أتلفت خلفي، فأرى آثاري ولا أرى نفسي

لم أر في الخوف دنساً أو ضعفاً، على عكس الشجاعة التي رأيتها غالباً مرادفاً للحماقة والذكورية. في المقابل يجعلك الخوف يقظاً، منتبهاً، في حالة تأمل باطنى تمكنك تدريجياً من بناء دفاعاتك النفسية. أتحدث عن الخوف المحدود، لا الرعب، لا الهلع، والفزع من تهديد واضح أو مباشر، بل ذلك الخوف الأليف الذي تطعمه أمهاتنا لنا مع حليبهن وحين تنمو أسنان المرء ويُفطم، ويصبح التحايل، والكذب، والتخفي مكونات النظام الغذائي الذي نحيا عليه. خوف يأتي متبوعاً بنصائح من قبيل «اسمع الكلام، امش جنب الحيط، ابعد عن المشاكل، لو بلطجى وقفك أعطه ما معك ولا تتعارك، اشرب كوبك كاملاً، الطعام الذي تتركه في طبقك سيجري وراءك يوم القيامة، إذا استمررت في ضرب العشاري ستفقد نظرك وتضعف ركبك، قول شكراً، قول الحمد لله، متحكيش في السياسة، البس فانلة تحت الهدوم» إلخ.. إلخ.. إلخ، ثم بخ!  تصل لمراهقتك وتتعلم ضرورة البعد عن مسار ضابط المرور إذا صادفته في الشارع، وإخفاء هويتك عمن يحادثك، وألا تخوض في الدين مع أحد، وحين تصل إلى شبابك تجد تمرسك مع الخوف قد أكسبك القدرة على ممارسة الحياة كاملة بصحبته؛ الحب تمارسه مع حبيبتك وأنتم محاطون بمخاوف متعددة تبدأ من اقتحام الجيران عليكم البيت، أن يوقفكم ضابط شرطة في الشارع، أن ينقطع الكندوم، أن يأتى صاحبك إلى المنزل قبل أن تنتهوا، أن تعرف بنت خالتها بأمر علاقتكم، أن يراكم ابن عم أمها معاً، ومع ذلك تستمر قصص الحب العربية وتنمو. نتزوج وننجب وننفصل. حياة كاملة بصحبة الخوف، من نكون نحن لنرفض الخوف أو نتمرد عليه! نحن قوم نأكل الخوف بدل الكرواسون مع القهوة، ثم أن لدينا هذه الألسنة الطويلة الحادة الجارحة التي لا تتوقف عن الغلغلة عن شجاعتنا، وقوتنا وصلابتنا وفرادتنا، وكل هذه القيم العربية الجميلة عن التمرد والشجاعة والجرأة التي تلهج بها أغاني المهرجانات المصرية ومغنون يتحدثون عن قدرتهم على حمل السلاح وإنهاء أى معركة بينما يطاردهم نقيب مثل هاني شاكر مجبراً إياهم على بلع ألسنتهم في مواجهته والفلقسة بشجاعة منقطعة النظير، لأنهم مثلنا جميعاً تربوا على الخوف وأكلوه صغاراً.

الفقرة السابقة طويلة، ومليئة بالأفكار والصور المتناثرة، وأنا أعرف أن قواعد التحرير البليغ تقتضي تقسيمها وتكسيرها لجمل وفقرات أصغر، وحذف ما قد يشتت ذهن القارئ عن الفكرة الرئيسية. أقرأها وأشعر بخوف وصوت اصطكاك «اكتبي زي الناس، بلاش قلة أدب، حددي الفكرة، عبر بكلمات قليلة وجمل بليغة، اجعلي النص يسيراً لا عسيراً». في الغالب سأخضع لخوفي، لأنه هذه المرة خوف جديد، خوف فريد الطابع لم أختبره في حياتى السابقة، ليس خوفاً عربياً، ليس الخوف الذي سقته لى أمى ومجتمعى ودولتي، بل خوف كما النمل زحف دون أن أشعر به خلال السنوات الأخيرة منذ هجرتي إلى أمريكا، حتى أكل النمل كل ثقتي في ذاتي، وانقطع تواصلي بأناي «هل هذه كلمة صحيحة لغوياً؟ إذا لم تكن، فهل تفهمها؟ نعم أسألك أنت».

لنبدأ من البداية مرة أخرى.

لقراءة بقية المقال نشر كاملاً على موقع الجمهورية: https://www.aljumhuriya.net/ar/node/3278?fbclid=IwAR0xAxxUoLFoe7tWY9f6n0Wc8xFqMpxaFHhKWl7SrWzZ9S4TlhaAla9BobY

أفغانستان في قاع جمجمتى

فيه عندى دور برد عنيف وشديد آخر مرة شفت واحد زيه كان في 2018.

وسط الحمى والرعش والهذيان، افتكرت أن اول مرة سمعت فيها اسم افغنستان، كنت مثلا بتاع 8 سنين وبابا أخدنى معاه عند عزومة عاملها واحد صاحبه، العزومة كانت طبقات لا نهائية من الفطير المشلتت والعسل والجبنة والمش، وهناك كان فيه راجل اسمه الحاج عوض أو استاذ عوض. وفهمت من سياق الكلام أن الراجل كان شغال في الجهاد في افغناستان، والجهاد دا وقتها كان داخل في دماغى مع غزوة الخندق، وانه كان بيحفر ويحدف طوب على الكفار، وفعلا الراجل حكى لنا ازاى مثلا كان المجاهد منهم يمسك الطوبة ويقول باسم الله الشافي اللهم اذهب البرء والهرء ويحدف الطوبة تيجى في الهليوكبترا السوفيتى بوووم تدمرها.

فهمت كمان انه بعد ما خلص جهاد راح السعودية لكن اتمسك واتسجن هناك سنتين وبعدين الحمد لله رجع مصر معاه قرشين وخطط لبناء المستقبل، ومعاهم مستثمرين ومساهمين وجاى يعمل مشروع لافتتاح مدرسة اسلامية في آخر القعدة بابا قال لى انه هينقلنى من المدرسة اللى انا فيها لمدرسة ثانية، وفعلا بعدها بفترة انتقلت لمدرسة الهدى والنور الاسلامية واللى كان ناظرها الحاج عوض، اللى كان راجل مخيف ومجنون.

لقطة لسعاد حسنى من فيلم افغناستان لماذا

من المشاهد المرعبة في طفولتى مرة شفت الحاج عوض دا فقد اعصابه فمسك طفل من راسه خبطة في الحيطة فتح له راسه..احنا كأطفال كنا مرعبين، بس الكبار حتى المدرسين كانوا شايفين انه يا سلام طريقة ادارة صارمة، وحتى الان بالنسبة للمصريين المدير الكويس عندهم هو الشخص قليل الادب ابو لسان طويل وايد اطول، لكن دا مش موضوعنا المدرسة مكنش فيها حصة موسيقي، كان اسمها حصة اناشيد اسلامية، وفاكر ان في الاول كمان كان فيه طابور صباح لكن مكنش فيه تحية علم، وبعد شوية كان فيه مع تحية العلم هتاف كدا اللى هو الله حى عبده جاى كان فيه كمان حصص قرآن. لكن جنب دا كان فيه معمل علوم متقدم جدا، ومعمل كمبيوتر بل هناك كنت اول مرة سنة 1993 وانا يا دوب مثلا 8 سنين اعرف يعنى ايه كمبيوتر واستخدمه..

من شوية الصديق مصطفي بعتى لى صور لسعاد حسنى من فيلمها فتاة افغناستان، مسكينة سعاد حسنى، فضلت تشتغل عند المخابرات لحد ما قتلوها. لدرجة انهم في فترة مش عارفين يعملوا فيها ايه …. خلوها تمثل فيلم تعمل فيه فتاة من افغناستان، انا قريت وشفت مشاهد من الفيلم دا قبل كدا… تخيلت الحاج عوض بذقنة القصيرة وجسمه العظيم بيجاهد في الخندق في افغناستان، ووراه المشير ابو غزالة بزبه القصير ورجال مخابراته وسماسرته بينيك في الحاج عوض، وسعاد حسنى بتعمل ريمينج للاثنين…

هى دى افغناستان بالنسبة لى (اى حد ميعرفش يعنى ريمنج يبقي فلاح)

لكن من يتذكر وآفة حارتنا اصلا النسيان، دوقتى بشوف بوستات لشباب مصريين عاملين فيها جيل خمسة وعشرين يناير البريء ويتريقوا على الامريكان ويقول لك هيعملوا فيلم عن قصة حب مثلي بين جندى امريكى وواحد افغانى..يا ابنى دا الامريكان وهم رايحين كنا احنا راجعين، انزل بنفسك عند بقايا مزبلة حديقة الازبكية بالليل هتلاقي جمال الدين الافغانى بيضرب الاستروكس ويلحس الرصيف ويبيع فتحة طيزه بعشرين جنية.ياه كانت أيام، ألا ليت قومى يعلمون

الخارقون في أرذل العمر

تنتشر تلك الفئة من البشر الخارقين وسطنا مِن دون أن نُلاحظهم أو نعطيهم التقدير الكافي، ليس لأنهم يتخفَّون، أو يُموِّهون قدراتهم الخارقة، فعلى العكس، هُم يفخرون ويُردِّدون في كلِّ مناسبة جملتهم الأثيرة “أنا لم أمرض قَطّ طوال حياتي“. بل إنَّ أقاربهم وأصدقاءهم، أيضاً، يتباهون بإنجازهم، لدرجة أشعر بالحرج وأعجز عن الردِّ والتعليق كلَّ مَرّةٍ يُخبرني صديقٌ كيف أنّ جدّتَه “وصلت للثمانين ولم تمرض قَطّ”، أو كيف أنَّ لديهم عمّاً يأكل صباح كلِّ يوم فصّ ثوم، وملعقة عسل، وليفة، وكوب ليمون. ولهذا لم يمرض قَطّ وعاش حتّى المئة.

علمياً، يستحيلُ ألّا يمرض أيُّ كائنٍ بيولوجي؛ فالسهو والخطأ والإصابات والمرض ليست نقاط ضعف، بل هي الوسيلة التي تتعلَّم منها أجسادُنا تطوير مهاراتها وقدراتها على البقاء. إذا لم تمرض قَطّ، فأنت على الأرجح جثّة ميتة. حتّى أنَّ الميكانزيم الذي طوَّرَه البشرُ للوقاية مِن الأمراض عبر اللقاحات والأدوية يعتمد بالأساس على تعريض الجسد للمرض مِن أجل تحفيز الجهاز المناعي، للتعرُّف على المرض، وتكوينِ الأجسام المضادّة التي ستعمل في المستقبل على حماية الجسد. ميكانيزمُ اللقاحات لا يختلف كثيراً عمّا نفعله في حياتنا وواقعنا. العرق في التدريب يُوفِّر الدم في المعركة.

لو افترضنا أنَّ تلك الفئة مِن البشر الخارقين محصَّنون، ولديهم مناعةٌ جبّارة ضدّ الأمراض وآلامها، فهذا يعنى، بالضرورة، أنّهم أُصيبوا في السابق بتلك الأمراض أو نُسَخٍ مخفَّفةٍ منها، ما جعل جهازهم المناعي على درايةٍ بمكوِّنات الميكروب/ الفيروس، وقادراً على دحره، وسحله، ونسفه، وتبديده، في حال اقترابه.

لا أقول إنَّ العلْم والطبَّ والبيولوجيا تُكذِّب ادّعاءات الخارقين. لا أقول إنّهم كاذبون؛ فمَن أنا لأُصحِّح لإنسانٍ ما يظنُّه في جسده؟ إذا كنّا نقبل تعريفات الأفراد لهوياتهم الجنسية والعرقية والدينية، حتّى لو تعارضَت مع خطاب العلم والطب والجغرافيا والتاريخ، فالأحرى أنْ نقبل بوجود هؤلاء البشر الخارقين… الذين لا يمرضون.

2

لا يُفصِح البشرُ الخارقون عن هوياتهم وقدُراتهم إلّا بعد بلوغهم “أرذلَ العمر”.

وفي معنى “أرذل العمر” أَمِيل إلى ما فصَّله محمد بن إسماعيل الصنعاني (1687 – 1768) في كتابه “سُبُل السلام”؛ حين قال: “المُراد من الردِّ إلى أرذل العمر: هو بلوغ الهرم والخرف، حتّى يعود كهيئته الأولى في أوان الطفولية، ضعيفَ البنية، سخيفَ العقل، قليلَ الفهم“.

فهل يكون مردُّ ترديدِ هؤلاء العجائز خرافةَ “عدم المرض” سُخْفُ العقل وقلّةُ الفهم؟ مرضٌ أو اضطرابٌ نفسي يجعلهم واثقين مِن أنفسهم، مستعدِّين لترديد أيِّ خرافات وادّعاءات، بينما الصغارُ مِن بقية المجتمع مضطرِّين للتصديق احتراماً لسنِّهم؟

هل أمْرُ الأشخاص “الذين لا يمرضون” ليس سوى كذبةٍ وتواطُؤ اجتماعيِّ… محض خرافةٍ الجميعُ مجبَرٌ على تصديقها؟

3

لا تجد شابّاً أو شابّةً يُصرِّح/ تُصرِّح بمثلِ هذه العبارة “أنا لا أمرض أبداً“. قد يكون في التاسعة عشرة مِن عمره وبكامل صحّته، لكنَّه أبداً لا يملك شجاعةَ التصريح بمثل هذا الادّعاء، لأنَّ الردَّ سيكون: “انتظِر حتّى تكبُر، مِن المراهقة إلى الشباب، ومِن الشباب إلى الكهولة… حتّى تبلغ أرذل العمر“.

لو صرَّح شابٌّ بادّعاءِ امتلاكِه قوىً خارقةً وأنّه لا يمرض أبداً، فالردُّ سيكون التكذيب والسخرية والتنمُّر. لكن لو قال عجوز أو متنكِّر في هيئة عجوز ذات الادّعاء، فالردُّ سيكون التصديق أو التظاهر بالتصديق، مع عباراتٍ مثل: “يدّيك الصحّة يا حاج“.

4

حين انتقلنا إلى لاس فيغاس، حيث أُقيم منذ عامَين، لاحظتُ في الأسابيع الأُولى انتشارَ كبار السنِّ والعجائز في كلِّ مكان. أحياناً يعملون في مِهنٍ بسيطة؛ كأنْ يقف أحدُهُم ليُعبّئ لك ما اشتريتَه في أكياسٍ بلاستيكية عند انصرافك من السوبر ماركت، أو تجدَ آخر، متهالكَ البنيان، في محلٍّ لبيع التبغ يستغرق دقائق لإنجاز معامَلةً مالية واحدة.

عرفتُ بعد ذلك أنَّ لاس فيغاس واحدةٌ مِن مُدُن التقاعُد، نظراً لانخفاض أسعار المنازل وتكاليف الحياة نتيجةَ انخفاضِ أو شبه انعدام الضرائب التي تُحصِّلُها الولاية، أضِف إلى ما سبق دفء الجوّ والشمسُ المشرِقة طوال العام، ما يجعلها المهرَب المثاليَّ لسكّان الشمال والساحل الشرقي الراغبِين في قضاء تقاعُد مريح.

لكنْ في الوقت ذاتهِ، فإنَّ أنظمة التقاعُد في أميركا، مثل أنظمة الرعاية الصحية، زيّ الخرا الحمد لله، فيضطرُّ الكثير مِن كبار السنّ – حتّى بعد بلوغهم السبعين والثمانين – إلى العمل في مِهنٍ تتطلّبُ مجهوداً ذهنياً وعضلياً بأجورٍ لا تتجاوز الحدَّ الأدنى.

ليس للشيخوخة هنا احترامُها أو تقديرُها. إذا تجاوزتَ الستّين ولم تكن غنياً أو في منصب سياسي، فلا مكان لك في المجتمع سوى الهامش، أو مجتمعاتِ كبار السن؛ حيث ستضطرُّ للعيشِ في تجمُّعاتٍ سكنية أو بيوت لرعاية المسنّين. وعلى حسب ما ادّخَرته طيلة حياتك، سيكون بإمكانك اختيارُ بيتِ الرعاية أو مجتمع المسنّين الذي تحلم به، أو ينتهي بك الأمر في بيتٍ على البحر في فلوريدا، أو في غرفةٍ قاتمة داخل مبنى كئيب على طريق سريعة تُؤدّي إلى اللامكان.

لوحة ل Alex Gross

من حيث أتيت، كبارُ السن مقدَّسين، حتّى أنَّ الرجالَ يتسابقون للتظاهُر بالتقدُّم في السن، لكَي يبدأ الآخرون في مناداتهم بلقب الحاج، أو عمّو، أو شيخ.

مَن يبلغ أرذلَ العمر في بلادنا يجري تعيينُه في منصب رئيسٍ للجمهورية، أو يتولّى مهام القيادة ليُعمِّم سُخف عقله وقلّة فهمه على الجميع. وإذا لم يُحالِفه الحظُّ في تولّي مناصبَ قياديةٍ، فسيطمح، على الأقلّ، في لقب كبير العائلة، ليأتي له الجميعُ يأخذون بركته، ويُقدِّمونه في المناسبات الاجتماعية: يَقف في مقدِّمة العزاء أو الفرح مُعبِّراً عن هيبة العائلة وشرفها وعلُوِّها وسمُوِّها.

كبيرُنا العجوز، الذي بَلَغ أرذل العمر، نحن – أفراد العائلة – فخورون بضعف بُنيتِه وسُخْف عقله. ولهذا نُقدِّمه ونتبع أوامره.

ليس العربُ وحدهم مَن لديهم هذه التقديس لكبار السن والشيخوخة، بل تتشارك معظم شعوب الجنوب في ذلك. ثمّة قِيَمٌ مُشابِهةٌ لدى الإخوة مِن أميركا اللاتينية ووسط وجنوب أفريقيا. أخبَرني صديقٌ صيني، مثلاً، كيف أنَّ الرجُلَ الذي يتجاوز منتصَف الثلاثين وليس لديه ولو كرشٌ صغير، يُنظَر إليه كعيّل بريالة، لم يكتسب خبرات الحياة بعدُ، ولم يُحقِّق الثراء اللازم لبروز الكرش. أمّا الشَّعر الأبيض وانحناء الظهر، فيُصبحان تلقائياً مرادِفَين للحكمة والدهاء والذكاء، وكأنَّ ما تستند عليه ليس عصاً، بل دلمة الحكمة التي وحدك تملكها في شيخوختك وخرفك.

5

جميعُنا مرضى، أو مرضْنا سابقاً. المرضُ طقسٌ من طقوس الحياة كالولادة والأكل والإخراج والموت. لكنَّ هؤلاء الخارقين قادرون على إنكار المرض، على إنكار الضُّعف، على نسيان الألم وتجاهُله. ليس بسبب امتلاكهم القدرة على ذلك، بل في الغالب لأنَّهم مُجبَرون عليه.

يأتي مُنكِرو الألَم والمرض مِن بيئاتٍ تتّصف بالشقاء، بالفقر، بالجوع الذي يدفعهم إلى العمل دائماً، تُجبرهم على تحويل أجسادهم إلى ماكينة تتخيَّلُ أنها قادرةٌ على تجاوُز الطبيعة البيولوجية… ماكينة لا تمرض ولا تحتاج إلى العلاج، بل ماكينة أفضل مِن تلك التي تحتاج إلى صيانةٍ وقِطَع غيار.

تتطوَّرُ التكنولوجيا ولا يملك العامِل سوى جسدِه ليواكب هذا التطوُّر. يتوهَّم في جسده القوى الخارقة.

أمّا الأغنياءُ فيمرضون دائماً، لديهم رفاهية الشكوى والعطلة والمرض والبحث عن علاجات، ودعم العلْم والطبِّ حتّى يحصلوا على اللقاحات أوّلاً، بينما الفقراءُ ينكرون أصلاً وجودَ الأمراض والأوبئة، يصدقون أكاذيب النصّابين العالميّين والرؤساء الفاشيّين، يُزيلون المسك ويصرخون: “أين أنت أيها الفيروس اللعين؟ اللعنة على الصين. تعالَ إلى جسدي الخارق، جسدي الذي لم يمرض قَطّ. لن تخترقه، لن أشعر بأيِّ ألم، لن آخذ اللقاح، ولن تُوقِفني عن الذهاب إلى العمل. سأعمل حتّى أموت“.

لن يُصدِّقونا أبداً إن أخبرناهم أنَّ العملَ مرَض.

في جهل الذكور بأشيائهم ‏

نشأت في عائلة طبية بشكل كامل. الأب طبيب، الأخوة أطباء أو يدرسون الطب. الأعمام أطباء، والخال طبيب، كذلك يمتد الأمر إلي أبناء وبنات الأعمام والخال. تقريباً كنت الفاشل الوحيد الذي اختار في الجامعة دراسة غير علمية. كانت المعلومات الطبية جزء من الأحاديث اليومية والأسرية في العائلة. وعبر مسيرة الواحد كونت حصيلة بسيطة من القراءات والمعرفة عن جسدى وطريقة عمله. وحتى أيم قليلة كنت أظن أنى أعرف على الأقل أهم المعلومات الصحية وكيفية عمل أعضاء جسدى، حتى اكتشفت منذ أسبوعين مدى جهلي بالكثير عن أهم أعضاء جسدى.

داهمني منذ فترة ألم خفيف في منطقة الخصية، تحديداً الخصية اليسري. كان الألم خفيفاً لكنه مستمر، لم يصاحبه أي أعراض أخري. استمر الأمر لعدة أيام وفي النهاية قررت زيارة الطبيب. كانت المفاجأة الأولى حينما أخبرنى طبيب المعاينة الأولي والذي يكتب بعد ذلك التحويل إلي الطبيب المتخصص بأننى احتاج إلي طبيب مسالك بولية، وليس أمراض ذكورة. حيث أن أمراض الذكورة لا تتعلق إلا بعمليات الإخصاب والتأكد على قدرة الذكر أن يكون ديك قادر على التلقيح.

تشخيص الحالة كان دوالي في الخصية، لكن الحديث مع الطبيب وكمية البحث التي قمت به في رحلة العلاج، كشف لى عن عالم كامل من أمراض الذكورة والجهاز التناسلي لدى الذكور لا أعرف عنه أي شيء. معلوماتي بشكل أساسي كانت تقف حول الأمراض التناسلية المعدية وكيفية الوقاية منها، كل ما غير ذلك مغيب ومعمم. تبدى لى صرح الجهل والتعميم عن كل الأمراض المتعلقة بالعضو الذكوري، حينما جاء الطبيب على ذكر حامل الخصية، فانفجرت في الضحك حيث كنت أظنه خرافة بينما اتضح كونه أداة طبية مساعدة تستخدم في بعض الحالات.

** *

لا يتحدث الذكور في جلساتهم الخاصة عن شيء أكثر من حديثهم عن الجنس. حديث الذكور عن الجنس هو حديث المعارك والانتصارات والتباهى بالأوضاع والقدرة على الانتصاب لفترة طويلة وتأخير القذف السريع. لكن يخلو هذه الحديث من لحظات الضعف والاضطراب. تستمد الذكورة جوهر وجودها من العضو الذكري. وفي مصر كما معظم البلدان العربية حيث الذكورة مستفحلة ومسيطرة، لا يقبل الذكر الحديث أو التطرق لأى ضعف خصوصاً إذا كان الأمر يتعلق بمنبع ذكورته. وحيث أننا في عالم ومجتمع ذكوري كما علمتنى الكتابات النسوية، فذات القواعد تسير وتؤثر على الذكور أنفسهم وعلى برامج التوعية الصحية وتوجهاتها في المجتمع.

الطبيب أثناء حديثنا كان يكثر من ترديد جملتين أساسيتين بلا داعي. الأولى هي “لا مؤخذة” والثانية “مش عايزك تقلق أبداً، كل الرجالة عندهم الموضوع دا لكنهم لا يقولون”.

خلال الأسابيع الماضية بعد اكتشاف الإصابة وبدأ رحلة العلاج الدوائي، بدأت في فتح الأمر مع دوائر الذكور الأصدقاء المقربين، وكان مؤسف أن أجد الجهل بكل هذه المسائل مستفحلاً. وبينما نجد اللافتات والحملات الإعلامية والدعائية المجانية لفحص الثدي والتوعية بكل الأمراض الأنثوية التي قد تصيب النساء، لا نجد أي دعاية خاصة بأمراض الذكورة أو البروستاتا أو مشاكل دوالي الخصية. والتي تذكر الاحصائيات أنها منتشرة لدى أكثر من 40% من الراجل.

لقد صدمت من كمية القصص الغرائبية التي سمعتها من أصدقاء ذكور حول الجرائم والكوارث التي يرتكبونها في حق أعضائهم نتيجة غياب المعلومات والجهل بأساليب الفحص المختلفة. صديق حكى لى أن مرة بتجربة دوالي الخصية قبل ذلك، لكنه تجاهل الأمر واعتبر أن الألم الخفيف في الخصية دليل على نشاطه الجنسي وامتلاء خصيته بالحيوانات المنوية (نموذج بسيط لتوضيح كيف تتخيل الذكورة ذاتها)، وبالتالي فالعلاج الذي تفتق ذهنه عنه هو الإكثار من ممارسة الجنس، الأمر الذي أدى إلى تطور الأمر نتيجة زيادة معدلات ضخ الدماء في الشرايين والأوردة. حتى وصل الأمر لمرحلة لم يستطيع معه تحملها، وأصبح عائقاً لدى الاتصال الجنسي، حينها فقط ذهب متأخراً للطبيب بعدما استفحلت الحالة. صديق آخر عبر من تجربة الدوالي، ظل متحاملاً على الألم حتى ذات يوم كان يتبول في حمام عام مد يده يتحسس مكان الألم، وقرر لسبب ما أن يضغط عليه معتقداً أن ضغطه عنيفة قد تريح خصيتيه من الألم لكن بدلاً من ذلك انفجر ألم ضخم في كل جسمه، وشعر بدوار حتي أنه كاد أن يفقد وعيه.

في كل برامج وكتيبات التوعية الجنسية تركز على فعالية القصيب وخصوبة الرجل أو الجابة على أسئلة الذكور الغارقة في الفانتازيا حول كيفية تكبير القضيب أو الحصول على انتصاب دائم، لكن لا توجد أي إشارات أو تعليمات حول سبل صيانة ورعاية القضيب ومشتملاته. صديق ثالث حكي كيف أنه أثناء ممارسة الجنس، مارس وضع ما خاطئ حيث عوج قضيبه بشكل ما، شعر بألم مفاجئ وشاهد قضيب نافر في قضيبة وقد ظهر عليه أثر كدمة. شعر برعب ولم يعرف ماذا يفعل ومن خجله أجل زيارته للطبيب ولم يعرف من هو الطبيب المختص الذي عليه زيارته وبعد يومين تحت ضغوط أصدقائه ذهب للطبيب، لكنه مع ذلك ظل رافضاً أن يخلع أمام الطبيب وهو يحكى حينما لاحظ اندهاشي قال معلقاً (أصل احنا صعايده) والنتيجة بعد حديث وتفاوض مع الطبيب شخص حالته بأنها جلطة في القضيب، وأخبره أن الأمر بسيط ولا داعى لقلق. ضحكنا جميعاً على حكاية الصديق بعدما انتهى منها، لكن خمسة ذكور كانوا في الجلسة أعمارهم تمتد من أول الأربعينات حتي منتصف العشرينات لم يكونوا يعرفون أن هناك شيء اسمه جلطة في القضيب.

التداوى بالماء والملح

SAM_0718.JPG
تصوير: أحمد ناجى

في الطريق إلى المسرح الوطنى مساء أمس بدأت أشعر أن هناك أمر ليس على ما يرام، أعرف هذا الاحتقان في الحلق، ونحن في شهر نوفمبر المخيف.

وصلت متأخراً إلى مسرح الوطنى بعد أن أخذت أكثر من 20 دقيقة، أبحث فيها عن الباب الصحيح. في النهاية أنقذتنى واحدة من طاقم المهرجان، قادتنى عبر دهاليز طويلة. عبرنا من قاعات صغيرة إلى قاعات كبيرة، مع كل ممر كنا نعبره كان صوت موسيقي مختلفة يرتطم بأذنى.

بدا كأن المكان غابة متشابكة معقدة ممتلأة بالبشر، لم أكن لأصل أبداً بمفردى، لكن بمساعدة السيدة مجهولة الاسم وصلت في الموعد المناسب إلى “قاعة النصر” حيث كان يجب أن اقرأ مع الكتاب والمترجمين الآخرين.

بعد انتهاء جلستنا في “قاعة النصر” خرجت بدون خريطة ولا أعرف إلى أين. كنت أحاول الخروج من المسرح، لكن في الوقت ذاته بدأت أشعر بإرهاق الانفلونزا، وارتفاع درجة الحرارة. فتحت باب ضخم وجدته أمامى فوجدت نفسي في الدور الثانى من المسرح الكبير، جلست على أحد الكراسي لاستريح ثم دخل مغنى كبير السن بصحبة عازف بيانو، كان يغنى بصوت حزين كأنه “سيلين ديون” تغرق فوق سفينة على مقربة من شاطيء لاهاى. درجة حرارتى بدأت ترتفع. الآن كنت متيقناً أنا أصبت بالانفلونزا، وسأقضي ليلية بين الفراش والحمام دون أدويتى، وسط الحمى وهلوساته.

لكن بدأت أشك في أن كل هذا حقيقياً. خرجت من القاعة بحثاً عن باب الخروج، لكن وجدت نفسي في قاعة آخري ترتفع منه إيقاعات موسيقية كأنها عازفين روك يحاولون أن يلعبوا موسيقي البلوز.

في زاوية ما كان هناك طاولة رصت عليها أسطوانات متعددة معظمها كان لفرق وموسيقيين هولنديين، لم استطيع قراءة الأسماء، لكنى أعتقد أن ظللت لأكثر من نصف ساعة أتأمل اللوحات والبوسترات، ثم انتبهت أن جميع جدران المسرح مغطاة بلوحات بعضها فوتوغرافيا وبعضها رسومات زيتية.

تضاعف احتقان الحلق، وبدأت اشعر وكأن هناك نهر صغير يخرج من أنفي. كل ما كنت أفكر فيه هو العودة إلى الفندق. أخذت أبحث عن مخرج، لكن كلما دخلت من باب وجدت نفسي في ممر يفضى إلى قاعة جديدة، أو مسرح صغير.

إذا هذا ما يبدو عليه الأمر بعد عبور الحدود، تختلط الحقائق بالخيال، تتوه معانى اللغات لكن تتبقي الصور التى تخلقها.

أخيراً، وجدت باب الخروج، لكن مع أول خطوة للخارج عطست بقوة. قضي الأمر. كان الجو بارداً لكنى وصلت إلى الفندق. استيقظت في الصباح كأن هناك حجر في حلقي، ذهبت إلى قاعة الافطار حيث قابلت وئام علمت منها أننى لست الوحيد في المجموعة الذي يعانى من أعراض البرد. لكن المشكلة أن أدويتى ليست معى. بعد ترددها المعتاد نصحتنى وئام بالغرغرة بماء دافيء مع ملح.

أشعر بحزن بالغ كنت أخطط اليوم للذهاب إلى البحر، لكن أقسي أمنياتى الآن استعادة صوتى الطبيعى استعداداً للقراءة مساءاً.

تأمين الحب

 

كتبت الكثير من الأعمال العظيمة والخفيفة حول الحب. شرارته الأولى، شبقه، استحالته، إخفاقاته، الفراق، الحنين، التراجيديا، الدموع والبعاد، الهجران والذبول ثم النسيان. الأخير اعتبره بورخيس الشيء الوحيد الذي لا وجود له.

 المدهش نُدرة الأعمَال العظيمة التي تتحدث عن استمرار الحب. ما بعد اللقاء. الفراغ الذي يملئ الصفحة بعد جملة وعاشوا في هناء وسعادة. يسكن الشوق باللقاء لكن لا دليل موثق لدينا أن الحب ينمو أو يسكن أو يتوقف عن بعث الآلام باللقاء. مهلوسي الميتافيزيقيا تحت دعوى التصوف قالوا يوماً “كل شوق يسكن باللقاء لا يعول عليه”. لكن لا نعنى بالحب هنا ذلك الشوق لغائب لا يمكن تجسيده، بل لجسدين، لشوق وحب ينمو بين بشريين محصورين بعوامل الزمن وضغوط الحياة وتآكل الجسد تحت وقع ضربات الحياة والزمن. وإذا استمر الحب بين الاثنين، فلا تأمين أو ضمان للمدى الزمنى لتلك الاستمرارية. وما نقصده هنا لا يتعلق بضمان الولاء الذي يتبع اللقاء، بل بضمان استمرار تلك الرجفة والنشوة التي يبعثها تسكين الأشواق. هذا الأمر خطر يا أصدقائي، هناك صرعى، أناس تنتحر وأناس تموت بسبب الحب، وأحياء تسلب منهم نشوة الحياة، والإنسانية طورت نظم رعاية وتأمين على كل شيء من الأرداف وحتى ناقلات البترول، لكن لم يكلف أحدهم نفسه بوضع كتيب إرشادي لكيفية التعامل مع هذا الأمر الخطير، أو بناء شبكة ضمان وتأمين ورعاية للحب.

حياة الأوغاد

كتب أحدهم على جدار مواجه لقسم شرطة حى الزمالك –أحد الأحياء البرجوازية في القاهرة- العبارة التالية: “إن حياة الفرد الأخلاقي تقوم على احتذاء النظام الخلقي الكونى، أما حياة الأوغاد فتقوم على معاكسة ذلك النظام الكونى”. بجوار تتلك العبارة رُسم جرافيتى ضخم لوجه الأسطورة الشعبية “الهرم” وهو يلف بين أصابعه سيجارة حشيش بينما أحاطت برأسه هالة كهالة القديسين.

“الهرم” هو أحد الأساطير الشعبية المعاصرة في مصر، ويصنف في مناطق بصفته إله “الديلارات” والدهاء. وفي مناطق شعبية تباع أيقونات صغيرة “للهرم” عليها الآية القرآنية “فأغشيناهم فهم لا يبصرون” حيث من يرتدى الأيقونة يحميه ظل الهرم من عيون ضباط الشرطة والأفراد الأخلاقيين وكلاب النظام الخُلقي الكونى.

لكن العبارة الفلسفية والعميقة المصاحبة للرسم، ليست من أقوال الهرم. ولم يعرف من صاحبها، ولما تستخدم بجوار أيقونة “الهرم”؟

كان هذا في الفترة التى تلت أحداث 25 و 28 يناير. وكانت جدران القاهرة تعج بآلاف الكتابات والرسومات معظمها ذات صبغة سياسية، لكن جرافيتى “الهرم” وبجواره العبارة الملغزة ظل شرخاً عميقاً في المشهد وهرمونية الروح الوطنية والثورية التى غطت البلاد في هذا الوقت.

** *

هناك أكثر من عالم.

ولكل مسألة أكثر من طبقة وزاوية. في النظام الخلقي الكونى هناك انشغال بالديمقراطية، الثورة، كرامة نبي، فيلم مسيء، كلاب تنبح، ديون وقروض ودول تشهر إفلاسها، صراعات تدور على الشاشة ونشرات الأخبار. لكننا هنا في حياة الأوغاد ندرك أن هذه الأوهام ليست سوى التمثيل الكاذب للحياة.

20091011(004)
صورة فوتوغرافية من تصوير أحمد ناجى، تعود إلي العام 2009

بينما يتحدثون في النظام الأخلاقي عن أهمية الأدب والموسيقي في التواصل الحضارى بين الشعوب وحوار الحضارات، ندرك أنه لا حاجة لهذا الدفع أو التوجيه من قبل “النظام” لكى يكون الأدب والموسيقي في هذا الاتجاه.

في مصر نمت في السنوات الأخيرة موسيقي الأوغاد، أو ما يعرف بموسيقي المهرجانات وهى نوع موسيقي يختلط فيه إيقاع الهيب هوب، بألعاب الأصوات الألكترونية بأصوات النجوم الأوغاد. يتم تسجيل هذه الأغانى في منازل وعشش  وإضاءة خافتة للشوارع الخلفية، والكلمات منفلتة عن كل الأطر الأخلاقية والنظامية المعتادة.

دون الحاجة إلى التوجيه اكتشفت مؤخراً تشابه غير معقول بين تلك الموسيقي المخلقة في حوارى القاهرة الشعبية، وبين نوع آخر من موسيقي العصابات يزدهر بجنون في البرازيل.

أى حدود يجب تجاوزها إذن؟

الحدود الحقيقية لا تقع بين اللغات المختلفة أو بين الدول ذات أنظمة منح “الفيزا” المختلفة. بل بين نظامين؛

 الأول أخلاقي وكونى يفرض صوراً نمطية بين البشر أفراداً وأمماً ثم يدعى بأنهم جميعاً بشر لهم نفس الحقوق وحباً في الخير ومصلحة الكون يدفعهم لما يقول عنه “حوار” قالبه الأساسي التنافس والملكية.

والثانى هو حياة الأوغاد حيث الفرد مكتملاً في ذاته، ويستمد حريته وطاقة المغامرة لاستكشاف الحياة من معاكسة هذا النظام الكونى، لا بهدف تقويضة أو تفجيرة من الداخل، بل من أجل تللك اللذة السرية الصغيرة.

لكن تلك اللذة السرية ليست كل شيء فهناك الجانب الآخر، أو كما يقول أحد سكان المدينة الأوغاد بالعامية المصرية: “في الحالة دى مفيش آمان، حياتك بتبقي زى القمار، طالع نازل، لما تسيب حبة ريح توديك وتجيبك، لما تجريك لقمة عيش أو ريحة خطر، لما تعس نهارك وليلك من غير ما تولف راسك على حيط أو رجلك على أرض، لما الوقت يبقي بالنسبة لك فرصة، والمكان ضربة حظ.. ساعتها وساعتها بس تعرف أنك بقيت وغد..

بس خلى بالك، أصول لعب القمار.. الشجاعة

الشجاعة اللى متهزهاش كترة

نشرت في 2012

العلم يعري الحلم

في تجربة متكررة، يتم ادخل المتطوع إلى جهاز الأشعة المقطعية، وعلى الشاشة يتم عرض مجموعة من الصور لعناصر مُتعددة. تم قياس كل عمليات النشاط الدماغى التي تحدث في الدماغ عند رؤية كل عنصر وتسجيلها. بعد ذلك طلب من ذات الأشخاص إغلاق أعينهم وتذكر ذات العناصر والنتيجة هي تكرار ذات العمليات الكيمائية والكهربائية في المخ. لم توصل هذه التجارب لإجابة سؤال الرؤيا، هل نري بالعين كعضو من أعضاء الجسم إذا اشتكى تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمي، أما نري بالمخ الذي يترجم ويخزن ويخلق العلاقات ويكسب الألوان والأشكال المعانى المختلفة.

ثم تبين أن البعض يمكنهم الرؤية بعيون مغلقة. وجميع البشر يمكنهم الرؤية وهم في حالة النوم على حسب ما يرونه يتم تصنيف الأمر تحت فروع متعددة تنبثق عن بندين رئيسين، الحلم والكابوس.

1004419_539568756101087_1186123563_n

نائل الطوخى: دروس مستفادة من حبس ناجي، أولها الفردية

تمر هذه اﻷيام ستة أشهر على حبس اﻷديب أحمد ناجي بسبب مقاطع نشرها من روايته “استخدام الحياة” في جريدة أخبار اﻷدب، واتهم على إثرها بـ”خدش الحياء العام”. يُعد ناجي اﻷديب الوحيد المحبوس حاليًا في سجون النظام بسبب أدبه، ولكن على ما يبدو فهذا لا يكفي لتفسير اختلاف قضيته عن سائر القضايا في عيني المتابعين. بهذه المناسبة، وبعد أن هدأت قليلًا حدة البيانات الانفعالية المتضامنة، يمكننا أن نحاول اﻹجابة على سؤال “لماذا يختلف حبس أحمد ناجي عن حبس غيره؟”، ما يقودنا مباشرة إلى سؤال آخر: “لماذا يختلف أحمد ناجي عن غيره؟”

شارك ناجي في ثورة يناير، ولكن لم يمنعه هذا أبدًا من اتخاذ مواقف مستفزة طول الوقت لجموع الثوريين. لم يكن ممن انخرطوا بعنف في الاستقطابات التي اشتعلت في مصر عقب الثورة، وإنما كان يقف على حافة الاستقطاب دائمًا ، يتأمل من الخارج حارقًا دم جميع المستَقطبين. وعلى العموم، فقد وصف ناجي فيما بعد مشاركته في الثورة بـ”العمل الصبياني”.

12441_217603880350_541205350_4538118_6655916_n
بورترية لنائل الطوخى

طول الوقت يغني الكثير من الشعراء والأدباء للفردانية، ولكن ما أن يظهر على أرض الواقع شخص كامل الفردية، متخلص من ضغط الجماعات المتناحرة من حوله، حتى يشعرون بعدم ارتياح. لهذا كره الكثيرون ناجي؛ ﻷن الفردية الكاملة، رغم كونها قيمة محبوبة نظريًا (انظر لكم اﻹعجاب الذي تُنطق به عبارة “لا يشبه إلا نفسه”)، هي في الحقيقة شائكة وموحشة وغير مريحة، حتى لمن يتغنّون بها.

يشكل القطيع دائمًا حماية للشخص؛ يستأنس به ويشعر بالدفء في وجوده. وبالتأكيد يشكّل تهديدًا للسلطة، فالمجموع أقوى من الفرد بطبيعة الحال، ومجموعات متحدة يمكنها تكسير جدار لا يقوى على تكسيره فرد واحد. ولكن ما نريد قوله إن الانتظام في جماعة ربما أيضًا لا يكون عمليًا في جميع اﻷحوال؛ أحيانًا ما يسهّل القطيع سيطرة السلطة على المعارضة. فلأن القطيع يلزمه رأس، يمكن تشتيته بمجرد نزع رأسه.

هذا يقودنا إلى ثورة يناير، والتي كانت عبارة عن مجاميع ضخمة تتكون من أفراد لا يملك كل منها إلا حسابًا على فيسبوك.

في فيلم “حياة براين”، يتبع المؤمنون براين، الذي يتصورونه المسيح الجديد. يؤكد لهم هذا مرارًا وتكرارًا أنه ليس المسيح فلا يصدقونه، فيصرخ فيهم “ليس عليكم أن تتبعوا أي شخص، أنتم أفراد”، فيهتفون بشكل جماعي ومتجانس تصديقًا لكلامه: “نحن أفراد!” يصرخ فيهم “كلكم مختلفون عن بعض”، فيهتفون بشكل جماعي: “نعم. نحن كلنا مختلفون عن بعض!” يبدو لي كثيرًا أن هذا التزاوج بين الفردي والجماعي كان مفتاح ما حدث في الثورة.

على خلاف اﻹخوان المسلمين، الذين هم أكبر جماعة منظمة في تاريخ مصر الحديث، والتي أمكن تشتيتها فقط عبر نزع رأسها، فلم يمكن هذا بعد مع ثوريي يناير. لا يزال اﻷخيرون قادرين على الإلهام وعلى توجيه المجتمع باتجاه رؤاهم.

“التشتيت” ليس اللفظ اﻷدق. فصحيح أن اﻹخوان المسلمين تشتتوا، ولكن الثوريين مشتتون طول الوقت أيضًا. قد يكون اللفظ اﻷدق هو “نزع السحر”. أمكن نزع السحر عن اﻹخوان المسلمين عبر عزل مرسي، ولم يمكن هذا بعد مع الثوريين. الثورة بلا قائد، كان هذا من البداية إلهام الثورة ومقتلها في آن. وﻷنها بلا قائد، وﻷنها عبارة عن مجموعات مختلفة ومتباينة، تتكون من أفراد مختلفين ومتباينين، لا يجمعهم إلا السخط على الوضع القائم، فقد أمكن لهؤلاء اﻷفراد التسلل في المجتمع، أحرارًا ومرنين، ونزع السحر عن النظام العسكري الحاكم وعن اﻹسلاميين في الوقت ذاته.

في هذا كان ناجي ممثلًا لروح الثورة، أو لروح “الإنترنت”، أو لـ”المعاصرة”. واﻷخيران، اﻹنترنت والمعاصرة، كانا حجته الدائمة. يكفي أن يشير ناجي إلى نظرية بأنها قديمة، حتى تبدأ مجموعات من حوله في الانفضاض عنها، تتبعها مجموعات أخرى أوسع، وهكذا.

المؤسف والمعقد أنه كما كان ناجي فردًا كاملًا، فقد أتى التضامن معه فرديًا أيضًا. بعد فورة البيانات القوية لم يعد يشير لناجي إلا أشخاص معدودون. رغم محاولات اﻷدباء لتنظيم حركات تضامن واسعة، على غرار الحركات التي تطالب بالحرية لفلان أو لغيره، إلا أن شيئًا في وعي المتضامنين كان يشير إلى أن الموضوع مختلف قليلًا. كأن ناجي لم يرغب هو نفسه في هذا التضامن. أو كأن التضامن الجماعي هو ضد مشروعه باﻷساس.

هذا هو العيب الأساسي للفردية، كونها غير قادرة على توفير الحماية لصاحبها. قد تحميه فكريًا، ولكنها لن تحمي جسده من الإيذاء على يد السلطة.

***

اﻵن يبدو طبيعيًا أن يُحبس ناجي بسبب كتابته، ولكن هذا ليس إلا بأثر رجعي. قبلها، لم يتخيل أحد من أصدقائه أو المتضامنين معه إمكانية حبسه. ظل ناجي وحده في مكان بعيد عن الصراع السياسي الدائر، وبالتأكيد عن اﻷحكام بالحبس، ﻷنه فرد أولًا ولا يعبر سوى عن وجهات نظر شديدة الفردية، وﻷن في سجالاته شيء شديد الشبه باللعب.

بعد حبسه، خمن الكثيرون أنه حُبس ﻷسباب لا علاقة لها بالبذاءة، وإنما لأسباب سياسية، في محاولة ربما للتقليل من شأن قدرة البذاءة على استفزاز السلطة. ورغم وجاهة النظريات المطروحة، فقد كان التفسير اﻷبسط أكثر إقناعًا؛ ناجي محبوس بسبب الألفاظ البذيئة التي استعملها في كتاباته. رجاء عودوا إلى الفصل المنشور وفكروا، هل يمكن لمصري من الطبقة الوسطى، مصري غير مثقف ولا يؤمن بحرية التعبير، ألا يغضب من ألفاظ كهذه؟ ثم السؤال التالي: ماذا سيفعل شخص كهذا إن وجد نفسه يملك سلطة الحبس، وهو يقرأ الفصل المنشور؟ سيستخدم السلطة التي يمتلكها بطبيعة الحال. وكل الكلام (الدستوري) حول “الحق في التعبير” و”حرية الرأي” و”لماذا يؤخذ الكلام إلى المحكمة”، لن يعدو أن يكون رطانة بالنسبة له، قبيحة أو جميلة، ولكنها في نهاية الأمر رطانة تتحطم أمام هذا الولد الذي يحتاج لإعادة تربية من جديد.

في هذا السياق، لا تمكن اﻹشارة لشخص أحمد ناجي بدون اﻹشارة لسخافاته المتكررة. بدا ناجي طول الوقت كأنه يأخذ موضوع “التساخف” كلعبة مسلية، حتى وإن لم يخل تساخفه من منطق ومن ذكاء في كثير من اﻷحيان. كان قادرًا على تحويل أي رأي جاد لمسخرة بكلمتين، وعلى إحراج الكثيرين ممن بذلوا مجهودًا ضخمًا في صياغة نظرية ضخمة بكلمة واحدة. وفي المقابل، بدأ الكثيرون مع الوقت أيضًا ينمّون مهارة التعامل مع سخافاته، حتى أصبح التساخف والتساخف المضاد لعبة مثيرة بالنسبة لنا، نمّت ذكاءنا وعلمتنا أن الآراء لا ينبغي أن تقال بسبب الوجاهة التي تمنحها لقائلها، ﻷن ناجي (ومعه الإنترنت) قادران على هدم هذه الوجاهة في ثانية.

ما حدث بالضبط هو أن شخصًا أتى من الخارج، بلا أي معرفة بقواعد اللعبة، فمزق أوراقها وحبس لاعبًا فيها. هذا التفسير الأبرز لإحساس الصدمة وعدم التصديق لدى الكثيرين من حبس ناجي، بالأحرى لدى الكثيرين ممن تساخف عليهم ناجي سابقًا؛ هناك شيء ما انتُهك في القواعد؛ ناجي ينتمي للمساحة التي نلعب فيها، لا المساحة التي يلعبون فيها.

هناك بالطبع الكثيرون ممن تساخف عليهم ناجي وهاجموه بعد حبسه، وهذا طبيعي، فأحيانًا يرغب المهزوم في اللعبة بأن تأتي السلطة وتعتقل المنتصر. ولكن اﻷغرب هم هؤلاء الذين لم يحتك بهم ناجي أبدًا، ولم يطب لهم الهجوم عليه إلا بعد حبسه. ربما خافوا من احتمال أن يتساخف عليهم في المستقبل؟ ربما كان وجوده مريبًا بالنسبة لهم، حتى مع عجزهم عن تعريف سبب الريبة هذه؟ ربما أحسوا أنه ابن ثقافة معادية لهم بالضرورة؟ على العموم، كثيرًا ما يجتمع الجبن والنذالة في نفس الشخص، ولا ينبغي أن يشغل المرء باله بهذا النوع من الجبناء اﻷنذال، ﻷنهم في الغالب تعساء أيضًا.

***

بالإضافة لفرديته، فناجي ليس شخصًا واسع التأثير كذلك. لا يظهر على التليفزيون، ولا كتبه تباع بعشرات اﻵلاف، ولا يملك منصبًا حكوميًا عدا عن كونه صحفيًا في جريدة “أخبار الأدب” النخبوية. لا يملك إلا حسابًا على فيسبوك وآخر على تويتر، ومقالات يكتبها كلما عنَّ له.

ربما يكون عميق التأثير، ولكن ليس واسعه، أعني أنه ذلك النوع من اﻷشخاص الذين يتسرب تأثيرهم إلى من حولهم، بفضل طزاجة منطقهم فحسب، وليس بفضل احتلالهم مواقع واسعة التأثير بطبيعتها. هذا أيضًا واحد من أسباب اﻹحساس بالصدمة لدى من يعرفونه، ﻷنه لا يُخشى من تأثيره السياسي الواسع، وﻷنه لم يدع أي دور قيادي.

ركز ناجي سهام سخريته كثيرًا على “المكانة الاجتماعية”، حطم مكانات اجتماعية كثيرة لأناس حوله بمنتهى البساطة، ومع كل هذا، فلم يدعِّ الزهد والصعلكة، على غرار شعراء الستينيات مثلًا، بل كان دائم التغني مثلًا بأهمية الفلوس وبأن يحيا المرء حياة جيدة. بعد رحيل البرادعي لفيينا مع ما أثاره هذا من خذلان في قلوب محبيه، حياه ناجي بحرارة على صفحته الشخصية ﻷنه قرر أخيرًا أن يعيش حياة مريحة كبرنس معه فلوس.

إن كان هناك هدف رئيسي لناجي يؤمن به فهو التقدم، وإن كان لهذا الهدف تكنيك فهو الصراع. كثيرًا ما أخذ يردد في السنوات اﻷخيرة: “الصراع دينامو التقدم”. ويبدو لي أحيانًا أن التقدم كما يعنيه هو أن يفكر البشر من حوله في أشياء لم يفكروا فيها من قبل. وهذا ليس أمرًا سهلًا أبدًا، وإنما يمر عبر طريق طويل من استفزاز العقل والتساخف المستمر، وكان ناجي شديد المهارة في كليهما.

غواصه من الماضى

نشرت لأول مرة في عام 2011

أثناء اعتصام ميدان التحرير الممتد لـ 18 يوم والذي أطلق عليه بعد ذلك ثورة 25 يناير. كنت في طريقي من 6 أكتوبر إلى ميدان التحرير حينما لمحت على الوصلة بين ميدان جهينة ومدينة الشيخ زايد فتاة تسير على الرصيف وترتدى بدلة غطس كاملة. أعنى بدلة ذات لون أسود، خزانة أكسجين في الخلف على ظهرها، نظارات مائية ضخمة، زعانف في الأقدام، حزام رصاص حول الخصر، كانت تسير بهدوء كأنها فوق مياة البحر الأحمر. توقفت عند بقعة ما وبدأت في إزاحة غطاء المجاري. اقتربت بالسيارة منها. توقفت على بضعة أمتار وفتحت النافذة مذهولاً وهى ببساطة تقفز داخل فتحة المجاري ثم تسحب غطاء البلاعة الثقيل كأنه ورقة وتعيده لمكانه خلفها وهى تختفي ببدلة الغوص تحت الأرض.

غاب مشهد فتاة الغواصة عن ذهني في مقابل ما كنت أراه طوال تلك الأيام، كما أنه لم يجد سياقاً مناسباً وسط أحاديث الأصدقاء والشئون والنميمة السياسية. ماذا تفعل؟ ماذا تقول؟ يعنى هتقعد وسط ناس بتحكى عن مؤامرات الجيش والجنرالات والرصاص وقنابل الغاز وأنت تقطع هذا الحديث الشيق المفيد وتحكى مشهد فتاة ترتدى ملابس الغوص وتختفي في بلاعة مجاري على محور 26 يوليو.

بعد تنحى الرئيس طلب منى أحد الأصدقاء وهو مصور يعمل مع الوكالات الأجنبية المساعدة في سعيه لانجاز قصة عن أصحاب الخيول والجمال أبطال موقعة الجمل الشهيرة، تطلب الأمر مشاوير وأبحاث طويلة. رفضوا التصوير أو الحديث لكن في محاولة أخيرة قررنا زيارة المنطقة.

الزيارة كانت محبطة، وأنا شخصيا لم أكن متحمساً للموضوع. جلسنا على أحد المقاهى لشرب “سبرايت”. فجأة حانت منى لفتة للوراء شاهدت فتاة البلاعة، وهى تزيل نظارة المياه من على وجهه، وبجوارها أسطوانة الأكسجين، طلبت شاى خفيف سكر برا. رغم أن المكان كان قهوة شعبية ليس من المعتاد أن يجلس عليها النساء. لكن كل من كانوا في المنطقة كانوا يتعاملون معها بأريحية وكأنها جزء طبيعى من المكان، عامل المقهى وهو يضع الشاى تبادل منها بعض الجمل لم استطع تبينها. صديق اندهش هو الآخر وقرر التقدم ومحاولة فتح الحوار معاها لكنها رفضت بعنف. ثم قامت وحملت أسطوانة الأكسجين وقررت الانصراف دون حتي أن تحاسب على المشاريب، كأنها زبونة دائمة ولديها حساب مفتوح.

 

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ