في الحقيقة، هناك في الآونة الأخيرة ثلاث—or لنقل أربع—تحركات لافتة من الإدارة المصرية، تُظهر قدراً غير معتاد من الكفاءة واليقظة، إلى درجة أنني شخصياً أشعر بالدهشة:
= تقدُّم الجيش السوداني بدعم مصري مباشر، وتحقيق انتصار واضح على قوات حميدتي، ومن خلفه الراعي الإماراتي.
= تعزيز الحضور المصري في ليبيا، عبر تدخل محسوب للمساعدة في تهدئة الأوضاع في طرابلس، مع مؤشرات على انخراط مصري جاد في مسار الحل، بما قد يُفشل مشاريع ترامب المسمومة.
= فك ارتباط الطاقة مع إسرائيل وتعزيز البدائل خطط مصر لاستئجار سفن الغاز التركية وتوقيع عقود جديدة مع قطر تمثل خطوة حاسمة نحو تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على إسرائيل. هذه السياسة تعكس وعياً متزايداً بأهمية الأمن الطاقي والسيادة على مصادر الإمداد
= التوسّع في مشاريع التصنيع العسكري بالتعاون مع تركيا، بما في ذلك خطط طموحة لإنشاء ترسانة بحرية واعدة، توسيع نطاق التصنيع المشترك لا يخدم فقط أغراض التسليح، بل يفتح الباب أيضاً لنقل تكنولوجيا، وتحديث البنية الصناعية الدفاعية المصرية. هذا التحوّل قد يساهم في تقليل الاعتماد على الاستيراد الغربي، وتعزيز الاستقلال الاستراتيجي. كل هذا حدث في أقل من عام، وتبدو وراءه بصمات حسن رشاد رئيس المخابرات الجديد واضحة. فلتتخيّل فقط لو أن بقية مؤسسات الدولة استفاقت من سباتها، وتركنا وراءنا البرشام، الترامادول، وشغل الدروشة السيسيوية
من المستقبل البعيد تبدأ أحداث سلسلة القصص المصوَّرة، “القبّة الشمسية”، للفنان المصري محمد فهمي، المعروف باسم جنزير. مستقبلٌ
يصعب تعيين المسافة بينه وبين لحظتنا الراهنة؛ فالصفحةُ الأُولى من الجزء الأوّل تحمل إشارة إلى عام 949 بعد الطوفان. متى حدث الطوفان؟ ليس ذلك واضحاً. ربما حدث في زمننا، وربما يحدث غداً أو بعد ثلاثين عاماً، فنحن بالفعل في لحظة انتظار الطوفان والانهيار الكبير، مع ذوبان جليد القطبيَين وارتفاع مستوى مياه المحيطات.
لذلك، وعلى الرغم من طابعها المستقبلي، تُمسك السلسة بإيقاع لحظتنا، وبخوفنا من الغد المهدَّد بالفَناء، وبالواقع الذي دهسه حذاء اليأس، وبالأمنيات والأحلام بنهوض شعلة المقاومة بعد أن انطفأت في أيدينا. هذا هو جوهر The solar grid؛ وهو العنوان الإنكليزي الأصلي الذي تصدر به هذه السلسلة.
أثَر الثورة
برز اسمُ جنزير (1982) قبل ثورة يناير 2011، ضمن موجة من الفنّانين والمصمّمين الذين أعادوا صياغة المشهد البصري في مصر بعد عام 2000. تميّزت هذه الموجة بالاعتماد المكثّف على برامج التصميم الإلكتروني، وبالتأثُّر بتصميمات “البوب آرت” الغربية، والسعي لخلق تصوّرات لـ”بوب آرت” محلّي.
ترافَق ذلك مع صعود جيل من السياسيّين ورجال الأعمال، أبناء زمن ما بعد 11 أيلول/ سبتمبر، وتكاثُر المُولات التجارية، وظهور “الكافيهات” باعتبارها صيغةَ “بوب آرت” للمقهى. كان عالم الإنترنت يتطلّب إنتاج تصميمات وصور تعكس الخصوصية المحلّية، وتُناسب، في الوقت نفسه، العرضَ العالمي وذوق الفئات الجديدة.
في واحدٍ من معارضه المبكّرة قبل الثورة، قدّم جنزير سلسلة من البورتريهات لأبطال خارقين محلّيّين: عاملُ نظافة يمتلك قدرة خارقة على حمل أثقل الأوزان، أو “مكوجي” يتحوّل إلى رجل خارق. عُرضت تلك البورتريهات في مطعم فاخر يُطلّ على نيل الزمالك، لتُقدّم معادلاً بصريّاً يناسب الذائقة الجديدة، ويجعلها ترى واقعها المحلّي عبر “فلتر” الثقافة الأميركية.
بعد تنحّي حسني مبارك ببضعة أشهر، شاهد المارّة في الشارع الذي يقع فيه ذلك المطعم عملَ غرافيتي شهيراً لجنزير، يضمُّ بورتريهات لعدد من وزراء مبارك السابقين، الذين كانوا أحراراً وقتها، وقد كتب فوقها: “الشعب يريد محاكمة حبايب النظام”. احتفظَ الفنّانُ بالأسلوب التقني في رسم البورتريهات الذي طوّره في مشروع الأبطال الخارقين، وأضاف إليه طبقات جديدة بعد الثورة، ليظهر في سلسلة بورتريهات انتشرت على محطّات المترو، وهذه المرّة لشهداء ثورة يناير، وبجوار كلّ بورتريه اسم الشخص وعمره.
تتخيّل السلسلةُ عالماً مستقبلياً تتحقّق فيه المخاوف البيئية
يُجسّد الفارقُ بين العملين أثَر ثورة يناير عليه وعلى أعماله: حرّرت الثورةُ الفنّان مثلما حرّرت عشرات من فنّاني جيله من أَسْر قاعات الفنّ المغلقة، أو زاوية الديكور في المطعم الفاخر. لكنّ جنزير كان من أكثر الأسماء نشاطاً؛ إذ لم يتوقّف عن وضع بصمته في الشوارع، في تصميمات المطبوعات، في ملصقات صغيرة الحجم تُوزَّع في المظاهرات. تميّزَت أعماله بجرأة طرحها السياسي، وبعنف ثيمتها البصرية. أشهر هذه الأعمال – والذي تسبّب في إلقاء القبض عليه – هو “قناع الحرّية” (2012)، والذي لم يكن صادماً على مستوى رسالته السياسية فحسب، بل على مستوى طرحه الفنّي. كان غريباً عن معظم تصميمات الثورة، ويحمل ثيمات واضحة من عوالم السادومازوخية.
الخروج من مصر
خرج جنزير من مصر مع العودة العنيفة والملطّخة بالمذابح للحُكم العسكري. يقول إنّه لم يكن يتوقّع أن يطول غيابه عنها. أقصى تقدير كان أن يستمر لعامين، لكنّه تجاوز الآن عامه السادس. في البداية، طُلب منه، وبشكل صريح، أن يُعيد إنتاج ما كان يفعله في مصر ليُعرَض في نيويورك، لكنّ جنزير، بدلاً من ذلك، وضعَ النظام الأميركي هدفاً لمعرضه الأوّل في الولايات المتّحدة، حيث قدّم طرحاً نقدياً للنظام السياسي والحياة الأميركية.
سوق توزيع “يوتيوب” وغيره من المنصات ليس محدوداً بالحدود الجغرافية لمصر. أو محصوراً في السياق العربي فقط. فحين يرفع المغني الشاب أغنيته على “سبوتفاي” مثلاً أصبح في منافسة مع كل الفنانين في العالم، الذين يرفعون أعمالهم هناك.
أضف إلى ما سبق أن غزو برمجيات التوليف الموسيقي ليس مقصوراً على صناعة الموسيقى في مصر. بل غيمة غطت الإنتاج الموسيقي في العالم.
يستخدم صناع الموسيقى في مصر البرمجيات والأصوات نفسها التي يستخدمها صنّاع الموسيقى في البرازيل أو اليابان. فأصبحنا نعيش في عصر “التناسخ” لا “النسخ” كما في زمن “فالتر بنيامين”، الذي تحدث عن “ضياع هالة العمل الفني” بعد انفصاله عن زمان ومكان إنتاجه الأول، بسبب إمكانية نسخه آلياً بشكل غير محدود، وتلقيه في سياقات زمانية ومكانية مختلفة. في عصر “التناسخ” لا يقتصر ضياع “الهالة” على إمكانية نسخ العمل الفني الواحد بلا حدود. بل تبدو كل الأعمال الفنية على اختلافها أشبه بتكرار لنغمة وصوت واحد. وبالتالي فالانفصال عن الزمان والمكان لا يقتصر على لحظة التلقي. بل أيضاً لحظة إنتاج العمل الفني نفسها.
بحملة إعلانية ضخمة وأغنية شاعرية رومانسية تتحدث عن فرص الحياة، أعلنت مصر عن افتتاح مجمع سجون، قيل أنه الأكبر في مصر والشرق الأوسط، وقيل في مبالغة، ربما الأكبر في أفريقيا، ومن يدري ربما يكون السجن الأكبر في العالم.
في الإعلان الذي يُبث بكثافة في التلفزيونات، تظهر لقطات واسعة مصورة بالـ”درونز” لمجمع السجون من أعلى، تحيطه الحدائق الخضراء التي أصبحت مفقودة في الشوارع المصرية. وعبر لقطات متتابعة تشبه تلك التي تظهر في إعلانات المشاريع العقارية الفخمة، يظهر ما كأنه ديكور لسفينة فضائية أو فيلم من أفلام الخيال العلمي المستقبلية، وفيها أشخاص يفترض أنهم مساجين وهم يمارسون أنشطة غريبة جداً: يعملون في مزرعة دجاج، يجلسون في غرفة موسيقى، يقفون في غرفة حضانة أطفال، يطهون الطعام في مطبخ فاخر مليء بالمعدات الحديثة.
وفي مشهد بليغ يجلس المساجين في غرفة مَرسم، يظهر أحدهم وهو يلون صورة للرئيس عبد الفتاح السيسي كُتب تحتها “تحيا مصر”، كما تظهر لقطات لغرفة مستشفيات مجهزة بأرقى الأجهزة. وفي بداية ونهاية الفيديو، هناك تنويه لا يمكن معه سوى الاستهجان حتى القهقهة إذ يؤكد “أن جميع النزلاء تم تصويرهم بموافقتهم”
في نهاية عام 2019، بعد أن تحرر من سجنه، وبعد أن ترك السجن الكبير الذي صارته بلادنا، أصدر الكاتب أحمد ناجي كتابين دفعة واحدة. أولهما «حرز مكمكم» (دار صفصافة) الذي أرى فيه كتابة يندر مثيلها في تاريخ الأدب العربي حول السجون، كما أرى فيه شهادةً أدبية تنهض في مواجهة الوثائق القانونية التي أدانت الكاتب وعاقبته. وإذا كان صحيح أن للوثائق القانونية تأثير أحدّ في مصائر البشر من حيث كونها «فعلًا بالكلام»، فلا شك عندي أن لشهادة أدبية كهذه تأثير أكبر لدى سرد التاريخ، بما فيها من كلام عن الفعل. بالتزامن مع «الحِرز»، نشر ناجي رواية «والنمور لحجرتي» (دار المحروسة)، فجاءت تأكيدًا على أن شواغل الكاتب المجَرّم، والتي يحكي عنها بالتفصيل في «الحرز»، هي محل تطبيق ودراسة وعمل وتأمل وفحص وتحقيق في رواياته.
في هذه المقالة -وأعتذر مسبقًا عن طولها- سأحاول التعليق على هذين الكتابين اللذين أصدرهما ناجي معًا: عمّ وعمّن يكتب ناجي؟ ما المشترك بين كتابيه هذين؟ ما الجديد فيهما مقارنةً ببعض أعماله السابقة؟ كيف يدلنا كل منهما على قراءة لجانب من حياتنا؟ وكيف يدلنا كل منهما إلى قراءة للآخر؟ وأين موقع المؤلف وتعريفه للأدب واللغة في كل منهما؟ وما موقع سؤال الأنواع الأدبية بين الكتابين، وأحدهما رواية -يعني تخييل- وثانيهما سيرة ذاتية -يعني وثيقة تدّعي قولَ الحقيقة بلسان المؤلف؟ وأخيرًا، إذا كانت الرواية هي الجريمة واللغة
لا نري الطوابير في لوحات عصر النهضة، ولا توجد أدلة على وجود الطوابير لدى الرومان أو الاغريق. في مدينة العمال بهضبة الأهرامات، عثرنا على سجلات دقيقة حول أجور العمال ونظامهم الغذائي وحصص الطعام والبيرة التي توزع عليهم.. يا للعجب بدون طوابير.
الطابور هو تظاهرة لتأكيد المساواة بين البشر، لذا فالثورة التي قطعت رؤوس الاقطاعيين، وألغت الألقاب المالكية، ونادت بالمساواة والأخوة، وجدت في الطابور إعلاناً واضحاً عن مبادئها، وسلوكاً تدريبياً لمواطنيها على قيم وقوانين العهد الجديد.
قبل ذلك كانت فكرة الطوابير شبهه مستحيلة، بل وضد قوانين الطبيعة في نظر الكثيرين. فكيف مثلا للكونت أن يقف في طابور مع الفلاحين؟ أو أن يسبق العبد الشيخ الأزهري في الطابور.
Alex Gross
البناء الهرمى للمجتمعات القديمة، والدول الملكية والإقطاعية يفرض ترتيباً هرميا للبشر علي حسب مكانتهم الاجتماعية، والعرقية، والدينية، وبالتالي لا يمكن المساواة بين رأس الهرم وأسفله أو أن يقف الاثنين في صف واحد.
تزايدت الطوابير بداية من القرن التاسع عشر مع الثورة الصناعية وبنيان الدولة الحديثة. معظمها طوابير العمال، أما السادة فيدخلون من باب خلفي.
مع بداية القرن العشرين لم تعد الطوابير مشهداً غريباً، بل أصبحت المشهد المنشود. المساواة التامة، كلنا في الطابور واحد، بلا باب خلفي للسادة، ومع بداية القرن الواحد وعشرين أصبحت الطوابير دلالة على الاحترافية والنظام والفاعلية حتى لو لم تتصف بكل ذلك.
أنا كرهت الطوابير طوال حياتى منذ الطفولة وحتى الآن. أول ذكري عن الألم تقبع في باطن قدمى، كنت طفلاً لم اتجاوز الثالثة، وكانت أمى تصحبنى معاها أحياناً لإنجاز بعض المعاملات الحكومية حيث الوقوف لساعات في طوابير متتالية في الشمس، وكنت دائماً اتألف من الوقوف على قدمى. حتى بعد دخول المدرسة، فقرة العذاب اليومية كانت طابور الصباح، وحياتى المدرسية ليست إلا محاولة للهروب من هذا الطابور.
في المرحلة الثانوية، عرفت أنى أعانى من القدم المسطحة/ فلات فوت. وبالتالى الوقوف لفترات طويلة فعلا غير صحى، وكان هذا بداية تهريبي الأبدى من الطوابير الذي أوقعنى في شرك حب الواسطة والمحسوبية.
لكن مهما حاولت، كنت دائماً أفشل في الهروب منها، لأن كل محاولاتي للبحث عن واسطة تنقذينى وتحمينى لم تكن تكلل بالنجاح. اضطررت كثيراً للتعامل مع الطوابير كقدر لا مهرب منه، براز من مخرجات الحداثة يتواجد في النظم الاشتراكية والرأسمالية، لا علاج له مثل حساسية الجيوب الانفية في الربيع، وآلام البواسير بعد تناول الطعام الحار، رد فعل للزيادة السكانية وشح الموارد.
ثم انتقلنا إلى الحياة في أمريكا منذ بضعة سنوات، لأجد مستوى آخر من الطوابير منجز أمريكى فريد حيث تقف في الطابور من أجل الحصول على تذكرة في طابور آخر. كأن تدخل مصلحة حكومية أو معمل تحاليل فتجد طابوراً طويلا، وحين تصل إلى نهايته يعطيك الموظف رقماً، لكي تجلس وتنتظر دورك في طابور افتراضي آخر.
العشق الأمريكى للطوابير غريب وفريد من نوعه، حتي أنهم لا يجدون في الأمر غرابة حين يرتدون أفخم الملابس ويخرجون للسهر ليلاً، ويقضون ساعة وأكثر واقفين في الطابور يحملون البيرة في أيديهم، والحماسة والسعادة تسيطر عليهم منتشين بالسهر في الطابور.
* **
بعد ثورة يناير 2011 في مصر، انتشرت مجموعة من الدعوات والمنشورات الترويجية رسالتها، أن مصر تحررت بعد الثورة وأصبحت بلدنا كلنا لذا لابد أن نحافظ عليها، وذلك بالالتزام بالقوانين، فلا إلقاء للزبالة في الشارع، ولا كسر لإشارة المرور، ولا تجاوز للدور في الطابور. وحين بدأت مسيرة الفعاليات الانتخابية، كانت صور الطوابير الطويلة للناخبين هي أكثر الصور تداولاً للدلالة على التغيير الذي تمر به البلاد، حيث يقف الناخبون في نظام وصبر لساعات طويلة، لا من أجل شراء رغيف الخبز كما في الثورة الفرنسية بل من أجل التصويت في الصندوق الانتخابي.
قانون الطوابير التاريخى ينص على ظهورها مع الثورات، و ترسخها وتوسعها في ظل الممارسات الديموقراطية.
لم تطل مرحلة “الممارسات الديمقراطية” في مصر إلا لعامين، لنعود بعد 2013 إلى فساد النظام العسكري الديكتاتوري المصري، حيث عشرين جنية، أو رشوة بسيطة تجعلك تتجاوز من يسبقونك في الطابور، أما إذا كان معك “واسطة” فلن تقف في الطابور وستدخل من باب السادة الخلفي.
الواسطة، هي يد تمتد من أعلى الهرم، لانتشالك من الطابور لتفتح لك باب السادة. لكنها لا تضمن لك الصعود إلى أعلي، هي مجرد يد تفتح باب خفي ثم تخرجك مرة آخري إلى طوابير المساواة في الفقر والانتظار والرجاء، حتى تظل إلى الأبد في حاجة لها، هكذا يحكم السادة، بفرض الطوابير والقوانين وامتلاك القدرة على استثناء الأخرين منها.
** *
مع ذلك فالواسطة ليست مجرمة في كل الحالات، ففي أحيانا كثيرة تباع الواسطة كامتياز شرعي. مثلا تذهب لتجديد جواز السفر فتجد ثلاث أسعار، واحد لإصدار الجواز خلال عشرة أيام، ثانى أغلى لإصداره خلال ثلاثة أيام، وثالث لتحصل على جواز سفرك في ذات اليوم. في أمريكا نفس الشيء، حيث هناك دائماً طابور الـ vip.
لم تعد مشكلة الواسطة في زمننا أنها نقيض للمساواة، للأخوة بين المواطنين في طابور الخبز بعد الثورة الفرنسية. بل لأنها تسمح بتسريب المال خارج دائرة النظام. وفي النظم الإدارية المحكمة فالمهم هو هذا المال المسرب لا القوانين والمساواة، لذلك كان الحل في شرعنة الواسطة من خلال طابور الخدمة المميزة، بحيث تدخل أموال رشاوى الواسطة إلى جيوب النظام.
الواسطة ليست مهمة لمن هم في الأسفل لتساعدهم على تجاوز صعوبات النظام والحياة، بل مهمة كذلك لمن هم في الأعلى لأنها مصدراً للدخل ولتأكيد نفوذهم وسلطانهم، حتى أنها في بلدان كاملة الفساد وهرمية الإدارة والحكم كمصر تصبح الواسطة أسلوب إدارة لكل شيء.
يستحيل أن يحيا المرء حياته في مصر بدون واسطة، بل أن أول خطوة لإنجاز أى معاملة هي البحث عن “واسطة”، من التقديم لابنك في المدرسة، إلى الحصول على رخصة قيادة السيارة، إلى التعيين في الوظائف الهامة أو التافهه.
الواسطة في مصر هي نسيج اجتماعي، ونظام سياسي راسخ لدرجة أنه لا يعتبر فساد. بل أن وزراء العدل والقضاة المنوط بهم تنفيذ القوانين يعلنونها صريحة كل فترة مثلا أن تعيين أبناء القضاة لن يتوقف، وأنهملايمكنأنيقبلواقضاةليسوامنعائلاتقضائيةأومنأصولفقيرةأومتواضعة.
بدون الواسطة أصلاً لا يمكن أن تصبح قاضياً في مصر فما بالك ببقية الوظائف والمهن.
** *
يتكيف المرء مع الواسطة كما يتكيف مع التغيرات المناخية، حتى لو كره حساسية الربيع. لا مهرب من الواسطة في مصر حتى لو أردت الحياة في الظل، ورضيت بموقعك في الأسفل. فهناك عدالة اجتماعية في توزيع الواسطة ومهما كان ما تفعله ضئيلاً وهامشياً ستجد مسار يجبرك على الاستجداء بالواسطة.
بعد خروجى من السجن عام 2016، ضاقت فرص الحياة والعمل في مصر، وبدا واضحاً أنه لا مهرب سوي الخروج، لكن حين اتجهت للمطار تفاجأت بالمنع من السفر. ظللت لأكثر من عامين أجرب كل الطرق القانونية، ووقفت في كل الطوابير لمعرفة الحجة القانونية لمنعي من السفر أو رفعه، لكن لم أوفق. حينها بدأت مسير التذلل الأكثر إهانة في حياتى كلها.
لعام ونصف تقريباً، كنت حرفياً أكلم طوب الأرض، من أجل المساعدة في رفع الحظر عن السفر. البعض يتهرب، البعض يعد، البعض يخبرنى أنه حاول لكن الموضوع صعب. سافرت إلى محافظات آخري لكي ألتقي بأشخاص في قري ريفية لكن لديهم قرابة أو علاقة مع ضباط في المخابرات، هؤلاء كانوا أكثر احترافية، تخبرهم بتفاصيل قضيتك والمسألة، ثم تقابلهم بعد أسبوع، يخبرك أن قريبه يعمل مع الراجل الثاني أو الثالث في الجهاز، والصفقة كالتالى عشرة آلاف دولار مقابل أن يسلمك لشخص أو جهة تهربك بريا عبر الحدود من مصر إلى السودان، ومن هناك يمكنك أن تسافر أينما أردت.
إذا لم تمتلك المال اللازم كحالتى فلا صفقة لاتمامها، ولا يمكن للواسطة أن تمد يدها إليك، لكن يمكنك إهداء موبايل آيفون لضابط، لكي يدبر لك مقابلة مع ضابط في أمن الدولة ليسمع منك لماذا ترغب في السفر؟ لا ضمانات في هذه الحالة، حوالى ألف دولار لكي تذهب لمقر الأمن الوطنى وتجلس لتشكو حالك لمدة عشرين دقيقة لضابط الأمن الوطنى، وفي هذا اللقاء عليك أن تكذب، وتدعى، وتمارس كل الحيل لتثبت أنك مواطن صالح مؤيد للنظام لا ضرر أو خوف منه، كما عليك أن تخاطب الانساني داخل الضابط، فتروى عن ظروفك الصعبة وزوجتك الحامل وحيدة في برد “سيراكيوز” في نيويورك، تحرك وتحرق كل كروتك، علك تناول رضا الضابط فيصبح واسطتك.
في كل مرة تقف فيها في الطابور وتنظر لأعلى تستجدى بالواسطة، فهناك شعور مهين يترسخ داخلك، مهما حاولت التظاهر بالكرامة والشمم، ففي كل مرة تستعين بالواسطة يمر المرء عبر ممر واطيء يجبرك سقفه على الانحناء، هذه هي مذلة وذل الواسطة.
* **
في أمريكا لا تنتشر الواسطة رغم انتشار الطوابير وذلك لأن البلد قفز من الاقطاعية لمابعد الحداثة دون ثورات أو إعادة توزيع للثروة، بالتالى فرغم أننا جميعاً نقف في الطابور، لكن أمام شباك المعاملة، أمام بندقية الشرطى لا يتساوى السيد الأبيض، بالمواطن الأسود، بالمهاجر الحديث الذي خرجه لتوه بالقارب. ثم إذا أردت أن تتجاوز الطابور فيمكنك أن تدفع ألف دولار لتدخل مباشرة من باب الـ VIP.
الامتيازات العرقية في أمريكا فوق الواسطة، كما أن تكاليف الواسطة مرتفعة الأمر الذي يجعلها حكراً فقط علي الأثرياء جداً، كأنك تكون رئيس للجمهورية مثل ترامب فلا تدفع ضرائب سوي 800 دولار، أو متزوج من بنت رئيس الجمهورية فيصدر عفواً عنك يحميك من المحاكمة عن أى فعل ارتكبته.
بينما عشت حياتى السابقي داخل نظام قائم على الواسطة، يضمن للجميع توفير الواسطة المناسبة لامكانياته، ففي أمريكا لا توجد عدالة اجتماعية في توزيع الواسطة بل تظل حكراً علي أغنى الأغنياء فقط. مما يحرمنى من حق الواسطة مثلي مثل غير من الفقراء الذين نطالب بالعدالة.
تنتشر تلك الفئة من البشر الخارقين وسطنا مِن دون أن نُلاحظهم أو نعطيهم التقدير الكافي، ليس لأنهم يتخفَّون، أو يُموِّهون قدراتهم الخارقة، فعلى العكس، هُم يفخرون ويُردِّدون في كلِّ مناسبة جملتهم الأثيرة “أنا لم أمرض قَطّ طوال حياتي“. بل إنَّ أقاربهم وأصدقاءهم، أيضاً، يتباهون بإنجازهم، لدرجة أشعر بالحرج وأعجز عن الردِّ والتعليق كلَّ مَرّةٍ يُخبرني صديقٌ كيف أنّ جدّتَه “وصلت للثمانين ولم تمرض قَطّ”، أو كيف أنَّ لديهم عمّاً يأكل صباح كلِّ يوم فصّ ثوم، وملعقة عسل، وليفة، وكوب ليمون. ولهذا لم يمرض قَطّ وعاش حتّى المئة.
علمياً، يستحيلُ ألّا يمرض أيُّ كائنٍ بيولوجي؛ فالسهو والخطأ والإصابات والمرض ليست نقاط ضعف، بل هي الوسيلة التي تتعلَّم منها أجسادُنا تطوير مهاراتها وقدراتها على البقاء. إذا لم تمرض قَطّ، فأنت على الأرجح جثّة ميتة. حتّى أنَّ الميكانزيم الذي طوَّرَه البشرُ للوقاية مِن الأمراض عبر اللقاحات والأدوية يعتمد بالأساس على تعريض الجسد للمرض مِن أجل تحفيز الجهاز المناعي، للتعرُّف على المرض، وتكوينِ الأجسام المضادّة التي ستعمل في المستقبل على حماية الجسد. ميكانيزمُ اللقاحات لا يختلف كثيراً عمّا نفعله في حياتنا وواقعنا. العرق في التدريب يُوفِّر الدم في المعركة.
لو افترضنا أنَّ تلك الفئة مِن البشر الخارقين محصَّنون، ولديهم مناعةٌ جبّارة ضدّ الأمراض وآلامها، فهذا يعنى، بالضرورة، أنّهم أُصيبوا في السابق بتلك الأمراض أو نُسَخٍ مخفَّفةٍ منها، ما جعل جهازهم المناعي على درايةٍ بمكوِّنات الميكروب/ الفيروس، وقادراً على دحره، وسحله، ونسفه، وتبديده، في حال اقترابه.
لا أقول إنَّ العلْم والطبَّ والبيولوجيا تُكذِّب ادّعاءات الخارقين. لا أقول إنّهم كاذبون؛ فمَن أنا لأُصحِّح لإنسانٍ ما يظنُّه في جسده؟ إذا كنّا نقبل تعريفات الأفراد لهوياتهم الجنسية والعرقية والدينية، حتّى لو تعارضَت مع خطاب العلم والطب والجغرافيا والتاريخ، فالأحرى أنْ نقبل بوجود هؤلاء البشر الخارقين… الذين لا يمرضون.
2
لا يُفصِح البشرُ الخارقون عن هوياتهم وقدُراتهم إلّا بعد بلوغهم “أرذلَ العمر”.
وفي معنى “أرذل العمر” أَمِيل إلى ما فصَّله محمد بن إسماعيل الصنعاني (1687 – 1768) في كتابه “سُبُل السلام”؛ حين قال: “المُراد من الردِّ إلى أرذل العمر: هو بلوغ الهرم والخرف، حتّى يعود كهيئته الأولى في أوان الطفولية، ضعيفَ البنية، سخيفَ العقل، قليلَ الفهم“.
فهل يكون مردُّ ترديدِ هؤلاء العجائز خرافةَ “عدم المرض” سُخْفُ العقل وقلّةُ الفهم؟ مرضٌ أو اضطرابٌ نفسي يجعلهم واثقين مِن أنفسهم، مستعدِّين لترديد أيِّ خرافات وادّعاءات، بينما الصغارُ مِن بقية المجتمع مضطرِّين للتصديق احتراماً لسنِّهم؟
هل أمْرُ الأشخاص “الذين لا يمرضون” ليس سوى كذبةٍ وتواطُؤ اجتماعيِّ… محض خرافةٍ الجميعُ مجبَرٌ على تصديقها؟
3
لا تجد شابّاً أو شابّةً يُصرِّح/ تُصرِّح بمثلِ هذه العبارة “أنا لا أمرض أبداً“. قد يكون في التاسعة عشرة مِن عمره وبكامل صحّته، لكنَّه أبداً لا يملك شجاعةَ التصريح بمثل هذا الادّعاء، لأنَّ الردَّ سيكون: “انتظِر حتّى تكبُر، مِن المراهقة إلى الشباب، ومِن الشباب إلى الكهولة… حتّى تبلغ أرذل العمر“.
لو صرَّح شابٌّ بادّعاءِ امتلاكِه قوىً خارقةً وأنّه لا يمرض أبداً، فالردُّ سيكون التكذيب والسخرية والتنمُّر. لكن لو قال عجوز أو متنكِّر في هيئة عجوز ذات الادّعاء، فالردُّ سيكون التصديق أو التظاهر بالتصديق، مع عباراتٍ مثل: “يدّيك الصحّة يا حاج“.
4
حين انتقلنا إلى لاس فيغاس، حيث أُقيم منذ عامَين، لاحظتُ في الأسابيع الأُولى انتشارَ كبار السنِّ والعجائز في كلِّ مكان. أحياناً يعملون في مِهنٍ بسيطة؛ كأنْ يقف أحدُهُم ليُعبّئ لك ما اشتريتَه في أكياسٍ بلاستيكية عند انصرافك من السوبر ماركت، أو تجدَ آخر، متهالكَ البنيان، في محلٍّ لبيع التبغ يستغرق دقائق لإنجاز معامَلةً مالية واحدة.
عرفتُ بعد ذلك أنَّ لاس فيغاس واحدةٌ مِن مُدُن التقاعُد، نظراً لانخفاض أسعار المنازل وتكاليف الحياة نتيجةَ انخفاضِ أو شبه انعدام الضرائب التي تُحصِّلُها الولاية، أضِف إلى ما سبق دفء الجوّ والشمسُ المشرِقة طوال العام، ما يجعلها المهرَب المثاليَّ لسكّان الشمال والساحل الشرقي الراغبِين في قضاء تقاعُد مريح.
لكنْ في الوقت ذاتهِ، فإنَّ أنظمة التقاعُد في أميركا، مثل أنظمة الرعاية الصحية، زيّ الخرا الحمد لله، فيضطرُّ الكثير مِن كبار السنّ – حتّى بعد بلوغهم السبعين والثمانين – إلى العمل في مِهنٍ تتطلّبُ مجهوداً ذهنياً وعضلياً بأجورٍ لا تتجاوز الحدَّ الأدنى.
ليس للشيخوخة هنا احترامُها أو تقديرُها. إذا تجاوزتَ الستّين ولم تكن غنياً أو في منصب سياسي، فلا مكان لك في المجتمع سوى الهامش، أو مجتمعاتِ كبار السن؛ حيث ستضطرُّ للعيشِ في تجمُّعاتٍ سكنية أو بيوت لرعاية المسنّين. وعلى حسب ما ادّخَرته طيلة حياتك، سيكون بإمكانك اختيارُ بيتِ الرعاية أو مجتمع المسنّين الذي تحلم به، أو ينتهي بك الأمر في بيتٍ على البحر في فلوريدا، أو في غرفةٍ قاتمة داخل مبنى كئيب على طريق سريعة تُؤدّي إلى اللامكان.
لوحة ل Alex Gross
من حيث أتيت، كبارُ السن مقدَّسين، حتّى أنَّ الرجالَ يتسابقون للتظاهُر بالتقدُّم في السن، لكَي يبدأ الآخرون في مناداتهم بلقب الحاج، أو عمّو، أو شيخ.
مَن يبلغ أرذلَ العمر في بلادنا يجري تعيينُه في منصب رئيسٍ للجمهورية، أو يتولّى مهام القيادة ليُعمِّم سُخف عقله وقلّة فهمه على الجميع. وإذا لم يُحالِفه الحظُّ في تولّي مناصبَ قياديةٍ، فسيطمح، على الأقلّ، في لقب كبير العائلة، ليأتي له الجميعُ يأخذون بركته، ويُقدِّمونه في المناسبات الاجتماعية: يَقف في مقدِّمة العزاء أو الفرح مُعبِّراً عن هيبة العائلة وشرفها وعلُوِّها وسمُوِّها.
كبيرُنا العجوز، الذي بَلَغ أرذل العمر، نحن – أفراد العائلة – فخورون بضعف بُنيتِه وسُخْف عقله. ولهذا نُقدِّمه ونتبع أوامره.
ليس العربُ وحدهم مَن لديهم هذه التقديس لكبار السن والشيخوخة، بل تتشارك معظم شعوب الجنوب في ذلك. ثمّة قِيَمٌ مُشابِهةٌ لدى الإخوة مِن أميركا اللاتينية ووسط وجنوب أفريقيا. أخبَرني صديقٌ صيني، مثلاً، كيف أنَّ الرجُلَ الذي يتجاوز منتصَف الثلاثين وليس لديه ولو كرشٌ صغير، يُنظَر إليه كعيّل بريالة، لم يكتسب خبرات الحياة بعدُ، ولم يُحقِّق الثراء اللازم لبروز الكرش. أمّا الشَّعر الأبيض وانحناء الظهر، فيُصبحان تلقائياً مرادِفَين للحكمة والدهاء والذكاء، وكأنَّ ما تستند عليه ليس عصاً، بل دلمة الحكمة التي وحدك تملكها في شيخوختك وخرفك.
5
جميعُنا مرضى، أو مرضْنا سابقاً. المرضُ طقسٌ من طقوس الحياة كالولادة والأكل والإخراج والموت. لكنَّ هؤلاء الخارقين قادرون على إنكار المرض، على إنكار الضُّعف، على نسيان الألم وتجاهُله. ليس بسبب امتلاكهم القدرة على ذلك، بل في الغالب لأنَّهم مُجبَرون عليه.
يأتي مُنكِرو الألَم والمرض مِن بيئاتٍ تتّصف بالشقاء، بالفقر، بالجوع الذي يدفعهم إلى العمل دائماً، تُجبرهم على تحويل أجسادهم إلى ماكينة تتخيَّلُ أنها قادرةٌ على تجاوُز الطبيعة البيولوجية… ماكينة لا تمرض ولا تحتاج إلى العلاج، بل ماكينة أفضل مِن تلك التي تحتاج إلى صيانةٍ وقِطَع غيار.
تتطوَّرُ التكنولوجيا ولا يملك العامِل سوى جسدِه ليواكب هذا التطوُّر. يتوهَّم في جسده القوى الخارقة.
أمّا الأغنياءُ فيمرضون دائماً، لديهم رفاهية الشكوى والعطلة والمرض والبحث عن علاجات، ودعم العلْم والطبِّ حتّى يحصلوا على اللقاحات أوّلاً، بينما الفقراءُ ينكرون أصلاً وجودَ الأمراض والأوبئة، يصدقون أكاذيب النصّابين العالميّين والرؤساء الفاشيّين، يُزيلون المسك ويصرخون: “أين أنت أيها الفيروس اللعين؟ اللعنة على الصين. تعالَ إلى جسدي الخارق، جسدي الذي لم يمرض قَطّ. لن تخترقه، لن أشعر بأيِّ ألم، لن آخذ اللقاح، ولن تُوقِفني عن الذهاب إلى العمل. سأعمل حتّى أموت“.
لدي صديقة على فيس بوك تعمل منذ سنوات في مجال التنمية الثقافية، ما يفترض أنه أمر وثيق الصلة بحرية الرأي والتعبير. وفي تعليق مؤخراً صرحت بأنها ضد الشعارات الدينية حتى لو خارج الانتخابات، فالشعارات العرقية أو الدينية في رأيها تؤدي للتميز والتفرقة ولا يجوز لأحد أن يرفع شعارا يفرق المصريين.
لا أريد الرد على الزميلة هنا، ولا تخيل هذا العالم الكابوسي حيث لا أحد يرفع شعار إلا «تحيا مصر». تخيل مثلا لو أنك نوبي ورفعت شعارا خاصا فأنت خارج العالم الجميل والتصورات المثالية لتلك الصديقة. لكن الصدمة أن هذه السيدة الفاضلة لسبب ما أو آخر تعتقد أنني وهي في جبهة واحدة. مثلما يعتقد مؤيدو حمدين أن رفض مسار صناعة الفرعون الإله «سسي-نعخ» فأنت معهم في ذات الصف. وحينما يفشل أنصار كل تيار من هؤلاء ينسحب منه قطاع ينظر لك بحزن ويقول «مفيش أمل».
الحمد لله يا أخى أن «مفيش أمل» وأن صديقتي الليبرالية اللي بتحب مصر لكل المصريين وتكره التمييز لا تحكم وليس لديها سلطة لتقرر للناس نوع الشعارات التي يرفعونها، فمثل هذه الظواهر تجعلك تحمد لله على محمد إبراهيم وزيراً للداخلية.
لذا فكلما شاهدت شخصاً يردد بإحباط «مفيش أمل» تذكر أن مصائب قوم عن قوم فوائد. والحياة ميدان. والصراع دينامو التقدم. وأن يفقد أحدهم الأمل معناه ارتفاع فرصة تحقيقك لأملك أنت.
2- شعب ليس جديراً بالحرية
مع كل جملة أسمعها أو أقرؤها تحتوى على كلمة الشعب أشعر بأن هناك كارثة في الطريق. من يملك القدرة على التحدث باسم الشعب؟ ولماذا؟
الاثنان حالات خطرة، من يتحدث باسم الشعب لكى يصبغ على حديثه رأي الجماعة والتأييد الشعبي أو شرعية الصندوق. ومن يتحدث باسم الشعب بأن الإحباط وأخلاق العبيد قدر ومسألة جينية. وإذا كان الشعب لا يريد الحرية فما علاقة ذلك بأني أريدها. وأصلاً أليست المعركة بالأساس مع هذا الشعب وتحطيم أساطيره، بداية من أسطورة الإسلام هو الحل، وحتى أسطورة الدولة العبيطة الذي يصر في مازوشية على التمرغ في ترابها، بعد أن فاته القطار.
ثق في نفسك، ولا تثق في الجماهير والجموع مادمت لا تعمل في المجال الفني أو التليفزيوني. شاهدت على مدى ثلاث سنوات فقط كيف يتقلب مزاجها، وكيف في يوم تهتف باسم حسن شحاتة وفي اليوم التالى تلعنه.
3- البلد محتاجة خمسين سنة على ما تتصلح
صياغة هذه العبارة وتكوينها يجعلان المسألة في مصر مشكلة ميتافيزيقية غيبية، وكأن آلام الناس وبؤس حياتهم لا يرتبطان بمنظومة تشريعية استبدادية سائدة ولا بسلطة غاشمة، غشيمة، فاشلة. تنزعك هذه العبارة من همك الفردى وأزماتك الأساسية مع هذا النظام لتحولها إلى أزمة ضخمة لا يمكن حلها إلا في المستقبل البعيد.
نحن نواجه سلطة منحطة، ومجتمعا قيمة الشرف فيه ترتبط بالوضع الاجتماعى والطبقي قبل أي شيء. ليس من أهدافي شخصياً جعل مصر قد الدنيا، ولا أعتقد أن أم أحمد المحبوسة لمدة 6 سنوات بسبب شيكات لا تتجاوز الخمسين ألفا لديها أي اهتمام بهذا الأمر. ما نرغب فيه هو أن نحيا العشرين سنة المتبقية من عمرنا دون قنبلة تنفجر فجأة، وأن تمضي أيامنا دون التعرض لسخافات الكمين كل يوم.
4- الثورة خلصت ولازم نسلم نفسنا
بغض النظر عن «الكيد» المتبادل بين شباب 25 يناير الطاهر النقي، ومؤيدي ثورة 30 يونيو. وموقف السيسي في المنتصف بين الاثنين. فقد دخلت ثورة 25 يناير في التاريخ الرسمي للسلطة بصفتها ثورة طاهرة نقية، مثلما دخلت حركة 30 يونيو.
لا تعش في الماضي، ولا تترك الحنين يلتهمك. نقد ثورة 25 يناير يجب أن يكون إحدى المهمات العاجلة، محاربة التسطيح الذي يمارسه الإعلام لثورة 25 يناير أهم كثيرًا من الاستسلام للعبة «شطة وفلفل» مع الفلول المحروقين. التحليل وإعادة التدبير يعنى أيضًا التحرك خارج تلك اللحظة الآن وفوراً، والتموضع في مكان وموقف جديد غير تعريف «شباب الثورة».
5- الناس تعبت
ومتى كانت الناس طوال سبعة آلاف سنة من الحضارة والتاريخ والشقاء وعصر الشهداء والمجاعات وسنوات الجفاف والأزمات الاقتصادية، طوال هذه الرحلة العظمى التي يتفاخرون بها كل يوم، ومع كل أغنية، متى كان ناس مصر مش تعبانة.
بكت ياسمين لأنها لم تستطع إرضاع ابنتنا، سينا، في اليوم الأول بعد ولادتها. بكت سينا أيضاً. ومحبوساً مع الاثنتين في غرفتنا في المستشفى، لم أعرف ماذا أفعل سوى الاستغاثة بالممرضات.
حضرت إحداهن وحاولت مساعدة ياسمين في الرضاعة، لكن بلا فائدة. لم يخرج الحليب، واستمر بكاء الرضيعة. اقترحت الممرضة إرضاع سينا حليباً جاهزاً مصمماً خصيصاً لحديثي الولادة، فزاد بكاء ياسمين، لأنها شعرت بالتقصير والعجز عن إرضاع وليدتها.
في يومها الأول كأمّ، تعرفت ياسمين على الجوهر الحقيقي للأمومة: الإحساس الدائم بالذنب.
طلبت مني الممرضة التوقيع على أوراق قانونية وإجرائية تؤكد موافقتنا على تقديم الحليب الصناعي لرضيعتنا الجائعة. فلكي تتدخل المستشفى في الرابطة الغذائية بين الرضيع والأم، تحتاج لموافقة الأم وهي في كامل قواها العقلية، وإلا اعتُبر هذا التدخل جريمة. بقوة البيولوجيا والقانون الحديث، تتحمل الأم وحدها مسؤولية إطعام الرضيع.
بعد أيام، جرى الحليب في صدر “ياسمين”، وفي كل مرة تُرضع ياسمين صغيرتنا، يُشرق وجهها بابتسامة السعادة رغم آلام الجسد. تحاول شرح إحساسها لكنها تعجز عن التعبير بالكلمات. تتحدث عن طاقة وشيء ما يمتد من داخلها مع الحليب إلى داخل سينا. يقال إن هذه هي رابطة الأمومة.
نولد عاجزين عن تناول أي طعام، بل نشرب فقط حليب أمهاتنا. وأولى علامات النضج في نمو الطفل البشري هي قدرته على صلب رأسه عمودياً حتى يتمكن من البلع، وبالتالي حينها يمكن تقديم الطعام له. ثاني علامات النضج هي الفطام، بتوقف المولود عن الرضاعة، ينتقل من كونه رضيعاً إلى طفل.
كلما كبرنا، كلما ابتعدنا عنها. نتوقف عن الرضاعة من صدر الماما، لنأكل ما تقدمه يداها. ذائقتنا الغذائية يشكلها طعام الأمهات، نقضي سنوات مقتنعين بأن أفضل طعام هو ما تطهوه الماما.
مهما كان مستوى طهو الأم سيئاً، فالأبناء لا يعرفون، بل يكون هذا هو الطعم الطبيعي والممتاز للطعام.
يطلق على هذا الثقافة الأم، وهي تمتد لتشمل ليس فقط مذاق طهو الوالدة، بل تقاليد الطعام التي تعلمنا اياها الماما. ثمة أمهات يربين أولادهن على ضرورة إنهاء طبقهم بالكامل، وآخرون تربيهم أمهاتهم على ضرورة ترك جزء صغير من الطعام في الطبق. في مصر يسمون هذا نصيب القطة، لكي تتوافر فضلات طعام للقطط والكلاب التي تأكل من النفايات.
تخبرنا الماما ما يجب أن نأكله وما لا يجب. منذ صغري، مثلاً، منعَت أمي دخول “النقانق أو السجق أو الهوت دوغ” إلى المنزل، وطوال طفولتي حذرتنا من أكله في الشارع.
نطيع الماما لأنها بالتأكيد تعرف معدتنا أكثر منّا. لكننا بمرور الزمن نكبر، نخرج من المنزل، نتمرد على ثقافة الأم. ونبدأ في استكشاف العالم والهوت دوغ.
وقعت في غرام النقانق بأشكالها كافة مع أول قضمة، وكان عمري 19 عاماً. عدت لأمي وسألتها لماذا منعت عنا “الهوت دوغ”. أخبرتني أنها حينما كانت صغيرة توقفت مرة أمام محل يبيع سندويشات السجق، ولسبب ما ضايقتها رائحة السجق على النار حتى أنها فقدت وعيها، ومن يومها وهي تكره السجق وكل ما يتعلق به. لم يكن المنع لسبب صحي إذاً، بل ذائقة شخصية للأم.
أجسادنا هي السجل الذي يوقع فيه الزمن، وهذا السجل المكوّن ظاهرياً من اللحم والدم والعظام، هو نتاج ما نأكله. الجسد وما يأكله يعكسان كل ما يشكل هويتنا.
نتولى زمام أنفسنا وإعادة تشكيل هويتنا حينما نتمرد على مطبخ الثقافة الأم. نبتعد عن مطبخ الماما، لنكتشف حقائق الحياة.
البعض لا يتقبل مذاق الحقيقة، يرفض تناول طعام لا يعرفه ويتمسك بالذائقة التي شكلها مطبخ الأم. البعض يستقبل كل جديد بفم مفتوح، يدرك أن أكل الماما ليس أفضل طهو بالتأكيد، لكن يظل مذاق النوستالجيا في طهو الماما ولا يمكن أن تجده في أي مكان آخر.
الذائقة مثل الهوية، ليست صورة مجمدة في الثلاجة، بل تتغير نتيجة أفعال الزمن في أجسادنا. حتى سن الـ28 لم أكن أطيق تناول السلطة أو الفاكهة. أتذكر سنوات كاملة مرت عليّ من دون أن اتناول أي فاكهة من أي نوع. فجأة، مع اقتراب الثلاثين، تغيرت الذائقة نتيجة تغير احتياجات الجسد وقدراته. الآن أبحث عن السلطة، بل يتكون بعض وجباتي بشكل كامل من السلطة والخضروات فقط.
في البداية كان الأمر نداء من مكان خفي في الجسد. تناول اللحوم والكربوهيدرات صار يجعل جسدي ثقيلاً، ويولد كسلاً وبطئاً في حركتي وتفكيري. ثم مع عبور الثلاثين، انفجرت المشاكل الصحية في جهازي الهضمى.
ذهبت للطبيب أشكو صعوبات في التبول، وآلام في الشرج. “شرخ شرجي” قال الطبيب، وهو يكتب لي وصفة مرهم مسكن ويخبرني بأن أفضل علاج هو تغيير النظام الغذائي، الابتعاد عن المعجنات، وتناول المزيد من الخضروات والفواكه.
أدركت حينها أن مرحلة جديدة من النضج والتقدم في السن قد بدأت، وهي المرحلة التي يصبح اختيارك لما تتناوله، لا بسبب ثقافتك الأم، أو ذائقتك الشخصية، بل بناء على تعليمات الطب واحتياجات جهازك الهضمي الذي سيبدأ في التداعي.
انتقلت منذ شهور للحياة في أميركا، بجهاز هضمي لا يتحمل اللحوم الوردية وملذات الطعام الأميركي بدهونه وسكّره كل يوم، لم يعد مسموحاً لي إلا بمقدار بسيط من ملذات الطعام.
أشعر بالذنب كلما غششت نظام غذائي، آكل البيتزا مستمتعاً بطعمها، مفكراً في الوقت ذاته في الألم الذي سأتحمله حينما أخرجها. وإذا تمكنت من إسكات ضميري، فطريقة عرض وتسويق الطعام هنا في أميركا مصممة أصلاً لكي تشعرك دائماً بالذنب مما تتناوله.
تدخل أي مطعم لتجد اسم الطبق، شرحاً لمكوناته، سعره، وعدد سعراته الحرارية. بدءاً من مطاعم الوجبات السريعة، وصولاً إلى المطاعم الفاخرة، كل شيء يحمل رقم السعرات الحرارية. وهكذا، حينما تختار ما تتناوله، لا تفكر في رائحة الطبق، أو مذاق الطعام، بل في عدد السعرات الحرارية التي ستدخل جسمك، وكيف ستخرجها. وإذا كان الطعام جيداً ولم تستطع أن تمنع نفسك من تناول المزيد، تظل تأكل وعدّاد السعرات الحرارية في راسك مستمر في الزيادة.
تنهي وجبتك وتحاول نسيان إحساسك بالذنب، والتمتع بدفء امتلاء المعدة، فتجد نفسك محاصراً بمقالات التوعية الغذائية، أو “بوستات” أصدقائك الذين يروجون لأنظمة غذائية مختلفة، كلها تهدف إلى إنقاص وزنك، تحت دعاوى الحفاظ على صحتك.
لم يعد للطعام مذاق، بل أصبح كالدواء تتناوله مجبراً للاستمرار في حياة بلا دهون، ولا سكّر، ولا طعم أو رائحة.
اللوحة ل Gustave Courbet
خلال يومين أو ثلاثة في الأسبوع، أطلق العنان لشهواتي الغذائية. آكل المعجنات بمختلف أنواعها، اتلذذ بتتبيل اللحم بنفسي وتناوله نصف ناضج، متسمتعاً باللون الأحمر للحمة. أطرب أذنى بصوت الزيت المقلي يحمر البطاطس وقطع الدجاج المغلفة بالدقيق والخلطة السرية. أما بقية أيام الأسبوع، فأتناول الحشائش والخضروات، مثل الأرانب. أراقب وزني، وأعاين بَولي.
أحاول الحفاظ على حد أدنى من اللياقة البدنية والصيانة الدورية للجهاز الهضمي، لا بهدف أن أحيا رشيقاً، أو أن أعيش حياة صحية طويلة، بل لأظل قادراً على التمتع بكل أنواع الطعام اللذيذ غير الصحي الى الأبد.
في مناخ حار بنسبة رطوبة عالية في الصيف، يصبح الجو مع زحام القاهرة وسطاً مناسباً لنمو مظاهر الاستعراض العدائي، من قبل الذكور على وجه الخصوص. وهنا يكون تصاعد ظاهرة التحرش “العلني” بالإناث في المدينة العلامة البارزة في إطار استعراض موازين القوى في شوارعها، خصوصاً في السنوات الأخيرة.
“هنتعامل ويتعامل طلع سلاحك متكامل” وهذا ما يمكن أن نطلق عليه عبارة “صباح الخير” في القاهرة، لا كمقطع من الأغنية الأكثر شعبيةً في شوارع المدينة، بل أيضاً كتوصيف لحالة “المعاملة”، حيث الخطر المحدق بك في كل لحظة هو كغول يتربص ظلك على الأرض. “تجيب ورا تصبح مرا…مالكش قيمة وسط البشرية”. وبمصطلحات لغة النقد الأدبي التي راجت لفترة في التسعينيات نصبح أمام معادلة مقلوبة أخرى حيث “ملكش قيمة وسط البشرية = مرا (امرأة)”.
“صباح الخير، هنا شوارع المدينة”، وقانون المعاملة الأول هو “امرأة” لا قيمة لها وسط البشرية، طبعاً إلا في حالة إذا تعاملت وأخرجت سلاحها متكاملاً. الدنيا غابة يا صاحبي!. ولأكثر من ثلاثة عقود، من المفارقة أن نلاحظ كيف تتحول وجهة المواضيع الرئيسية من الغناء الشعبي إلى الحديث عن الغرام أو الرزق والرضا بشكل مختلف تماماً عن زمن عدوية وحمدي باتشان، حيث نسق “خيانة الأصدقاء”، أو سرديات معارك “أبطال خارقين” “من أصحاب النخوة” تحمل دلالات “الأصول” و”الأخلاق” و”الاستعداد للدفاع والحماية” وصورة مغايرة للرجولة، بداية من “عزبة محسن” وحتى “المطرية”.
للتمكن من الحياة وسط هذه الغابة طورت الإناث في القاهرة تقنيات متنوعة من أجل اتباع استراتيجية التخفي تفادياً لأنظار وحوش الشارع الذكور. تسير الإناث في القاهرة بخطوات متسارعة، موجهن أنظارهنّ للأرض أو مصوبينها باتجاه نقطة خفية في الأمام. يتحاشين أي تواصل بالأعين أو ابتسام، أو أي انفعال في عضلات الوجه. ومع ذلك تهبط الكلمة لا محالة. يهمس بها شاب عابر بجوارها، أو عجوز جلوس بتكاسل أمام محله.
تتسبب القاهرة في الكثير من العوائق للعشاق، وتتحرك بعض المجريات لتخلق الخلافات والصراعات بين الأصحاب والأزواج. من تلك الكوابيس التي يخجل الذكور من الاعتراف بها لبعضهم البعض هي ذلك التوتر والضغط الذي يشعرون به عند مصاحبة أي صديقة أو أنثي تربطه بها أي علاقة للمشى في الشارع لأي سبب أو غرض.
في منطقة كوبري قصر النيل وعلى الكورنيش الممتدة من مبنى التلفزيون حتي جاردن سيتى، يستغل العشاق المساحات المفتوحة كنزهة مجانية، لكن مع ذلك يوظب رجال الأمن الشجعان وعيون الوطن الساهرة على مهاجمة أي زوجين، خصوصاً إذا كانوا شباباً أو مراهقين. تقتحم سلسلة من الابتزازات المساحة مستغلة حداثة سن العشاق والقواعد الاجتماعية السائدة. يسأل رجل الأمن عن البطاقة، ثم يبدأ بممارسة استعراض سلطاته، والتهديد باصطحابهما لمركز الشرطة “القسم” لتحرير محضر بفعل فاضح في الطريق العام.
هنا القاهرة! القبلة فعل فاضح في الطريق العام، أما التبول على الرصيف فـفك زنقة محصور.
إذا استثنينا أماكن رجال شرطة الأخلاق، ورقابة حراس الحدائق المنتشرين في كل الحدائق العامة (لدرجة أن حراس الأمن في حدائق القاهرة يزيد عددهم عن عدد العاملين في فلاحتها) إلي أين نذهب إذاً؟ إلي مكان يليق بأبناء “الطبقة الوسطى” أكثر ، سينما أو مول تجاري أو كافيه يقف على حراسته رجل أمن من القطاع الخاص وظيفته أن يختار زبائن المكان بناءاً على مظهرهم وقراءته لتصنيفهم الطبقي. يفرض الأمن قواعد أخلاقية صارمة. تمارس بعض المراكز الثقافية “المنفتحة” الضبط على لغة الجسد لدرجة أنك إذا حدث وصادفت صديقة لم تقابلها من زمان وتبادلتما السلام بقبلتين على الخد يمكنك أن تحصل على الكارت الأحمر من الساقية وطردك أنت وهي من المكان.
لوحة للفنانة المصرية رانيا فؤاد
تضغط كل هذه التفاصيل على جميع اختياراتك كعاشق وكإنسان في القاهرة. يتوقف الشاب العاشق “الليبرالي” لصديقته أمام فستانها القصير. يومئ برأسه أنه جميل، لكنهما سيمران من حقل الشارع خطوات قبل الوصول إلي المكان المعني. يطلب منها لفظياً أو يشير بإيماءاته إلي أن “الخروجة” تتضمن المشي في الشارع. هذا مؤشر متعارف للحاجة إلى وضع تحصينات وأغطية وشال أو أكثر.
بصحبة الأنثي يسير الذكر في حالة تربص ومراقبة. بدلاً من رؤيتها أو تبادل الحديث أو استكشاف الشارع. يسير الذكر متنمراً يراقب جميع من حوله، ينتظر كلمة من هنا، أو يصد بعينيه نظرة من هناك. وحينما تعبر مجموعة من الشباب بجوارهما، ويلقي أحدهم تعليق، يكتفي الذكر المصاحب لرفيقته بتصنّع الصمم. في أحسن الأحوال وفي أكثر من مرة شاهدتها: قد يلتفت “المتحرش” معلقاً على زي رفيقته، طالباً منها جزء قد انكشف من ملابسها في قيظ القاهرة.
بين التحرش في الشوارع وتلك السلطة الناعمة التي تخضع لها أي أنثى برفقة الذكر حينما يطلب منها لبس ملابس معينة، أو عدم التدخين في هذا المكان لأنه لا يتحمل نظرات من حوله له ولامرأة ترافقه. بين الذكورة الخشنة المنطلقة بلا قوانين أو قواعد في الشوارع، والذكورة الناعمة المستكينة للضغط الخارجي المتجنبة تعرض أحدهم للمرأة التي ترافقك تسير حياة إناث القاهرة، ومعها يزداد جحيم حياة الذكور بين إناث يرغبن في فرض حمايتهنّ وإناث يسعين لانتهاك حمايتهنّ.
صورة تعود إلي السبيعنات ألتقطت في شوارع القاهرة- المصور مجهول