خلف الحبتور، الملياردير الاماراتى، نشر منذ أيام بوست حذرنا فيه -كتر خيره – من أن إسرائيل كيان توسعي استعماري، وأن ما صرّح به نتنياهو عن إسرائيل الكبرى وخريطتها التي تمتد حتى المدينة المنورة جنوبًا ومدينة رشيد غربًا (مش عارف ليه لم يضموا إسكندرية للخريطة، مع إن إسكندرية كان فيها يهود من سنة 600 قبل الميلاد، لكن هذا حديث آخر عن البطالمة والصهاينة). ليس حلم عقائدي، بل مشروع حي يحدث أمام أعيننا
ثم ختم سلسلة بوستاته الحماسية علشان يحذرنا أو يبشرنا (على حسب موقعك في المدرجات) من أن السلام لا يتحقق بالكلام، وأن إسرائيل تتحرك دبلوماسيًا وعسكريًا لتحقيق هذا الهدف وتلك الخريطة…كتر خيره من موقعه كشريك وحليف شخصي للمشروع التوراتي الصهيونى سرب لنا معلومات هامة.
التصريح ده عمل رد فعل مزدوج ومتناقض: الصحافة المصرية احتفت وعضعضت فيه اما عن جهل او استعباط او تعريص عادى، بينما الحسابات واللجان السعودية عملت هجمة لجانى على الراجل واعتبرت تصريحه تطاولًا على الجيش السعودي. وده طبعًا لأن الحبتور عنده تاريخ طويل مع السعودية وجيشها.
أثناء حرب اليمن، لم يتردّد الحبتور في انتقاد ما اعتبره ضعفًا وتخاذلًا من الجيش السعودي في مواجهاته مع الحوثيين. دعا إلى تشديد القصف، وأعلن بلا مواربة أن الضحايا المدنيين لا يُحسب لهم حساب، فهي ـ في نظره ـ مجرد “أضرار جانبية” لأي حرب. في تلك الفترة، كانت السعودية والإمارات قد دمّرتا أكثر من ألف مدرسة في اليمن، وفي إحدى الغارات قُتل ستون طفلًا يمنيًا تحت القصف السعودي.
وصل الأمر أن الحبتور اعترض علنًا وقتها على أن الجيش والخارجية السعودية اعتذروا عن مذبحة وقصف مدنيين وأطفال!
وقال إن موقف الجيش السعودي ضعيف. فطبعًا تصريحه وفرحته بخريطة إسرائيل الكبرى السعوديون على طول فهموها إنه بيلقح عليهم كلام وعلى جيشهم وعلى عدم قدرتهم على حماية المدينة المنورة.
بالمناسبة: فيها بعثات أثرية فرنسية–سعودية شغالة في السعودية من 2014 للبحث والتنقيب عن الآثار اليهودية، في دجل علمى لخدمة اللخرافة التوراتية عن المملكة اليهودية الكبرى في الحجاز. بل مؤخراً خصص جهاز الهسبرة على ما يبدو قسم خاص ومدونين ومؤثرين موجه لتغذية وتنشيط هذه الرواية، أطرفهم واحد إسرائيلي من كام سنة راح أتصور مع مجموعة سعوديين هناك، ونشر الصورة وكتب تحتها حاجة فيما معناه “أخيراً زرت ورث جدي بن سبأ”.
بس برضه لكل مقام حديث في وقت آخر.
نرجع لموضوعنا، نلاحظ أن الحبتور اللى من سنة كان بيشتم حماس، فجأة آخر كام أسبوع يعمل بوستات من نوع، إسرائيل دول استعمارية نحتاج لمشروع عربي ومتقمص يوسف وهبي في اسكندرية ليه، وهو بيقول اورشليم يا قاتلة الأنبياء..
لكن الحقائق على الأرض وفي السماء، أن الحبتور دا أول حد فتح مكتب اقتصادي في إسرائيل بعد التطبيع، بل وشركاته هي اللي سيرت أول خطوط طيران من الإمارات لإسرائيل. وبعد ما اليمنيين ضربوا ميناء إيلات، شركات الحبتور هي اللي عملت الجسر البري اللي بقي ياخد البضائع الذاهبة لإسرائيل من موانئ الإمارات وينقلها برًا لإسرائيل.
كمان الحبتور شريك لشلومي فوغل ووقعوا عقود وشركات استراتيجية في 2020. فوغل دا خنزير كبير علاقته بنتنايهو زى علاقة حسين سالم بمبارك زمان، مستثمر في مستوطنات، وشركات شحن بحري وموانيء، والاهم من كام سنة راح عمل صندوق استثماري ولم مليارات من رجال اعمال خليجين بحجة ان الفلوس داه شغلها لكم في قطاع التكنولوجيا الإسرائيلي، وبعدين الحرب قامت، وامك في العشة ولا طارت… والشركات دى خربت، وحاليا بتنقل برا اسرائيل، بس انشاء الله كلها كام شهر ويروح يلم منهم ويدفعوا له تانى..
الراجل دا بالذات معلق في دماغى لانى فاكر وقتها صورته هو والحبتور، ووقتها الحبتور طلع تصريح تاريخى هيفضل يجري وراه للابد:
“أتطلع إلى هذا اليوم منذ فترة طويلة جدًا. لطالما اعتبرت أن الإماراتيين والإسرائيليين يملكون قواسم مشتركة كثيرة. فالشعبان الإماراتي والإسرائيلي موجهان نحو الأعمال، ويعتمدان على المواهب البشرية والطموح أكثر من الموارد الطبيعية لبناء اقتصاد قوي قائم على الابتكار”.
ليه بقى الكلام الطويل ده كله؟
لأن الحقيقة عندي وجهة نظر أخرى في تصريح حبتور بن طحنون ده، وإن البوستات ليست تحذيرًا بل تبشيرًا وتصفيقًا. والناس دى سعيدة ومتعاونة وشايف دا حاجة جميلة جدا وفي مصلحتها.
فيه يقظة بطيئة ومتأخرة في السعودية في موضوع إسرائيل، لكن زي أي حاجة في السعودية: بطيئة، خجولة، وغير دائمة. وساعة الجد النظام السعودي مش هيكون قصاده غير الدفع وتقديم تنازلات لأمريكا وإسرائيل، أو إنه يناور ويدي تنازلات ومشاركة في الثروة والسلطة مع الشعب السعودي، علشان يقدر يقف قصاد اللى جاى، فربنا يعينهم ويعنا ساعة اللحظة الحاسمة..
أما الإمارات، فالمشروع الذي بدأ منذ حوالى خمسين عاما كحلم بوحدة سياسية واقتصادية لكل امارات الساحل العربي تقوم على التعاون والتكافوء، فتحول آخر عقدين إلي شوية هياكل مالية متركزة في دبي وابوظبي، ومعاهم كام انفلونسرز وحسين الجسمى (أجمل حاجة في الإمارات). بينما تضاءل بشكل مسبق نفوذ وقوة الامارات الأصغر. لدرجة أن مؤخرا بعد ما تحرش السفير الإسرائيلي بسيدات اماراتيات بغض النظر عن نسبهم واسم عائلتهم، لم يحدث اى رد فعل، ولم يتحدث أحد وينتقد ما يدور الا الشيخة جواهر زوجة حاكم الشارقة، وكأن البلد بح خلاص، حتى رجالها خايفين يتكلموا فيتداروا وراء امهاتهم، وأنا هنا لا أعاير أو أقلل من أحد كلنا مسحوقين تحت شبشب الاستبداد.
كل ما سبق يحدث واليوم، ترامب بيجتمع بزيلنسكى وقادة أوروبا، علشان يقنعهم يتنازلوا عن ارضهم لصالح بوتين. يعنى أمريكا ترامب، بتضغط على حليفها العقائدى والتاريخى والاستراتيجي علشان يتنازل عن أرضه.
ودا بعد ما الحليف دا (أوكرانيا) من شهر مضى للأمريكان اتفاقية تنازل بها عن حق إدارة كل ثرواته المعدنية، ومع ذلك عادى أمريكا ترامب رمتهم للدب الروسي…
فهل يظن، أو يعتقد مستشاري أصحاب السمو الملكى الذين تعلموا في جامعات كندا ووجورج تاون وكنجز كولدج. أن أمريكا اللى بترمى المواطن المسيحى الأوروبي الأبيض لبوتين ياكله، لما نتنياهو -اللى بكل تقدير اثبت انه اقوى سياسي شافته المنطقة والعالم آخر نصف قرن- يطلع يقول الخريطة دى بتاعتى والتوراة وربنا معايا، واذا كانت السعودية مش ناوية تطبع والخلايجة مش عايزين يدفعوا لنا حق حمايتهم من الخطر الايرانى فانا عايز حق ناشف في تبوك ولا نيوم ولا حتى آبار ومصافي المنطقة الشرقية وهخش اخدها حالا، هل لو صحى طلب كدا، أمريكا ترامب هتقول لأ؟ وتقف معاك انت يا جربوع يا أبو شبشب، ياللى وزير دفاع أمريكا الحالي كاتب كتاب بيقول فيه ان كل العرب والمسلمين حيوانات ولا يمكن تطبيق حقوق الانسان وقواعد الحرب العادية عليهم …
أمريكا دى، ترامب دا اللى انت عمال تدفع له هيشترك انت ويسيب بيبي نتنياهو !!
فيه ناس في السعودية بدأت تفوق شوية بس متأخر وكمان مزنوقين ومترددين، لكن الامارات شافت خطة زى دى حاجة روعة، كيف لأ ، وماذا اقول بعد الحبتور اللى قال
احنا مش عرب أصلا احنا اماراتيين واحنا وإسرائيل زى بعض سوا سوا في الهوا الهوا، على أساسه ان كدا ممكن ينجو وحتى لو لما ينجو ايه يعنى اللى ممكن يحصل، يلم كل مواطنين ابوظبي ودبي في طيارة ويطلع بيهم على اى مستعمرة بتاعتهم زى مستعمرة راس الحكمة في مصر او مستعمراتهم في جنوب فرنسا.
ومعاه الفلوس والصناديق الاستثمارية والخيمة تتنصب في اى ارض
إحنا مهزومين، وفي حالة تفكك للوعي والذاكرة الجماعية. لكن لسه لم نصل للقاع. القاع هيكون أول ما تحصل نكسة هزيمة وانكسار وتحول جيوسياسي يتم باعمال عسكرية: قلم على القفا أو الراس جامد أوي.
كل تغيير سياسي وهوياتى كبير شهدته مصر كان قبله حدث عسكري دفع المصريون ثمنه من لحمهم ودمهم:
300 ألف مصري في الحرب العالمية الأولى اللي اخترت فيها مصر تحارب ضد الخلافة العثمانية → ثمرتها سؤال الهوية وإعادة تعريف مصر للمصريين، ورؤية المصريين لنفسهم خارج مشروع الخلافة، وما كان من امر ثورة 1919.
هزيمة 1948 → ثمرتها إعادة تعريف مصر كمركب مسلم–مسيحي فقط، مع سحق وتهميش للطبقات الحاكمة اللي كان فيها مكونات أجنبية سواء كشركاء لهم أو متحالفين، أو للدقة تحالف النظام السياسي والاقتصادي الذي قاد للهزيمة.
هزيمة 1967 → ثمرتها الاتجاه أقصى اليمين: وصلنا بعدها لاضافة الإسلام في الدستور، وفجأة بقي عندنا كيانات سياسية كهنوتية زى الازهر والكنيسة والرقابة الإدارية.
في كل مرحلة من دول، سقطت الدولة المصرية وتغيرت بنيتها، وتم بناء دولة جديدة. في كل مرحلة تم إعادة ابتكار مفهوم الشعب المصري من جديد. لا شيء باقٍ:
لا الدول
ولا الهويات الجماعية للشعوب.
الأفراد المستسلمين لليأس أو أوهام الكبتاغون ليسوا إلا صرخة في البرية.. الثورة مستمرة.. جسدى حريتى..
ذاكرة عاطفية ربما تحفظها أغنية أو بيت شعر.
يجب أن نتخيل الغد اليوم.
أن نطرح معاني جديدة لمعنى الهوية، لمعنى “نا” … لا يمكن أن نقول “نا” عرب ونصطف بجوار الحبتور والغندور وايجيبت.
الـ”نا” التي أتحدث بها، أخاطب بها هؤلاء الذين لا يزالون يقرؤون مقالات على الإنترنت وبوستات طويلة ولا يكتفون بالعناوين. هؤلاء الذين يستيقظون صباحًا فيجدون أنفسهم مجبولين على المقاومة، على القراءة للفهم.
شركائي في الغضب واليأس، المصابون بالملل من خطابات المقاومة والممانعة، ومن عبثية خطابات السلام وانتظار السمنة من طيز النملة الإسرائيلية أو الغربية. لهؤلاء أسأل وأسأل نفسي:
هل يمكن أن نُحلّم بعربي جديد؟
عربي لا ينهض فقط على عدائه للمكون التركي–العثماني مثل عروبة الحرب العالمية الثانية، ولا على العداء للمشروع الصهيوني مثل العروبة التي وُلدت بعد 48، بل عربي في عداء مع الاثنين: مع المشروع الصهيوني والمشروع الإقطاعي لعائلات الساحل الخليجي.
تصور للمستقبل ينطلق من ظاهرة أو نظرية علمية في الحاضر، فتكون النتيجة عالمًا أدبيًّا مختلفًا عن واقع لحظتنا لكن يعمل وفق قوانينها “العلمية”، أو بلغة أخرى كما تقول Ursula K. Le guin:
[1]غالبًا ما يتم وصف الخيال العلمي، وحتى تعريفه، بأنه استقراءي. يأخذ كتاب الخيال العلمي اتجاهًا أو ظاهرة هنا والآن، ويقومون بتنقيتها وتكثيفها لتحقيق تأثير درامي، وتوسيعها إلى المستقبل
2. العالم محكوم بقوانين فيزيائية وحسابية، وأدب الخيال العلمي هو تخيل طرق علمية بديلة لتجاوز قبضة الواقع.
3. الخيال العلمي هو مجموعة من الثيمات الدرامية والحبكات الأدبية تتكرر في آداب الدول الشمالية، أما إن ظهرت الثيمات والحبكات نفسها في أعمال أدبية من دول الجنوب تصبح “واقعية سحرية” أو “فلكلور”.
4. يمكن تمييز أدب الخيال العلمي عبر مجموعة من المحددات كما تقول باربار ديك [2]
العوامل المميزة للخيال العلمي هي توجهه نحو استخدام العلم والتكنولوجيا، وغالبًا ما يركز بشكل خاص على المستقبل، طالما أن استخدام العلم والمستقبل جزء لا يتجزأ من الدراما.
الآن إليكم قصة قصيرة، فهذه مقدمة لكتاب قصصي، وليست ورقة امتحان
في صيف 2010 أوقف اثنان من رجال الشرطة في ثياب مدنية الشاب خالد سعيد في الإسكندرية لتفتيشه، وحين طلب منهما تحقيق الشخصية ليتأكد من كونهما شرطيين، انهالا عليه بالضرب أمام كل من في الشارع، ثم جرَّاه إلى مدخل إحدى البنايات واستكملا وصلة الضرب، حتى تركاه جثة هامدة في مدخل البناية.
التعذيب كان وما زال ممارسة منهجية لدى الشرطة المصرية، ولم يكن خالد سعيد الضحية الأولى ولا الأخيرة، لكن ردود الفعل على الحادثة اتسعت خارج الدائرة الحقوقية، لتشمل مجموعات شبابية نظموا أنفسهم باستخدام الإنترنت والسوشيال ميديا، في مظاهرات خرجت للشوارع وبدأت في الاتساع، خصوصًا وقد أنكرت وزارة الداخلية الاتهامات، وخرج تقريرها يقول إن خالد سعيد توفي بسبب ابتلاعه لفافة بانجو.
بعدها بنحو 6 أشهر اندلعت مظاهرات مليونية في القاهرة وعدد من المحافظات، وتحولت المطالب من إعادة محاكمة القتلة وعزل وزير الداخلية إلى إسقاط النظام والمطالبة برحيل الرئيس مبارك، الذي كان يحكم البلاد لأكثر من ثلاثين عامًا ممثلًا عن الجيش، الذي يملك ويحكم مصر منذ سقوط الملكية في 1952.
استمرت المظاهرات لمدة 18 يومًا، انتهت بتنحي مبارك عن السلطة يوم 11 فبراير 2011، لتنتهي شرعية السلطة القائمة وتحل بدلًا منها شرعية جديدة لما صار يعرف بثورة 25 يناير.
أجريت انتخابات شبه ديموقراطية انتهت بفوز مرشح جماعة الإخوان المسلمين محمد مرسي بهامش بسيط، وقد كان مهندسًا في مجال الفلزات وتخصص في تطوير الأسطح المناسبة لصواريخ الفضاء.
فور وصوله إلى الحكم أصدر عالم الفلزات مجموعة من القرارات الإمبراطورية بهدف الاستحواذ الكامل على السلطة، وتحويل مصر إلى إمارة إسلامية طبقًا لمفهوم جماعته. خرجت المظاهرات مرة أخرى ضده، وهذه المرة انضم إليها الجيش وقوى إقليمية خليجية، فانتهت التجربة شبه الديموقراطية بانقلاب قائد الجيش عبد الفتاح السيسي على الرئيس المنتخب، وتعيين رئيس المحكمة الدستورية رئيسًا لفترة استمرت عامًا، وانتهت بفوز الجنرال السيسي بانتخابات معدومة الديموقراطية، ليحكم السيسي مصر منذ 2014، بقبضة من الحديد والنار، وعقل يعشق الخرافات وتفسير الأحلام، ويرفض دراسات الجدوى ويرى أن العلم والتعليم استثمار خاسر ولا يدر أرباحًا.
في العام الانتقالي الذي حكم فيه السيسي وزيرًا للدفاع إلى جانب رئيس المحكمة الدستورية، وبينما تمتلئ الشوارع بالاشتباكات المسلحة والحروب الأهلية المصغرة بين مؤيدي الرئيس عالم الفلزات والجنرال عاشق الأحلام، استيقظ المصريون على أخبار عن مؤتمر صحفي هام للقوات المسلحة ستعلن فيه عن هدية منها لا للمصريين فقط بل للإنسانية جمعاء.
في هذا المؤتمر ظهر بلباس عسكري شخص عرف نفسه بصفته اللواء دكتور عبد العاطي، أمسك في يده جهازًا يشبه الريموت كنترول يخرج منه أريال TV antenna، ليعلن أن القوات المسلحة ابتكرت هذا الجهاز الذي يمكنه الكشف عن أمراض التهاب الكبد الوبائي والإيدز، من دون الحاجة إلى إجراء تحاليل، فقط بتمرير الجهاز تتحرك “الأنتينا” إذا كان لدى المريض فيروس كبدي أو إيدز.
أعلن اللواء دكتور عبد العاطي أنه يعكف على جهاز آخر سيقضي على الإيدز والتهاب الكبد الوبائي والأمراض الفيروسية الأخرى. أمام الكاميرات ومختلف محطات وسائل الاعلام شرح أن جهازه سيمكنه عبر الأشعة تفكيك وتكسير بروتين الفيروس، ثم تحويل هذا البروتين إلى غذاء للجسم، أو كما قال “هناخد الفيروس من المريض، أرجَّع له بروتين كباب وكفتة يغذيه ويفيده”.
صمتت المؤسسة الطبية المدنية ولم تعلق، فقبل الإعلان عن الجهاز ببضعة أسابيع، قتلت القوات المسلحة أكثر من ألف شخص في مذبحة ميدان رابعة، وأمام الكاميرات أشعلت القوات خيام المتظاهرين وجثثهم. ومنذ المذبحة وحتى الآن غاب أي مظهر من مظاهر القانون عن أداء الشرطة أو الجيش المصري، وتوسعا في عمليات القتل خارج إطار القانون، والإخفاء القسري، وسجن أى معارض لسنوات من دون محاكمات ولو حتى صورية. تحت سلطان الخوف صمت الجميع، بل صفق بعض الأطباء وأساتذة الجامعة لاختراع القوات المسلحة القادر على تحويل الفيروسات إلى كباب وكفتة.
كنت وقتها أعمل على روايتي الثالثة “والنمور لحجرتي”، والشخصية الرئيسية طبيبة علاج طبيعي في مستشفى عسكري، تكتشف ذات يوم قدرات علاجية خارقة للمسة يدها، فتخوض رحلة للتعافي من طلاقها ومعرفة سبب هذه القدرات المفاجئة، لكن أمام أخبار اختراع اللواء عبد العاطي، بدا الخيال العلمي الذي أكتبه محدودًا جدًّا مقارنةً بالواقع.
ما الذي يمكن أن يصنعه أدب الخيال العلمى في مواجهة سلطة استبدادية تستلهم مشاريعها من الخيال العلمي؟ من “نيوم” في السعودية إلى مشروع “عقل مصر”، يبدي الديكتاتوريون العرب شغفًا غير محدود بجماليات وأدبيات الخيال العلمي، ويستلهمون منها فانتازيا أحلامهم السياسية، التي تصبح كابوس حياة المواطنين.
كيف يمكن لكاتب خيال علمي أن يتعامل مع هذا الواقع أصلًا؟ كيف يمكن أن “تتخيل” في واقع يخرج فيه قادة عسكريون وأطباء جنرالات ليقنعوك بجهاز يلتقط ذبذبات الفيروس، ثم يفكك بروتينه، ويحوله إلى كفتة، وإذا رفضت منطقهم، علمهم، فمصيرك السجن أو القتل؟ ما العلم وما الخيال في واقع كهذا؟
أسئلة مرة أخرى، لذا إليكم مقال أدبي قصير، ففي النهاية يفترض أن تكون هذه مقدمة لكتاب قصصي.
غلاف كتاب +100
أعتقد – وقد تكون هذه مبالغة – أن التصور الخطي عن الزمن هو العمود الفقري للبنية اللغوية للإنجليزية، فكل جملة يجب أن تحدد موقعها بدقة على خط الزمن، المستقبل مثلًا يمكن أن يكون Simple future tense, Future continuous tense, future perfect tense and the mysteries future perfect continuous tense.
لذا من السهل على كتَّاب ونقاد الإنجليزية تخيل أدب الخيال العلمي كاستشراف للمستقبل، مثلما تقول Ursula K. Le Guin. لكن للزمن تصورات غير خطية في حضارات أخرى، كأن يكون دائرة مثلًا وكل نهاية/ موت إنما هي انتقال لحياة جديدة، أو فضاء يمكن للماضي والحاضر والمستقبل الاجتماع فيه، مثل حكاية الإسراء والمعراج في التراث الإسلامي، فبعد وفاة زوجة النبي محمد الأولى وعمه، يصاب بحزن شديد حتى يجد أمامه ذات ليلة “البراق”، وهو حيوان أكبر من حمار وأقل من حصان وله جناحين.
على ظهر البراق يسافر النبي إلى القدس، وهناك يجد الأنبياء جميعهم – الذين يفترض أنهم عاشوا وماتوا في الماضي – ينتظرونه ليصلي بهم، ثم بعد الصلاة يصعد مع الملاك جابرييل إلى السماء السابعة، وفي طريقه يشاهد أناسًا يعذَّبون في النار أو يتنعمون في الجنة فيما يفترض أنه المستقبل بعد يوم القيامة، ثم يعود من رحلته إلى فراشه قبل أن يبرد.
في التصور الخطي للزمن هذه القصة مستحيلة، بل تفتقد إلى منطق سردي. لكن في المفهوم الإسلامي فالزمن حيز يعيش داخله الإنسان، أما الملائكة والإله فهم خارج ذلك الزمن، ولذلك فلدى الله القدرة على رؤية الماضي والحاضر والمستقبل مهما كانت أفعال واختيارات البشر الذين يحيون داخل فضاء الزمن، وبقدرته يمكن أن يجتمع الأنبياء الذين ماتوا في الماضي، مع نعيم جنة المستقبل التي يفترض أن تأتي بعد القيامة ونهاية الزمان. ثم بعد انتهاء الرحلة يعود النبي إلى فراشه في مكة في الليلة ذاتها، حتى إن فراشه الذي غادره لم يبرد بعد.
ينعكس هذا التصور للزمن الذي تختص به الثقافة العربية في أدب الخيال العلمي المصري، فواحدة من أوائل الأعمال الرائدة هي “عجلة الأيام” ليوسف عز الدين عيسى، التي صدرت في 1939، وتبدأ بمشهد لزوجين عجوزين يتأملان غروب الشمس حين يلاحظان أنها تتحرك باتجاه الشرق لا الغرب، وأن عجلة الزمن تعود إلى الوراء، فالأمس يصبح غدًا، ولحظة الميلاد تصبح لحظة الموت، والماضي يصبح المستقبل.
إذا وضعنا هذه القصة على مقياس Ursula K. Le guin، لن يمكننا تحديد لحظة المستقبل عن الماضي.
في البدايات الأولى لأدب الخيال العلمي المصري، تتجلى حيرة الكتَّاب المصريين بين التصورات الغربية للزمن والزمن في تراثهم الأدبي، ومن هذه الحيرة ولدت الموجة الأولى لأدب الخيال العلمي المصري كما تتجلى في أعمال توفيق الحكيم (1898- 1987)، مثل “أهل الكهف” التي تستلهم قصة من الميثولوجيا الإسلامية عن ثلاثة دخلوا للنوم في كهف، وحين استيقظوا كان قد مر على العالم 300 عام. يتكرر الأمر في رواية نهاد شريف (1932- 2011) “قاهر الزمن”، إذ يتوصل طبيب ثري إلى التقنية التي يمكنه عبرها تجميد الجسد البشري لسنوات وعقود، حتى تنتصر الإنسانية على كل الأمراض وتصل إلى الخلود، فيعيد إحياء نفسه ومن اختاره ليعيشوا في المستقبل الخالد.
وهب نهاد شريف حياته لأدب الخيال العلمي، وعمل منذ الستينيات صحفيًّا متخصصًا في تغطية الموضوعات العلمية في جريدة أخبار اليوم، ومستشارًا لحكومات عبد الناصر في عدد من المشاريع الإصلاحية، مثل مشاريع القرية النموذجية، ومديرية التحرير، وهي مشاريع طموح هدفت إلى ابتكار مفهوم جديد للقرية والمجتمع الزراعي في إطار اشتراكي لتعليم الفلاحين وتطوير حياتهم، عبر وضعهم في قرى مهندسة كنموذج مستقبلي لما يجب أن تكون عليه القرية.
تعطلت وتوقفت تلك المشاريع مع حرب 1967 ونهاية مشروع التحرر الوطني والإصلاح الذي قاده جمال عبد الناصر، لكن مع مجيء السبعينيات ظهر جيل جديد من كتَّاب الخيال العلمي، أبرزهم د. مصطفى محمود، ورؤوف وصفي، وصبري موسى، كما أصبحت ثيمات الخيال العلمي جزءًا أساسيًّا من فسيفساء الأدب المصري الحديث، يتطرق لها ويستخدمها كتَّاب لا يصنفون أنفسهم أو أعمالهم كخيال علمي، مثل رواية “شطح المدينة” لجمال الغيطاني (1949- 2015)، “لست وحدك” ليوسف السباعي (1917 – 1978).
لكن انفجار أدب الخيال العلمي المصري وتحوله إلى أدب شعبي بدأ في الثمانينيات، حين نشرت المؤسسة العربية الحديثة إعلانًا تدعو فيه الكتَّاب المهتمين بكتابة أدب الخيال العلمي والقصص البوليسية وأدب الرعب إلى التقدم بمسوداتهم للمؤسسة.
في الأصل كانت المؤسسة العربية الحديثة دار نشر متخصصة في نشر الكتب التعليمية، لكن في عام 1983 نشرت لنبيل فاروق أول عدد من سلسلة رواياته “ملف المستقبل” الموجهة للنشء، وتدور أحداثها في المستقبل مع مغامرات فريق من ضباط المخابرات العلمية المصرية. صدر من سلسلة ملف المستقبل أكثر من مئة كتاب، وكتب نبيل فاروق سلاسل مغامرات وروايات منفردة ذات طابع بوليسي أو خيال علمي، لكن جميعها تميزت بالطابع القومي، فمعظم أبطاله ضباط في جهاز المخابرات، أو ذكور شجعان أذكياء. ومع بداية عقد التسعينيات انضم إلى نبيل فاروق (1956- 2020) كتَّاب آخرون مثل محمد سليمان عبد الملك، ورؤوف وصفي، وأخيرًا د. أحمد خالد توفيق (1962- 2018)، الذي صار من أكثر الكتَّاب العرب مبيعًا وتأثيرًا في الأجيال اللاحقة، وصاحب ألقاب مثل “عراب أدب الخيال العلمي العربي”.
باعت روايات المؤسسة العربية الحديثة ملايين النسخ في أرجاء العالم العربي كافة، وصنعت قاعدة شعبية للآداب النوعية، لكنها خلت من أي أسئلة اجتماعية تخص الجندر أو الجنس أو الدين أو السياسة، بالعكس تمتلئ بالخطابات القومية والأفكار الأخلاقية الرجعية. وبحكم توجهه لجمهور النشء، سعى أحمد خالد توفيق وكتَّاب المؤسسة لتحييد أي أفكار مثيرة للقلق.
فقط في عقده الأخير، تحرر د. أحمد خالد توفيق من المؤسسة العربية الحديثة، وبدأ في نشر روايات موجهة إلى الكبار تميزت بطابعها “الديستوبيا”، مثل روايته “يوتوبيا”، التي تصور فيها مصر مستقبلية يعيش فيها الأغنياء داخل تجمعات سكنية بأسوار عالية، ويُمنع على الفقراء دخولها، بل يعيشون في واقع مزرٍ يسوده الجهل والتلوث ويختفي منه العلم والمنطق والتعليم، في حين يكون العلاج بالأحجية والأدعية. نشر أحمد خالد توفيق روايته عام 2008، وبعدها بثلاث سنوات قامت ثورة 25 يناير، وبعدها بخمس سنوات انقلاب 30 يونيو. حاليًّا يبني السيسي عاصمة جديدة في قلب الصحراء، محاطة بسور ضخم، وخندق لمنع تسلقه، ويحتاج المصريون إلى تذاكر وتصريحات خاصة لدخولها.
في العقدين الأخيرين، حدث انفجار في الآداب النوعية في سوق الكتاب المصري، خصوصًا أدب الرعب والخيال العلمي، سواء عبر مشاريع كتَّاب تخصصوا في كتابة الخيال العلمي فقط، أو كتَّاب صارت الاستعانة بتيمات الخيال العلمي جزءًا أساسيًّا من عالمهم الروائي.
لذا حاولنا في هذه المختارات تقديم كتابات تعكس تنوع المشهد الأدبي المعاصر، لا فقط أدب الخيال العلمي المصري، وساعدنا في هذه التيمة التي تحكم السلسلة +100.
اخترنا دعوة كتَّاب متمرسين في كتابة الخيال العلمي، مثل ميشيل حنا، وكتَّاب معروفين بأعمالهم الواقعية مثل نورا ناجي وعزة سلطان، وآخرين عُرفوا بأعمالهم السياسية والساخرة مثل بلال فضل. كذلك راعينا التنوع الجغرافي، فبعضهم مقيم في القاهرة، وبعضهم خارجها، وآخرون في المنفي خارج مصر. ولأن الأدب المصري لا يقتصر فقط على الأدب المكتوب وبالعربية، وجهنا دعوة إلى كتَّاب مصريين يكتبون بالإنجليزية مثل ياسمين الرشيدي.
تجمع هؤلاء الكتَّاب مصريتهم وتورطهم على نحو أو آخر في ثورة 25 يناير، التي قلبت عالمهم وأعادت تركيبه من جديد. طلبنا من الكتَّاب المشاركين تخيل مصر 25 يناير لكن بعد مائة عام، لم نضع أي حدود أو إرشادات سوى ضرورة أن تتقاطع القصة مع لحظة مستقبلية هي 25 يناير 2111، فكانت النتيجة قصصًا تقف في المستقبل لكن تستلهم من الحاضر أحلامها وكوابيسها.
[1] Ursula K. Le guin at the introduction of her novel The left hand of darkness.
[2] DICK, BARBARA,KATHLEEN (2016) Modern Arabic Science Fiction: Science,
لم أر في الخوف دنساً أو ضعفاً، على عكس الشجاعة التي رأيتها غالباً مرادفاً للحماقة والذكورية. في المقابل يجعلك الخوف يقظاً، منتبهاً، في حالة تأمل باطنى تمكنك تدريجياً من بناء دفاعاتك النفسية. أتحدث عن الخوف المحدود، لا الرعب، لا الهلع، والفزع من تهديد واضح أو مباشر، بل ذلك الخوف الأليف الذي تطعمه أمهاتنا لنا مع حليبهن وحين تنمو أسنان المرء ويُفطم، ويصبح التحايل، والكذب، والتخفي مكونات النظام الغذائي الذي نحيا عليه. خوف يأتي متبوعاً بنصائح من قبيل «اسمع الكلام، امش جنب الحيط، ابعد عن المشاكل، لو بلطجى وقفك أعطه ما معك ولا تتعارك، اشرب كوبك كاملاً، الطعام الذي تتركه في طبقك سيجري وراءك يوم القيامة، إذا استمررت في ضرب العشاري ستفقد نظرك وتضعف ركبك، قول شكراً، قول الحمد لله، متحكيش في السياسة، البس فانلة تحت الهدوم» إلخ.. إلخ.. إلخ، ثم بخ! تصل لمراهقتك وتتعلم ضرورة البعد عن مسار ضابط المرور إذا صادفته في الشارع، وإخفاء هويتك عمن يحادثك، وألا تخوض في الدين مع أحد، وحين تصل إلى شبابك تجد تمرسك مع الخوف قد أكسبك القدرة على ممارسة الحياة كاملة بصحبته؛ الحب تمارسه مع حبيبتك وأنتم محاطون بمخاوف متعددة تبدأ من اقتحام الجيران عليكم البيت، أن يوقفكم ضابط شرطة في الشارع، أن ينقطع الكندوم، أن يأتى صاحبك إلى المنزل قبل أن تنتهوا، أن تعرف بنت خالتها بأمر علاقتكم، أن يراكم ابن عم أمها معاً، ومع ذلك تستمر قصص الحب العربية وتنمو. نتزوج وننجب وننفصل. حياة كاملة بصحبة الخوف، من نكون نحن لنرفض الخوف أو نتمرد عليه! نحن قوم نأكل الخوف بدل الكرواسون مع القهوة، ثم أن لدينا هذه الألسنة الطويلة الحادة الجارحة التي لا تتوقف عن الغلغلة عن شجاعتنا، وقوتنا وصلابتنا وفرادتنا، وكل هذه القيم العربية الجميلة عن التمرد والشجاعة والجرأة التي تلهج بها أغاني المهرجانات المصرية ومغنون يتحدثون عن قدرتهم على حمل السلاح وإنهاء أى معركة بينما يطاردهم نقيب مثل هاني شاكر مجبراً إياهم على بلع ألسنتهم في مواجهته والفلقسة بشجاعة منقطعة النظير، لأنهم مثلنا جميعاً تربوا على الخوف وأكلوه صغاراً.
الفقرة السابقة طويلة، ومليئة بالأفكار والصور المتناثرة، وأنا أعرف أن قواعد التحرير البليغ تقتضي تقسيمها وتكسيرها لجمل وفقرات أصغر، وحذف ما قد يشتت ذهن القارئ عن الفكرة الرئيسية. أقرأها وأشعر بخوف وصوت اصطكاك «اكتبي زي الناس، بلاش قلة أدب، حددي الفكرة، عبر بكلمات قليلة وجمل بليغة، اجعلي النص يسيراً لا عسيراً». في الغالب سأخضع لخوفي، لأنه هذه المرة خوف جديد، خوف فريد الطابع لم أختبره في حياتى السابقة، ليس خوفاً عربياً، ليس الخوف الذي سقته لى أمى ومجتمعى ودولتي، بل خوف كما النمل زحف دون أن أشعر به خلال السنوات الأخيرة منذ هجرتي إلى أمريكا، حتى أكل النمل كل ثقتي في ذاتي، وانقطع تواصلي بأناي «هل هذه كلمة صحيحة لغوياً؟ إذا لم تكن، فهل تفهمها؟ نعم أسألك أنت».
في نهاية عام 2019، بعد أن تحرر من سجنه، وبعد أن ترك السجن الكبير الذي صارته بلادنا، أصدر الكاتب أحمد ناجي كتابين دفعة واحدة. أولهما «حرز مكمكم» (دار صفصافة) الذي أرى فيه كتابة يندر مثيلها في تاريخ الأدب العربي حول السجون، كما أرى فيه شهادةً أدبية تنهض في مواجهة الوثائق القانونية التي أدانت الكاتب وعاقبته. وإذا كان صحيح أن للوثائق القانونية تأثير أحدّ في مصائر البشر من حيث كونها «فعلًا بالكلام»، فلا شك عندي أن لشهادة أدبية كهذه تأثير أكبر لدى سرد التاريخ، بما فيها من كلام عن الفعل. بالتزامن مع «الحِرز»، نشر ناجي رواية «والنمور لحجرتي» (دار المحروسة)، فجاءت تأكيدًا على أن شواغل الكاتب المجَرّم، والتي يحكي عنها بالتفصيل في «الحرز»، هي محل تطبيق ودراسة وعمل وتأمل وفحص وتحقيق في رواياته.
في هذه المقالة -وأعتذر مسبقًا عن طولها- سأحاول التعليق على هذين الكتابين اللذين أصدرهما ناجي معًا: عمّ وعمّن يكتب ناجي؟ ما المشترك بين كتابيه هذين؟ ما الجديد فيهما مقارنةً ببعض أعماله السابقة؟ كيف يدلنا كل منهما على قراءة لجانب من حياتنا؟ وكيف يدلنا كل منهما إلى قراءة للآخر؟ وأين موقع المؤلف وتعريفه للأدب واللغة في كل منهما؟ وما موقع سؤال الأنواع الأدبية بين الكتابين، وأحدهما رواية -يعني تخييل- وثانيهما سيرة ذاتية -يعني وثيقة تدّعي قولَ الحقيقة بلسان المؤلف؟ وأخيرًا، إذا كانت الرواية هي الجريمة واللغة
“لتحقيق هذا الوعد.. سيداتي سادتي، أريد من كل شخص فيكم أن يغمض عينيه ويفكر في عيب واحد، نقطة ضعف لم ينجح في التخلص منها. أرجوكم فكروا لثوانٍ وحددوا مشكلة واحدة تؤرق حياتكم”.
تتساقط الجثث في شوارع القاهرة بينما ساحر شاب لا يستطيع النوم مترقباً كارثة أكبر، وشريكة في السكن عالق في مقطوعة إلكترونية غير مكتملة، لكن وحدها “فرح” تعافر حتى تجد مهرب من هذا الخراب إلي اقليم على هيئة دولة، ودولة بلا خيال جمعي، امرأة تلد ربتها، مراعي خضراء للإبل، وملاعب أكبر للجولف، رعاة البهم يتطاولون في البنيان، ثلاث نجمات مجوسية. مدينة ذات قمر مشقوق، محرم فيها الأطفال، ، وناقة تخرج من صخرة وألف عجيبة وعجيبة آخري.
في روايته الثالثة يشيد أحمد ناجي من زواج فاشل وقصة حب هشة عالماً روائياً يمتد من القاهرة لسيناء لنيوم. وينمو خطه الزمني من ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد إلي المستقبل القريب، القادم نحونا بعنف ليدهسنا.
إذا كان وائل غنيم صادقاً في البحث عن مغفرة وتسامح مع الآخر والعالم، إذا كان جاداً فيما يقول وإن كنت أظن أن الأمر لا يعدو أكثر من طلعة انفعالية من بكاءه وانفعالته العاطفية التى عودنا عليها، إذا كان فعلا يشعر بالذنب أو لا يشعر فليرد الدين إذن وينطق بالحقيقة كاملة ولو مرة واحدة:
-أين ذهب مشروع أكاديمية التحرير؟ وأين ذهبت أمواله؟
-ما الذي جري في عشرات الاجتماعات واللقاءات السرية التى حضرها وتحدث فيها بالنيابة عن الثورة، والشعب، وحق الشهداء والميدان، على ماذا تفاوض ومع من؟
-إذا كان حقاً يشعر بالمسئولية، ويرغب في التكلم والتعليق على محمد على وكيل المديح للرجل الطيب السيسي، فلماذا لا ينطق بحقيقة ما حدث؟
-جلد الذات والبكاء جميل خصوصاً ونحن في موسم عاشوراء، لكن وائل ودائرته من شباب الثورة، طوال سنوات تفاوضوا باسمنا، واتخذوا قرارات، وأجتماعات مع أطراف سياسية مصرية، وعربية، ودولية، دون أى قدر من الشفافية، وحتى الآن لم يعلنوا لنا الحقيقة أبداً… من يرغب في جلد الذات فالكرابيج السودانى موجودة والحمد لله، لكن من يرغب في تجاوز مرحلة الدروشة والعياط على الثورة المغدورة، فعلينا أن نسأل وائل وأمثاله عن الحقيقة، وعن كل ما دار في الاجتماعات المغلقة
ملحوظة آخيرة: تسطيح الأموور وقفل أى نقاش بحجة أنه منهار نفسيا وانظر ماذا فعل فين السيسي، حقارة بالغة الصراحة وليس انسانية، لا وائل مجنون يهزى، ولا نحن مرضي نفسياً أو انعانى من مشاكل داخلية، مشاكلنا كلها خارجية وسببها الواقع الذي نعيش فيه، والذي تسببت فيه وخلقته أطراف كثيرة من ضمنها وائل غنيم نفسه
في ستينات القرن الماضي بدأ د.ويليام ماسترز وفيرجينيا جونسون أبحاثهم حول الجنس لدى البشر، وهى الأبحاث التى أحدثت ثورة في فهمنا للجنس ونتج عنها علاجاتهم المبتكرة لاضطرابات الدورة الجنسية لدى البشر.
توصل “ماسترز وجونسون” إلي التقسيم العلمى المعتمد للدورة الجنسية لدى البشر، وهى تبدأ بمرحلة الرغبة نتيجة حدث مثير جنسياً، ثم الإثارة أو “البلاتو” وهى التى تشهد انتصاب القضيب وزيادة الإفرازات المهبلية. كما رصد ماسترز وجونسون في تلك المرحلة بعد التغيرات البيولوجية كتغيرات لونية في الأعضاء التناسلية نتيجة تدفق الدم لها، تضخم الخصية لدى الذكر وارتفاعها، وتزايد الانقباضات في بعض عضلات الجسم خصوصاً الحوض والفخذين وزيادة النبض. ثم تأتى مرحلة النشوة أو “الأورجازم” كا يعرفها بعض البشر، في حين نبهنا ماسترز وجونسون أن بعض البشر لم يعرفوا “الأورجازم” في حياتهم فالجنس لهم ينتهى عند المرحلة الثانية “البلاتو”.
أخيرا تأتى المرحلة الرابعة والأخيرة وهى الإبراء أو بالانجليزية “Resolution”. وقد فحصها وحللها ماسترز وجونسون بدقة حيث رأوا أنها تنقسم لدى الذكر لمرحلتين في المرحلة الأولى يعود النبض إلي مستواه الطبيعي ويتقلص حجم القضيب المنتصب بنسبة 50%، وفي تلك المرحلة يمكن في بعض الحالات أن يعاود الذكر الانتصاب. أما المرحلة الثانية فيتضاءل حجم القضيب، ويؤكد ماستر وجونسون استحالة انتصاب الذكر قبل انتهاء تلك المرحلة. أما الإبراء لدى النساء فلا ينقسم لأى مرحلة، ويمكن للمرأة أن تصل للنشوة مرة آخري دون الحاجة للمرور بمراحل الإبراء المختلفة، بل وبامكان بعض النساء الحصول على رعشات متتالية بعد الرعشة الأولى.
أهمية دراسات ماسترز وجونسون أنها كانت أول دراسة معملية عن الجنس. توصل ماسترز وجونسون لتلك النتائج من خلال دفع المال لرجال ونساء لإجراء التجارب عليهم وتوصيلهم بآلات طبية للاستشعار وقياس النبض والمؤشرات الحيوية المختلفة ثم مراقبتهم أثناء ممارسة الجنس وتسجيل الملاحظات والمؤشرات الحيوية. ثم ذات مرة اقترح الدكتور ويليام ماسترز على مساعدته فيرجنيا جونسون إخضاع أنفسهم للتجربة المعملية وأن يقوما بالتجربة العلمية بأنفسهم ويمارسوا الجنس.
توماس ماير كاتب السيرة الذاتية للباحثين، يحكى أن الجنس بدأ بين الدكتور ماسترز ومساعدته بشكل مهنى بحت. كانا يوصلان الآلات بأجسادهم ثم يبدأون بممارسة الجنس، وتسجيل انطباعاتهم وملاحظاتهم بعد كل ممارسة. حتى تطور الأمر إلي الاستلقاء في حضن بعضهم البعض بعد ممارسة الجنس. ثم تطورت علاقة ماستر وجونسون بعد ذلك من العمل إلي علاقة غرامية كاملة، استمرت في السر لما يقرب عشرة أعوام قضي خلالها د.ماسترز مع فيرجينيا وقتاً أكثر مما كان يقضيه مع أولاده وزوجته، الزوجة التى اكتشفت الأمر في النهاية وطلبت الطلاق لينفصلا ويتزوج ماسترز بفيرجينيا. المهتم بمعرفة المزيد عن تفاصيل حكاية وأبحاث ماستر وجونسون يمكنه مشاهدة المسلسل التلفزيونى Master of Sex. لكن موضوعنا هنا هو المرحلة الرابعة من الدورة الجنسية لدى البشر، الإبراء حينما ينتهى الانفعال والإثارة، وتتبدد الغشاوة من على العين فتطفوا على السطح المشاعر والانفعالات الآخري. أو ما هو أفضل لا تطفو أى مشاعر بل يغرق الاثنان في حالة سلام صامت كما اللون الأبيض، وتتمنى لو بالامكان تمديد لحظة السلام والسكينة تلك حتى تصبح أبدية.
في فترة المراهقة حذرنى صديق من تلك المرحلة. كنا لم نتجاوز الثامنة عشر بعد، وكان صديقنا قد مارس الجنس أكثر من مرة، وبالتالي فدائماً ما استعرض معرفته العملية علينا، أو آثارنا بحكاياته ومغامراته الجنسية. ثم ذات مرة حذرنا أن ممارسة الجنس ليست كما تبدو في الأفلام أو كما يحكيها لنا. على حد تعبيره الذي لا يزال مطبوعاً في ذاكرتى “بعد الواحد بتحس بفراغ تام”.
هذا الفراغ هو ما يدفع البعض بعد ممارسة الجنس إلي البكاء والإحساس بالذنب والندم، فثقافتنا الإجتماعية الشرقية الحبوبة تصم الجنس بالنجاسة سواء تم داخل إطار الزواج أو خارجه. ممارسة الجنس والقذف تعنى تحول الانسان ذكر أو أنثي من حالة الطهارة إلي الجنابة وهو ما يتطلب الإغتسال مرة آخري. أما ممارسة الجنس خارج إطار الزواج فهى كبير من الكبائر تتطلب التوبة بالدموع.
بدأت قصة حب د.ماسترز وجونسون لأنهما مكثا في حضن بعضهما البعض بعد ممارسة الجنس، بينما هنا أعرف قصصاً تحطمت وتشوهت قبل أن تبدأ بسبب أن أحد الطرفين انفجر في البكاء بعد انتهاء الجنس لأنه لم يتحمل إحساس الذنب. آخرون لم يبكو لكن تملكهم إحساس الفراغ والاشمئزاز من النفس ومن الشريك، فكانت النتيجة إحتقار النفس واحتقار الآخر والتعامل مع الجنس كحمل ثقيل يسير به منتظراً الفرصة للتخلص منه مشمئزاً في أقرب حفرة.
يشوه الذنب مرحلة ما بعد الجنس وبدلاً من أن تكون مرحلة “إبراء” تصبح مرحلة جلد للذات تكفيراً عن ممارسة فعل بيولوجى طبيعي تمارسه كل الكائنات. وفي هذا السياق تتشوه كل الملذات، ويستحيل الحب إلا في إطار اعتباره مهمة مقدسة انجازها للآسف يتطلب فقدان الطهارة وإعادة الاغتسال والوضوء.
لا توجد حبة سحرية لتجاوز الأمر، وللآسف فدكتور ماسترز وجونسون لم يقدما لنا حلاً لتجاوز اضطراب الإنسان العربي المسلم في مرحلة الإبراء. لكنى أعدك يوماً إذا تجاوزت الذنب، إذا لم تقم فزعاً بعد النشوة من السرير، إذا لم تهرول للحمام بعد الجنس، إذا لم تشمئزى من السوائل التى تغطى جسدك وتسرعى بمسحها. خلف كل هذه الأشباح يوجد عالم آخر وسعادة لما بعد الجنس. توجد الحميمية بين إثنين التى قد تتسع لتشمل العالم، يوجد الحديث الذي يتعارف فيه اثنين عاريين على بعضهما البعض، يوجد تلك الحرارة التى لا توقظ نار الجنس ولكن توثق التواصل الانسانى لجسدين منحا الحب، ويستلقيا متعانقين بينما يغطيهم الوسن.
لا تسمح للذنب أن يركبك. ولا تنزع نفسك من شريكك. أمكث على الأقل مكانك وتمتع بمراحل عملية الابراء، من يدري ربما يكون هناك انتصاب آخر في الطريق وإن لم يأتى، فاستمع لنبض شريكك وانتظام نفسه. الآن وقد تخخفتما من حمل الاثارة الجنسية يأتى دور الحديث، التعرف على الأخر لا بصفته شريك جنسي. استكشاف الاحتمالات والفرص لمشاريع أخري، والأهم رى الحب حتى لا تذبل شجرته
مصر من الأحلام الكبيرة إلي الإعلانات والتنمية البشرية.
في بداية عام 2013 كانت الفوضى الخلاقة في أبدع صورها. الإخوان في السُلطةِ ومرسي يصدر أغرب الأصوات والقرارات والإعلانات الدستورية مُتقمصاً دور الديكتاتور المجنون. الشارع يموج بالمظاهرات والحركات السرية والعلنية، الخدمات العامة متهالكة، الكهرباء تنقطع لساعات طويلة. الجميع ضد الجميع وأنا أحاول استعادة عافيتى بعد شهرين قضيتهم في الفراش نتيجة لخضوعى لعملية جراحية. في مثل هذه الظروف قابلت هشام أو كما يعرفه الجميع “سفنكس” القائد والعقل المدبر لفريق “أرابيان نايتز (فرسان العرب)”. لم يكن اللقاء الأول لكنهم كانوا قد أصدروا اسطوانتهم التى حملت اسم Uknighted State of Arabi في تلاعب لفظى يجمع بين كلمتى الاتحاد والفرسان لتكون النتيجة “الولايات المتحدة العربية”.
اندهشت أن يختار فنانى “رابرز” مصريين في لحظة عشوائية كتلك أن ينتجوا ألبوم يدعو للوحدة العربية. اذكروا أن المناقشة بينى وبين “سفنكس” احتدت وأنا أسئلة ما المقصود بالولايات العربية فحكى لى حلمه أن تتحد الدول العربية لتصبح مثل الولايات الأمريكية لكن تصبح الولايات المتحدة العربية. حينما سألته وما الفائدة من هذا؟
ردد خطاباً عن القوى والعظمة وهلاوس شوفينية آخري كل هذا الحديث كان بالانجليزية، لأنه ولد وعاش معظم حياته في الولايات المتحدة الأمريكية حتى جاء إلي مصر شاباً حيث ألتقي بمعظم أعضاء الفريق وشكلوا فريق فرسان العرب عام 2005 وبالتالى فقدرته على التعبير بالانجليزية أفضل كثيراً من عربيته. بدا لى سفنكس كواحدة من حالات اضطراب الهوية لدى أجيال المهاجرين العرب. يحلم بإتحاد فيدرالى عربي قومى لكى تكون قوة عظمى رداً على وطنه الأمريكى القوى العظمى التى بالتأكيد همشته بسبب أصوله العرقية والعربية.
أرابيان نايتس.. أثناء أداء حى في واحدة من حفلاتهم
في هذه السنوات شاهدنا آلاف مثل هؤلاء كانوا يأتون من أوروبا وأمريكا ليساعدوا في بناء مصر بعد الثورة من خلال مشاريع تنموية مغرقة في استشراقها، ومع أول فشل لمشروعهم لتدوير المخلفات، أو استخدام الطاقة الشمسية لإضاءة العشوائيات، يصابون بالاكتئاب ويغرقون في حزن وجودى على بلدهم الأم الذي لم يستطيعوا استعادة الأوصار معه.
سفنكس كان مغترباً بشكل كامل، مغترب عن السياق السياسي لمصر والمنطقة، ومغترب عن السياق الفنى. لكن لديه عزيمة وإصرار كبير، وقدرة على إنشاء شبكات من العلاقات الاجتماعية فائقة التنظيم. فمن فريقه “أرابيان نايتز” خرج تحالف “أراب ليج” وهو تحالف يضم عشرات من فنانى الراب في مختلف الدول العربية، سمح التحالف بخروج أغانى هيب هوب يتعاون فيها فنانين راب من لبنان مع آخرين مع تونس، ومن مصر مع السعودية، وجميعهم قدموا ما يشبه أوبريت “هيب هوب” بدا كمحاكاة بموسيقي الهيب هوب لأوبريتات الوحدة العربية، التى كان يقدمها اللواء محمد عبد الوهاب في الزمن الذهبي للبروبجندا القومية الناصرية.
من تحالف “أراب ليج” خرج تحالف أوسع وهو تحالف نجوم العرب “آراب أول استار” والذي ضم مصوريين، فنانى جرافيتى، مصممى ملابس، منتجى موسيقي، كتاب، صحفيين، شباب من مختلف الطبقات والجنسيات تجمعهم ثقافة الهيب هوب والهالة الفنية التى صاغها “سنفكس” لفريق الأرابيان نايتز.
عرفت الساحة الموسيقية العربية الهيب هوب منذ التسعينات، كان هناك محاولات فردية تظهر وتختفي سريعا، تجارب خافتة لم يستطع أصحابها الاستمرار. عالم الموسيقي التجارية لم يكن يتقبلهم، ولم يكن لديهم موقع في عالم صناعة الموسيقي الشعبية والأفراح وحفلات الشارع. المناخ كان جافاً جداً والأرض يابسة. لا مسارح مفتوحة، ولا وسائط لتوزيع المنتج الموسيقي إلا عبر شركات الانتاج. وكلها لم تتقبل الهيب هوب العربي، وفي أحسن الأحوال اعتبرته حلية موسيقية وسط أغانى زمن الفيديوكليب العاطفية. الاستثناء الوحيد كان تجربة فريق “MTM” بألبومهم الغنائي “أمى مسافرة”(2003) حقق الألبوم نجاحاً تجارياً معقولاً، سحب الهيب هوب إلي منطقة الغناء الكوميدي وقدمه كجزء من ثقافة “الروشنة” لهذه الفترة.
فريق MTM
لكن لم تكتمل تجربة الفريق، ففي ظل غياب المسارح الغنائية أو تنظيم الحفلات الموسيقية تظل الأفراح أو الغناء في صالات الفنادق الفخمة هو مصدر الدخل الرئيسي لمعظم العاملين في صناعة الموسيقي. وفي ذلك الزمن لم يكن أحدهم ليستدعى فريق “هيب هوب” عربي ليغنى في فرحه، وصالات الفنادق لم تكن تسمح بدخول هذا النوع من الموسيقي.
في هذا السياق لم يكن”آرابيان نايتز” مجرد تجربة موسيقية، بل نواة تأسيسية لعائلة الهيب هوب العربي. فطموح وتخطيط “سفنكس” لم يتوقف عند الغناء وإصدار ألبوم بل بناء قاعدة جماهيرية لثقافة وموسيقي الهيب هوب، فالفريق يكبر ليصبح عائلة والعائلة تتمدد لتشمل “الوطن العربي الأكبر”. تحقق حلم سفنكس بوحدة “الهيب هوب” العربي، لكن لم يدم الحلم طويلاً، فكعادة تجارب الفرق الموسيقية انفجرت الخلافات بعد فترة وتنوعت التوجهات، وظهر التباين في مستوى النجوم.
سنوات ما بعد 2011 هى “أيام المجد” للهيب هوب العربي. الايقاع اللاهث المتلاحق للأحداث السياسية لم يكن هناك ما هو مناسب للتعبير عنه مثل “الهيب هوب”. قبل 2011 كانت الفرق الهيب هوب الفلسطنية واللبنانية مثل “كتيبة5” وغيرها هم من يحتكرون الخطاب السياسي الذي كان يركز على حياة المخيمات والأبعاد المختلفة للقضية الفلسطينية، طبعا مع الحفاظ على المحظورات الفلسطينية التاريخية فحتى الآن يستحل ويندر أن نجد في أغانى الهيب هوب الفلسطينية انتقاد للقيادات السياسية أو الفصائل المتنازعة. لكن مع هبوب رياح الربيع العربي سقط هذا الحاجز، كان “الهيب هوب ” العربي في صدارة ما يعرف بموسيقي الثورة.
أغانى مثل البوليسية كلاب في تونس أو الثورة مستمرة في مصر لم تكن جزء من الإيقاع الموسيقي لزمن الثورات، بل مثلت في حد ذاتها ثورة على الحدود المتعارف عليها في الموسيقي العربية سواء من جهة مباشرة الرسائل السياسية وعنفها، أو على مستوى اللغة التى لم تعد تجد حرجاً في استخدام الكلمات المنبوذة أو الموسومة بخدش الحياء.
منح الربيع العربي للهيب الهوب الحرية، لا في استخدام الكلمات والرسائل السياسية والاجتماعية العنيفة، بل حرية اختراق المجال العام والسوق التجاري. أصبحت هناك مساحات مختلفة تستوعب هذا الحراك وموسيقي الشباب، أصبح بإمكان مغنى الراب والهيب اعتلاء المسارح التى تكاثرت لتشكل ركن أساسي في منظومة اقتصادية تساعد على توسع قاعدة انتاج موسيقي الهيب هوب.
أتذكر في وسط البلد كان هناك “جراج” للسيارات مقابل لأتيلية القاهرة، ذات يوم أغلق الجراج ولم يستقبل أى سيارات، وعلى عجل تم دهن جدرانه بعشرات من رسومات الجرافيتى المتنوعة، ونصبت بين عمودين خشبة مسرح بإمكانيات بسيطة وتوافد الشباب بالمئات من كل أنحاء القاهرة ليحضروا واحدة من أشرس حفلات الهيب هوب المصري. في تلك الحفلة كانت الأغانى تنادى بإسقاط الحكم العسكري، وتتوعد المشير طنطاوى بمصير مثل مصير القذافي.
ثقافة عصابات الساحل الغربي التى شكلت موسيقي “الهيب الهوب” العالمية في الثمانيات والتسعينات انتقلت إلي العالم العربي لتشكل عصابات مُنخرطة في نشاط ثورى أكثر عنفاً من أنشطة لوس انجلوس. كان الشرطة التونسية هى الأعنف في ردها على موجه “الهيب هوب” الصاعدة، بينما تم تركيع وتطويع الهيب هوب المصري بالمال والإعلانات وبقوانين الصناعة الفنية.
ظهر التباين سريعاً بين نوعين من أغانى الراب، قامت مؤسسة الانتاج الموسيقي بتدجين موسيقي الراب سريعاً، ففي ذلك الوقت كانت –ولا تزال- شركات الاعلانات وشركات المحمول هى المنتج والموزع الأكبر للموسيقي وفرضت تلك الشركات حدودها على موسيقي الراب فلم تقبل إلا بالراب الايجابي، الذي يتحدث عن الحب، السلام، البالية، التنمية البشرية، الحلم، السعادة، بكرة أحسن. سارعت بعض فرق موسيقي الراب والمغنين إلي ركوب تلك الموجة مثل شادى الحسينى، فريق أسفلت، أو مغنى راب التنمية البشرية زاب ثروت.
من لم يدخلوا لجنة الإعلانات، عاشوا اعتماداً على عائدات اليوتيوب الشحيحة والفرص العابرة لتحقيق أى عائد من الموسيقي والأغانى التى ينتجونها، لكنهم على الأقل احتفظوا بحريتهم في تقديم ما يرودنه مكنتهم هذا الحرية من الاستمرار كجزء من الحراك الثوري فعنى أم.سي أمين عن الخرفان منتقداً مرسي، ثم استمر معلنا الموجة الرابعة بأغنية مبروك عليك يا سيسي.
منحت الحرية كذلك ام.سي أمين القدرة على الانفتاح على أنواع موسيقية آخري منبوذة مثل الهيب الهوب ومحاولة الخروج بتجارب موسيقية جديدة، بينما كان زاب ثروت يقبل أن يكون بغبان يملأ الفراغات الموسيقية مع موسيقي الروك لفريق كايروكى، وشادى الحسينى الذي بدأ كفارس مع “أرابيان نايتز” يتحول لاكسسوار في ملابس تامر حسنى، فقد انطلق أمين محاولاً مزج موسيقي الهيب الهوب بموسيقي المهرجانات مقدماً ما عرف بالرابجية، ليقدم مع نجوم المهرجانات السادات العالمى وعلاء فيفتى عدد من الأغانى الناجحة مزجت بين الراب وموسيقي المهرجان الشعبية. أكدت السادات في تلك الأغنية أنهم “ملوك الأغنية الشعبية/ بنطلعها بلاش لولاد بلادنا الشعبية“، أما أمين فقد تمسك بأن حتى الرابجية ثورين ولديهم قضية. تمكنت موسيقي المهرجانات من الاستمرار لأن لديهم منظومتها الاقتصادية القائمة على حفلات الأفراح وليالى الحظ، وافلام السابقة، حتى وصلت لفرض نفسها على شركات الإعلانات. أما موسيقي الراب الثورية مثل أعمال أم.سي أمين فما أن غنى الموجة الرابعة محذراً السيسي من الموجة القادمة، حتى بدأت مياة الراب الثورى في مصر في الانحسار والتراجع.
على طالباب يدخن المعسل على مقهى في القاهرة
أعلن على طالباب أبرز الأصوات الثورية بعد 2011 عن اعتزاله/ توقفه في 2015 الغناء، عاد بألبوم واحد “وحوش بدون أسامى” في 2017 من أربع أغانى قائلا مش هتمدوا ايدكوا على فلوسنا … “ممكن أحس بالتواضع/ امسك سلاح واحارب/ اقتل أو اتقتل/ ما الدولة لسه قايمة/ خليها مرة تحاسب/ ممكن أحس بالأغانى تانى/ أو صديق يتحبس بين الحيطان/ ممكن أرجع تانى” لكن على لم يعود بل سافر لاستكمال دراسة الماجستير في الخارج.
وضع الراب وموسيقي الهيب هوب في مصر يبدو أدق تمثيل للخيارات المتاحة والموضوعة أمام جيل شباب ثورة يناير ومن تبعهم. فالحالمون الذي كان يتبعهم صوت الكمان مثل على طالباب اضطروا للانزواء أو الخروج من الدائرة الخانقة في البلاد. وحتى من هم أكثر عنداً مثل “ام.سي. أمين” فقد انطفأت الأضواء من حولهم ومر العمر ووجدوا أنفسهم يكبرون وتكبلهم المسئوليات الاجتماعية، يحاولون البحث عن مكان لهم وسط إعلانات راب المشروبات الغذائية التى تكذب على المستمعين وتعدهم بغد أفضل لمجرد أن يتمسكوا بحلمهم بينما البيادة العسكرية تدهس رقبته.
الراب المصري الذي تمكن من الاستمرار هو من تمكنوا من الاندماج في المنظومة الاعلانية، أصبحوا يكتبون أغانى عن الشيبسي وكريم الشعر، زاب ثروت حالة أكثر ذكاءاً لم ينحدر لمستوى إعلانات البطاطس بل اكتفي بإعلانات برامج القروض الشبابية للبنوك، أو المشروبات الغذائية وعثر على ضالته مؤخراً في بيع الهوا للمؤسسات الدولية ومؤسسات المجتمع المدنى من خلال الحصول على تمويلهم لإنتاج أغانى يفترض أنها تحارب الهجرة غير الشرعية. مما يفتح له الباب ليغنى في حفلات موسيقية تحرسها الشرطة ويحضرها مسئولين الدولة، وتقربه أكثر فأكثر من القضايا التى يحبها الأوروبيون ويفضلون توجيه أموال المشاريع الفنية والثقافية لدعمها اعتقاداً منهم أن ذلك النوع من الأغانى الدعائية قد يساهم في التنمية.
بين خيار السفر الذي اتخذه على طالباب أو الغناء ضد السفر والهجرة لخدمة الأنظمة الحاكمة والمسيطرة الذي اتخذه زاب ثروت، يبدو هناك خيار ثالث. عالم كامل ممتلئ بمغنى الراب المصريين الشباب الذين يشكلون الموجة الجديدة التى ظهرت تحت حكم السيسي. هؤلاء لا يقتربون من الغناء السياسي ليس خوفاً من البطش الأمنى بل لأن العدمية هى الهواء الذي يتنفسوه، ولأنهم بدلاً من مقاومة الاحباط الذي خلقه المناخ السياسي والاقتصادى في البلاد قرروا الغرق في هذا الإحباط وتشربه. وبينما كانت أجيال الراب المصرية السابقة متأثرة بتجارب د.دراي Dr.Dre وفرق ومغنى الساحل الغرب الأمريكى مثل “توباك 2Pac” أو فريق N.W.A بأغانيهم التى تهاجم الشرطة وسلطة الرجل الأبيض. فأجيال الراب التى خرجت في زمن السيسي أكثر تأثراً بموسيقي وأساليب مغنين الساحل الشرقي الأمريكى بداية من كينى ويست Kanye West وحتى ليل وين Lil Wayne ناهيك عن داريك DRAKE الذي يبدأ معظم مغنى الراب المصري الجدد في استنساخ تقنياته الغنائية قبل أن يصلوا لاسلوبهم.
بينما كان “سفنكس” يحلم ويغنى للولايات العربية المتحدة، وأم.سي أمين يهدد السيسي بالموجة الثورية الرابعة، فأبويوسف يؤكد أن “الأغنية مش ممكن تغيّر مجتمع الصراحة.” ويري أن التغيير أو التأثير ليس دور الأغنية بل تكفي المتعة، في حواره مع معن أبو طالب محرر معازف يشبه أغنية الراب بالشيكولاتا وظيفتها أن تبسطك عند أكلها بغض النظر أنها ليست مفيدة.
لكن بدلاً من الانبساط فعالم “الساوند كلاود” المصري يمتلئ بالذوات المتضخمة التى تتصارع مع بعضها البعض. يتغذي مغنوا الراب المصري على مهاجمة بعضهم البعض من خلال الأغانى وهو تقليد معروف في تراث الراب عالميا، لكن بينما تقام مثل هذه المعارك في جراجات السيارات والمساحات المهجورة حيث يتباري مغنيوا الراب ويتنافسون في قدرتهم في الحفاظ على الايقاع تدوار معارك الراب المصري على منصات “ساوند كلاود” و “يوتيوب”. وبدلاً من المواجهة وجهاً لوجه، يدخل كل مغنى راب إلي الدولاب ليصنع بيئة عازلة للصوت ويرص قصيدة الهجاء الطويل في حروب مغنى الراب الكلامية من خلف الشاشات
ذهب الملك أو حديد السجن خيارات الراب المغربي
طاردت الشرطة التونسية مغنى الراب التونسي بمثابرة طوال أعوام 2011 و 2012. اعتقلتهم، ضربتهم، قاطعت وأفسدت حفلاتهم الموسيقي، القضاء التونسي أصدر في حقهم أحكام أحياناً تتجاوز العامين بالسجن. قضى مغنى الراب التونسي مثل “كلاي .بي” أو “ولد الكانز” سنوات ما بعد الربيع العربي مطاردين من الشرطة، يتخفون ويتنقلون من مدينة لمدينة.
حرب الشرطة التونسية على مغنى الراب لم تكن بسبب المعركة السياسية بين الطرفين فقط، بل سببها أن موسيقي الراب ثارت حتى علي القيم الاجتماعية المتعارف عليها. بعض مغنيوا الراب التونسي في تلك المرحلة كانوا أحياناً يخفون شخصياتهم لأنهم يغنون عن الزطلة (الحشيش بالدارجة التونسية)، وما يريدونه ليس شرطاً أن يكون تغيير نظام الحكم أو مقاومة النظام العالمى أحياناً كل ما يريدونه قد يكون “سيب اللعبة” وحرية تدخين الحشيش.
في هذا الوقت كان مغنى الراب المصري يتقدمون الصفوف سريعاً، يظهرون في إعلانات شركات المحمول، تذيع القنوات التلفزيونية أغانيهم الثورية، ثم سريعا مع تغيير البوصلة السياسية واستقرار نظام السيسي انتهت كل هذه المساخر. لم يعد مسموحاً في مصر إلا بالراب الأخلاقي القائم على قيم التنمية البشرية، أما السياسية فلم يعد مسموحاً إلا بالقضايا السياسية تحت رعاية المنظمات الدولية كأن تغنى للهجرة غير الشرعية لمنظمة اليونسيف.
عاد الراب المصري سريعاً إلي المنتديات، والجحور السرية على موقع “ساوند كلاود”. والآن إذا أردت أن تستمع لراب مصري مختلف فليس أمامك سوى عالم راب “الساوند كلاود”. صحيح أنه راب مختلف، لكن فقره وعشوائية التجارب ظاهرة بشكل جلى، فمستوى التسجيل والإنتاج الصوتى أقل من راب التنمية البشرية والإعلانات، لكن في المقابل منحة حرية أكبر على مستوى المواضيع وطاقة التعبير واختيار الكلمات، لكن دون وجود قاعدة إنتاج تدعم الفنان تظل حتى التجارب المميزة لا تأخذ مساحتها، ويظل إنتاج المزيد من الأغانى لفنان راب الساوند كلاود عرضه لظروفه المادية والشخصية.
رغم الإعلانات والفيديو كليبات التى تغرق يوتيوب لراب التنمية البشرية، فراب الساوند كلاود يتوغل وينتشر ويصنع قاعدة في العالم السري لمحبي الراب. وربما من أكثر المشاهد والفيديوهات الدالة على العالم السري لراب الساوند كلاود هى تلك المعارك التى تنشب أحياناً بين مغنى الراب حيث تطور إلي تحدي ينتهى بلقاء في مكان ما على أرض الواقع، ينتشر موعد ومكان المعركة في الدوائر السرية للراب فيجتمع مستمعى ومحبي الراب يظهر المغنيان، يتقدم واحد من الجمهور يضم قبضتى يده على فمه ليصنع بأصوات الفم إيقاع (بيت بوكس…) وعلى ذلك الإيقاع تندلع المعركة بين كلا المغنين والمنتصر هو من يحافظ على الايقاع (البيت…) بينما رص الكلام معرياً الآخر. من أشهر تلك المعارك هى تلك التى نشبت بين “أبويوسف” و “عفروتو”.
في ظل غياب الفضاء العام، تقام معارك الراب في حدائق مهجورة أو على أطراف الأحياء السكنية، وبينما تكون الأعصاب مشدودة والآذان مشدوهة مع إيقاع الموسيقي والكلمات فالأعين تراقب الأجواء المحيطة حيث أحياناً ما تظهر الشرطة ليجري الجميع منصرفين، هرباً من مصير لا يمكن التنبؤ به إذا تم الامساك بأحدهم.
هذا الوضع المنبوذ والمطارد للهيب هوب في مصر يختلف عن وضع الراب في بقية الدول العربية، فكما نعلم مصر ليست مثل تونس أو السعودية. معارك الراب التى تقام في أماكن مهجورة خوفاً من مداهمات الشرطة، تقام في لبنان في الساحات العامة وسط حضور بالمئات متنوع من الجنسين.
بينما انطلقت ثورات الربيع العربي في مصر وتونس في وقت متزامن من عام 2011، فلا شيء يعكس التفاوت الكبير بين مسار كلا البلدين سوى وضع الراب وموسيقي الهيب هوب في البلدين. فمغنى الراب الذين كانوا منبوذين في عام 2011 في تونس ومطاردين من الشرطة أصبحوا يحتلون المرتبة الأولى على مواقع توزيع الموسيقي في تونس ودول المغرب العربي، هم نجوم يظهرون باستمرار في التلفاز، جزء من إقتصاد الانتاج الفنى، وأسسوا لقواعد متينة لثقافة واقتصاد الراب.
المغرب كانت الأكثر احتفالاً بالراب منذ ظهوره في التسعينات، وقبل حتى إنتشار الانترنت ظهرت من مدينة سلا فرق الراب التى تغنى بالفرنسية، وفي بداية الألفية ظهر الرابر المغربي الذي عرف باسم “عود الليل”. فتحت الإذاعات للراب المغربي، وساهم الانترنت في إتساع دائرته. وعلى عكس بقية الأنظمة العربية التى سعت لمحارب الراب فالنظام المغربي افسح مجالاً على منصة الفنانون الرسمية للدولة للراب المغربي. الملك شخصياً عبر عن رضاه وكرم عدد من مغنى الراب بأوسمة ملكية تقديراً لتميزهم وجهودهم الفنية أبرزهم مغنى الراب المغربي “مسلم”.
بوستر لمسلم مغنى الراب المغربي
جنة الملك المغربي لا تتسع للجميع، فقد دعم النظام المغربي تيار محدد من الراب المغربي، ومغنى الراب الشاطر هو من استغل هذه الفجوة التى سمح بها الملك ليتحول من مغنى راب الشباب إلى راب القصور. فمسلم الذي بدأ مشواره وهو ينتقد الأوضاع الطبقية والفروقات بين سكان القصور وسكان القبور في المغرب “المغرب غابة بسور/ ومور السور كاينة بحور/ تطفي فيها النور/ تحفروا فيها قبور/ قبل السور كاينة قصور/ فيها زهور/ فيها عطور/ فيها الحور/ تسكب في الكيسان خمور”. تحول لأغانى تنتقد الأحزاب السياسية، الديموقراطية، الانتخابات، والارهاب. وحينما انطلقت مؤخراً في المغرب حملة شعبية لمقاطعة السلع الغالية كالحليب وبعض المنتجات الغذائية، رفض الاشتراك في الحملة أو مهاجمة احتكار الشركات وسجل فيديو يقول فيه ما معناه “أنا رجل المهام الصعبة، لا يمكن أن اتورط في معارك المقاطعة، بل انتظر معركة أعمق وأشرس”.
المعارك الأشرس يقوده من السجون مغنيوا الراب المغربي من السجون، مثل “الحاقد” الذي سجن لمدة عام بسبب المحتوى السياسي لأغانيه، وهناك مستر كريزى ذو السبعة عشر عاما الذي سجن لمدة ثلاثة شهور في سجن القاصرين بسبب محتوى أغانيه حيث تم اتهامه بإهانة مؤسسات الدولة والتحريض على تناول المخدرات.
لكن بعيداً عن الجدل السياسي والصدام مع السلطة، فالراب المغربي والتونسي ينمو اقتصاديا بثبات، ومعه تتسع قاعدة الجمهور وتجبر صناعة الموسيقي والترفيه على إتاحة مجال له في المشهد. وينجح الكثير منهم في الحصول على تقدير السلطة والجمهور. فمسلم مغنى الراب المغربي حصل من ملك المغرب على وسام المكافأة الوطنية من درجة فارس، وأغانى كلاى من تونس يتجاوز عدد مرات استماعها عشرات الملايين سواء على موقع يوتيوب أو منصة أنغامى، أما في لبنان فحفلات الراب جزء من إيقاع المدينة، وعلى عكس مؤسسات الانتاج الثقافي المستقلة التى تنبذ الراب في مصر فمؤسسات تمويل ودعم الانتاج الفنى والموسيقي في بيروت تحتضن أعمال معنى الراب المصري الذين يجدون صعوبة في المنافسة مع ملكات السيلكون اللواتى يتصدرن المشهد الفنى في لبنان. أما مغنى الراب في مصر فليس لهم إلا الساوند كلاود أو التسول أمام عتبات وكالات الاعلان.
لا أكاذيب في الراب التونسي، ولا داعى لتلبس خطاب السلطة وترديد جمل من نوع “بكرة هيبقي أحسن” على طريقة أسفلت، وأحمد مكى، وزاب ثروت. بل إيقاعات موسيقية أصيلة وكلمات قوية لا تخشي التعبير الحر. وقاعدة إنتاج تنمو بازدياد كل يوم وبينما لا تتجاوز أرقام أغنيات الراب المصري الآلاف، والملايين إذا كانت مدعومة من قبل شركات الإعلانات، فالراب التونسي والمغرب تتعدى عشرات الملايين بل بعضها مثل أعمال بلطى تتجاوز مئات الملاين. لا مجال أيضاً للمقارنة بين مستوى التسجيلات الرديء أو المتواضع لأغانى الراب المصري، ومستوى التسجيل والإنتاج الفنى بل وحتى إخراج الفيديو كيب لأغانى الراب المغربي. وإن كان الملاحظ أن سر النجاح الجماهيري للراب المغاربي يعتمد على المزيج ظهر في السنوات الأخيرة بين الراب والغناء الشعبي التونسي، وهو الخط الذي كان قد بدأه أم.سي أمين من مصر مع مغنى المهرجانات، لكن بينما لم تعد الساحة المصرية تتحمل الخطاب السياسي المعارض لأمين، فبلطى من تونس ما يظل يغنى /نعيش في سيستم يحكموه ولاد المتحايلة”.
ينحشر مغنى الراب المصري خلاف الساوند كلاود، أما الراب المغربي فيحتلون اليوتيوب بمعدل انتاج شبه شهري، يندر أن تمر ثلاثة شهور دون أن نجد فيديو كليب لفنان راب من تونسي، والأجيال تتوالى سريعاً، فكلاي وبلطى حومانى الذين شكلوا رواد الراب التونسي بعد الثورة يواجهون الآن منافسة قوية من أجيال آخري مثل كاسترو وعلاء A.L.A تغنى على إيقاعات التراب، وتهاجم موسيقي وكلمات الأجيال السابقة باعتبارها ناعمة.
أما لبنان فنظراً لأن المنافسة في سوق الإنتاج الفنى شرسة بطبعها وسط نانسي عجرم وراغب علامة، فمغنى الراب في لبنان نجحوا في أن يقدموا أنفسهم كفنانين مستقلين ويصبحوا جزء من الساحة الفنية التى تصف نفسها بالفن المستقل بينما تعيش على دعم مؤسسات الإنتاج الأوروبي. وهذا الأمر أنتج حالة نادرة في غرابتها. فبينما لا نجد المهرجانات الثقافية في مصر أو بيروت توجه الدعوة لمغنى راب مصريين أو مغاربة، فالراب اللبنانى والسوري من الراس إلي بوكلثوم يحتلون تلك التظاهرات، بأغانى وكلمات مناسبة للخطاب الثقافي وخطاب الصوابية السياسية الذي تدعمه تلك المؤسسات.
الراب السعودى مساجين الأمس مليونيرات اليوم
من لبنان للقاهرة لتونس لطنجة، رغم تباين المستويات من عام لعام تبعاً للأحداث السياسية والمتغيرات الاقتصادية، لكن السمات المشتركة تجمع الراب في تلك البلدان. أما قصة الراب في السعودية والخليج العربي فهى فريدة في تطورها.
أولاً لدينا ثوابت تحكم الراب الخليجى، لن نجد أغانى سياسية في الراب الخليجى، ليس هناك حكام أو محكومين لا يوجد كذلك أغانى وطنية بالمعنى المفهوم في بقية البلدان العربية حيث البلاد الجميلة التى يحكمها اللصوص والقتلة كما في الراب المصري أو المغربي. أيضاً لا وجود لأغانى الصوابية السياسية في الراب الخليجى فلا حديث بالطبع عن الهجرة غير الشرعية، أو حقوق المرأة وغيرها من الموضوعات التى يتلقي مغنوا الراب من سوريا أو لبنان عليها الدعم.
يطوف الراب السعودى في مجرة كونية خاصة به، وحالياً يعتبر مغنوا الراب السعودى من الفنانين الأثرياء الجدد الذين أصبحوا جزء من منظومة الانتاج الفنى والموسيقي الثرية مادياً وفنياً. لكن من خمسة عشر سنة لم يكن المشهد كذلك. في بداية الألفية كان مشهد موسيقي الهيب هوب في الخليج من أعنف المشاهد والساحات الفنية.
نهض الراب الخليجى والسعودى على الهجاء. مهما سمعت من أغانى عنيفة في الراب المصري أو المغربي، فحتى الآن لم أسمع شخصياً أغانى في عنف ما قدمه مغنوا الراب السعودى في بداية الألفية تحديداً عبادى، وكلاش، ومجموعة وكر العصفور.
الهجاء في الراب السعودى والخليجى لا يعتمد على السباب وقوة المغنى في السيطرة على الإيقاع فقط، بل ينحدر إلي العنصرية والطائفية بأريحية.
في سنوات ما قبل الـ2010 يمكن أن نصف الراب السعودى بأنه الراب الأكثر عنصرية، فالمغنى لا يكتف بمهاجمة المغنى الآخر بل يهاجم عائلته وقبيلته، وجنسيته وأهله. وحتى إذا لم يجد مغنى الراب مغنى ينافسه فهو يخصص ألبومها لمهاجمة فئة من فئات المجتمع أو جنسية من الجنسيات التى لا تعجبه.
في 2009 مثلاً أشعلت مجموعة وكر العصفور حرباً إعلامية بين مصر والسعودية خرجت من ساحة منتديات الراب إلي قنوات التلفزيون في أغنيتهم نورت مصر، وهو الأمر الذي استدعى رداً من مغنى الراب المصري لكن أبداً لم تكن الردود المصرية في قوة الإهانة، كما أن مغنى الراب المصريين المحترفين لم يتورطوا في تلك المعركة، بينما خرج كبار مغنى الراب السعودى من هذا العالم، عالم الهجاء على طريقة الشاعر العربي القديم “وَنَشْرَبُ إِنْ وَرَدْنَا المَاءَ صَفْـواً. وَيَشْـرَبُ غَيْرُنَا كَدِراً .”.
حالة كلاش نجم الراب السعودى الأكثر دلالة على رحلة الراب السعودى، فقد بدأ كلاش من العالم السفلي لمنتديات الانترنت حيث كانت أغانيه تنتشر على المنتديات ومن خلال تقنية “البلوتوث” على أجهزة الموبيل. شكل كلاش مع رابر سعودى آخر هو “عبادى” ثنائياً شهيراً في سنوات 2004 و 2005. أغانيهم هاجمت وسبت كل الجنسيات الخليجية طوائف وعائلات متنوعة من المجتمع السعودى وحينما ملوا لم يجدوا فئة فقد بدأوا في مهاجمة بعضهم البعض والتنافس بأغانى الراب في التنكيل ببعضهم البعض.
اختيار الهجاء أو “الديث” بلغة عالم الراب هو اختيار يحمل قدراً من الذكاء في بيئة قبلية كالمجتمع الخليجى. فيحنما تهاجم فلان، أنت تشعل معركة وفلان سيضطر للرد وحينما يرد فلان سيهاجمك أنت وقبيلتك وجنسيتك، بالتالي ستكسب أهلك في صفك بصفتك ممثل لهم ومطالب بالرد عنهم، وهكذا كلما اشتعلت المعارك كلما انتشرت الأغانى أكثر.
بالرغم من ابتعاد مغنى الراب السعودى عن الغناء السياسي أو انتقاد الأوضاع الاجتماعية أو السياسية، لكن الهجاء والسباب جر الكثير من النقد المجتمعي على مجتمع الراب السري. في عام 2007 ألقت الشرطة السعودية القبض على كلاش نجم الراب السعودى، ووجهت له تهم السب والشتم والاستهزاء بفئات المجتمع وحكم عليه بحكم مخفف 3 أشهر سجن بعد التعاطف معه حينما تبين أن سنه وقتها 18 عاماً.
بعد خروجه من السجن ابتعد كلاش عن عالم الهجاء و”الديث”. وعلى ما يبدو قرر أن يحول غنائه الراب إلي مهنة لا كهواية يمارسها تحت اسم مستعار، بدأ كلاش يشارك في الفرق المسرحية السعودية ويقدم معها عروضاً في المولات والمسارح السعودية. شارك أيضاً في المسابقات المحلية التى تقام للراب في قطر والامارات، بدأ يظهر في البرامج التلفزيونية ويقدم الأغانى في المسلسلات الخليجة الشبابية. حتى ألتقطه صانع مجد الراب السعودى والخليجى قصى، وضمه ليصبح واحداً من مغنى شركته المعروفة بأساطير جدة أو “جدة ليجنيد”.
قصي خضر هو نجم الراب السعودى والعربي الأول لا بقدراته الغنائية، أو موهبته الموسيقية بل بسبب حاسته الفنية وملكة الانتاج الموسيقي لديه والوعى الذي يحركه بأهمية أن يقوم الفن على قاعدة اقتصادية تدعم وجوده وتدعم فنانيه، خصوصاً إذا كان فن مهاجر من الغرب إلي الشرق كالراب والهيب هوب.
في نهاية التسعينات كان قصي يكمل دراسته في الولايات المتحدة الأمريكية، جذبته موسيقي الراب والهيب هوب في الساحل الشرقي، حيث تعرف على عدد من منتجى الموسيقي البارزين بعضهم أصبحوا شركاء له في المسيرة بعد ذلك مثل فريديرك. لكن مع بداية الألفية عاد قصي إلي جدة بعدما درس إدارة الأعمال في أمريكا. عاد بطموح أكبر من أن يغنى الراب أو ينشر على الانترنت بعض أغانى الهيب هوب باسمه.
أسس قصي مجموعة “أساطير جدة” والتى تحولت إلي مظلة تجمع تحتها عشرات الأسماء من عالم الراب السعودى، لتصبح أهم وأعرق شركة إنتاج في المنطقة متخصصة في إنتاج موسيقي الهيب هوب العربية. رغم بداية غنائه بالإنجليزية لكن تحول قصي إلي الغناء بالعربية جامعاً بين اللغتين العربية والانجليزية. سعي قصي إلي التعاون مع فنانين آخرين من أنواع موسيقية مختلفة، انفتح على عالم الموسيقي التجارية. وفي سنوات تصدر واجهة المشهد الفنى السعودى والخليجي كصوت رخيم يستطيع أداء الميلودى راب كما يصفه جيمى هود، ومن الموسيقي انطلق إلي عالم التلفزيون ليقدم على مدى سنوات برنامج “أراب جوت تالنت”، ليمثل وجوده في البرنامج الدعم الخفي لكل المواهب التى تتقدم لغناء الراب والهيب هوب.
لدى قصي هذا الحضور اللطيف والودود سواء أمام الكاميرا أو خلفه، وهذا الحضور جعله قادراً على فتح أسواق جديدة لموسيقي الهيب هو والراب العربي والخليجى. وبينما يعانى الراب في مصر من غياب المظلة الانتاجية وحصار الرقابة، وراب وهيب هوب الشام محصوراً في عالم الموسيقي والثقافة البديلة، فراب الخليج والسعودية خلال سنوات قليلة نجح في احتلال المشهد وكل يوم تحمله له الريح المزيد من الخيرات. فمؤخراً مع التغييرات الشكلية التى أقرها ولى العهد محمد بن سلمان تم السماح لهيئة الترفية بافتتاح دور العرض السينمائي كذلك إقامة الحفلات الموسيقية والغنائية، وبسرعة نجح شباب الراب السعودى في إعتلاء المسرح وأصبحوا نجوم حفلات هيئة الترفية ووجه بارز من وجوه السعودية الجديدة. السعودية التى تقود فيها النساء السيارات بينما يقبض على النشاطات النسويات وتوجه لهن تهمة خيانة الوطن، السعودية التى تعتمد نظام الكفيل لكن تسوق للعالم مشروع أرض النيوم كأرض ومدينة الروباتات. السعودية التى تخوض حروباً على أكثر من جبهة بينما الجيل الجديد من مغنى الراب يغنون فيها “في بدايتى طفران/ أخبي ريالى واقعد جعان/ عالحديدة دا من زمان/… بديت بريال وصرت مليونير”.
السقف منخفضاً بكل تأكيد في راب السعودية، لكن الصناعة والبنية الاقتصادية قوية تجعل الأرض مناسبة لنمو الهيب هوب العربي، المدون ومقدم البرامج الإذاعية “بيغ هاس” المتخصص في موسيقي الهيب هوب مثلاً يقدم أهم برنامج إذاعى عربي عن الهيب هوب من داخل السعودية. قصي طموحه يتجاوز جدة ومستمر في اجتذاب فنانين ومغنين عرب وانتاج المشاريع والمغامرات الجريئة معهم. المشهد يموج بالثراء والتنوع، لكن لا مساحة له على الشاشات أو المسارح ليأخذ الهيب هوب العربي مساحته التى يستحقها.
اندلعت الحرب بشكل علني الأسبوع الماضى. المعارك التي كانت مَطمورة وتدور في العالم السفلي، تصعد للسطح الآن. الشيخ محمد المغربي، وهو أردنى يمتلك قناة “الطب النبوي” الفضائية، ظهر الأسبوع الماضي في قناة “القاهرة والناس”، وهاجم بالأسماء من يصفهم بالدجل والشعوذة من أصحاب القنوات الأخرى الذين يدّعون القدرة على شفاء الأمراض وحلّ جميع المشاكل الصحية والنفسية بالأعمال السفلية والرقية والأدعية. المغربي أعلن أنه بات يتنقل مع حرّاس مسلّحين، لأن الحرب التي يشنها على شيوخ المغرب ومصر جلبت له عشرات التهديدات وتعرض بالفعل لمحاولات اغتيال وقتل.
تحارب قناة المغربي الفضائية، الجدل والشعوذة، لكنها تقدم نصائح وخدمات واستشارات للعلاج… بالقرآن. يدافع الرجل عن نفسه بأن ما يقدمه هو العلاج الروحانى الصحيح، وأن الآخرين دجالون. أما قناة “القاهرة والناس”، التي تحارب الجدل كذلك، فهى تروّج لعلم الفلك وتفسير الأحلام والأبراج، وكلها فقرات ثَابتة في خريطةِ برَامج القناة التي تهاجم، في الوقت ذاته، الدجالين الذين يدّعون القدرة على مُسَاعدتك في اتخاذ القرارات المصيرية وتحديد مُستقبلك.
أما في التلفزيونات المصرية الرسمية، وكذلك معظم القنوات العربية، فخبراء الطاقة الروحانية والبرمجة العصبية، واليوغا، وطاقة الأحجار، والعلاج بالعناصر الطبيعية.. هم أصحاب فقرات ثابتة، يتم تقديمهم بلقب دكتور قبل أسمائهم أو لقب الخبير في السلام النفسي.
لطالما كان اقتصاد وتجارة الميتافيزيقيا، من أكبر الاقتصادات في المنطقة العربية والعالم. ونقصد به بيع وتسليع كل الممارسات ذات الطابع ما وراء الطبيعي، والتى تعتمد على نظريات غير مثبتة علمياً، ورغم أن بعضها مجرب لكن تغيب دائماً العلاقة بين السبب والعلّة. وهي تشمل تجارة الأبراج والتنبؤ بالمستقبل، العلاج الروحانى، العلاج بالقرآن، العلاج بالطاقة، اليوغا، وكل أساليب التحكم بالطاقة غير المرئية والتي لا برهان علمياً على وجودها.
تُشكل الميتافيزيقا عُنصراً أساسياً في ثقَافات شعوب الأرض. وخلال العقود الأخيرة، مع ترسيخ سياسات العولمة وتسليع الثقافة، تحولت الميتافيزيقا إلى وسيلة من وسائل الدخل للأفراد والشعوب.
في الصين والهند، حيث لم تؤدّ الحداثة القائمة على الحقائق الفيزيائية إلى دفن التجَارب الميتافيزيقية، استمر الطب الحديث مع الطب الشعبي. وممارسات مثل التداوي بالأعشاب أو التأمل أو الإرشاد الروحي عبر معلم اليوغا، هي ممارسات علنية تنظمها الدولة وتستفيد منها. وقبل عامين، ضغط رئيس وزراء الهند على الأمم المتحدة، من أجل تخصيص يوم عالمى لليوغا والتأمل الروحانى على الطريقة الهندوسية، وتبنت الحكومة الهندية مَجموعة من السياسات للترويج لكل أشكال الميتافيزيقيا الهندوسية، من اليوغا والتأمل، إلى العلاج بالأعشاب والتداوى ببول البقر المقدس. ليس الغرض من هذه السياسية دعم القوى الناعمة للهند فقط، بل دعم الاقتصاد الهندي كذلك، إذ يُقدّر إجمالي عائدات سوق اليوغا ومنتجاتها، على الاقتصاد الهندي، بحوالى 5.7 مليار دولار أميركي.
دخل الطب الحديث مصر، في عشرينات القرن التاسع عشر، على يد كلوت بك، تطبيقاً لسياسات محمد علي باشا، لرفع عدد سكان القطر المصري ولاستخدامهم في تكوين جيش الباشا، ولزيادة طاقة الأيدي العاملة في أراضيه الزراعية. منذ القرن التاسع عشر، وحتى الآن، تشن مؤسسة الطب التشريحي الحديث، الحرب على الطب البديل، وعلى كل أنواع العلاج الميتافيزيقي الذي لا تنتجه المؤسسة الطبية الغربية الحديثة. ومع ذلك، تنمو مؤسسة العلاج الميتافيزيقي في مصر والعالم العربي، وتعيد خلق نفسها تحت مسميات وأشكال جديدة تناسب كل طبقة إجتماعية.
في أحد المولات التجارية الكبرى، ترتفع لافتة بالانجليزية تشير إلى أن المحل هو مركز بيع منتجات المركز الفلاني المتخصص في العلاج بالطاقة. داخل المحل تُبَاع مَجموعة من الأحجَار والعقود والتمائم بأسعار مُبالغ فيها. قطعة حجر أشبه بأي “زلطة” تجدها في الشارع، تباع بحوالى 750 جنيه (35 دولار أميركي)، ولها استخدامات مُتعددة. فإذا وضعتها أسفل وسادتك قبل النوم، ستقضي على الصداع المزمن والقلق وتمنع الأفكار والطاقة السلبية من الاقتراب منك أثناء نومك. أما تلك الحظاظة غريبة الشكل، والتى يقترب ثمنها من 1500 جنيه (75 دولار أميركى تقريباً)، فهى ستغير من هالة الطاقة المحيطة بك، فتجعلك وسيماً وتجذب الآخرين لك ولشخصيتك. ينظم المركز أيضاً عدداً من الأنشطة لسكان التجمعات السكنية في “6 أكتوبر” و”التجمع الخامس”، ومنها حلقات ذكر صوفي خاصة بعليِّة القوم تقام في فيلا خاصة، وتقدم خلالها الولائم، فتمنحك الفرصة لمعايشة جو حلقات الذكر والتصوف الجميل من دون الحاجة للاختلاط بزحام الأحياء الشعبية أو حضور الموالد والاختلاط بالعامّة.
ينمو اقتصاد الميتافيزيقيا ويزدهر لدى الطبقات الاجتماعية العليا المصرية، ويزداد الإنفاق عليه. في المجال الرياضي، الحديث عن استخدام السحر أصبح شيئاً علنياً. رؤساء الأندية الرياضية يستعينون بسحَرة معروفين بالاسم. وأحد رؤساء الأندية الكبري في مصر، لا يخفي علاقته بساحر يصحبه معه دائماً، ولا يتخذ أي قرار يخص الفريق من دون الرجوع إلى هذا الساحر، حتى أن العاملين في النادي حينما توجد مشكلة مع المدير يلجأون إلى هذا الساحر للتوسط لديه.
لكن رغم الاعتراف الرسمي والديني بوجود السحر، فكالعادة يدفع الفقراء الثمن. وبينما ينمو ويزدهر اقتصاد السحر والميتافيزيقيا في التلفزيونات الرسمية، وتتعامل معه مؤسسات الدولة كواقع، فإن سحر الفقراء يتم وصمه بالدجل والشعوذة وتتم ملاحقته جنائياً والتعامل معه كسلوك إجرامي. هكذا، أصبح معتاداً أن نشاهد خبيرة الطاقة الروحانية تدلي بحديث صحافي في إحدى الصحف، وفي الصفحة المقابِلة القبض على دجال في حي السيدة زينب يقنع الفقراء بحل مشاكلهم الأُسرية.
ليست الطبقية هي العنصر الوحيد الذي يتحكم في مدى “شرعية” العمل الميتافيزيقي، بحيث يصبح ساحر السيدة زينب دجالاً ومجرماً ومشعوذاً، وخبيرة الطاقة الروحانية في حي المعادي نجمة مجتمع راقية وشخصية عامة في التلفزيون ووسائل الإعلام. فإلى جانب الطبقية، يسيطر شيوخ السلفية على قطاع كبير من الاقتصاد الميتافيزيقي، وسلطتهم عابرة للطبقات الاجتماعية. فمع نمو السلفية الدينية في المجتمع المصري خلال العقود الأخيرة، ظهر فرع العلاج بالقرآن والطب النبوي. السلفي يعترف بالسحر والميتافيزيقيا، لكنه يستخدم سلاح الحرام والحلال. فقواعد الفقه والشريعة لا تنظم العلاقات في العالم الفيزيائي الطبيعي فحسب، بل كذلك في العالم ما وراء الطبيعي. هناك أعمال ميتافيزيقية مُحرّمة وهناك أعمال ميتافيزيقية مُحللة. وخلال السنوات الأخيرة، تم وصم الكثير من الممارسات الميتافيزيقية والسحرية الشعبية بأنها حرام، بداية من ضرب الودع إلى قراءة الفنجان. وحتى تلك التي وصفها الفقه بأنها حلال، فرض السلفيون نماذج استخدام محددة لها، وفرضوا أنفسهم حصريين كقائمين بالرقية الشرعية والعلاج بالقرآن والعسل وبول الإبل.
أمام هذا العالم والاقتصاد، بل والسياسية الميتافيزيقية الآخذة في النمو والتوحش، حيث السيد ترامب الذي لا يؤمن بالتغيير المناخي، يقف المثقف العلماني المدني، متحصناً بتراث الفيزياء الحديثة، من نيوتن إلى أحمد زويل، مستعيناً بكتب ودراسات علم النفس الحديث كمفتاح وحيد للتواصل مع العالم الميتافيزيقي. ورغم أن علم النفس الحديث يتحرك ويؤسس لنظريته بلا معاينة تشريحية كباقي العلوم الحديثة، لكن سلطان نظرياته يقف في مواجهة السحر والروحانيات والعالم الميتافيزيقي مدعياً أنه العِلم والآخر دجل.
إن أي نقاش علمي في مواجهة الدجل والميتافيزيقيا المحيطة بنا، محكوم عليه بالفشل التام. يكافح العلماني والعربي المستنير، الخرافة والدجل، بكتابة المقالات والظهور في التلفزيون مهاجماً الخرافة. لكن الخرافة لا يمكن أبداً أن تتبدد بالنقاش العقلاني. والطبيعة بقوانينها لا يمكنها هزيمة ما وراء الطبيعة، خصوصاً إذا كان خلف سحابة الخرافات والروحانيات التي تغطى الكوكب، كل هذا الدعم والتمويل والاقتصاد، فتتبدد صيحات المنطق في الفراغ.
كلفت بتغطية مؤتمر لأدب الطفل في زمن ما قبل 2011 . كعادة كل أنشطة الطفولة والأمومة في هذا الزمن كان المؤتمر تحت رعاية السيدة الفاضلة سوزان مبارك، ومن تنظيم واحدة من الجمعيات والهيئات العديدة التي كانت ترأسها. كان العمل من أثقل المهام على قلبي، حيث إن هذه المؤتمرات تكون سلسلة طويلة من الخطب والكلمات الإنشائية والجمل المكررة المليئة بالإطناب.
حضر الأمن الرئيسي أولاً، ثم حضرت زوجة الرئيس وألقت كلمة مكتوبة وزعت في الوقت ذاته على الصحفيين، وكان من اللافت أن القاعة تمتلئ بكل الكتاب والمثقفين ممن يحملون لقب “قامة فكرية” ومعظمهم ليس له أي علاقة بأدب الطفل، استغربت وجودهم في البداية لكن بعدما أنهت زوجة الرئيس كلمتها التي كانت تشبه موضوع تعبير مدرسي. خرجت لتقف في مدخل القاعة لما يقرب العشرين دقيقة، حيث فهمت حينها سبب وجود كل هذه القامات الفكرية.
كان المشهد كالتالي زوجة الرئيس تقف على رأس الدائرة وحولها سيدات المجتمع في حلقة ضيقة أولي وعن يسارها تقف زوجة وزير الإعلام وقتها أنس الفقي، تهمس في أذنها ببضع كلمات ثم تشير لكاتب من «القامات الفكرية» فيتقدم الأخير ليصافح زوجة وزير الإعلام وزوجة الرئيس ويتبادل معها بضع كلمات مليئة بكلمات الثناء على دورها وما تقدمه للطفل والأدب والتنوير والثقافة والمثقفين. بعد أقل من نصف ساعة انصرفت زوجة الرئيس، الكتاب الذين فازوا بالمصافحة ارتفعت قامتهم بضع سنتيمترات وابتسامة تعلو وجههم بينما الكتاب الذين لم يفوزوا بالشرف العظيم انزوي وقد قصرت قامتهم يشعرون بالنبذ والحزن من عدم نيل شرف الحديث مع السيدة الفاضلة. ثم انصرفوا جميعًا بعدها ببضع دقائق لتستمر بقية جلسات المؤتمر خالية من الحضور ومن الضيوف.
الصورة السطحية كشاب صحفي يتعرف على هذا العالم للمرة الأولي كانت بالنسبة لى أن ما يحدث هو نوع من «التعريض» المرتبط بالظرف السياسي وبالهرمية الحاكمة التي أسستها أسرة مبارك أثناء حكمها للبلاد. لكن في رواية بدر الديب البديعة «إجازة تفرغ» والتي تدور أحداثها قبل عهد أسرة مبارك كان هناك مشهد مماثل قدم له بدر الديب رؤية آخري قائلاً: «منذ أن أممت الثورة الثقافة وصنعت المجلس الأعلى وأجهزة الوزارة في الثقافة والإعلام، وهذه الأصناف من الناس تتكاثر وتقوي حراشيف التماسيح على ظهورهم. إنهم يتحركون في مستنقع آسن مخضوضر فيه ظلال ودسامة الركود، لا يجهد كل منهم إلا لكى يتخذ ركنًا أو مكانًا يمارس فيه شيئًا من السلطة ويستطيع فيه أن يرفع صوته. إنهم يتحدثون عن الثقافة وعن الفكر ويقرنونها بالوحدة العربية تارة والاشتراكية العلمية مرة أخري وبالثقافة الجماهيرية مرة ثالثة، وبمستقبل العالم والإمبريالية ودول العالم الثالث والثورة المضادة».
لم يعد في كل هذا من الجهد أو المعني إلا أن يكون لكل منهم حق في شيء منه وليس هذا الشيء تحقيقًا أو إنجازًا أو استكشافًا أو فكرة ولكنه أساسًا كتاب صغير في سلسلة أو كتابين، مقالة هناك أو مقالة في صدر جريدة ولكن المهم القدرة على حضور المؤتمرات وتنظيمها وإلقاء الخطب فيها وتصوير الانتصارات التي تتحقق في صياغة التوصيات والحصول على الموافقة بإقرارها. لا أحد منهم يذكر أن كل ما يفعله هو للسلطة وأنه لم يكن ليقدر عليها لولا سماحها ورغبتها. (…) إنهم يسعون لمنصب جديد أعلي أو لسلطة أكبر لأن هذا هو المشاركة في الفعل والتغيير وهما المحك الحقيقي للثقافة والفكر.
بدر الديب مع أعمال شريف يونس أفهمتنى أن المسألة ليست رغبة في التعريض فقط، بل لأن النظام وهو هنا شبكة القوانين والعلاقات التي أنشأتها الدولة الجمهورية خلقت معاني جديدة للثقافة ولدور المفكر تجعله مرهونًا بالاعتراف من قبل الدولة، وبجعله مستشارًا لها. وهذا القانون يترسخ داخل الكتاب والمثقفين أنفسهم أكثر من كونه مكتوبًا في لوائح وزارة الثقافة أو طريقة إدارتها.
هذا القانون يربط التنوير بالعمل مع الدولة، ويجعل من دور الكاتب والمثقف أن يمشى بجوار السياسي ممسكًا بالصاجات والطبلة يغنى تسلم الأيادي ويقول عن هذا فن. وتحقق ذات الكاتب يكون بمدى اقترابه من تلك السلطة، وصراعاته ضد الفساد تكون صراعات ضد أشخاص يجلسون على الكرسي وليست بهدف إزاحة الكرسي. ويتجسد هذا القانون في أعلى حالاته في شخص يوسف زيدان. الكاتب الذي لم تؤهله علاقاته الدولية وضعفه في اللغات الأجنبية لكى يكون واجهة مشرفة للثقافة كإسماعيل سراج الدين. متقمصاً حالة الكاتب الرسول وجدت نزعات زيدان التنويرية مكانها على الفيسبوك يعيد إنتاج معلومات عامة ونصوص قديمة متاحة على الإنترنت معتبراً أن ما يقوم به هو رسالته التنويرية ككاتب. وحينما تنبذه السلطة هازئة منه ومن لغته المصطنعة يواجه الحقيقة أنه لا شيء بدون هذه السلطة فيقرر الانسحاب من الحياة الثقافية كما أعلن مؤخراً في محاولة أخيرة لجذب الانتباه إلي حالته ووضعه الحزين.
يتصارع تماسيح الثقافة على منصب في تفاهة مستشار رئيس الوزراء للشئون الثقافية، ويلعبون لعبة البطل والفاسد بالتناوب لخلق دراما مسلية للأعلام. بينما شاعر وكاتب آخر كعمرو حازق خرج في عشرات المظاهرات والوقفات الاحتجاجية ضد فساد إسماعيل سراج الدين وكانت نتيجة كل ما فعله أنه محبوس الآن في سجون النظام بتهمة خرق قانون التظاهر غير الدستوري، لكن مع ذلك قادرين على الضحك والعمل ليصدر روايته «روائي المدينة الأول» من داخل محبسه بينما التماسيح لا تزال تتصارع أيهم يقترب أكثر من كرسي محلب.