى 2008، كم أشعر بالشفقة لكن لا مفر من المطحنة على الجميع، الهرمونات تحترق هنا، ولعها..

وكما قال المرحوم “يا لعبك.. يا لعبك”

24- ملذات الدراما على طريقة تارنتينو

لنحكى عن الحاج جمال إبراهيم.

أولاد الأصول منكم، وأنا عشمى فمن سيتحملون معى إلى هذا المستوى سيمتلكون خلفية معرفية ومستوى محدد من الذائقة القرائية، أن يتذكروا هذا الشهاب الذي لمع كعاشق خط سطراً ومحى، والمعروف باسم على صالحين..

لقد تشرفت في سلسلة من الصدف النادرة أن حضرت للراحل على صالحين في فرح شعبي في محافظة المنيا، ووسط أنهار البيرة والبانجو وقبلها الملوخية بالشطة وجولة صباحية في بن حسن كنت أرفرف من بضانى لما فوق السحاب، ثم تجلى على صالحين.

أوه هل كان 24 أم 23.. أم ربما قبل هذا ببعيد، كما تلك التجعيدات والجبال والوديان الصغيرة فوق ظهر السلمندر البري.

في لحظة ما التقت عيونى مع عيون “على” وحينها نطق جملته مشيراً بأصبعه على: “حد ينسي نفسه..” ربما لم تتجاوز في زمن نبضات الساعة ثلاث ثوانى، لكن رأيت أوهام وصوراً كاملة عن كل ما سيكون، وحينما آتانى خبر رحيل على صالحين كما رأيت، تحققت من كل ما سيكون..

كنت مع “سلومة” في النادى اليوناني الحقير بعماد الدين، وقلت هذه أوهام، ثم في رسالة نصية قصيرة انهار العالم، عرفت أنه لا يمكن جمع الشتات الآن.. لكن ما هو أجمل من مشاهدة النهايات

أو كما قال على: “هوب.. هوب/ صب.. صب صب”

هو الشغل كدا يا رحال، أهم من الفن الاتقان في الفن.. والحاج جمال إبراهيم

25

مفيش حاجة اسمها حب..

………………. لو عايزه حاجة.. هات لها جوب

جرافيتى في مدينة 15 مايو

26

ويقول بشار بن برد عن الإنتظار:

قد زرتنا مرة في الدهر واحدة ثنّي/ ولا تجعليها بيضة الديك

27

وعلى فترات متباعدة لكن محسوبة ذات إيقاع زمنى شه سنوي، تزورنى الكوابيس. كنت أقوم مفزوعاً وأحياناً بعيون تغرقها الدموع. وكانت بجوارى لا تستوعب ما جرى وتظل مكانها رابضة. وحينما تداهمنى حالات التعب واضطرابات المزاج غير المبررة أو المفهومة، كانت تتقوقع داخل ذاتها.

تقول: “أنت عايش جوا دماغك”.

ولا أجد إجابة، أو مخرج.

لكن شكراً. كان الهجران والآلم ممراً لاكتشاف ما هو أعمق، ربما الآن يمكنني إن امتلكت الإرادة أن انقذ نفسي من مصيرها التعس الذى ينتظرنى في المستقبل، وربما كما جدى يمكننى أن استمر إلى ما لا نهاية في تناول الدواء الذي كان يتناوله من أكثر من ثلاثين عاماً. الآن فقط صرت أمتلك إجابة لما لست سعيداً، ولدى اختيار بين مسارين، ومصيرين…

في النهاية أرواحناً، ليست انعكاس إلا لكيمياء جسدنا، لكن لعلكم تعلمون.

28

في عمره القصير المليء بالإحباطات، وبعد فشله في معظم العلاقات التي حاول بناءها، ورغم قناعته بأنه لا مجال لتحمله، وليس في قلبه حب ولا طاقة يمكنه منحها أكتر مما منحه لحبيبته في خطاباته الشهيرة. قرر كافكا الاستسلام لمغامرة غير محسوبة العواقب في عامه الأخير والانتقال إلى برلين لكى يعيش مع صديقته الجديدة “دورا”.

الأسطورة تقول أنه كان يتمشى في حديقة القمر “ماوير بارك” في برلين حينما لمح فتاة صغيرة تبكى لأنها فقدت دميتها. تقدم كافكا من الفتاة، وبسبب كذبة بسيطة حاول بها التخفيف من ألم الفتاة، قال:

-لكن دميتك لم تضع، لقد ركبت القطار وذهبت في رحلة.

“وكيف عرفت؟” سألت الفتاة.

“لقد أرسلت إلى خطاب” أجاب كافكا

“وأين هذا الخطاب؟” سألت الفتاة.

“في المنزل، لكن لو انتظرتينى إلى الغد سوف آتى لك به”. أجاب كافكا.

وبوجل كمن يكتب عمله الآخير جلس كافكا ليكتب خطاب مرسل من الدمية إلى الفتاة، في الخطاب تخبر الدمية الفتاة بأنها قد تعبت وملت من المدينة لذا قررت آخذ القطار والذهاب إلى مكان آخر. لكن الفتاة لم تكتفي بخطاب واحد فقط، لمدة أسبوعين ظل كافكا يكتب الخطابات على لسان الدمية موجهة للفتاة، والدمية تخبر الفتاة بحياتها الجديدة وكيف تعلمت أشياء جديدة، وصنعت “تاتو” على ظهرها، والتقت بدمية آخرى، وتمت خطبتها، وفي خطاب الدمية الآخير قالت الدمية أنها لن تسطيع مراسلة الفتاة بعد ذلك حيث أنها ستتزوج بالدمية الآخرى، وسيكون لديها أطفال آخرين مثل الفتاة يحتاجون رعايتها.

بعد أشهر قليلة من هذه الواقعة توفي كافكا.

 

الحذاء الأصفر للإله الغائب

نشرت لأول مرة على مدونة وسع خيالك في 2011

يبدأ فيلم “الفتاة ذات البوت الأصفر” للمخرج الهندى “Anurag Kashyap  ” بحيلة درامية تذكرنا أو تذكرنى بشكل شخصي بواحدة من روياتى المفضلة لنجيب محفوظ وهى “الطريق”.

هذا المرة الفتاة الإنجليزية تذهب إلى بومباي لتبحث عن والدها الذي لا تعرف عنه أى شي. ومثل رشدى أباظة في فيلم “الطريق” فحتى اسم ذلك الأب ليس واثقة فيه أو وجوده بل يتداخل مع أسماء أخري في المدينة الكبيرة بومباى.

تحمل رواية نجيب تأويلات عديدة. واحدة منها أن الأب لغويا في بلاد المغرب يستخدمون كلمة “رب” مرادفاً لكلمة الأب. وبحث رشدى أباظة عن والده هو رحلة طويلة للبحث عن الإجابة النهائية والكاملة. الأصل والفرع. المرجعية التى تحمل جميع الأسئلة وإجابتها. نماذج الأمتحانات التى لن يخرج الإمتحان عنها. والأهم في رواية الطريق ليس الوصول إلى الأب أو الرب، بل الرحلة ذاته وما تكشفه ويتكشفه المرتحل فيها.

في فيلم فتاة البوت الأصفر، تقوم الممثلة التى فشختنى بشكل شخصي في دماغى “Kalki Koechlin” بالعمل في بيت للمساج والتدليك، معظم رواد المكان القابع في قلب عشوائيات بومباى من الرجال العجائز أو اللذين تتكلس عضلاتهم نتيجة ركود الحياة.

شارلي شبلن في خطبة الديكتاتور يقول فيما معناه “لقد طورنا السرعة لكن لا نزال في مكاننا”. وفي فيلم البوت الأصفر، يشتكى أحد الزبائن العجائز من الإزعاج والحفر والهدم في كل شوارع بومباى. يقدم لنا نظريته بشكل عرضي “أعتقد أن الحكومة تسمح بكل هذه الأعمال المزعجة لكى توهمنا بأننا نتطور ونحرز تقدماً”.

n646737443_424361_4599

بقناعة واثقة في مثاليتها العليا ينهى نجيب محفوظ رواية الطريق واثقاً أن بطله لن يجد ما يبحث عنه لكنه الحركة بركة، ولا بد أنه اكتشف شيئاً وأشياء أخري. تكتشف الفتاة ذات الحذاء الأصفر الكثير من الحقائق. منها أن الزبون ذو الشعر المصبوغ بالأصفر الذي إلي جانب المساج تقدم له خدمات “ووظائف اليد” ليس إلا ربها الذي يعترف باكيا أنه يحبها. ومع ذلك لأن الإنسان دائماً كان جهولاً، عاصياً، خارجاً، ترفض الفتاة هذا الحب.

يغيب رب رشدى أباظة في رواية محفوظ ولا يتجلى ولا يظهر ويترك ابنه لنار التجربة. أما رب فتاة البوت الأصفر فيسير في شوارع بومباي باكيا محزونا مكلوماً.

 وأنا القتيل يا حاج عمر…

حلم شفشق الفول

نشرت على مدونة وسع خالك القديمة بتاريخ مايو 2011

بعد عشر سنوات أو أكثر. استيقظت مع الفجر. ارتديت البيجاما الكاستور المخططة. ومن المطبخ أخذت “الشفشق” ووضعت داخله الكيس البلاستيكى. وبهمة ونشاط اتجهت مشياً على القدمين في شارع القصر العينى نحو عربة الفول المتوقفة أمام مجلس الشعب المصدر الأساسي والأول للتشريع.

في الطريق سيكون هناك بعد عشر سنوات، ضباط وعساكر وأفراد من وزارة الداخلية في زيهم الجديد ذو اللون الأزرق. في الطريق سيكون هناك بعد عشر سنوات تجمع لآلاف الشباب معتصمين في ميدان التحرير. الشوارع وأبواب المحلات ستحمل لوحات جرافيتى من نوعية “إسلامية دى تبقي أمك” وسوف اسير رافعاً رأسي وأصابعى تطل من “الشبشب”. أوجه التحيات لأفراد الأمن المنتشرين على طول الشارع.

وقبل أن اقترب من بائع الفول ببضعة أمتار سيبدأ الضرب، وقنابل الغاز المحببة للقلب ستملأ الجو، سأقلب بوزى وأعيد مرة ثانية إلى المنزل. وحينما ألاحظ أن السعار قد أصاب أفراد الأمن وهم يلقون القبض على كل من يسير في الشارع سوف أختبئ في مدخل أحد البنايات.

في جيبي سأجد طباشير ملون، ثم يدخل أحدهم إلى مدخل البنايه مهرولا لأكتشف أنه “سيزر” سيكون لديه ذقن طويلة ذات لون أحمر مضفرة على هيئة ضفائر صغيرة.

كأنه ما من معركة تحدث في الخارج سأسأله “أيه النظام”

وسيرد هو في روتينيه: عالم ولاد متناكة، حاولوا يخشوا علينا دلوقتى بس طلعنا ميتين أبوهم.. أنت رايح فين كدا؟ ما تيجى تقعد معانا.

وحينما يهدأ الضرب، والبوم والطاخ ويا ولاد الكلب يا معرصين وسلمية سلمية روحوا اقبضوا ع الحرامية. سأخرج أنا و”سيزر” وسنتجه نحو مستشفي القصر العينى لندخل أحد المحلات المقابل له. يرفع “سيزر” باب المحل، فتنكشف “قعدة” عربي ملوكى، أميز بعض الوجوه التى أعرفه لكن أفاجئ أن جمعيهم يعرفونى، هناك من يوسع لى مطرح بجواره، ومن يمد يده بصباع كفتة، ومن يناولنى “جوينت”. أشعر بالخجل حينما انتبه أنى لا أزال ممسكا “بشفشق” الفول.

أجلس بينهم رافضاً التدخين أو الشرب واكتفي بأصبع كوفتة اقضمه على مهل، الجميع يرحب بي بحرارة. وشباب أصغر منى ومن سيزر يرفعون يدهم بالتحية “منورنا يا حاج أحمد”.

أتذكر فجأة أن سوسو في البيت لوحدها، فأقف مفزوعاً.

-رايح فين يا حاج أحمد.

-لازم اروح لبتاع الفول

-يا راجل اقعد معانا شوية هو بتاع الفول هيطير

-معلهش بحب اكل من القدرة الأولانية.

هلاوس الحمى

نشرت هذه التدوينة في 2008 على النسخة القديمة من مدونة “وسع خيالك- أيام خيال الظل”

منذ سنوات قادتني الظروف إلى مكان يدعى “الخديوى” على ما اذكر، كان يقع على حدود شبرا مع المؤسسة. مقهى وبار شبعى يمتلأ أيضاً بالشراميط الشعبيات، على ما اذكر أيضاً كنت أتحدث أنا ورفيقي مع إحداهن حينما فجأة ارتفع صوت أحدهم “لا إله إلا الله” ثم كصرخة عرسه في منتصف الليل أخذت تصرخ إحداهن في هستريا، كان أحد زبائن البار قد توفي مكانه وهو جالساً.

غالباً ما احتفظ بمثل هذه الحواديت لنفسي لفترة طويلة، أظل مشغولاً بها، أخرجها من الدرج وأقلبها يميناً وشملاً، ثم أعيدها إلى مكانها، رافضاً تبادلها أو تشاركها مع أى شخص أعرفه أو لا أعرفه. في حالات نادرة أكون سكراناً وحزيناً أو مرهقاً لا أجد ما أقوله فالتفت لمن يجلس بجواري واحكى القصة في أقل من ثلاثين ثانية ثم أظل أعيد المقطع الأخير لما يقرب الثلث ساعة “مات.. الراجل مات، وكل الناس في البار قاموا روحوا إلا أنا واللى كان معايا”

زمان كان مهابوف يلتفت لى ويقول “وبعدين” فأرد “مفيش.. بس خلاص“، فيعيد ترديد حكمته الخالد ودرسه الذي كان يقرره على أذنه لثلاث سنوات “يا ابنى مش ينفع كدا، لازم تنهى الحدوتة بأفيه، وإلا الناس اللى حواليك هتقول عليك بضان، وبعدين تبقي بيضة، وبعدين تفقس.. وأنت أكيد مش عايز كمان خمس سنين تلاقي نفسك كتكوت خول صغير بيجري ورا الدود في الشارع زى العيال اللى بتجري ورا عربيات الرش“.

لكن الآن أصبحت مرهقاً من كل هذا، وحينما تتعبني عيناي في آخر الليل من القراءة والتطلع لشاشة الكمبيوتر، افتح جوجل ايرث واتأمل شكل الكرة الأرضية من بعيد وأنا أقلبها بالماوس، أفكر في السفر لكن أشعر بالإرهاق بمجرد التفكير في الفكرة في حد ذاتها، كما أننى ومن خلال التجربة لا أظن أن اقامتى في مكانٍ آخر سوف تغير الكثير فأغلق الجهاز وأنام، وأصحو ثانى يوم لأبدأ في إرهاق نفسى على مدار 24 ساعة لا تزيد ولا تنقص ولا تقسم ولا تضرب… 1×1 يساوى 1 وكلما وصلت الأرقام على الساعة إلى الدقيقة 23:59 تتحول إلى 00:00 ثم تبدأ في العد من جديد..

لا شيء يبعث على السلوى والتسلية سوى مراقبة هؤلاء البشر الذين تظهر صورهم في الجرائد والتلفاز أو يلتقي الواحد بهم في مسيرته، أميزهم من رائحتهم، من طريقة الابتسامة وتلك الكاريزما وحب الحياة الذي يستعرضونه طوال الوقت، كأنهم شاب مراهق يدخل مدرسته الثانوية متأبطاً ذراع شابه مزه باهرة المزمزه. يشعر كل واحد منهم بأهميته بشكل لا يصدق، فهذا دكتور كبير، والثانى مناضل لا ينام من قلقه على الوطن، والآخر صحفي شهير، والثالث كاتب يقاسي إرهاق الإبداع ويستحلب متعته المازوخيه العظيمة… هؤلاء الكائنات الجميلة، أود يوماً لو أتفرغ تماماً لأضع لائحة طويلة بأسمائهم وأمنح حياتى للطواف حول الكرة الأرضية ومصافحتهم باليد واحداً واحداً لأشكرهم على التسلية التى يمنحوها إلي بنشاطهم التافه العظيم في الحياة.

Untitled3
صورة من شريط مصور لكاندريك لامار

عزيزى بوعزت، لنعبر مسيرة اللذات

نشرت هذه التدوينة لأول مرة في نوفمبر2011، ضمن مجموعة الرسائل المفتوحة والتى نشرت على مدونة وسع خيالك القديمة

عزيزى بوعزت،

ذات مرة عاقبنى أحد المدرسين في المرحلة الثانوية بعدم كتابة اسمى في جدول الحضور رغم أنى كنت حاضر. قالها وفعلها ببساطة من يبصق تحت حذائه وبسبب  “أحمد ناجى.. غياب”. تحضرنى هذه الذكري بقوة مؤخراً. أنظر للخلف فأري نفسي تتبعنى. وأنظر للساعة فأراها معطوبة.

 قضيت ثلاث سنوات في مدرسة طه حسين الثانوية بنين. كان بعض الطلبة يكتبونها “مدرسة الدكتور طه حسين الثانوية بنين” وآخرون يكتبونها “مدرسة د.طه حسين الثانوية بنين”. أذكر في أحد الامتحانات وصلت الفذلكة بأحد الطلبة إلي كتابتها “مدرسة عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين”. وبخلاف حلقات متناثرة من مسلسل أحمد ذكى لم يكن أحد منهم يعرف أى شيء عن طه حسين. وأقسمت في هذه الفترة المبكرة أننى أبداً لن أحمل أى حروف قبل اسمى ولن اسمح لأن يلهو مثل هؤلاء المراهقين الحمقي به.

فضلت الغياب على أن أكون عرضه للسهو والخطأ أو المديح الجاهل.

ومثل كل المدارس والمؤسسات التعليمية التى عبرت عليها كنت أكره هذه المدرسة. وكان ملجأي فيها المكتبة الموجودة في نهاية الطابق الثالث. لأن المدرسة قديمة فالمكتبة كانت قديمة، تمتلئ بمئات من الكتب من الستينات والسبعينات.

من الفصول تأتينى همهمات الطلبة وسبابهم. وفي مدرسة طه حسين الثانوية بنين كان لدينا فناء واسع أجرد بمساحة ملعبي كرة. لكن الكرة كانت في الأغلب في غرفة الأدوات الرياضية مُغلق عليها بمفتاح معلق في رقبة أستاذ التربية الرياضية البدين والبضين. وحتي إذا كانت في الخارج فلم أكن أحب لعب الكرة. بجوار غرفة الأدوات الرياضية كان هناك مسجد ضيق تفوح منه رائحة عطنة نتيجة لتعفن الموكيت من أثر المياه المتساقطة من أصابع الأقدام. بجوار المسجد كانت الحمامات. ووراء هذه الكتلة العمرانية القبيحة كان مقر تدخين السجائر وأحيانا لف سجائر البانجو.

من نافذة غرفة المكتبة حيث كان يعبر الزمن علي في بطء كنت أشاهد الشارع الرئيسي والطلبة يقفزون من على السور نحو الفضاء الرحب. في الطرف الآخر كانت تقع المقابر والتى كان ينبع منها في هذا الزمن هدوء وسحر أخاذ كعطر لا يمكن التحرر من أسره.

هكذا عبرت مراهقتي بين الكتب والرومانسية الايروتيكيا للمقابر والعطن المنبعث من موكيت غرفة المسجد.

عزيزى بوعزت،

يقول “ديفيد بوي” في أغنيته الوجودية  I’m deranged “مضحكٌ هو، كيف تسَافر الأسرار”. وفي ذات الأغنية/ القصيدة يقول “لفى/ كروزى.. بي يا مزة/ بيبي”.

مضحك هو، كيف تسافر الأسرار يا بوعزت.

منذ دقائق صعد القطار حيث أكتب إليك رسالتى تلك مجموعة من العجائز الألمان، رائحة الخمسينات تفوح منهم، لكن رحيق الصحة  والنشاط يحضر في أصواتهم، جلسوا على الطاولة المقابلة لى، وأخرجوا حقيبة مليئة بعلب البيرة، زجاجة ويسكى، وزجاجتى كوكاكولا. اثنان منهما أخذا يشرب البيرة، والآخرين يشربون الويسكى مخلوطاً بالكولا.

ما الذي يفعله حفنة من الرجال في الخمسينات لم يعد لديهم على الأرجح أسرار ليدعوها تسافر؟!

يأخذون رحلة قطار تدوم لست ساعات ويسافرون هم بدل الأسرار على مذاق الويسكى بالكولا.

عزيزى بوعزت،

أبداً مطلقاً… لا تثق في المصطلحات

2012-05-31 15.25.01
تصوير: أحمد – مايو 2012

عزيزى بوعزت،

لا أزال أكتب إليك من القطار. من النافذة أخضر في أخضر فأخضر، خضار وأشجار ممتدة إلي ما لا نهاية، لا يكسر رتابة المشهد إلى مجموعات من الأبقار تسرح هنا أو هناك. ثم ندخل فجأة نفق طويل. من النافذة الآن لا شيء إلا السواد.. ظلمات فوقها ظلمات.

ومن نافذة المكتبة كان ترتمى جثة الشمس على مجموعة من المقاعد. وفي ليالي الشتاء كنت أحب بداية جولة القراءة في تلك البقعة أجلس حتى يمتص جسدى دفء الشمس. ثم أنتقل إلي مكان آخر إذا بدأت الحرارة تزعجنى.

أدين إلى ما أنا عليه الآن لمكتبة طه حسين الثانوية. هناك قرأت مئات الكتب التى أعرف أنه كان من المستحيل قراءتها في أى فترة آخري. كان لدى حلم رمانسي في تلك الفترة أن أقضي أيام الإجازة في المكتبة ألتهم الكتب كفيل في حفلة شاى. والأجمل أنى كنت أقرأ على غير هدى أو بينة.

أتذكر على سبيل المثال أني قرأت جوته وأنا أظنه كاتب فرنسي، وكنت أعتقد أن ديستوفيسكى عاش في زمن الثورة الحمراء، لهذا كان حزينا على الماضي ويحتقر الإنسانية وحماسها. من ذكريات القراءة على غير الهدي أنى قرأت مسرحية بعنوان “بيت الدمية” لكاتب يحمل اسم “هنريك أبسن”. ظلت المسرحية وعنوانها عالقاً في ذهنى بينما غاب لسنوات اسم الكاتب. حتى ذات يوم كنت أعبر أمام مسرح البالون ووجدت إعلاناً لمسرحية كانت تقوم ببطولتها بوسي “بيت الدمية” للكاتب العالمى “هنريك ابسن”. في هذه الفترة كانت بوسي قد حصلت على الطلاق من نور الشريف بعد افتضاح أمر مغامرته القصيرة مع ممثلة مغمورة. وكان هذا زمن بعيد..

على مدار ثلاث سنوات، كنت أقرأ القصص القصيرة لمصطفي محمود، الأعمال الكاملة لنجيب محفوظ، شكسبير، تشيخوف، ديستوفيسكى، موليير، نيتشه، سيجموند فرويد، يحيي حقي، بوشكين، برنارد شو، صلاح عبد الصبور، موباسان، فولتير، لوركا، المعري… إلخ.. إلخ في المقابل فلم أستطيع قراءة أى شيء ليوسف السباعي، أو إحسان عبد القدوس، أو عبد الحليم محمود أو عبد الرحمن الشرقاوى.

وطوال رحلة الثلاث سنوات كنت مهبولاً بكتاب موسوعى آخر لأنيس منصور “أعجب الرحلات في التاريخ” لم أستطيع إنهاء قراءة أى كتاب آخر لأنيس منصور. لكن هذا الكتاب بالذات سحرنى لسنوات طويلة، كان نافذة للأحلام البعيدة. قبل مغادرتى القاهرة أخذت أبحث عن الكتاب في أكتر من مكتبة ولكن لم أجده.

“أعجب الرحلات في التاريخ” كتاب نادر أتمنى أن أضيفه لمكتبتى الضيقة، الصغيرة.

منذ المرحلة الجامعية لم يكن لدى مكتبة، ولم أحب أبداً الاحتفاظ بالكتب. لكن منذ بضعة أشهر وتحت إلحاح سوسو ونزعة رومانسية تملكتنى. ذهبت إلى مجمع ضخم في شارع الهرم للأدوات المنزلية والخشبية والحدائقية واشتريت سبعة أرفف وضعتها في غرفة المكتب. وقررت أبداً إطلاقاً أن لا يزيد عدد الكتب التى أملكها عن هذه الأرفف. حينما تزيد لا أقوم بإهداء الكتب، أو التبرع بها لمكتبة الجامع. فهذه وإهانة للصديق الذي أهدى إليه الكتاب وإهانة للمكتبة العامة التى أتبرع بها للكتاب. وصلت لحل أكثر إنسيابيه وإثارة. أفتح الباب في المساء أضع الكتب أمامه وفي الصباح أفتح الباب تكون الكتب قد اختفت.

عزيزى بوعزت،

لا تهدى كتب لا تريدها، ولا تأخذ إلا الكتب التى تريدها.

عزيزى بوعزت،

كان يشرف على المكتبة مدرسان. الأولى فتاة ذات روح عانسة. تقريبا كانت لا تتكلم مع أحد تأتى وتظل جالسة على المكتب إلا لإعداد أكواب الشاي التى يطوف حولها الذباب ما أن ينضب منها السائل الأسود. الآخر كان أستاذ رضا الروش.

ملابسة دائماً ملونة، لكن على عينيه نظارات شمسية سوداء معتمة لا يخلعها حتي داخل المكتبة. حاول التقرب أو التعرف عليا نظراً لأنى كنت أكثر من يزور المكتبة، لكني قابلت محاولته ببرود. كنت ولا أزال لا أحبذ الروشيين، ولا أرتاح لمن يرتدون النظارات السوداء باستمرار. وعلى عكس جميع مدرسي المدرسة لم يكن “رضا” يهتم بقراءة الجرائد التي تصل كل يوم للمكتبة، ونادراً ما رأيته يقرأ كتاب ما. أحياناً كنت أراها فقط يتفحص بمتعة واستغراق مجلة “نص الدنيا”. وطوال حياتى على هذه الأرض فلم أعرف أو أري أى إنسان آخر غير رضا يقرأ مجلة “نص الدنيا”. من رضا تعلمت قواعد الفهرسة وأساسيات علم المكتبات.

في السنة الدراسية الأخيرة كان رضا يتصيد الأيام النادرة التي آتي فيها للمكتبة لتبديل الكتب ليفتح معى أى حوار، وكانت معظمها تتركز في شكل نصائح عاطفية رغم أني أبداً لم أطلبها منه. وأمامى صمتى ولا مبالتى بحكايته. كان يأخذ في استعراض حكايته الخاصة التي كانت دائماً تدور في فترة داسته الجماعية. حتي أنى تخيلت في هذه الفترة أن حياة الإنسان العاطفية تنتهى حينما يتخرج من الجامعة واكتشفت بعد ذلك أن العكس هو الصحيح. من ضمن حكاياته التى كانت تمتزج فيها المبالغات بالخرافات. حكي لى رضا كيف أنه ومجموعة من أصدقائه أسسوا جماعة في الجامعة مهمتها معاكسة الفتيات غير الجميلات كهدف إنسانى لتوزيعه عطفه وفحولته، وإشعار هؤلاء الفتيات بأنوثتهن. أتذكر أنى جلست صامتاً وهو يحكى برومانسية بالغة هذه القصة ثم قمت وهرولت نحو أقرب حمام وتقيأت كل ما في معدتى.

في هذه الفترة ولأسباب سيكولوجيا كنت أتقيأ باستمرار. الآن ولم أعد أتقيأ، ولم أعد أشعر بضغط تلك الأسباب السيكولوجيا، لكنى لا أعرف أخير هذا أم شر.

الطلاق مسيرة من الفخاخ المتوالية

voأحدهم نصب لى فخاً! في الأفلام والمعالجات الدرامية والروائية، وحتى في النبرة التي يحكي فيها الذكور متفاخرين بتجاربهم العاطفية، يرد الانفصال أو الطلاق كوصمة عار ونقطة حزن في حياة المرأة، ولحظة قوة وحزم في حياة الراجل… وقد وقعت في الفخ.

سواء أكانت المقدمات للطلاق أو الانفصال من سفاسف الأمور التي تتراكم ببطء وصبر حتى لحظة انفجار تدمّر السد، أو جلمود صخر يسقط فجأة فيولّد معركة تتنهى بنهايات درامية… مهما كانت المسببات أو النتائج، أو عدد المحاولات المتوالية لإصلاح ما انكسر، أو البحث عن مخرج للحفرة، هناك نقطة يصل الظلام فيها إلي أقصى درجاته: نقطة تتوهم أن الطلاق أو الانفصال هو بصيص النور الذي يمكنك أن تهرب عبره من سواد الظلمة إلي شمس البدايات الجديدة. هذا أيضاً فخ.
بينما تستسلم إلى حل نهاية الطلاق وتسير نحوه، تجد المسائل تتعقد أكثر. العائلة تبدأ في التدخل. وفي الغالب هذا أسوأ ما يمكن أن يحصل. فأولاً سيطالبون بالحق في معرفة كل التفاصيل والمبررات للطلاق، وتحت ضغطهم و”الزن على الودان” المتواصل سرعان ما ستستسلم وتخبرهم بالتفاصيل. وحتى إذا التزمت الصمت، وتمسكت باحترام خصوصية العلاقة، في اللحظة التي سيعترف فيها الطرف الآخر لعائلته ستندفع أنت في حماقة أخرى لتعترف بدورك لعائلتك. حينها ستتضاعف المشاكل وتتصاعد الدراما.
2012-12-10 13.08.36
تصوير: أحمد

سينفجر الأمر

الخطأ الثاني الذي وقعت فيه وغالباً ما يتكرر في العائلات العربية أن تقرر تحت دافع السأم واليأس ترك مناقشة التفاصيل المادية للانفصال وتوكيل العائلة بتولي الإجراءات القانوينة والبيروقراطية، أو أن تفقد أعصابك في أي لحظة من لحظات التفاوض. سينفجر الأمر، ومع العائلات سيتدخل المحامون، ليبدأ فصل آخر مساره المحاكم والقضاء الشامخ، ورشاوى للأمناء، وبلطجة وقلة أدب وقيمة في بلد لا تعرف من القضاء إلا شموخه.
شاهدت رجالاً ينهارون تماماً مع دخول المسائل في مرحلة المحاكم. يتحولون إلى مضطربين بردود أفعال عنيفة تجاه كل شيء، بل يصبح من الصعب التنبؤ بأفعالهم. لم أدرك الداعي والسبب إلا حينما مررت بذات الموقف. كان هناك بركان من المشاعر الجديدة كل يوم تخرج إلى الملأ لأول مرة. نعيش كذكور خلف قواعد وأقنعة تحدد لنا ما هي الرجولة، وما هي صفاتها، وكيف ينبغي أن نتحرك ونتفاعل كي نكون “ذكراً”، وكل هذا من أجل جذب الطرف الآخر. لكن حينما يتبدد الحلم، ونقترب من فقدان الطرف الآخر، تنهار أقنعة الرجولة ونرى أنفسنا في مواجهة فيض من المشاعر المختلطة والمتضاربة، والتي لم يخبرنا أحد كيف يجب أن نتفاعل معها. في المقابل، تمر حالة من السكينة والهدوء والثقة والقوة الغريبة على كل امرأة عرفتها مرت بمرحلة الطلاق والانفصال. قد تصاب بالحزن والإحباط، وربما حالة عدمية ولا مبالة، لكن تظل مسارات المشاعر ذات كينونة معروفة وهي الحزن والاكتئاب. أما الرجل، فبسقوط القناع، يسقط في “حيص وبيص”، وتضارب واندفاع جنوني من أقصي اليمين إلي أقصي اليسار.
تجاوزتُ إجراءات الطلاق والانفصال بهدوء وسكينة وقدر من الاحترام والود. لكن ما بعد الانفصال: هذا الفراغ لم أعرف كيف أواجهه!. ظننت لفترة أنني حالة خاصة، مميز ومختلف، لكني سرعان ما وجدت أن قصتى متكررة. صديق طيار حربي جاء منهاراً بعد الطلاق يحكي كيف أنه، ولأول مرة، شعر بالتشتت حينما خرج في مهمة.
إذا اتجهت للخارج ستجد أن الهوة تتسع أكثر فأكثر
دورة مؤسفة. ففي الزواج اندفعت في دوامة العمل حتى تركت العلاقة تغرق في بحر من الرمال، وحينما انفجرت المشاكل، بدا الطلاق كوسيلة للتخلص من المشاكل والتفرغ للعمل. لكن بعد الطلاق، لم تعد هناك حاجة للعمل، وفكرة الادخار أو الاستقرار المادي تضاءلت. تحاول أحياناً تعويض الفراغ بالانطلاق في رحلات استشكافية جديدة، لكن إذا اتجهت للخارج ستجد أن الهوة تتسع أكثر فأكثر. ذلك أن ما لا تبحث عنه، وإن كنت تحتاجه، سيكون بالداخل وهى رحلة أكثر وعورة. لا تتوقع أبداً أن تجد ما فقدته، أو تجد أي شيء عموماً. فالمهم هو ما ستتركه الرحلة من آثار عليك. حينها ستتغير أنت وستجد أن ما تبحث عنه قد تغير، وأصبح شيئاً أو أشياء لم تكن لتراها دون العبور من هذا النفق وترك ما ظننته يوماً حياتك، وتعيش ولادة جديدة وإن حملت جينات وتاريخ الحيوات السابقة.
المدونات تعبّر عن رأي صاحبها وليس بالضرورة عن رأي الموقع.

تدريس عمر بن أبي ربيعة في سجن الزراعة بطرة

مؤخراً فجأة تطفو أو تلمع ذكريات من فترة السجن، بعضها مؤلم والبعض الآخر اتذكره باندهاش الآن وكأنى اسأل هل هذا كان حقيقي؟ اليوم مثلاً ودون سبب واضح تذكرت “ع” ورفاقه وهم مجموعة من العساكر المتهربين من التجنيد معظمهم مساجين بأحكام تتراوح من سنة إلى ثلاث سنوات بسبب التهريب من التجنيد (سنة السجن العسكري 6 شهور). في أسابيعى الأولى في السجن كانوا هم أقرف رفاق لي. معظمهم من الصعيد ومن أسر فقيرة جداً ومتهربين من التجنيد لأن عندهم عائلات وأسر تحتاج لأن يعملوا ويصرفوا عليهم

المهم أنى بالاشتراك مع سجين آخر (كان ناظراً لواحدة من أكبر المدارس الحكومية) أسسنا ما يشبه الفصل لمساعدة “ع” وبعض من زملائه في المذاكرة والدراسة لامتحان محو الأمية. “ع” كان نفسه ياخد شهادة محو الأمية لأنها تعادل شهادة الابتدائية ولو أخد الابتدائية يقدر يقدم على رخصة قيادة ، وبالتالي تصبح أمامه فرصة للترقي اجتماعياً من سائق “توك توك” لسائق “ميكروباص”..

لكنى اليوم استيقظت متذكراً ذات يوم إصرار “ع” على أن نقرأ واشرح له ونحلل قصائد عمرو بن ابى ربيعه بعدما وجد في المكتبة كتاب مختارات من شعره

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ