اصطياد الفن على الطريق الدائري

1

غادرت منزل أسرتى  في السادسة عشر. انتقلت للحياة في مدينة 6أكتوبر وحيداً بسبب دراستى الجامعية. سكنت في أحد الأحياء العمالية البعيدة رخيصة الإيجار. في عامي الأول هناك، لم يكن بالمنطقة سوى محل بقالة صغير، ومطعم شعبي قذر، ولا أحد.

كان هذا عام 2001،  وأكتوبر حرفياً كما يقولون عنها “صحراء”.

أتذكر،  يركب الواحد السيارة وعن يمينه لمسافة كيلومترات تمتد رمال صفراء ونباتات تحتضر، وحين تسأل يقولون هذا هو الحى الثامن، لكن ما من مبانى ولا أحياء بعد.

 لم يكن هناك تاكسيات أصلاً في أكتوبر، بل سيارات ربع نقل يقودها صبية من الفيوم وبنى سويف، تتفاوض مع الواحد منهم ليوصلك إلى حيث تبتغي، وإذا كنا أكثر من اثنين فالباقي يركبون في صندوق السيارة.

 صباح كل يوم كنت أسير حوالى كيلومتر ونصف حتى أصل إلى مكان يمكننى منه أن اركب وسيلة المواصلات الجماعية المتاحة في المدينة وقتها، وهى سيارة ربع نقل مغلقة بغطاء من الصاج، وعلى الجانبيين كنبتين متقابلتين يجلس عليهما الركاب. أتذكر، كانت الأجرة نصف جنيه.

سارت الأيام الأولي في عزلة، وتكرار أبدي ذو طابع شاعري. أذهب للدراسة، ثم أعود إلى الشقة، أخرج طعاماً جاهزاً من الثلاجة وأسخنه، وأجلس في الغرفة أفكر في وسائل لقتل الوقت.

 انظر من الشباك أو أقف في البلكونة لساعات ولا أري إنسان أو أرصد حركة في الشارع. فقط سيارات قليلة مركونة، عمارات معظم نوافذها معتمة، غالبية شقق المنطقة غير مأهولة، والبناية التي أسكنها  لا يوجد بها سوى شقة واحدة مسكونة، شاهدت ذات مرة رجل في الثلاثينات يخرج من بابها.

 بدون تخطيط مسبق، وبلا وعى كنت أيضاً أقرأ “الأخوة كرامازوف” لديسوتفيسكى، مما دفعنى لموجة من الكآبة والسواد غلفت حياتي، عند نقطة ما بدأت أشك في كل ما حولي، حتي  بدأت بوضع أحجار متوسطة أمام وخلف إطارات السيارات المركونة في الشارع، للتأكد ما إذا كانت هذه السيارات تتحرك بالفعل ولها أصحاب يسكنون هنا، وليست مجرد ديكور لتجربة مريبة تمارس علي من قبل قوي خفية في السماء أو في باطن الأرض.

انظر الآن لتلك الأيام، وأراها مزيج من كوابيس مراهق لم يتجاوز  الثامنة عشر يخوض لأول مرة تجربة الحياة وحيداً، فيما ظن أنها ستكون القاهرة، لكنه أتي ولم يجد إلا جنين يتشكل لمدينة تدعي 6 أكتوبر.

من لوحات عمرو في المعرض

2

بعد عامين من التجوال في فراغ مدينة 6أكتوبر، تشجعت على النزول إلى القاهرة، القاهرة التي عرفتها عبر الفن والأدب ومركزها وسط البلد. لم أكن أعرف أحداً هناك، ولا مكاناً محدداً فكنت  أدور في الشوارع وحيداً لكن متكيف بونس الشوارع وزحامها والناس الذين لا أراهم في أكتوبر، أحياناً أجلس على الرصيف أو أقف في زاوية وأظل متأملاً مراقباً للسيرك ولتنوع العابرين في وسط البلد.

بعد حوالى خمس سنوات ذهبت إلى معرض مقام في (أرض اللواء) والتى تقع بين أكتوبر ووسط البلد، بين المدينة و هامشها.

المعرض بعنوان   (نقاط سوداء 2008) مقام في محل صغير في الدور الأرضي من بناية سكنية. تدخل المحل فتجد الجدران مغطاة بألواح من الخشب مرسوم عليها بشر في وضع حركي كأنهم يعبرون شارع، أو يغادرون بناية، لكنهم هنا معلقون في الفراغ.

كان هذا المعرض الأول الذي أراه لعمرو الكفراوي، تقابلنا أجريت حواراً قصيراً معه، حكي لي طريقة عمله حيث يجلس في أحد “كافيهات الإنترنت” المطلة على ميدان طلعت حرب بوسط البلد، ويخرج كاميراً صغيرة ويبدأ في مراقبة العابرين في الميدان والتلصص عليهم، والتقاط الصور دون أن يلحظوا، ثم بعد ذلك يقوم بالرسم فوق تلك الصور محولاً أجسادهم في وضع الحركة إلى ظل أسود يعبر فراغ الجدران الخشبية التي تغطي جاليري “آرت اللوا”.

تتشكل تلك الظلال فنري فيها عجوز محني وعلى ظهره حقيبة كبيرة، عاشقان يتهامسان، امرأة تمشى مائلة بفعل ثقل الكيس في يمينها، قطط وعرص القاهرة الشهيرة وقد تضخمت لتصبح أقرب للديناصورات، أحباء يفترقون، أصدقاء يلتقون، تائهون في الزحام، وكهل ينظر تحت قدميه في ذهول.

أثناء حديثنا انحرف الكلام من المعرض إلى القاهرة وزحامها وضجيجها، كلانا كنا نحب المدينة رغم كل مساوئها. عمرو يراها مدينة متوترة تعج بالحياة والبشر والحركة، لكن هذه التوتر يضغط البشر ويحولهم إلى نقاط سوداء متضائلة. أما أنا فكنت الشاب القروى المتعطش لا يزال لكل هذه الضجيج والتوتر والصخب، والراغب في تذوق كل الملذات والآلام.

ثاني يوم، ذهبت إلى “كافيه الإنترنت” الذي وصفه عمرو، دخلت وأجرت جهازاً، لكن بدلا من الشاشة جلست ساعة انظر من النافذة التي كان ينظر منها، وأراقب العابرون. لاحظت أن لا أحد يبتسم، الجميع يرتدى قناع الإعياء أو هم مرضى بالفعل، هؤلاء هم سكان المدينة.. أو هكذا يفترض، لكن جميعهم في الشارع كما لوحات عمرو  في طريقهم إلى جهة ما. وفكرت للمرة الأولي إذا كان كل هؤلاء عابرون فأين هي المدينة؟ وهل المدينة هي مكان الإقامة الذي ننام فيه؟ أم ما نقطعه لنحيا؟

3

عرفت القاهرة وهى في طريقها إلى الزوال. أتحدث عن  قاهرة الحداثة المصرية، التي أعيد تصميمها والتوسع فيها خلال القرن التاسع عشر والعشرين لتعبر عن الجدالات والتشوهات والانجازات المختلفة لمحاولات خلق مصر الحديثة، تعكس الأحياء المتجاورة في القاهرة سجل التمدد العمرانى خلال مائتي عام، وفي الوقت ذاته تعكس الأفكار والأحلام للمصرين الذين مضوا.

 مدينة الألف مئذنة وعجيبة الشرق التي استيقظت على المدافع وسنابك خيل الفرنسية في قلبها حيث الجامع الأزهر، ثم تمددت على المستنقعات لتظهر وسط البلد في محاكاة معمارية للحداثة الغربية، جري تصميم وسط البلد لتشبه باريس، لتكون سكن مناسب للنخبة الاستعمارية الأوروبية التي أتت لتحكم مصر، ولتكون عاصمة جديدة لمصر الحديثة بينما تركوا القاهرة العتيقة تموت.

ثم في القرن العشرين تضاعفت طبقة الأفندية و اقتطعت الطبقة الوسطى مساحات عمرانية جديدة لتظهر أحياء المنيل والعباسية والدقي، ثم تنفجر مع قيام الجمهورية العسكرية أحياء مدينة نصر وإمبابة، ويستمر هذا الانفجار السكاني العشوائي ليتقرر مع التسعينات حصار المدينة بحزام من الأسفلت يحمل اسم الطريق الدائري.  

هذه هي القاهرة التي رأينها على الشاشات ووثقها الأدب المصري الحديث، لكن كنت أقيم خارج هذا الحزام، في مدن جديدة تحاول التملص من سيطرة القاهرة بلا جدوي، حتى أن إحداها لم يجدوا لها اسماً سوى “القاهرة الجديدة”.

بعد العقد الأول من الألفية الجديدة، أعلنت السلطة بشكل غير رسمي موت القاهرة.

كانت خطط ومشاريع التحديث تتحدث صراحة عن نقل الوزارات والمقرات الحكومية إلى مدينة 6أكتوبر، التي لم تعد صحراء بل بدأ إعدادها لتكون عاصمة جديدة، ثم تغيرت البوصلة بعد ثورة يناير،  ليظهر مشروع العاصمة الإدارية الجديدة في أقصى الشرق، والذي أوشك على الاكتمال واقتربت الإعدادات النهائية لنقل العاصمة إلى هناك وتحويل القاهرة القديمة إلى شبكة من الطرق والكباري تؤدي إلى العاصمة الجديدة.

4

ولد عمرو الكفراوي في القاهرة، بينما أتيت أنا من خارجها، من مدينة آخري وهى “المنصورة”. أتيت إلى هامش القاهرة في 6أكتوبر، وطوال أكثر من خمس عشر عاماً عشت حياة موزعة بين 6أكتوبر وأحشاء القاهرة. أما الكفراوى فرحلته عكسية. طفولته في حي مدينة نصر أبرز الأحياء المعبرة عن مصر الجمهورية، ومنه تبع شغفه الفني ليقيم لسنوات في وسط البلد، حيث قلب المدينة المتوترة الذي نري آثاره في أعماله الفنية،  لكن ليس بالتوتر والفن يحيي الإنسان، فبعد سنوات من الحياة في وسط البلد انتقل هو الآخر إلى 6أكتوبر وإن احتفظ باستديو صغير للعمل في وسط البلد.

جغرافياً كان الكفراوى يبتعد عن المدينة، وما كان يراه توتر وطاقة وحركة، أصبح يظهر في لوحاته في شكل مبانى مصمتة وأشباح من الماضي، بالحياة في المدينة يزول سحرها مع الزمن، وتتكشف الحقيقة مع الوقت فصورة المدينة وتاريخها ليس موجود إلا في خيالك بينما الواقع وقبحه يصفع عينك.

في 2014 أقام معرضه “مثل السراب” هذه المرة لم يصور العابرون في المدينة، بل صور بناياتها  وخراباتها، ثم أعاد تدوير أرشيف ضخم من صور الفوتوغرافية التي اشتراها من أحد بائعي الصور القديمة. مزج صور البورترية التي تعود إلى الخمسينات والستينات بصور المباني الحديثة. لينجز بورتريهات للسكان القدامى للمدينة وهم يجولون في أطلال حاضرها. 

5

ليس الكفراوى بفنان توثيقي، ولا يمكن اعتبار أعماله مجرد رصد وتسجيل لتوتر المدينة، بل هي بورتريهات لعمرو نفسه كأحد سكان هذه المدينة والمتيمين بها، لكن لكل حب مهما عظم نهاية، وعمرو الآن يغادر القاهرة ويودعها بهذا المعرض.

6

يتواجد الفن في الطرق الوعرة. النساخ ومنتجوا “الكيتش” هم من يكتفون بالصور التي تبرز الجمال النائم على الرصيف. بينما يترسب الفن في القاع خلال عملية تصفية وتنقية مواده الأولية. يبدأ الكفراوى من صورة فوتوغرافية لمنظر عام. النساخ قد يأخذون الصورة ويعيدون رسمها مع استعرض كل التقنيات الاحترافية للرسم والألوان لإنتاج صورة كيتش تحسد “اللايكات” لكن تنسي ثاني يوم.

لكن الفنان ككفراوى يكبر الصورة ويعدلها، يقسمها، يطبعها، يلونها، في سلسلة من إجراءات التنقية وإعادة التشكيل والتجريب، حتي يلتقط هذا المخفي، بل هذا الذي لم يوجد ولن يوجد دون وجود الفنان.

اللوحة أمامنا ليست بورتريه للقاهرة أو مبانيها، بل بورتريه لهذا الذي هو بلا شكل، لذلك الجرح، لذلك الحزن، لتلك اللامبالاة، للغضب المكبوت، لكل ما تتركه القاهرة وطريقها الدائري علي أرواحنا.

7

لا شيء يعبر عن  القاهرة في العشرين عاماً الأخيرة إلا الطريق الدائري.

فالمدينة التي توسعت وتمددت عبر مئات السنين بلا رقيب ولا حسيب تم تطويقها بالطريق الدائري، وبدأ سكانها في الانتقال والشتات في المدن الجديدة، بينما تقف الأطلال والخرائب القديمة كما لوحات عمرو كفراوى في هذا المعرض تطل على الطريق الدائري ويطل الدائري عليها.

8

ثم يغادر الفنان مرة آخري، لا الحياة في المدينة أصبحت تصلح له ولا الحياة في 6أكتوبر، ينتقل إلى بلد جديد شمالى وبارد إلى كندا حيث يعيش عمرو الكفراوى حالياً، وفي إطلالة آخري يعود إلى مدينته، في مشروع يبدو كقبلة وداع لا للقاهرة فقط بل لتجربة فنية طويلة خاضها الفنان عمادها، الفوتوغرافيا، الطباعة، ثم الرسم على الخشب وتكوين لوحات ضخمة من فسيفساء من الظلال والألوان.

9

 يستمر كفراوى في استخدام ذات التكنيك في تنفيذ العمل الفني لكن على عكس معرض “السراب”. هذه المرة، لا بورتريهات ووجوه من الخمسينات، ولا ظلال للحياة تظهر في لوحات هذا المعرض. بل متعمداً أثناء معالجة الصور وطباعتها ورسمها.. يخفي أى آثار  للحياة.

نلاحظ في معظم اللوحات كيف أن النوافذ والشرفات معتمة، لا دليل على حياة داخل هذه المبانى، بل ولا نعرف هل هي مبانى مكتملة بالفعل أم لا تزال في طور البناء.

بنى كفراوى ذلك المشروع على عدد كبير من الصور التقطت معظمها على الطريق الدائري، هناك نري كتل من مبانى الطوب الأحمر تنتصب مطلة على الطريق الدائري وفي الخندق الواقع بينها وبين حرم الطريق تتراكم النفايات في أهرام صغيرة تعكس العمق الحضاري والجمالي للمنطقة. معظم تلك العمارات والشقق على الدائري غير مسكونة، بل متروكة للأولاد حتى يكبروا ويتزوجوا فيها أو بنيت على عجل حيث أسعار مواد البناء رخيصة، هي  استثمار لمستقبل لا يدري أحد متى يأتى على الطريق الدائري.

10

أتذكر الآن أيامي الأولي في أكتوبر، رغم أنها كانت ليالى كئيبة وحيدة بل ومخيفة، لكني الآن أعود إليها بحنين، مثل أى ماضى مهما كان بشعاً نتذكره بشجن، فنضحك ساخرين من أنفسنا. كتلك البسمة التي علقت على وجهي وأنا اتأمل لوحات عمرو الأخيرة ولاحظت كيف ينحرف اللون الأحمر للمبانى ليتلامس مع درجات اللون الوردي، أو كيف يتكاثف الأخضر والأشجار في لوحات آخري. يبدو واضحاً سعي كفراوى لتجميل القبح المعماري للقاهرة ومبانيها المعلبة، ربما لأنه أصبح يعيش خارج المدينة، فينظر لها بشجن أو يبحث عما قد يبدو جميلاً.

الجميع يعرف لكن في الإعادة إفادة، القاهرة لا تبدو جميلة إلا إذا خرجت منها، أو في لوحات كفراوى.

لكن منير ليس مسؤولاً عن أحلامك الثورية

تحت عنوان «وقائع الثورة على محمد منير (مقال نقدي)» كتب الزميل محمد المصري مقالاً بدأه من المشهد الذي حدث في حفل منير الأخير نتيجة سوء التنظيم البالغ الذي يعتبر في العموم سمة أساسية تتزايد خبرتنا فيها. ونتيجة لهذا شهد الحفل سمة مصرية أخرى هي التحرشات الجنسية والتخبط والتدافع بين الجمهور، ومن هذا المشهد ينتقل كاتب المقال ليقدم في قفزات سريعة محطات من مشوار منير الفني ومشواره الخاص كمستمع لمنير.

 

ويربط بين ما يعتبره السقوط التدريجي لمنير منذ نهاية التسعينيات حتى الألفية وبين صعود مجموعات من الشباب تلتقي على الإنترنت في منتدى محمد منير تشكل جزءًا من فيض واسع من جمهور محمد منير، يجمعها حب استكشاف المزيكا والتشارك أحياناً في بعض التوجهات الفنية والفكرية وربما السياسية، ثم يرصد وقائع هتاف جزء من جمهور منير ضده في الحفل الأخير، حيث يعتبرها ثورة هذا الجيل على منير، نظراً لمواقفه السياسية الملتبسة، ولأنه يقوم بتسليع فنه وعمل إعلانات تجارية.

الحقيقة أن المقال يحمل عناصر تقويضه بداخله، فكاتب المقال يعزو ما يصفه بانحدار مشروع منير إلى اعتماده على كتاب وموسيقيين أقل في رأيه من المجموعة التي صنعت منير وشكلت مشروعه في البداية (عبد الرحيم منصور، منيب،.. إلخ) وإلى ابتعاد منير الملك عن شعبه.

لكن في الوقت ذاته يعيب على منير أنه اتجه منذ التسعينيات نحو المنافسة التجارية وتوسيع دائرة مستمعيه من هذا الشعب، بينما يرى أن الحالة الأمثل لمنير كانت حينما كان مغني النخبة الضيقة وتحت رقابة وسيطرة المجموعة التي يصفها بأنها أسست ما يراه ثورة السبعينيات الموسيقية!

تتخذ الكتابة عن منير منحى شخصيًا في الغالب، نظرًا لطبيعة مشروعه والصورة الفنية التي قدم منير من خلالها ذاته، حيث يبحث الجميع عن منير الخاص به، لكن من المؤسف أن يتم تبويب ذلك تحت عنوان «مقال نقدي».

وأنا لا أحب المقالات النقدية، لكن هذه إضافة أخرى حول نقاش عنوانه محمد منير، لكن يعكس صلب القيم القديمة والمتوارثة المسيطرة على هذا الجيل.

لم يكن منير يوماً بمغنى البروباجندا السياسية، ولا أعتقد أنه قد تم تصنيفه تحت بند «الفنان الملتزم» ولم يسع لهذا التصور، «فلماذا تتم محاسبته على هذا الأساس، ويتم اعتبار لجوئه للإعلانات خيانة لأفكار أو قيم يسارية؟».

المرحلة الأولى من مشروع منير والتي صاغها الأساتذة الأوائل للملك ذاتها لم تكن ثورية أو أيديولوجية بأي معنى من المعاني، وسيندر أن نجد في أغاني منير في تلك الفترة تحديداً أي دعوة للتغيير أو الثورة أكثر مما سنجد من نواح وحزن غير محدد السبب ورغبة مازوخية في المرمغة في تراب الوطن الأسمر، مع بصيص من رغبة أخرى هي في اختلاس فرح خاص، دافعه الحب أو الأحلام الفردية.

لذا من الطبيعي أن يبدو منير مضطرباً أمام التغيرات العاصفة، ولحظة تعلو فيها الهتافات الجماعية والأناشيد الحماسية الثورية، يبتعد عامداً عن ضجيج الطحين الثوري الذي ظهر آخر سنتين، لأن دوافعه أبداً لم تكن اجتماعية أو سياسية للغناء أكثر من كونها حبًا في الغناء والمغامرة والحالة الفنية والمسرحية، خلطة منير الخاصة بسيطة التركيب.

لماذا أيضاً يتم تعريف التمرد الفني بأنه الصريخ في صوت السلطة والإمبريالية العالمية، لا التمرد على الذات والصور المسبقة ومحاولة تجريب كل الألعاب الممكنة، هذا التمرد الذي كفل لمنير الاستمرار طوال تلك السنوات. فلو كان منير قد رضخ لرغبات وتصورات جمهوره القديم في الاستمرار في نفس الخط الذي شقه في البداية (شنودة، منصور.. إلخ)، لكان قد انتهى مثلما انتهى مغنو جيله، وسقف طموحه ربما سيكون مسرحية على مسارح الدولة بصحبة على الحجار. بينما قد يدفعه هذا التمرد الفني أحياناً إلى أعمال طريفة مع الشاعر الغنائي مصطفي كامل أو أعمال أكثر تعقيدًا مع رومان بونكا كالأرض والسلام.

أيضاً يعتبر من أنواع التضليل الإشارة إلى بعض أغانى منير باعتبارها مديحًا للحزب المنحل أو مبارك واستخدام ذلك كدليل على أنه ليس بالمغنى المتمرد فنياً أو الرجعى أو عندليب نظام مبارك. هذا حكم متعسف.. يتجاهل وضع سوق الإنتاج والتوزيع في مصر وظروف الرقابة في الوقت الذي ظهر فيه محمد منير وجيله، والذين معظمهم بالمناسبة في بداياتهم غنوا في الكباريهات التي كانت المسارح الوحيدة التي كان يمكن أن يُغَنَّى فيها، أضف إلى ذلك كمية التوازنات والمواءمات التي يجب على فنان أن يقوم بها من أجل فقط الحصول على مساحة بسيطة من أرض الأوبرا للغناء.

حقيقة أخرى يسقطها البعض من حساباته لسبب آخر، وهي أنه بعد عام واحد يكمل منير الستين، بما يعنيه هذا الرقم من ثقل وتجربة حياتية وإنسانية من يعرفون بعض تفاصيلها يدركون مدى تعقيدها وما قد يتركه هذا من أثر على روح فنان مازال يعتلى المسرح حافياً.

ينسى البعض هذه المعلومة ويسقطونها من حساباتهم، ربما لأن منير في أذهانهم يظل مرتبطاً بفترة شبابهم الخاص، موضوعاً هناك فوق رف الذكريات، ويشعرون بالضيق حينما يحاول منير الحى التعبير عن نفسه، لأنه يشوّه لهم تلك الصورة الجميلة عن شبابهم الخاص.

ربما لأنهم ينضجون ويتجاوزون الشباب، بينما يظل منير عجوزًا يطارد الشباب. يعرف كيف يجذب ويغوى دائماً هذه الفئة العمرية، الشباب الذين عبر أكثر من ثلاثين عاماً دائماً يكونون جمهوره الأساسي في كل الحفلات، لا العائلات أو الرجال في منتصف العمر.

 شباب قد يكونون الشباب اليساري المثقف في السبعينيات والثمانينيات أو الشباب الباحث عن حلم خاص وسط ملل التسعينيات العظيم أو آخرين يكتشفون الإنترنت في بداية الألفية أو مشجعي نادي الزمالك وشباب الثورة الطاهر النقي المجنون بمحمد منير

كأن منير هو الذي يلفظ جمهوره حينما يشيخ، يجدد جلده عامدًا متعمدًا كل فترة ليلفظهم ما إن يكبروا.

طعامي، لذّتي، وذنوبي

 

بكت ياسمين لأنها لم تستطع إرضاع ابنتنا، سينا، في اليوم الأول بعد ولادتها. بكت سينا أيضاً. ومحبوساً مع الاثنتين في غرفتنا في المستشفى، لم أعرف ماذا أفعل سوى الاستغاثة بالممرضات.
حضرت إحداهن وحاولت مساعدة ياسمين في الرضاعة، لكن بلا فائدة. لم يخرج الحليب، واستمر بكاء الرضيعة. اقترحت الممرضة إرضاع سينا حليباً جاهزاً مصمماً خصيصاً لحديثي الولادة، فزاد بكاء ياسمين، لأنها شعرت بالتقصير والعجز عن إرضاع وليدتها.
في يومها الأول كأمّ، تعرفت ياسمين على الجوهر الحقيقي للأمومة: الإحساس الدائم بالذنب.

طلبت مني الممرضة التوقيع على أوراق قانونية وإجرائية تؤكد موافقتنا على تقديم الحليب الصناعي لرضيعتنا الجائعة. فلكي تتدخل المستشفى في الرابطة الغذائية بين الرضيع والأم، تحتاج لموافقة الأم وهي في كامل قواها العقلية، وإلا اعتُبر هذا التدخل جريمة. بقوة البيولوجيا والقانون الحديث، تتحمل الأم وحدها مسؤولية إطعام الرضيع.

بعد أيام، جرى الحليب في صدر “ياسمين”، وفي كل مرة تُرضع ياسمين صغيرتنا، يُشرق وجهها بابتسامة السعادة رغم آلام الجسد. تحاول شرح إحساسها لكنها تعجز عن التعبير بالكلمات. تتحدث عن طاقة وشيء ما يمتد من داخلها مع الحليب إلى داخل سينا. يقال إن هذه هي رابطة الأمومة.

نولد عاجزين عن تناول أي طعام، بل نشرب فقط حليب أمهاتنا. وأولى علامات النضج في نمو الطفل البشري هي قدرته على صلب رأسه عمودياً حتى يتمكن من البلع، وبالتالي حينها يمكن تقديم الطعام له. ثاني علامات النضج هي الفطام، بتوقف المولود عن الرضاعة، ينتقل من كونه رضيعاً إلى طفل.

كلما كبرنا، كلما ابتعدنا عنها. نتوقف عن الرضاعة من صدر الماما، لنأكل ما تقدمه يداها. ذائقتنا الغذائية يشكلها طعام الأمهات، نقضي سنوات مقتنعين بأن أفضل طعام هو ما تطهوه الماما.

مهما كان مستوى طهو الأم سيئاً، فالأبناء لا يعرفون، بل يكون هذا هو الطعم الطبيعي والممتاز للطعام.

يطلق على هذا الثقافة الأم، وهي تمتد لتشمل ليس فقط مذاق طهو الوالدة، بل تقاليد الطعام التي تعلمنا اياها الماما. ثمة أمهات يربين أولادهن على ضرورة إنهاء طبقهم بالكامل، وآخرون تربيهم أمهاتهم على ضرورة ترك جزء صغير من الطعام في الطبق. في مصر يسمون هذا نصيب القطة، لكي تتوافر فضلات طعام للقطط والكلاب التي تأكل من النفايات.

تخبرنا الماما ما يجب أن نأكله وما لا يجب. منذ صغري، مثلاً، منعَت أمي دخول “النقانق أو السجق أو الهوت دوغ” إلى  المنزل، وطوال طفولتي حذرتنا من أكله في الشارع.

نطيع الماما لأنها بالتأكيد تعرف معدتنا أكثر منّا. لكننا بمرور الزمن نكبر، نخرج من المنزل، نتمرد على ثقافة الأم. ونبدأ في استكشاف العالم والهوت دوغ.

وقعت في غرام النقانق بأشكالها كافة مع أول قضمة، وكان عمري 19 عاماً. عدت لأمي وسألتها لماذا منعت عنا “الهوت دوغ”. أخبرتني أنها حينما كانت صغيرة توقفت مرة أمام محل يبيع سندويشات السجق، ولسبب ما ضايقتها رائحة السجق على النار حتى أنها فقدت وعيها، ومن يومها وهي تكره السجق وكل ما يتعلق به. لم يكن المنع لسبب صحي إذاً، بل ذائقة شخصية للأم.

أجسادنا هي السجل الذي يوقع فيه الزمن، وهذا السجل المكوّن ظاهرياً من اللحم والدم والعظام، هو نتاج ما نأكله. الجسد وما يأكله يعكسان كل ما يشكل هويتنا.

نتولى زمام أنفسنا وإعادة تشكيل هويتنا حينما نتمرد على مطبخ الثقافة الأم. نبتعد عن مطبخ الماما، لنكتشف حقائق الحياة.

البعض لا يتقبل مذاق الحقيقة، يرفض تناول طعام لا يعرفه ويتمسك بالذائقة التي شكلها مطبخ الأم. البعض يستقبل كل جديد بفم مفتوح، يدرك أن أكل الماما ليس أفضل طهو بالتأكيد، لكن يظل مذاق النوستالجيا في طهو الماما ولا يمكن أن تجده في أي مكان آخر.

الذائقة مثل الهوية، ليست صورة مجمدة في الثلاجة، بل تتغير نتيجة أفعال الزمن في أجسادنا. حتى سن الـ28 لم أكن أطيق تناول السلطة أو الفاكهة. أتذكر سنوات كاملة مرت عليّ من دون أن اتناول أي فاكهة من أي نوع. فجأة، مع اقتراب الثلاثين، تغيرت الذائقة نتيجة تغير احتياجات الجسد وقدراته. الآن أبحث عن السلطة، بل  يتكون بعض وجباتي بشكل كامل من السلطة والخضروات فقط.

في البداية كان الأمر نداء من مكان خفي في الجسد. تناول اللحوم والكربوهيدرات صار يجعل جسدي ثقيلاً، ويولد كسلاً وبطئاً في حركتي وتفكيري. ثم مع عبور الثلاثين، انفجرت المشاكل الصحية في جهازي الهضمى.

ذهبت للطبيب أشكو صعوبات في التبول، وآلام في الشرج. “شرخ شرجي” قال الطبيب، وهو يكتب لي وصفة مرهم مسكن ويخبرني بأن أفضل علاج هو تغيير النظام الغذائي، الابتعاد عن المعجنات، وتناول المزيد من الخضروات والفواكه.

أدركت حينها أن مرحلة جديدة من النضج والتقدم في السن قد بدأت، وهي المرحلة التي يصبح اختيارك لما تتناوله، لا بسبب ثقافتك الأم، أو ذائقتك الشخصية، بل بناء على تعليمات الطب واحتياجات جهازك الهضمي الذي سيبدأ في التداعي.

انتقلت منذ شهور للحياة في أميركا، بجهاز هضمي لا يتحمل اللحوم الوردية وملذات الطعام الأميركي بدهونه وسكّره كل يوم، لم يعد مسموحاً لي إلا بمقدار بسيط من ملذات الطعام.

أشعر بالذنب كلما غششت نظام غذائي، آكل البيتزا مستمتعاً بطعمها، مفكراً في الوقت ذاته في الألم الذي سأتحمله حينما أخرجها. وإذا تمكنت من إسكات ضميري، فطريقة عرض وتسويق الطعام هنا في أميركا مصممة أصلاً لكي تشعرك دائماً بالذنب مما تتناوله.

تدخل أي مطعم لتجد اسم الطبق، شرحاً لمكوناته، سعره، وعدد سعراته الحرارية. بدءاً من مطاعم الوجبات السريعة، وصولاً إلى المطاعم الفاخرة، كل شيء يحمل رقم السعرات الحرارية. وهكذا، حينما تختار ما تتناوله، لا تفكر في رائحة الطبق، أو مذاق الطعام، بل في عدد السعرات الحرارية التي ستدخل جسمك، وكيف ستخرجها. وإذا كان الطعام جيداً ولم تستطع أن تمنع نفسك من تناول المزيد، تظل تأكل وعدّاد السعرات الحرارية في راسك مستمر في الزيادة.

تنهي وجبتك وتحاول نسيان إحساسك بالذنب، والتمتع بدفء امتلاء المعدة، فتجد نفسك محاصراً بمقالات التوعية الغذائية، أو “بوستات” أصدقائك الذين يروجون لأنظمة غذائية مختلفة، كلها تهدف إلى إنقاص وزنك، تحت دعاوى الحفاظ على صحتك.

لم يعد للطعام مذاق، بل أصبح كالدواء تتناوله مجبراً للاستمرار في حياة بلا دهون، ولا سكّر، ولا طعم أو رائحة.

اللوحة ل Gustave Courbet
اللوحة ل Gustave Courbet

خلال يومين أو ثلاثة في الأسبوع، أطلق العنان لشهواتي الغذائية. آكل المعجنات بمختلف أنواعها، اتلذذ بتتبيل اللحم بنفسي وتناوله نصف ناضج، متسمتعاً باللون الأحمر للحمة. أطرب أذنى بصوت الزيت المقلي يحمر البطاطس وقطع الدجاج المغلفة بالدقيق والخلطة السرية. أما بقية أيام الأسبوع، فأتناول الحشائش والخضروات، مثل الأرانب. أراقب وزني، وأعاين بَولي.

أحاول الحفاظ على حد أدنى من اللياقة البدنية والصيانة الدورية للجهاز الهضمي، لا بهدف أن أحيا رشيقاً، أو أن أعيش حياة صحية طويلة، بل لأظل قادراً على التمتع بكل أنواع الطعام اللذيذ غير الصحي الى الأبد.

طرق لتجنب عذاب الجحيم

في بلدٍ يبحث عن فرصة للإنقاذ من خلال مؤتمر اقتصادي حولوا موعده إلى حدث كرأس السنة، نعد تنازلياً ثم تدخل السنة الجديدة بلا مفاجآت غير قُبلة في الظلام للمحظوظين. يجلس مئات الآلاف وملايين المشردين على بوابات القصور في انتظار البشارة وتجلى المخلص الذي سينتشلنا من قاع الهاوية.

أقول في بلد كهذا لا ندري كيف أنجب واديه الطيب هذا القدر من السفلة الأوغاد، البعض مصاب بالعمى والبعض يرغب في التعامي. في هذا العمى لا يرون الخرائب والمزابل التي تشكل نسيج حياتهم، بل يرون عظمة ومجدا لا نراه، ويرون أعداء وحاقدين يرسلون لهم برسائل مشفرة لإثارة رعبهم وفزعهم على وطنهم الأم مصر.

ضميني لصدرك يا أمي. الجو الآن أفضل لا بارد ولا حار، ننتظر بالطبع مع نهاية شهر مارس عواصف الخماسين. هؤلاء الذين ليس لديهم أعداء وأرق وأرقى من أن يكونوا في المؤتمر العظيم، يمكنهم تمضية هذه الأيام بصحبة كاتب إيطالي يدعى كالفينو. هذه الأيام التي تشهد موت الشتاء القاسي مناسبة لقراءة روايته القصيرة «مدن لا مرئية» أو إعادة قراءتها إذا كنت قد نسيتها. وذلك في نسختها العربية بترجمة ياسين طه حافظ.

في رواية إيتالوكالفينو يجلس قبلاي خان على عرش إمبراطورتيه التي تغطى أكثر من نصف الكرة الأرضية. قضي الأمر واستتب له الملك والكرة الأرضية أصبحت في يد التتار. «أخبرنا الرسل بالدمار الذي أصاب طوابير الأعداء من هزيمة إلى هزيمة، أهلكوا قوات الملوك المجهولين الذين أغاروا على مواقع جندنا» أحرق البعض في ميادين مفتوحة ورسم الفنانون جداريات ضخمة لتلك المحارق حملوها لقصر الإمبراطور الذي أمر بتوزعها على المدن الرئاسية في الأقاليم المختلفة. أنشدوا الأشعار وغنوا الأوبريتات سلاماً لجيوش البلاد.

قبلاي خان غارق في الفراغ الذي يخلفه النصر والنجاح، يزوره رحالة إيطالي شاب ماركو بولو من مدينة البندقية. قطع ماركو رحلة طويلة بطول وعرض إمبراطورية التتار. الإمبراطور/ الرئيس/ الملك على عرشه ينصت لحكايات ماركو عن مدن إمبراطورتيه. الخواتم في أصابع الإمبراطور رمزا للقوة ولسلطانه، لجنده وناسه المنتشرين في بقاع الإمبراطورية، لكنه يحتاج لذلك الرحالة الشابة ليعرفه على ما يفترض أنه يملكه. «إنها لحظة أسى تلك التي اكتشفنا فيها أن هذه الإمبراطورية، التي كنا نظنها مجمع كل العجائب، خراب لا شكل له ولا حدود.. والنصر على الأعداء جعلنا ورثة بطالتهم الطويلة».

على طول الرواية يصف ماركو للإمبراطور المدن التي عبرها، بإيجاز واختصار، وصف كل مدينة لا يتجاوز الصفحة الواحدة. يحكي ماركو بلغة كالفينو ذات الجمل القصيرة التي تصف ولا تسرد، وكالعادة مع روايات كالفينو ففي كل صفحة تقرؤها وتدخل أكثر إلى متاهاته يصيبك دوار الكلمات، وتحتاج كل جملة إلى أن تقرأها أكثر من مرة في محاولة لاكتشاف هذا الأثر الذي تتركه تلك الكتابة على روحك وهذا الخدر الأفيونى الذي يصيب مزاجك.

في وصفه للمدن يقف ماركو على وصف القوانين الأساسية المحركة للمدينة والحاكمة للعلاقة بين سكانها وعمرانها، وصيرورة الحياة فيها. الحياة ليست عادلة بل لكل مدينة مفهومها عن العدالة.

يحكي ماركو عن مدينة ليس اسمها القاهرة لكنها تحمل اسم «أكلورا». الإمبراطور يستمع وهو يدخن غليونه وسحابه تعلق فوقهم وماركو يقص بصوت هادئ: «نظام للفضائل العامة، وللأخطاء العامة، يضعه شاذون، بعض المدققين في اتباع القواعد، مراقبون قدامى مما لا سبب يدعو لاعتبارهم الآن أمناء، ينسبون إلى أكلورا أصنافاً ثابتة من المزايا، ويؤكدون على مقارنتها بتلك التي للمدن الأخرى في أزمانها. ربما لا أكلورا المكتوبة، ولا أكلورا المرئية قد تغيرتا كثيراً منذ ذلك الحين، ولكن ما كان غريباً صار مألوفاً، وما كان طبيعياً هو الآن غريب، والفضائل والأخطاء فقدت روحها وشرها».

اعتقد كالفينو في قدرة الأدب على إنتاج نماذج من اللغة والخيال والجهد العقلي يمكنها أن تخلق ترابطا منطقيا للحقائق، وهذا بدوره يمكن أن يبتكر نماذج من القيم جمالية وأخلاقية وضرورية لأى خطة العمل خصوصاً في الحياة السياسية. ورغم أننا لسنا في أكلورا إلا أننا نعيش كسكانها متوهمين تمسكنا بأخلاق قديمة لم توجد أبداً، واقعين تحت عبء مراقبين قدامى تعروا أمامنا ورأيناهم والسحالي والأكاذيب تخرج على طول آخر خمس سنين من فتحاتهم ومع ذلك ننتظر منهم خلاصاً نعرف أنه لن يأتي.

من يختارون الانسحاب أو السفر لن يتركوا الماضي خلفهم. ماركو مثلاً عبر بمدن زجاجية، وأخرى بنى سكانها مدينة مماثلة لمدينتهم تحت الأرض ليخففوا صدام الانتقال من الحياة الدنيا فوق الأرض إلى الحياة الأخرى في ظلام بطنها. عبر بمدينة أنشأها مجموعة من البشر من مختلف بقاع الأرض حلموا جمعيهم ذات مساء بذات الحلم، مدينة أخرى تعيش على الماء، وأخرى جدرانها من التراب. لكن حينما يحاصره الإمبراطور بالأسئلة يجيب بأن كل ما يرويها ليس إلا أطراف من ذكرياته عن البندقية. لكنه يرفض أن يحكي حكاية البندقية كاملة مثلما لا تخرج الحقيقة الآن كاملة. «حين تقيد صور الذاكرة بكلمات، فإنها تمحى. وأرانى خائفاً من ضياع البندقية كلها مرة واحدة، إذا ما تحدثت عنها، وربما، وأنا أتكلم عن مدن أخرى، سأضيعها شيئاً بعد شيء..»

في نهاية الرواية وبينما الإمبراطور يقلب صفحات الأطلس ويشاهد أسماء المدن وصور تضاريسها، يغلق الكتب وبحزن يصارح ماركو بأن كل هذا المجد والسفر والبحث عن المدن اللامرئية بلا جدوى ما دامت مدينة الجحيم هي محطة وصولنا النهائي، لكن بولو يجاوبه: «إن جحيم الأحياء ليس شيئاً سيكون، وإذا وجد جحيم، فهو ذلك الموجود هنا الآن، الجحيم حيث نعيش كل يوم والذي نكونه حين نكون معاً. هنالك طريقان لتجنب عذابه، الأولى: سهلة للجميع، أن تتقبل الجحيم وتصبح بعضاً منه، فلا تراه بعد ذلك. الثانية خطرة، وتتطلب احتراساً وخشية دائمين: تبحث وتعرف، في وسط الجحيم مَنْ وما هو ليس جحيماً، ثم تمكنهما من البقاء وتمنحهما مجالاً».

مصر والتاج الصفيح

كَرِه حسني مبارك الشعارات القومية والجمل الانشائية. عبّر دائماً عن سخريته من الكلام الكبير الذي كان يطلقه من سبقوه في الحكم. احتقر فكرة المشروعات القومية، حينما كانوا يسألونه أسئلة من نوع: أين هوية مصر؟ الشباب ضائع؛ نريد مشروعاً قومياً لكي نجمع ونحمّس خلفه الشباب، كان يرد: لديكم مشروع الصرف الصحي وكباري القاهرة. ولما ملّ من الضغط بخصوص المشاريع القومية، رضخ في النهاية، وحوّل صفقة بيع أراض للوليد بن طلال ومستثمرين عرب، إلى مشروع قومي بعنوان مشروع توشكي.

وفيما كان مبارك يفتتح أضخم مشاريع الصرف الصحي في الثمانينات، كان الثنائي الشاب  السيناريست ماهر عواد  والمخرج  شريف عرفة  يقدمان  سلسلة من الأفلام التى تنكل بكل السرديات الكبري للخطاب الوطني المصري الحديث. بداية من “الدرجة الثالثة” وحتى “سمع هس”. كان لديهما حسٌّ ساخر وعدمي استخدماه في تهزيق التيمات الرئيسة لمشروع الدولة القومية، من الأناشيد الوطنية ومؤسسة العدالة في سمع هس“، وحتى مشروع الاستقلال الوطني في “يا مهلبية يا“.

يعجب الكثيرون من النقاد بتلك الفترة من تجربة شريف عرفة، ويرون أنه كان فناناً ثورياً متمرداً على خطاب السلطة. لكن، إذا استعدنا، للدقة، خطاب وهوية تلك السلطة في الثمانينات، سنجد تطابقاً واضحاً بين ما قدمه شريف عرفة، وما كانت تروج له السلطة السياسية في مصر وقتها. وحتى إذا اعتبرنا أن شريف عرفة وماهر عواد في تلك الفترة، كانا شابين متمردين، فالسماح لهما بإنتاج وعرض مثل تلك الأفلام، بل والترويج لتجارب مشابهة كتجارب سعيد حامد ورأفت الميهي، يعكس رضا السلطة عن هذا الخطاب التهزيقي لشعارات الدول الناصرية وقيمها.

لهذا نُحب شريف عرفة. إنه المخرج ابن الناس الكويسين، المصري المحترم الذي يعارض بأدب من أجل المعارضة البناءة، والذي يقدم الضحكة بلا بذاءة، والاستعراض والرقصة بحشمة. إنه مخرج العائلة المصرية الذي نثق في توقيعه على أي فيلم بحيث يتوافر فيه الحد الأدنى من الاتقان وتماسك السرد، وبالطبع دائماً النهايات السعيدة حيث يتعانق ضابط الشرطة الشريف مع رجل الشعب وينتصر الخير وتعم الفرحة على الجميع. لكنه المخرج القادر على التقاط حساسية السوق واتجاه الريح. فقط شريف عرفه، يمكنه أن يصور ما يشبه الفيلم التسجيلي عن مبارك، ثم بعده بشهور يصور فيلماً قصيراً عن الثورة التي خلعت مبارك، وفي الحالتين يلتقط حساسية السوق وموجة السلطة ويركب فوقها.

يأتي فيلم “الكنز” المعروض حالياً في السينما، بعد شهور قليلة من عرض فيلم مروان حامد “الأصليين“. يشترك الفيلمان في استخدام الفانتازيا التاريخية، تقديس رجال الأمن والسلطة، والبحث عن هوية خفية، سر مكنون، كنز مدفون يحتوي على القلب النابض لمصر.

يردد الرئيس ومن خلفه جوقة السلطة أن مصر ستصبح أم الدنيا، بل هي أم الدنيا. يتحدث عن وجوب أن نكون يداً واحدة في حين تتعارك أصابع تلك اليد، وتُبتر الأصابع التي لا تعجبه. هناك مؤامرات ودسائس، حروب الجيل الرابع، أشرار مرسلون لخراب مصر كما “صلاح الكلبي” في فيلم “الكنز”. ووسط كل هذا، ليساً مهماً من يحكم أو من في السلطة، بل المهم أن نثق في رجل الأمن الذي يعرف كل شيء ويساعد الفقراء ويُحسن إليهم، لكنه جاهز لمعاقبتهم إذا ما اختلفوا معه، لأن هذا الاختلاف يضرّ بمصر، وبعقابهم فإننا نحميهم من شرور أنفسهم، كما خالد الصاوي في فيلم “الأصليين”.

محمد سعد من فيلم الكنز
محمد سعد من فيلم الكنز

في الفيلمين، يتجلى مفهوم مصر كرؤيا هيولية مُمتدة عبر الزمن وعبر آلاف السنين. هناك مصر واحدة وهي أبدية وخَالدة، ولها جوهر ثابت، هذا الجوهر قد يكون مدفوناً في صورة كنز أو رمز كبير، مثل بهية وعيون بهية في “الأصليين”. وفي الفيلمين، مثل خطاب السلطة، لا يخبرنا أحد ما هو جوهر هذه الـميصر” –بصوت الشيخ الشعراوى؟ وما علاقة هذا الجوهر بواقعنا الآن؟ ولماذا يريدون إجبارنا على تصديق خرافة أن هذا الجوهر خالد وأبدي؟ وكيف يكون ثابتاً وهذا البلد، حتى 150 عاماً خلت، كان أهلها لا يفهمون لماذا بنوا هذه المعابد وهذه الأهرامات؟

إن تاريخ هذا البلد هو سلسلة من الانقطاعات والنسيان، ثم إعادة تذكر ما نريد، ودفن ما لا نريد، وهي استراتيجية نافعة للبقاء. فجّرت السنوات الأخيرة، وما صاحبها من صراع سياسي، مناقشات وأسئلة عميقة لدى سكان هذا الوادي، حول هويتهم وتصوراتهم عن ذواتهم والحياة التي يرغبون فيها. هذه الأسئلة كلها كُتمت بفوهة البندقية، ودُفنت تحت جنازير الدبابة. وبدلاً من السؤال والنقاش في اضطراب الهوية لجماعتنا المتخيلة كمصريين، تتبنى السلطة الجديدة خطاباً تعكسه هذه الأفلام، وسنشاهد في السنوات المقبلة المزيد من الأفلام والمسلسلات التي تعكس تصور الهوية الجديدة التي يجري بناؤها. ويمكن وضع عنوان فرعي لها: “إطفح وانت ساكت”. فالمهم ليس “جوهر مصر”، بل أن تثق في حارس هوية مصر وكنزها المدفون، أن تُسلم له، وأن تعاونه وتنصره لأنه يضحّي بكل شيء من أجل مهمة سامية، مثل محمد سعد رئيس القلم السياسي في فيلم “الكنز”، والذي يسجن أخاه ويعتقل المعارضين لكنه يحب الفن ويطارد الحب المستحيل ويحرس الكنز.

لكن الواقع أن تلك السلطة لا تحمي أي كنز، بل هي تبيع وتبيع وتتنازل. منطقها في الحكم والإدارة هو منطق إدارة السوبرماركت: كله على الرف بالسعر المناسب، أو كما قال رئيس السلطة ذات مرة اللي يقدر على مصاريف مصر يشيل. وبالتالي، فالغرض من أفلام مثل “الكنز” و”الأصلين” هو إضفاء زخرفة رديئة تُشبع أسئلة المراهقين عن هويتهم، وتقدم للسلطة كوكتيل مصر الجميل، حيث حتشبسوت ترتدي تاجاً، وحيث سر عبقرية المصريين يكمن في تناولهم المخدرات وزهرة اللوتس الأزرق كما في “الأصليين”.

أما إذا كنت أذكى من ذلك، واكتشفت خواء السلطة، وأن بهية التى تحرس عيونها ليست إلا راقصة وعاهرة كانت تابعة لياسين قاطع الطرق، فالحل الذي يقترحه مروان حامد وأحمد مراد أن نذهب جميعاً للصحراء لنؤسس فندقاً بيئياً ونبحث عن السلام والخلاص النفسي في اليوغا والتأمل، ونترك المهام الكبرى وحراسة الكنز لرجال السلطة والأمن، حراس عيون بهية.

بوستر فيلم الكنز

نائل الطوخى في الثلاثين: أنا كاتب الكونتراست

بمناسبة اقتراب عيد ميلاده الأربعين، نعيد نشر حوار أجراه أحمد ناجى وأحمد وائل مع أمير الرواية الذهنية والدراما الهزلية نائل الطوخى. أجرى هذا الحوار منذ عشر أعوام حينما بلغ نائل الثلاثين، على أمل أن نصدر جزء ثانى منه بمناسبة عيد ميلاده الأربعين. ولا يفوتنا أن نهنئ نائل الحبيب بروايته الأخيرة التى يخرج فيها من البلاعة، ونقول له انزل يا جميل على الساحة، فالأربعين سنة النبوة، ولقد أوتيت الحكمة صبيا فأصعد  من عيون القادمين إلى غروب السهل. أصعد من صناديق الخضار. و قوّة الأشياء أصعد

DSCF0138
صور أرشيفية لنائل الطوخى تعود لعام 2008 أثناء محاولته الهروب من حصار الأسئلة

حاوره: أحمد وائل

وأحمد ناجى

نائل فى الثلاثين..خبر مهم، بل حدث مدو، هل تغير أمير الذهنية بعد وصوله للثلاثين؟ هل سينتقل إلى خندق حراس الجمود؟

هل سيتوقف عن الكتابة؟ ما معنى الثلاثين عند نائل الطوخي.. يقول المتصوفون أن الناى حزين لأنه يبكى الشجرة التى نزع منها.. لهذا يحن الناي إلى بداياته.. ويحزن بعمق، بنبل، بأسى، هل يحزن نائل مثل ناى وحيد؟

قبل أيام من بلوغ نائل الثلاثين كان يحدثنى بشكل ودى وحميمى عن مشروع رواية جديدة يريد أن يكتبها باللبنانية، ونشر فصلا منها تحت عنوان “82”. كان لنا ، ولكم، وللأمة العربية، هذا الحوار مع صاحب “خواطر ثائرة لفلاح مصرى”، ورواية “أرانب مطبوخة بالسمنة”

…………………………………..؟

انظروا. حينما بدأنا الكتابة كان العالم غير العالم والكتابة غير الكتابة. كانت

الدنيا رائقة وودودة ولم يكن هناك ذلك الصراع الفارغ حول الأفضل والأروع (يغمز بعينيه ويخرج طرف لسانه) والأكثر استحقاقا للترجمة والجوائز.

الكتابة كانت زي الحشيش: مزاج. طبعا كنا مجرد شباب ثوري متحمس. ظننا أن الثورة ستقوم بكرة، ومضى بكرة، ومضى بعد بكرة، واكتشفنا أن الثورة وهم كبير، فتفرغنا للسهر بالبار والاتهامات بالعمالة التي كنا نطلقها بين الحين والآخر كنوع من المداعبات المرحة والظريفة بيننا وبين زملاء القرطاس والقلم.

عن نفسي، أنا لم أحب السهر في البار، كانت عندي دائما مشاكل مع دماغ الخمرة، كنت أشعر أنها تتدخل بقسوة في تكويني الجسماني الصافي، بعكس الحشيش، ومثلما قلت لك: الكتابة حشيش، هذه مقولة أنا مؤمن بها، ومستعد للدفاع عنها حتى الموت.

………………………..؟

هذا شيء بتاع ربنا.

ربنا سبحانه وتعالى يقول ولا تدري نفس ماذا تكسب غدا ولا تدري نفس بأي أرض تموت. وبعدين أنا دائما بأحرص على أن أستحمى بعد ممارسة الجنس أو الشرب. حتى لا يأخذني الموت على خوانة.

meritwritersnaeleltoukhi
نائل الطوخى 

………………………؟

نعم. مجموعتي الأولى أصدرتها وأنا أبلغ واحد وعشرين

سنة، كانت عبارة عن خواطر متناثرة ومكتوب على غلافها “خواطر ثائرة لفلاح مصري” حسب الطريقة التي كانت متبعة زمان. وقد لاقت استحسانا كبيرا عند نشرها. كتب عنها الناقد الكبير الأستاذ أحمد الهندي والروائي محمد

أحمد، ولكن أكثر مقال أتذكره بالامتنان كان مقال الناقد الكبير تامر أبو هيثم، حيث استغل موقعه في جميع الجامعات الأجنبية وقدم تعريفا جيدا بها وبي فله كل الشكر.

إذا قارنتم هذا بما يحدث الآن فلن تجدوا أحد يكتب أو أحد يقرأ. خلاص. الجهل بقى نعمة (ينفخ دخان السيجارة بشجن). يعني أنا مثلا متابع للأدب الشاب،وتعجبني بعض الأسماء التي تحاول تقديم طريقة سرد جديدة وإن كان ينقصها المشروع المتكامل والدأب. ولكن من الذى يتابعهم من النقاد مثلما قام النقاد الكبار بمتابعتنا؟ لا أحد للأسف.

أنا أرى أن هذا جيل مظلوم. الله يكون في عونكم.

……………………….؟

آه. بالنسبة للأستاذ أحمد الهندي فلقد كان واحدا من أهم نقاد جيلنا. لقد كنت أراه في أستوريل يوميا من الساعة الثانية ظهرا حتى الثانية من صباح اليوم التالي. تصوروا أنه كان يشرب طول الوقت، وكان يعتبرها عيبة كبيرة في حقه إذا قعد وماشربش أو إذا ترك شخصا آخر يحاسب على الترابيزة. وكان طول الوقت يكلمنا عن التيارات الجديدة مثل الواقعية ومابعد الواقعية وغيرها. ولم يتخلف عن ميعاد جلسته هذه يوما واحدا. أما محمد أحمد فهو يعتبر أديب عالمي، وبعدما نشرت المجموعة بسنتين أخدت بنته، تزوجتها، وتصور أنه على مدار عشرين سنة زواج لم يتدخل في حياتنا الخاصة أبدا. برغم أنها – أي بنته –كانت سليطة اللسان ودائمة الشكوى، ولكنه كان – بتفهم الروائي الكبير – يقول لي: هذه زوجتك، وأنا لا أريد أن أتدخل في حياتكو أبدا.

 لقد كان نعم الروائي والصديق والحما رحمة الله عليه (يفتح يديه ليقرأ الفاتحة(.

……………………………؟

(يضحك بصوت عالي) السياسة حلوة. بصوا. السياسة دماغ. وأحلى دماغ كمان. أحلى من الحشيش.

أنا لما أكون مش مزبوط باروح أعمل دماغ سياسة. ندوة. مظاهرة. مناقشة جامدة. هكذا يعني. فيه بعض الناس التي تقول إن السياسة وحشة. لأ. أنا رأيي الشخصي أنها حلوة.

……………………….؟

أنا وإنتوا نقول هذا الكلام. ليه؟ لأن الناس تتصور أن الكاتب عندما يبلغ سنا معينا فإنه يغير أفكاره. لكن أنا وإنتوا عارفين الحقيقة. أنه لايغيرها. صح؟

طيب، كلامي واضح، أنا لم، ولن، يتغير موقفي من الذهنية، فهي تعتبر أول من قدمني للقراء بشكل أنصفني، وهي التي قدمت لي الخلفية التي أتسند عليها في أعمالي كلها. يعني خذوا عندكم مثلا، إنت مثلا بتكتب قصة حببين واحدة فقيرة وواحد غني، هذا موضوع ممتاز ومبتكر، ولكنه ليس ذهني بمافيه الكفاية، وبالتالي فالأمر لا يمنع من وجود بعض التيمات الذهنية في الكتابة، يعني أن تجعل البنت الفقيرة فقيرة جدا، والغني غني جدا، وهكذا يحصل الكونتراست.

n610580249_1551570_1636
صورة مهزوزة يظهر فيها من اليمين لليسار، ياسر عبد اللطيف، نائل الطوخى، وأحمد وائل

………………………….؟

(بتسم) نعم. أنا كاتب كونتراست. بعض الناس يتصورون أنني أزعل من هذا الوصف ولكن الحقيقة هي لا. أنا أرى أن كل واحد أستاذ في صنعته. وكان أول من وصفني بهذا الوصف الراحل الجليل الأستاذ محمد أحمد، الأديب العالمي وحمايا العزيز.

…………………؟

مثل ما قلتلكو من شوية، كل واحد أستاذ في صنعته. ربنا دائما يسبب الأرزاق. لا أحد يرزق حد، ولكن دائما هناك أسباب. الرواية الذهنية مثلا عندما ظهرت كان هناك تيارات أخرى.. ولكن هي اكتسحت الجو لأنها أثبتت جدارتها.. بينما التيارات الجديدة تحاول أن تثبت لنفسها مكانا ولكنها تفشل المرة تلو المرة.. لماذا؟

لأن الناس تنبذها. وربنا سبحانه وتعالى يقول أن ما ينفع الناس يمكث في الأٍرض.. لأحكي لكم قصة طريفة. أنا كنت ماشي في الشارع أقوم بجولتي الصباحية المعتادة. قابلني شخص استشفيت من ملابسه أنه بسيط الحال. وسألني لماذا لم أقم بواجبي في محاربة التيارات الجديدة التي جاءت بعد الذهنية. أنا قلت له شوف يا حاج. إنت شغال إيه؟ قال لي أنا على باب الله. قلت له إنت راجل طيب. لو جاء شخص ما وقرر أن يزاحمك في رزقك. هل تحاربه أم تترك ربنا ياخد لك حقك منه؟ قال لي أترك ربنا ياخدلي حقي طبعا.

قلت لهو هكذا هي الكتابة الذهنية يا صديقي.

إذا لم تخني الذاكرة فالرجل اعجبه كلامي لدرجة أنه حاول أن يقبل يدى ولكنني رفضت. .

………………….؟

)بتسم بسخرية) والموبايل الذي تحمله حضرتك غربي. وجهاز التسجيل الذي تسجلبه غربي. هل معنى هذا أن لا أستخدم هذه الأشياء وأتقوقع داخل نفسي؟ لا. يبقى الحل إيه؟ يبقى أنا آخذ من الغرب الأشياء التي تنفعني وأترك الأشياء التي لا تنفعني. وأنا أرى أن قصيدة النثر والشيوعية لم ينفعوا المواطن المصري، بينما الرواية الذهنية نفعته كثيرا. جعلته أكثر صحة، أكثر اهتماما بنفسه، وحققت له مستوى من الرفاهية لم يكن يحلم به قبلها. بالنسبة لماضي الرواية المصرية فأنا واحد من الناس الذين يرون أن إمبارح أحسن من النهاردة، والنهاردة أحسن من بكرة. قل لي: ليه؟.

اقولك. لأن النهاردة أنت عرفته بالفعل، بينما بكرة لا تعرفه. صح كدا؟ وهذه

إجابتي على مستقبل الرواية المصرية أيضا. أرجو أن يكون كلامي واضحا وألا

يساء فهمه.

………………..؟

شوفوا. أنا لا أسميه جنسا وإنما لذة جنسية. لأن كلمة جنس لوحدها هكذا تحمل لي دلالات غير مريحة. أنا لا أستريح لها. بالنسبة للذة الجنسية فهي من وجهة نظري لذة جنسية ذهنية، يعني مثلا أنت ممكن تزبط مراتك بالليل، لكن هذا يتم بدون ذهنية، هنا أنا لا أعتبر التزبيط تزبيط.

التزبيط في رأيي هو عمل كل الحواس، وأولها الذهن طبعا. (يقهقه بعنف شديد) إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى.

…………….؟

بالنسبة لموقعي من المؤسسة فأنا أحب المؤسسة. (يبتسم بود) هناك ميكروباص عندنا دائما ما يقول التباع بتاعه مؤسسة مؤسسة. هذه مجرد نكتة طريفة طبعا،ولكنها ترمى على ما هو أعمق. فأنا أرى أنه يتم التعامل مع المؤسسة كأنها مجرد تبّاع ميكروباص. وهذا ظلم. المؤسسة تمثل بالنسبة لي تاكسي. أنتوا عارفين. أنا بطلت ركوب ميكروباصات من زمان.

الصحة لم تعد مثل زمان. زمان كان هناك بركة كما قلتلكو. أنا أفضل التاكسي دائما. طبعا أدفع أكتر فيه. ولكن من الذي لا يدفع أكتر في هذه البلد. الإنسان هو الوحيد الذي يرخص يا أصدقاء.

تم حذف نص الأسئلة لاعتبارات خاصة بالمساحة، كما سنوفيكم تقريباً بالصور الخاصة بالحفل الذهنى الكونى الذى نظمه مجموعة من المعجبين ومحبى نائل بمناسبة بلوغه الثلاثين.

محمود الوردانى يكتب: ما جرى ليس كارثيًا جدًا

عندما تلقيتُ خبر حبس أحمد ناجي شعرتُ بالصدمة والغضب معًا، وبدا الأمر لي كارثيًا إلى أقصى درجة، ليس فقط بسبب معرفتي الشخصية بناجي كأحد أكثر الكتاب الجدد جنونًا ونزقًا وموهبة وامتلاء بالحرية وممارسة لها في الكتابة، بل أيضًا لأن المستقبل القريب بدا أمامي منذرًا بتوالي كوارث من هذا النوع، خصوصًا لأن هناك عشرات الدعاوى المشابهة، مرفوعة فعلًا من ناس وجهات ومؤسسات، ضد أعمال أدبية وفنية ومقالات وأشعار، تنتظر دورها في أروقة النيابة وقاعات المحاكم. وحبس الأستاذ إسلام بحيري والحكم بحبس الكاتبة فاطمة ناعوت ثم حبس ناجي، سيتلوه بلا أي شك أحكام على هذه الشاكلة على الأقل، فهم يحاربون الخيال، وأول خطوة في قمع الخيال ودحره، هي تجفيف المنابع وإشاعة الخوف وممارسة الإرهاب بتضييق المجال العام ثم المزيد من تضييقه.

01_02line
صفحة من رواية استخدام الحياة

قضيتُ اليومين الماضيين في التقليب في عدد من الأوراق والكتب باحثًا عن أي خيط يقودني لفهم إلى أين تمضي بنا كارثة بهذه الغباوة. ويحفل تاريخنا القريب بعشرات وعشرات من أحكام و قرارات بالمنع والمصادرة والحبس أيضًا، مثلما جرى لعلاء حامد عام 1992 بحبسه سنة لتأليفه  كتاب “مسافة في عقل رجل” الذي كان قد صدر قبلها أصلًا بثماني سنوات، وبالمناسبة وفي العام نفسه، 1992،  صدر حكم على صلاح الدين محسن لتأليفه ثلاثة كتب هي “عبطاوي” و”ارتعاشات تنويرية”، و”مسامرة مع السماء” بالحبس ستة أشهر أمضى منها أربعة أشهر قبل أن تُصدر محكمة جنح طوارئ أمن الدولة بالجيزة حكمها بإيقاف التنفيذ.

هذا عن الحبس بسبب تأليف الكتب والعياذ بالله فقط، ناهيك طبعا عن مصادرة الكتب أو الغارات الهجومية على المطابع لضبط كتب خادشة للحياء بشتى أنواعه والازدراء بمختلف ألوانه، مثل “ألف ليلة وليلة” و”الفتوحات المكية” لابن عربي و”فقه اللغة” للويس عوض، هذا إلى جانب العشرات من حالات التدخل الرقابي الفظ من جانب الرقابة الرسمية بالحذف لعبارات وفقرات لكُتّاب مثل يوسف إدريس وإدوار الخراط وصنع الله إبراهيم والطيب صالح ومحمد روميش ونجيب محفوظ وشريف حتاتة وفتحي غانم وغيرهم وغيرهم.

ومع كل ذلك الذي ذكرته، وهو مجرد أمثلة عشوائية، فإن حالة ناجي بدت لي أكثر كارثية في  مجتمع أشعل شبابه فتيل الثورة بعيدة الغور، حتى على الرغم من المآل المؤقت  الذي آلت إليه. لن أستطرد هنا، فهو شائع ومعروف، ولكن على سبيل المثال فقط، فالمادة 67 من الدستور النافذ بعد أن استُفتي الشعب عليه، تنص بوضوح على عدم توقيع أي عقوبة سالبة للحرية “في الجرائم التي ترتكب بسبب علانية المنتج الفني أو الأدبي أو الفكري”. هنا عدوان واضح على الدستور ذاته، أليس كذلك؟ وعلى سبيل المثال أيضًا فإن الحكم السابق مباشرة انتصر لحرية الإبداع وقضى ببراءة ناجي، وهو حكم لم يمض عليه إلا أسابيع قليلة.

لا منطق ولانظام بل انتهاك، وليس مجرد خدش للدستور والقانون. النص المنشور في “أخبار الأدب” سبق نشره في كتاب، ومن لا يريد أن يُخدش حياؤه لا يقرأ الكتاب، هل هناك أكثر بديهية من هذا؟ كما أنه ليس من سلطة النيابة والقضاء الحكم على الأعمال الأدبية والفنية،  بل من سلطة النقد الأدبي، وهذا ما أوضحه بجلاء الأستاذان صنع الله إبراهيم ومحمد سلماوي أمام المحكمة في جلستها السابقة، لكن النيابة لم ترعوِ واستأنفت فكان الحكم الصادم.

لا أريد أن أستطرد أيضًا حول التهمة التي زُج ناجي في السجن بسببها، وهي خدش الحياء العام. من يحدد معايير خدش الحياء العام؟ هل لوحات محمود سعيد وموسيقى زكريا أحمد وأغاني عبد الوهاب وتمثيل فاتن حمامة خدش للحياء العام؟ مجرد مناقشة مثل هذه البديهيات تصيب الواحد بالضجر.

هناك إذن شيء ما أو أشياء، لا يمكن وضعها في سياق، لا على مستوى تنفيذ القانون ولا على مستوى المنطق.

أنا على سبيل المثال، شعرتُ بغضب شخصي، بل بالإهانة، بسبب اتهام المصريين، بعد ثورة بحجم ثورة يناير، بالسُعار الجنسي والهياج، بحيث تتأثر جموعهم بما احتوت عليه رواية ناجي من ألفاظ تثير اللعاب. أي خدش للحياء يتحدثون عنه؟وهل ما يفعله مرتضى منصور وأحمد موسى مثلًا يشكل خدشًا للحياء أم زغزغة ومهارشة بريئة مثلًا؟

وعندما يحدث هذا في وقت يتم فيه بكل قوة وحزم تضييق المجال العام، بدءًا بالأحكام الصادرة على الشباب في قضايا التظاهر والاحتجاج السلمي، وعودة السيطرة الأمنية على أجهزة ومؤسسات الإعلام، ومطاردة منظمات المجتمع المدني، وليس انتهاءً بحبس إسلام بحيرى وحكم فاطمة ناعوت ثم حبس أحمد ناجى، عندما يحدث هذا، فمن الطبيعي أن أرى أن ما جرى ويجري أمور كارثية، ولكن رد الفعل خلال الساعات الثماني والأربعين الماضية كان مذهًلا. ليس فقط الحالة المعنوية العالية لناجي في محبسه، وسرعة تضامن العشرات من زملائه الكُتاب والفنانين من كل الأجيال والتيارات والاتجاهات، بل أيضًا التضامن العملي من جانب نقابة الصحفيين واتحاد الناشرين وجبهة الحريات وغيرها من المنظمات والهيئات.

وهكذا فإن ما جرى أخيرًا ليس كارثيًا جدًا، وأغلب الظن أن المواجهة المنتظرة بين سدنة قمع الخيال وتضييق المجال العام من جانب، وقوى المجتمع الحية من الكُتاب والفنانين من جانب آخر، لن تنتهي بهزيمة الخيال.

إتجدّعن يا ناجي، واحنا عارفين إنك جدع

 

علي طالباب: الكلام الكبير للمعاني الواضحة

أنا الديك اللي باض، والثور اللي اتحلب

القانون اللي اتركن، والدستور اللي انكتب

أنا القاضي والمحامي والمتهّم القتيل

أنا الراجل اللي بشنب بالل نفسه على السرير

علي طالباب

يبدو الجدل والصراع بين الثنائيّات المختلفة الذي شهدته العقود الأخيرة في التاريخ الثقافي المصري بعيداً الآن، فلا أحد يفاضل بين قصيدة النثر والشعر الموزون، أو بين الذاتيّة في الإبداع والمسافة مع البروباغندا الأيدلوجيّةهنا تحديداً، وبينما يأخذ إم سي أمين الراب نحو الشارع وتصعد موسيقي الراب والمهرجانات من الشوارع الضيّقة التي يصل بينها التوك توك، يظهر على طالباب مطوّراً تقنية رص الكلام” من الراب نحو ما يصفه أحياناً بـروايات شعريّة“.

لا يجد طالباب مشكلة في المزج بين العاميّة والفصحى في أغانيه، أو أن تأتي بعضها فصحى تماماًولا يبدو له أن هناك أي تناقض بالاستعانة بصوت أمل دنقل يلقي قصيدة الكمان” في إحدى أغانيه، وأن يستخدم صوت يوسف رخا – أحد المحاربين القاسيين في قصيدة النثر الحديثة لكل ما يمثّله أمل دنقل – في أغنية آخرى مضاجعة الوقت“.

على المسرح، لا يقف علي طالباب مثل بقيّة مغنى الراب أو المهرجانات وخلفه دي جيه، بل فرقة صغيرة عمودها الأساسي البايس غيتار” والدرمز“. لا يخجل طالباب من التصريح في أغانيه بأن الاشتراكيّة هي الحل، ولا يخفي أحياناً هذه التوليفة الصوفيّة التي تظهر في أغانٍ أخرىلكن أعمال طالباب ليست موجهّة فقط في البصق” حرفيّاً على كل رموز السلطةمن العسكر حتى تجّار الدين، بل يبدو واضحاً أن الغضب داخل أعمال طالباب يتوجّه أكثر نحو ذلك البؤس المتزايد في الشوارع الخلفيّة في المدينة.

تفتح آهات أم كلثوم في كلمة حبيبي” السرديّة الصوتيّة الطويلة لعلي طالباب (14 دقيقة)، يليها طنين بعيد مولّف إلكترونيّاً، ونغمة بسيطة تخفت في الخلفية، ثم يدخل صوت يوسف رخا: “كل هذه السنينيا صاحبيوكأنّنا هنا عن طريق الخطأننتظر حتى تفرغ الشوارعلنقود مركباتٍ غير مرّخصةونواجه جنود المعابر بالضحكة الصفراء والنقودنحلم بأماكن ولو وجدت/.. نحن لا ننفع لها، يا صاحبي“.

وكما في أعمال أخرى لطلباب، فالغلظة وخشونة الألفاظ ووحشيّة الصور تنتشر في السرديّةوجه آخر لخشونة الثورة. إنّه الغضب الانفعالي وما يصفها الخبراء والمحللين السياسيين بـالمراهقة الثوريّة“.

روح جديدة لا تفهمها النخبة السياسيّة ذات الشعر الأبيض التي تتصدّر المشهد، ويستمرون في ترديد أسئلتهم الحائرة أمام هذا الغضب المراهق، يتساءل السياسي ما الذي يريده الأولتراس؟ ما الذي يريده شباب الثورة؟

يعطيهم على طالباب إجابة مختصرة: “بالنسبة للدولة، إرداة إلهيعنى ملكيش ديّةخليها تتحرق بعشوائياتها بعششها في الضواحيبشحاتينها مشوهّينهاباللي حاكمنا في برج عاجيخليها تنطبق بلجانهابلوائحهاومجالسها/ونظامها الضريبيخلى سمواتها السبع فوقها تنفجر“.

رشيد طه: عجوز يتأمّل تفتُّح الورود من سقف العالم

يختتم رشيد طه عشرين عاماً من التجارب واللّعب والغناء منذ أول أسطوانة له (1983) “Carte de sejour” بأسطوانة جديدة صدرت مؤخراً تحت عنوان “زووم“. بلهجة تقريريّة متواضعة، يقول رشيد في واحدة من أغاني الأسطوانة: “ومشروعي أنيق. أنيق، وصافي“. ربّما تغيب الأناقة عن بعض أعمال رشيد السابقة، إلا أن “الأناقة” هي الصفة الأهم التي تتمثّله هنا بما تحمله الكلمة من تناسق في التوزيعات والألحان وفي الحالة العامة التي تجمع أغاني الأسطوانة.

أناقة عجوز لا يخجل من الشعر الأبيض فيصبغه كمغنين آخرين، ولا ينجر بسهوله مع الغرور والصورة الأبويّة التي يفرضها التقدم في السن كحالة الشاب خالد، بل يعبر بخفة من حالة الشاب رشيد طه ليقدّم صورةً مغايرة للشيخ، الذي يجلس على كرسي في نافذة تطل على سقف العالم يتأمّل زهرة تتفتّح في وداع الشتاء.

وفي “زووم” ينعكس مشوار طه عبر عشرين عاماً، كأن الأسطوانة رحلة داخل مشروع طه ذاته، لا يفوته عبرها أن يوجه التحية لأهم الفنانين الذي كانوا دائماً مصدر إلهام له من شيوخ وشيخات الراي، حتى أم كلثوم وإلفيس بريسلي.

1

في عام 1981 كان أعضاء فرقة فريق “The Clash” يقوم بجولة صغيرة في باريس، حينما اقتحم شاب نحيف المشهد وقدم لهم شريطاً تجريبيّاً عليه بعض التسجيلات لهم، لكن أعضاء الفريق لم يعاودوا الاتصال بها. وبعدها بشهور قاموا بإصدار عملهم “Rock The Casbah”. الفتى كان رشيد طه، والشريط حمل أول تجاربه التي ستصدر في أول أسطواناته بعد ذلك. سيظل رشيد يكرر وحتى 2007 بأن “روك القصبة” التي غناها “فريق التصادم” كانت نتيجة استماعهم لأعماله.

الفرقة ستنفي بالطبع وستحكى قصة أخيرة عن مصدر إلهام “روك القصبة“. لكن Joe Strummer مصدر الإلهام الأول لرشيد المراهق سيتوفى، وستتفكّك الفرقة وتنقلب الأحوال. حتى أن مايك جونز سيعزف بعد ذلك خلف رشيد طه. لا دايم إلا وجهه الله، وهكذا الدنيا مثل المرجيحة يوم فوق ويوم تحت.

لكن رشيد في 2013 في أغنية “Algerian Tango” سيقول أنه لا ينسى: لا ينسي سنوات التجاهل الأولى، الرفض من شركات الإنتاج الفرنسيّة التي لم تكن تريد التعامل العرب. حتى هؤلاء سيذكرهم رشيد “مننساش العنصريين، مننساش العبوديين“.

2

من الثمانينيّات وحتى منتصف التسعينيّات، لم يكن الأمر كنزهة في الحديقة: العنصريين في أوروبا لم يكونوا المشكلة فقط: فهناك العبوديين والحجّارين والظلاميين في الجزائر وفي أماكن أخرى. ورشيد يعرف أنهم لن يتركوا قلبه صافياً. إلا أن معركته ليست معهم، بل معركة في غابة الموسيقى الحديثة المتشابكة. سارت رحلة رشيد بين المسارح والنوادي الليليّة من لندن إلى باريس، مازجاً بين الراي وأنواع موسيقى صاعدة من الراب حتى الروك والموسيقى الإلكترونيّة في التسعينيّات. معلّقاً بين عالمين يبحث عن أرضٍ خاصة به.

في 1997 سيصدر أسطوانة “Carte Blanche” ، ويعيد فيها تقديم رائعة دحمان حراشي “يا رايح وين مسافر“.

تنجح الأغنية عربيّاً وأوروبيّاً، وتصبح من الأغاني الرئيسيّة في موجة “راي” التسعينيّات. الجمهور العربي لن يلتفت لأغنية أخرى في ذات الأسطوانة، وهي “زبيدة“: قصّة استوحاها رشيد من فتاة جزائريّة تعرّف بها أثناء عمله في الصحافة في بداية مشواره. تجسّد الأغنية القصّة التقليديّة لفتاة عربية تزوّجت بسبب ضغوط الأب، وانتهت حياتها تحت سلطتين لم تختر أي منهما. لكن الكلمات الحماسيّة جاءت مصحوبة بلحن طفولي وتوزيع بسيط تقليدي.

سيعود رشيد لتقديم ذات كلمات “زبيدة” في 2013 في “زووم“، هذه المرة تحمل زبيدة اسم جميلة، لكن القصة لا تزال كما هي.

وهذه المرة تعلّم رشيد الدرس، ليقدّم “جميلة” في توزيعين: أحدهم مسجّل من حفلة حيّة، والآخر في استوديو، حيث يقدّم القصّة بصوته في البداية، وتصحبنا الغيتارات إلى داخل الأغنية مع تنويعات الكيبورد الشعبيّة الجزائريّة المميّزة للموسيقى التجاريّة، ويصعد الكورال ليضيف على الأغنية أبعاداً أسطورية.

تتحوّل “زبيدة” العاديّة في 1997 إلى “جميلة” أسطوريّة في 2013. وتتشكّل بين العملين المرحلة الجديدة لرشيد طه التي سينتقل فيها إلى مستوى الاحترافيّة، لتتضح أبعاد وحدود مشروعه الموسيقي الذي سيشكل اثنين أهم سماته:ستيفين هيغل، الموزّع الذي رافق رشيد منذ تلك الفترة حتى أسطوانة “تيك توا“، وحكيم: عازف المندولين المطور.

3

مع أغنية “جميلة“، يستقدم رشيد صوت فضيلة في أغنية “خلوني“. مؤكّداً على عمديّة مركزيّة مسألة المرأة بالنسبة له كما علمته “الماما ريمتي” بأنها حريّتها. فضيلة هي الأخرى شخصيّة مركزيّة في تاريخ الراي والموسيقي الجزائريّة.إذ كانت النجمة الأولى في نهاية الثمانينيّات، محقّقة شهرة أوروبيّة واسعة مع زوجها “صحراوي“، وقدّمت أول أغنية راي “فيديو كليب” “ما عندي زهر معاك“.

يصحبنا رشيد إلى قاع موسيقى “الراي” مع فضيلة. مطلقاً العنان للوحش الكهربائي في حنجرته، مستخدماً كل الحُلي الموسيقيّة الشعبية، من “الأوتو تون” حتى العواء الرتيب “للأورغ“. كأننا في لحظة من الزمن الذهبي لأستوديوهات الراي في تسعينيّات الجزائر. ومن خارج الاستوديو، يمكن أن نسمع صدى طلقات النار في الأغنية الذي ميّز حروب وصراعات سنوات التسعينيّات في الجزائر.

ربما خفت دوي الرصاص في الجزائر، لكنه يبدأ الآن في مناطق أخرى. ربما لهذا اختار رشيد هذه الأغنية، واختار تقديمها بهذه الروح: روح الراي الذهبيّة الخالصة.

4

في أسطوانة “أنت فاكر نفسك مينTékitoi“، يصل التعاون بين  رشيد ومنتجه الفني Steve Hillage إلى قمّته. هذا التعاون الذي بدأ بالتعارف بين الاثنين في منتصف التسعينيّات، ليشرف “ستيف” على الإنتاج الفني الكامل لمشروع” ‘1, 2, 3 Soleils‘,” بين رشيد والشاب خالد وفضيل.

ستيف صاحب البصمة الأبرز في مشروع رشيد، والذي فتحه أكثر على إيقاعات أكثر تنوعاً، تبدأ من الساحل الأفريقي في السنغال، وحتى الهند شرقاً والمكسيك يساراً. ومع ستيف، سيبرز براين إينو باستمرار، ويظهر في الحفلات إلى جوار رشيد حكيم، عازف آلة الماندولين أو الآلة الغريبة والمدهشة التي طوّرها حكيم بنفسها من الماندولين، وهي أكبر من الماندولين العادية وصندوقها الموسيقي الأعمق، ويحوّرها حكيم باستمرار لتقوم بدور وسط بين العود والغيتار.

بين الاثنين، تأتي أسطوانة رشيد “أنت فاكر نفسك مين” كصرخة في البريّة. كان ذلك العام 2005، والمياه الراكدة في المنطقة العربيّة تتحرّك وتتململ بفعل آثار غزو العراق وبروز شمس مشروع الشرق الأوسط الجديد، وفي الشوارع أطفال يلهون على الانترنت بأصول الحكم. في 2006 قام رشيد بإحياء حفل موسيقيّ في القاهرة. مغنيّاً: “نحّوهم، حاسبوهم“، “ثقافتنا ما في شي ديموقراطيّة، الهدرا الهدرا ممنوعة“، “قلبي وقلبك مفتوح“، وأخيراً: “السلطان قال للبوجي مان، خدوا الطيارات، وطقوا البومبات على الناس المجرمين. اللي نكروا كلام السلطان“. (روك القصبة).

وها هي الطائرات تضرب ناكري كلام السلطان في 2013، وتنطلق حمى الثورة: بموسيقى الثورة، وأغاني الثورة.ويتبدّى الأفق لرشيد كأن الكل “قبض ريح“.

وبينما يتحدّث مغنيو الثورات والربيع بحماس وثقة مفرطة عن الثورة، وحق الشهيد والحريّة، يبتعد رشيد عن ستيف منذ أسطوانته السابقة  “بونجور“، ليختار هذه المرة التعاون مع مهووس آخر بالموسيقى العربية، والمزج بين التنويعات الشرقيّة والغريبّة: جاستن آدمز. يقف الشيخ رشيد في منطقة متشكّكة، كأنما يعيد النظر في مشروعه الأنيق. ويفتتح أسطوانة  “زووم”  بأغنية “ ويش نعمل“.

وتتصاعد موجات الأسئلة: “هل أنا عربي؟ هل أنا أوروبي؟ هل أنا قبيح؟“. وبدلاً من الحماس والعواء الذئبي المجنون الذي عرفنا فيه رشيد يصرخ: “برا برا النجوم طفيت ودلقت الشمس“، يقترح هذه المرة حلّاً آخر: “اليوم، اليوم إضراب. نسافر للنجوم مع حبيبي“.

5

في الأسطوانة الأخيرة، ومن بين كل أعمال رشيد طه على مدار عشرين عاماً، تأتي النجمة والجوهرة الفريدة التي يقدمها هنا تحت عنوان Now or Never. ليقدّم التحية لأغنية إلفيس بريسلي القديمة، مع توزيع يطوف بنا من جداول الماء حتى صوت Jeanne Added التي عرفناه سابقاً في بعض الأعمال مع توفيق فروخ.

لا تعليق يمكن إضافته غير إتاحة الفرصة لتأمل هذه الجوهرة الفريدة.

البحث عن شبح آية

نشرت في 2015

 ملك يحلم أن يكون فراشة، وفراشة تحلم أن تكون ملك. يتكرر الأمر هكذا في تبادل لا نهائي بلا فرار من الحلمين. يخلق هذا التكرار إيقاع موسيقي “لوب” مستقر، يشيد ببطء عالماً باطنياً من حلمين في منتهى البساطة.

tumblr_l0zk0miwlO1qaujolo1_1280

حينما يلتقي شخصان في مناسبة اجتماعية للمرة الأولي عادة تكون مواضيع الحديث لها علاقة بالطقس، من تعرف في المكان، ماذا تفعل، ماذا تشرب. المرة الأولي التي قابلت فيها آية كان موضوع الحديث كونديرا وماجريت وأفضل مكان في القاهرة لشراء قميص زهري اللون. كان هذا في وسط سأم القاهرة 2008. وكانت آية تدرس الأدب الإنجليزي في الجامعة، أخبرتنى أنها تغني قليلاً مع أصدقاء لها ثم اختفت.

سأسمع عن آية بعد ذلك تغني توزيعات مضطربة كأنها تدريبات دراسية لعدد من الأغاني معظمها لتوم وايتس. ستختفي آية، تُحرق مباني وأقسام شرطة وتسقط هيبة دولة،يحيي العسكر الشعب، ثم يحيي العسكر الإخوان، ثم يحيا الشعب العسكر. يخبو ويشتعل صراع ودورة تاريخ تعبر. وآية وسط ذلك في غرفة تمسك الجيتار وأمام كاميرا وصوت الكمبيوتر تغنى عن نجوم وشجر وزمن ساكن وصحوة بلا صباح.

ستتحرك آية في معظم الحفلات بذات الجيتار تغني في حفلات بأماكن تختارها بعناية. صوت وطبيعة تجربة آية في تلك الفترة كان يتناسب في أفضل حالاته مع أماكن كقاعة “استديو مائة نسخة” بوسط البلد أو “مكان” والاثنان لا يتسع الفضاء فيهما لأكثر من مائة شخص. في مكان حينما كانت تغني آية فهي تجلس في منتصف الغرفة لا يفصلها عن الجمهور مسافة ذراع. وفقط صوتها والجيتار. ليصعد لوب الأحلام بتوالي الأغاني والمقطوعات. تستعير آية معانى متناقضة وقاموسها لا يخلو من الفصحي ودائما هناك كائنات آخري تتحرك معنا في هذا العالم أشباح لشخصيات غائبة وأشخاص تتحاور برسائل مبتورة كأن هناك شيء موجع وساخر غائب تحت هذا اللوب الموسيقي الرتيب المميز لألحان آية، والذي يتحول في الأداء الحي بأماكن ليست ذات طبيعة مسرحية إلي سحابة كأن آية تدخلنا إلي عالمها الذي بنته لوحدها وبفرديتها المميزة.

18320687_1427149007344408_5512314696964294402_o

لا يمكن أن تصحب صوت آية معك بعد الحفلة، ولن تجده بسهولة في تسجيلات علي الانترنت. ولا تهتم كثيراً بتوثيق أعمالها، بل وكثيرا ما تحذف من أرشيفها. دوائر جمهورها الصغيرة والتي تعلق دائماً كيف “أنها دماغ لوحدها” تتداول أحياناً تسجيلات لها ترفعها من حفلاتها تعانى من رداءة الصوت.

 

ستخرج آية من قلعتها في حالات قليلة في البداية لكن على ما يبدو يتغير هذا حالياً. واحدة من المرات ستكون حفلة “كومبو” والتي أقيمت  في مسرح روابط عام 2012، بالمشاركة مع يسرا الهواري ومى وليد وإطلالة خاصة لبيري معتز على “الباص جيتار”. وقتها كان الحفل بمثابة إعلان مدوى عن وجود موسيقي جديدة وفتيات يلعبن ويجربن بآلات موسيقية فردية دون فرق أو أوركسترا تقديم حكايات وحالات موضوعه الأساسي هو الذات وخيبات العلاقات وطرق المقاومة المختلفة لإيجاد طرق ومسارات للحياة في مدينة قاحلة كالقاهرة.

بنات جيل آية من الموسيقيات والمغنيات، سعين إلي تطوير أنفسهم بسرعة، وصنعناً شعبية معقولة تنمو ببطء لكن بثبات. توسعن للعمل مع موسيقيين من بلدان وتيارات مختلفة أنشأن فرق فنية وأخذن قرار بإكمال التجربة إلي النهاية كمغنيات. لكن آية بعد كل حفلة كانت تضع الجيتار في حقيبتها وتجري قبل أن تقترب الساعة من الحادية عشر.

-رايحة فين يا آية؟

بصوت خافت مختلف عن صوتها أثناء الغناء ستكون الإجابة غالباً “بكرة مدرسة لازم أروح”. في الصباح تستيقظ آية في السادسة صباحاً لتذهب للعمل كمدرسة للأطفال، وفي فترة آخري بينما كان زميلاتها يسافرن حول العالم لإحياء الحفلات واستكشاف العالم والموسيقي الآخري، كانت آية تترك الموسيقي وتذهب لتتعلم لسنوات في مدرسة الرقص المعاصرة التي أسستها كريمة منصور.

17879852_1762120020764999_9087253803811318045_o

 تتوالي صور الأشباح عند البحث عن آية، من  العازفة والمغنية، لأية المدرسة، لآية الراقصة، لآية الشجرة، ثم آية على الفيسبوك والشبكات الاجتماعية التي تصرخ في جمهورها “أنا مش مغنية ومش بغني”. ولنفي أي محاولة للتصنيف تشاركنا من داخل قلعتها بفيديوهات تقوم فيها بأشياء بسيطة ككيفية غسل الأسنان بالفرشاة.

في البدايات حينما كنت أحضر لآية تغني لتوم وايتس أو لسيد درويش في حالات نادرة، ورغم أي ملاحظات أو هنات لكن كان من الواضح مساحة الصوت وقوتها الغريبة التي تختزنها آية، وفي التسجيلات والأعمال الأولي كان هناك مشكلة في السيطرة على هذه القوة والمساحات العريضة لكنها دربت هذا الصوت، مع الجيتار تحولت هذه القوة إلي جزء من “اللوب” الدائري لايقاع الحلمين وربما الأحلام المتعددة لشبح آية.

تتهرب آية من التصنيف ومن حصار المغنية أو الفنانة، لا تسعي للجمهور وخجولة في التجارب التي تختارها، تجلس داخل قلعتها وتفتحها لمن ترغب وتسمح له بالدخول. مؤخراً فقط بدأت في الانسجام أكثر فأكثر مع حالة آية المغنية. في سيناء في شهر سبتمبر الماضي مع فريق “كلاب المطر/ RainDogs” وعلى شاطئ المعجنة بينما الكلاب تلعب كانت آية طوال الحفلة تكرر آهاتها وجمل وكلمات وقصيرة كأنما الصوت تحول لآلة موسيقية تحمل نجوم سماء سيناء.

هذا الشتاء تخرج آية كثيراً لتحيي حفلات في مسارح وأماكن متعددة والجيتار الذي كانت تحمله أصبح يصحبه الآن مولف موسيقي إلكيترونية، حيث تستخدم النبضات والدفقات في أغانيها الجديدة. ليندمج الصوت مع الضوضاء كأنها تتحول لشبح يلوح لنا من عالم آخر.

21125447_1660396340699948_8014519751768400224_o.jpg

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ