لم أر في الخوف دنساً أو ضعفاً، على عكس الشجاعة التي رأيتها غالباً مرادفاً للحماقة والذكورية. في المقابل يجعلك الخوف يقظاً، منتبهاً، في حالة تأمل باطنى تمكنك تدريجياً من بناء دفاعاتك النفسية. أتحدث عن الخوف المحدود، لا الرعب، لا الهلع، والفزع من تهديد واضح أو مباشر، بل ذلك الخوف الأليف الذي تطعمه أمهاتنا لنا مع حليبهن وحين تنمو أسنان المرء ويُفطم، ويصبح التحايل، والكذب، والتخفي مكونات النظام الغذائي الذي نحيا عليه. خوف يأتي متبوعاً بنصائح من قبيل «اسمع الكلام، امش جنب الحيط، ابعد عن المشاكل، لو بلطجى وقفك أعطه ما معك ولا تتعارك، اشرب كوبك كاملاً، الطعام الذي تتركه في طبقك سيجري وراءك يوم القيامة، إذا استمررت في ضرب العشاري ستفقد نظرك وتضعف ركبك، قول شكراً، قول الحمد لله، متحكيش في السياسة، البس فانلة تحت الهدوم» إلخ.. إلخ.. إلخ، ثم بخ! تصل لمراهقتك وتتعلم ضرورة البعد عن مسار ضابط المرور إذا صادفته في الشارع، وإخفاء هويتك عمن يحادثك، وألا تخوض في الدين مع أحد، وحين تصل إلى شبابك تجد تمرسك مع الخوف قد أكسبك القدرة على ممارسة الحياة كاملة بصحبته؛ الحب تمارسه مع حبيبتك وأنتم محاطون بمخاوف متعددة تبدأ من اقتحام الجيران عليكم البيت، أن يوقفكم ضابط شرطة في الشارع، أن ينقطع الكندوم، أن يأتى صاحبك إلى المنزل قبل أن تنتهوا، أن تعرف بنت خالتها بأمر علاقتكم، أن يراكم ابن عم أمها معاً، ومع ذلك تستمر قصص الحب العربية وتنمو. نتزوج وننجب وننفصل. حياة كاملة بصحبة الخوف، من نكون نحن لنرفض الخوف أو نتمرد عليه! نحن قوم نأكل الخوف بدل الكرواسون مع القهوة، ثم أن لدينا هذه الألسنة الطويلة الحادة الجارحة التي لا تتوقف عن الغلغلة عن شجاعتنا، وقوتنا وصلابتنا وفرادتنا، وكل هذه القيم العربية الجميلة عن التمرد والشجاعة والجرأة التي تلهج بها أغاني المهرجانات المصرية ومغنون يتحدثون عن قدرتهم على حمل السلاح وإنهاء أى معركة بينما يطاردهم نقيب مثل هاني شاكر مجبراً إياهم على بلع ألسنتهم في مواجهته والفلقسة بشجاعة منقطعة النظير، لأنهم مثلنا جميعاً تربوا على الخوف وأكلوه صغاراً.
الفقرة السابقة طويلة، ومليئة بالأفكار والصور المتناثرة، وأنا أعرف أن قواعد التحرير البليغ تقتضي تقسيمها وتكسيرها لجمل وفقرات أصغر، وحذف ما قد يشتت ذهن القارئ عن الفكرة الرئيسية. أقرأها وأشعر بخوف وصوت اصطكاك «اكتبي زي الناس، بلاش قلة أدب، حددي الفكرة، عبر بكلمات قليلة وجمل بليغة، اجعلي النص يسيراً لا عسيراً». في الغالب سأخضع لخوفي، لأنه هذه المرة خوف جديد، خوف فريد الطابع لم أختبره في حياتى السابقة، ليس خوفاً عربياً، ليس الخوف الذي سقته لى أمى ومجتمعى ودولتي، بل خوف كما النمل زحف دون أن أشعر به خلال السنوات الأخيرة منذ هجرتي إلى أمريكا، حتى أكل النمل كل ثقتي في ذاتي، وانقطع تواصلي بأناي «هل هذه كلمة صحيحة لغوياً؟ إذا لم تكن، فهل تفهمها؟ نعم أسألك أنت».
بمناسبة صدورة طبعة جديدة عن دار نشر ومكتبة خان الجنوب ببرلين، أجريت مع موقع “جدلية” هذا الحوار القدير عن حرز مكمكم والغرور الأدبي والخفة التى تطفو بك لكن لا تفقدك عمقك المتوهم
جدلية (ج): في البداية، ما معنى “حرز مكمكم”؟
أحمد ناجي (أ. ن.): الحرز هو مفرد الأحراز، وهى في اللغة القانونية الأدلة التي تثبت الجريمة. مثلًا إذا ضُبط لص وبحوزته المسروقات، فهذا هو حرزه.
مكمكم صفة من الكمكمة، وهى في القاموس “الستر بالثياب”، وذكر لسان العربي “أن عمر، رضي الله عنه: رأَى جارية مُتَكَمْكِمة فسأَل عنها فقالوا: أَمةُ آل فلان، فضرَبها بالدِّرّة وقال: يا لَكْعاء أَتَشَبَّهِين بالحَرائر؟ أَرادوا مُتَكَمِّمة فضاعَفوا، وأَصله من الكُمَّة وهي القَلَنْسُوة فشبه قِناعها بها”.
وقد انحرف المعنى في العامية المصرية ليُطلَق على الشيء المستور المغطى حتى أصابه العفن أو العته، فمثلًا الثياب القديمة إن تُركت في الخزينة لسنوات دون تهوية يقال عليها “كمكمة”. وكانت أمي توصيني دائمًا بعدم ترك الملابس في الغسالة ونشرها فورًا حتى لا تصيبها “الكمكمة”.
أما في السجن، فيُطلَق لفظ “حرز” على المسجون “الشمال” – وأتمنى ألا تسألني يعني إيه شمال – أو المسجون “اللي مش سالك”. أما وصف “حرز مكمكم” فهو من أشد وأقسى المسبات المستخدمة في السجن، إذ شاهدت في مرة مسجونًا كا أن يفقد عينيه لأنه وصف مسجونًا آخر في خناقة بأنه حرز مكمكم. أن تصف مسجونًا بأنه حرز مكمكم، فهو يعني أنه ذات نفسه هو “الحرز”، هو دليل الاتهام، وهو السبب في سجن نفسه ومن معه، أما وصفه بالكمكمة فمعناه أنه سيظل في السجن للأبد، لأنه حرز مكمكم.
استخدام المصطلح كعنوان للكتاب نظرًا للتقاطعات المتعددة، والإشكاليات الإبستمولوجية التي يطرحها الكتاب. فهو كتاب عن الكتابة، التي هي دليل اتهامي/حرزي، لكنه أيضًا كذلك حرز خفيّ، أما لماذا هو بالحرز الخفي، فأدعوك لتقرأ الكتاب لتجد إجابة على تلك الأسئلة.
أحب أن أنوّه أيضًا أني استلهمت العنوان من أغنية الفنان رضا البحراوي “حديد” التي كتب كلماتها الشاعر محسن الشبراوي، وكذلك مهرجان “حرز مكمكم” للفنانين كاتي ونانا وشرارة، وهي من كلمات شاعر العامية الكبير “الجن والأسطورة”.
(ج): كيف تبلورت فكرة الكتاب وما الذي قادك نحو الموضوع؟
(أ. ن.): قادنى نحو المشروع السجن.
أما كيف تبلورت فكرة الكتاب، فلأنه حين راجعت معظم كتابات أدب السجون وجدتها تتحدث عن السجن السياسي، وتتكلم عن المعركة والنضال والتنظيمات السياسية والرفاقية، وأشكال المقاومة، وهو أمر بعيد تمامًا عن تجربتي كمسجون بتهمة مخالفة الآداب العامة ومصنّف مع مروجي الدعارة وبائعي الهوى والنصابين والمزورين والقضاة وضباط الشرطة والجيش الفاسدين.
كان هناك رغبة، لا في تسجيل التجربة أو الشهادة للتاريخ، بل لفهم كل ما حدث والحوار معه، لكي أتمكن من إعادة بناء ذات جديدة تهضم ما مضى وتعاشره وتعشره، وتستولد المستقبل من رحم الحاضر واللحظة الراهنة التي هي بغير تأكيد لحظة فارقة مثل كل لحظات حياتي.
(ج): ما هي الأفكار أو القصة الرئيسية التي يتضمنها الكتاب؟
(أ. ن.): مثل كل أعمالي وما أكتبه، فالفكرة الرئيسية ومحور العمل هو: الحب والصداقة.
(ج): ما هي التحديات التي جابهتك أثناء الكتابة؟
(أ. ن.): لا شيء إلا ما يواجهه كل كاتب؛ كيفية تدبير الوقت اللازم للكتابة، ضمن مشاغل الحياة وضغوط العمل والحاجة المادية، أتمنى يومًا أن أصبح مليونيرًا حتى أتخلص من هذه التحديات والضغوط، وأفرغ وقتي للطهو والكتابة وتعلم صناعة الكوكتيلات وأستثمر مليونًا في إنشاء جائزة أو منحة باسمي تمنح للكاتبات أو الكتاب للتغلب على مصاعب الحياة وتحديات الكتابة.
(ج): كيف كنت تكتب داخل السجن، وكيف تعامل السجناء مع هذا الأمر؟
(أ. ن.): بالنسبة للجزء الثاني من السؤال، فكل السجناء يكتبون. الكتابة في السجن ليست نشاطًا مقدسًا يمارسه المرء في برج عاجي، بل الجميع يكتب. بعضهم قد حكم عليه بالسجن لمدة خمس سنوات يجد في الكتابة استخدامًا مناسب للوقت، يفقد الكاتب تميزه داخل السجن. في حالتي نظرًا لطبيعة قضيتي فقد حذرني مدير مباحث السجن من النشر أو تهريب أي رسائل للخارج، مقابل السماح لي بالاحتفاظ بدفتري الأسود والكتابة فيه، لكن لأني كنت أعرف أني أكتب تحت ظل الرقابة وربما نتعرض للتفتيش في أي لحظة فكنت أكتب بما يشبه الشفرة، وجمل وكلمات مختصرة خاصة جدًّا.
بالنسبة للشق الأول من السؤال، فربما يكون مفيدًا مشاركة هذا المقطع معك:
“رفيقي كان يسكن مصلبًا مجاورًا لي. جميع المصالب في عنابرنا كانت مبنية من الخرسانة المسلحة والأسمنت، وبين مصلبي ومصلبه يوجد حاجز إسمنتي بارتفاع عشرة سنتيمتر، كنا نضع عليه كرتونة تحتوي على علب السكر، والقهوة، والشاي، والنسكافيه، إلى جانب بعض قطع البسكويت أحيانًا، وعلبة الزيتون الأسود الذي أدمن مضغه، وكتبي. أما أوراقي والكرّاس الذي كنتُ أكتب فيه روايتي فكنتُ أضعه أسفل المرتبة التي أنام عليها.
على ضوء اللمبة حيث أقرأ ترجمة عربية لرواية “أطفال منتصف الليل” لسلمان رشدي، يسهر رفيقي الليل وهوم يكتب على ورق فلوسكاب خطابات طويلة من صفحات متعددة، يكتب بالقلم الأزرق، وأحيانًا يخرج قلم التصحيح الأبيض، يهزّه، ويمسح حرفًا خطأ أو جملة ندم على كتابتها. كان لديه شغف جنوني بكتابة الخطابات، وكنتُ أحسده على قدرته الجسدية على الكتابة لفترات طويلة بهذا الشكل.
لطالما كان لدي مشكلة مع إمساك القلم والكتابة لفترات طويلة، في الامتحانات كنتُ أحيانًا أختصر في إجابة الأسئلة، ولا أكتب كل ما أعرفه لأن يدي متعبة. منذ المراهقة بدأت في كتابة قصصي ويومياتي على الكمبيوتر، وبعد التخرج هجرت الورقة والقلم. والآن في السجن كنت أتعلم من جديد كيفية إمساك القلم وكيفية الكتابة على الورقة ذات السطور.
أولًا تمكنا أنا وشريكي من شراء عدد قديم من مجلة زهرة الخليج، وهي مجلة اجتماعية ذات طباعة إماراتية فاخرة. كنا نستخدمها كمسند للكتابة نضع فوقها الورق. نضعها فوق الفاصل الخرسانى بين المصلبين ونكتب عليها. كان يحفظ أوراق رسائله داخل صفحات المجلة. لكنه أقصر مني لذا كان بإمكانه الكتابة في هذا الوضع، أما أنا فبعد أول خمس دقايق كنت أشعر بعظام وعضلات ظهري تصرخ من الألم. جربت الاستناد بظهري على الجدار ووضع مجلة زهرة الخليج على فخذي مع ثني الركبتين، وكان هذا أفضل وضع للكتابة وصلت له.
كل السجناء يكتبون. الكتابة في السجن ليست نشاطًا مقدسًا يمارسه المرء في برج عاجي، بل الجميع يكتب. بعضهم قد حكم عليه بالسجن لمدة خمس سنوات يجد في الكتابة استخدامًا مناسب للوقت، يفقد الكاتب تميزه داخل السجن.
قسّمتُ فترات الكتابة حَتَّى لَا أشعر بالإرهاق سَرِيعًا. أكتب فقرة ثم أفرد جسمي حتى لا أفاجأ بعظامي وقد طُبقت وأُغلقت على عضلات جسدي. ركبتى تطقطق، وفي الليل أستيقظ من آلام الركبة بسبب البرد والرطوبة والنوم غير المريح، أفرد قدمي فلا أستطيع فردها كاملة لأني أطول من المصلب، أظل ساهرًا أخاطب الألم عله يزول فأنام، وفي الصباح تؤلمنى مع كل ثنية. أضغط على أسناني متحملًا آلام الركبة المثنية وأنا أكتب بالقلم الجاف على الورقة مستندًا إلى فخذي.
لكل كلمة كتبتها في هذا الوضع داخل السجن ألمها وجُهدها. قلت لتكن هذه حياتك إذن أيها الكاتب، درّب نفسك على هذه الممارسة، هكذا ستكون حياتك فاستعد لاستخدامها”.
(ج): كيف يختلف أو يتميز هذا الكتاب عن أدب السجون عمومًا؟
(أ. ن.): لا يمكنني الإجابة على هذا السؤال لأني شخص مغرور جدًّا جدًّا جدًّا. ومثل معظم الكتّاب لدي ميول لجنون العظمة وأوهامها، بالتالي أحاول في المقابلات الصحفية السيطرة على هذه الأمراض بتلافي الإجابة على الأسئلة التي تضعني في مقارنة مع الآخرين، احترامًا ومحبة لهم، وأترك أمر تقدير ما أكتبه للآخرين ومن يقرأ.
(ج): ما هو موقع هذا الكتاب في مسيرتك الإبداعية؟
(أ. ن.): هذا سؤال محرج جدًّا، للأسف ليس لدي مشروع أو مسار أو مسيرة إبداعية. الكتابة بالنسبة لي هي ممارسة ممتعة وتواصل مع النفس والآخرين، اختيار أن ترى وتعرّف نفسك ككاتب هو اختيار لنمط حياة، تكون القراءة والكتابة محورها، وبالنسبة لي كل كتابة هي إعادة خلق لذات جديدة، تأقلم مع مرحلة عمرية، هضم لأثر الزمن على العقل والجسد والروح، إشراق أبدي بعد كل موجة اكتئاب وانطفاء. هذا الكتاب كان مهمًّا لا لمسيرتي الإبداعية بل لحياتي الشخصية، حتى أفهم ما حدث وأحوّل كل التجربة إلى نصب تذكاري ربما يرى فيه الآخرون ما يثير اهتمامهم ويجعلهم يطرحون أسئلة.
(ج): من هو الجمهور المفترض للكتاب وما الذي تأمل أن يصل إليه القراء؟
(أ. ن.): أكتب غالبًا وفي ذهني قارئ متخيل هو مزيج من خمسة أو سبعة أصدقاء. ثم بعد ذلك مهمة الناشر أن يحدد الجمهور المناسب للكتاب ويسوّقه لهم، تحديد الجمهور ليس مهنتي. أنا أصلًا أندهش جدًّا حين يخبرني أحد لا أعرفه أنه قرأ كتابًا لي.
الكتاب أيضًا منتج يستهلك فرديًّا، ليس كالسينما تشاهده مع الجماعة، بل تقرأ الكتاب لوحدك، هو علاقة بينك وبين المؤلف. لذا اسمح لي أن أشمئز جدًّا من استخدام كلمة جمهور عند الحديث عن الكتاب. لا يوجد جمهور يكتب له الكاتب، بل هناك قارئ، فرد واحد يقرأ الكتاب ويتفاعل معه بالإيجاب والسلب، أما طموحي الأكبر ولحظة التحقق بالنسبة لي فهي لحظة الحوار مع هذا القارئ، وفي معظم الحالات ينتهي الحوار بأن نصبح أصدقاء.
غالبية أصدقائي هم قراء لي، أو أنا قارئء لهم، لذا ففي النهاية المسألة بسيطة وواضحة جدًّا، أنا أكتب عن الحب والصداقة لأصدقائي الذين أعرفهم، أو الذين سيعرفونني في المستقبل.
(ج): ما هي مشاريعك الأخرى/المستقبلية؟
(أ. ن.): أعمل حاليًّا على مشروع كتاب غير خيالي/قصصي بعنوان “33 وفي الجنة”. يركز بشكل أساسي على التقدم في العمر وما يحدث للرجال وأجسادهم، وكيف يؤثر التقدم في العمر على وعي الذكور بأجسادهم. يتقاطع كل هذا مع تجربتي في الهجرة إلى أميركا، وإعادة اكتشاف الذات والجسد في مواجهة البيروقراطية الأميركية والسياسات العرقية والصحية.
هي كتابة تمزج بين السيرة الذاتية، والتحليل التاريخي والغطس في الأرشيف، واللقاءات الصحفية. كل هذا في قالب ساخر يحتقر الحنين والنوستالجيا ويهرب من بكائيات وميلودراما الكتابة العربية عن المنفى والمهجر.
مقتطف من الكتاب
الكتاب كقناع
يعتمد التخفي على كبت الآراء التي تعبر عن مواقف طبقية أو سياسية أو دينية مع استعمال أكثر الصيغ الحيادية والمطروقة اجتمَاعيًّا في الإجَابةِ عن كل سؤال أو الرد على كل إيماءة، مع الكثير من عبارات مثل: معلش، والله كريم، وربنا يعينك، إلى آخره.
يتطلب القناع رسم ابتسامة هادئة، تمثيل الود والمحبة وتقبل الشخاخ الذي ينطق به الآخر، مهما حمل الخطاب من كراهية، وغباء، وعنصرية. ابتسم واعتبره نكتة، تظاهر بالبراءة وعدم إدراك حقارته.
استعملتَ القناع بِنجَاح فائق في معظم المناسبات الاجتماعية التي فُرضت عليكَ، وفي الظروف التي تطلبت منك الوجود في أماكن عامة، أو الاندماج مع البيئات غير المألوفة.
أثبت القناع كفاءته داخل السجن، خصوصًا في اكتساب احترام ومودة المسجونين والسجانين، لكن عبء ارتداء القناع طوال الوقت كان أثقل فعل على قلبي وروحي في السجن، بعد عبء انتظار مرور الوقت بالطبع.
كانت الكتب في الفترة الأولى هي الاستراحة التي يمكن خلالها نزع هذا القناع. تعمدت الرد على كل مَن يقطع اندماجي في القراءة ردودًا سَاهمة قصيرة ميتة، لإيصال رسالة لهم بأنني غير موجود معهم في الوجود، حين أرتدي قناع الكتاب.
مَثّل وجودي في مصلب علوي عبئًا أكبر، على عكس سكان المصَالب السفلية، فكل حركاتي وأشيائي الموضوعة في أكياس بلاستيك مُعلقة على مسامير في الجدار مكشوفة لجميع الأعين. كنتُ أعرف أن الغرض من وضعي هنا أن أكون تحت رقابة العصافير الموجودة في العنبر. كل كلمة أنطقها، وكل فعل، بل وماذا قرأتُ، ومع مَن تحدثتُ، وكم مرة دخلتُ الحمام، ومدة كل مرة، كل هذا يُنقل إلى الإدارة في تقارير مُتعددة من أكثر من مصدر، لكن أسفل قناع الكتاب أدخل في حجاب عن عالم المراقبة. في الكتاب أقابل أفرادًا لا حاجة لارتداء القناع معهم، بل نتناقش بجدية وحدة، ونرد على حجج بعضنا البعض، ونتخيل أحداثًا وافتراضات زمانية ومكانية، يندهش زميل ويهزني برفق: “أنت لسه في أول أسبوع، لحقت تكلم نفسك؟”.
اليوم السابع، السبت 27 فبراير 2016
أنا أذوب في مصلبي من الملل، أقرأ رواية “بابا سارتر” لعلي بدر وأتمنى ألا تنتهي. أقتصد في مضغ كل صفحة؛ لأن انتهاءها يعني ثقلًا أكبر على صدري من الملل وبطء مرور الوقت.
أفكر في الطزطوز الجميل، في أجمل الطياز التي مرت علي. أشتاق للجنس، ولا أجد حتى مساحة للاستمناء. في الصباح كان فلان يخبط بيده ويطلب من شاغلي الحمام الخروج ويردد إفيه السجون الشهير: “كفاية لبن بقى هتسدّوا البلاعات”.
الحب والأحبّة يبتعدون. أدرب الذاكرة بالكتابة وتسجيل الأسماء. أعزي الأحلام بالتمني. أتخيل الجميع معي في نويبع – سيناء، جالسون إلى مأدبة. كل أحبتي بجوار البحر وعلى الرمل أمام الطعام نضحك معًا بلا ضغينة.
نقطة الضعف التي أحاول السيطرة عليها هنا هي الغضب والانفعال. أي لحظة تفقد فيها السيطرة على أعصابك وثباتك الانفعالي عواقبها وخيمة. لا ترغب في النزول إلى الحبس الانفرادي.
اليوم في طرف أنفي يجلس شاعر غاضب.
ساعة التمام دخل أمين شرطة غليظ الملامح، يتمشى في ممر العنبر وعيونه مسلطة عليَّ. بادلته النظر لابسًا الوش الخشب. سأل بحدة، وقد ظن أني مجند متهرب من التجنيد:
– عسكري؟
– لا.
– اسمك إيه؟
– أحمد.
– محكوم؟
– آه.. واخد سنتين.
– بتشتغل إيه؟
– صحفي.
هز رأسه ثم تركني وانصرف.
ضرورة الحزق لولادة الأدب
خلعت ملابسي ثم قرفصت جالسًا في وضع التبول لكن بعيدًا عن عين الكابينة البلدي. أغمضت عيني في تركيز وكتمت أنفاسي مستجمعًا قوتي في عضلاتي وحزقت، شعرت بأثر الضغط في أمعائي لكن بلا نتيجة، لم يخرج شيء. أخذت نفسًا آخر وكررت الأمر ثانية بلطف أولًا ثم بقوة أكبر قليلًا، شعرت باستجابة عضلات دبري هذه المرة، لكن لم يخرج شيء بعد.
حزقت أكثر فظهر طرف الكيس البلاستيكي خارجًا من صرم طيزي. أوجعني الألم لكن مع كل حزقه يبرز الكيس ويتعاظم شعور الراحة، مددت يدي وأمسكت بأصابعي طرف الكيس، وبالتزامن مع الحزق سحبت الكيس خارج صرم طيزي، وبفضل كريم الشعر الذي دهنته سابقًا كانت الولادة/الإخراج انسيابية، حتى خرج كاملًا وبداخله الأوراق مطوية على شكل أسطوانة وقد علقت بعض قطع الخراء بالكيس الذي يغلفها.
فتحت المياه، وتحت القطرات المنسابة من الدش غسلته مزيلًا آثار الخراء وكريم الشعر قدر المستطاع، فردت الكيس فاستوت الأوراق التي يحتويها.
قضت محكمة الجنايات أمس بإدانة أحمد ناجى بتهمة خدش الحياء العام، وتغريمه 20ألف جنيه مصري.
وقائع القضية تعود إلي عام 2014 حينما تم اتهامي وجريدة أخبار الأدب بخدش الحياء العام بعد نشر فصل من روايتى “استخدام الحياة”، حيث قضيت محكمة أول درجة بالبراءة، ثم استأنفت النيابة العامة فقضت محكمة الاستناف بالإدانة وحبسي لمدة عامين. قضيت منهم 300 يوم في السجن، قبل أن تقضي محكمة النقض بوقف تنفيذ الحكم مع المنع من السفر كإجراء احترازى، ثم قضت محكمة النقض بقبول النقض وإعادة المحاكمة.
في يناير 2018 قضت محكمة الاستئناف بعدم اختصاصها نظر الدعوة وبإحالتها إلي محكمة الجنايات التى أصدرت حكم الأمس.
لا يزال المنع بالسفر سارياً. سنتبع الاجراءات القانونية للتقدم بطلب لرفع المنع الذي كان إجراء احترازى مرتبط بنظر القضية. ونلتمس من العدالة الموقرة النظر بعين التقدير للظرف الانسانى الذي يستدعى ضرورة سفري في أقرب وقت ممكن.
مهما تمكنت من تعداد كلمات الشكر والثناء لا استطيع التعبير عن مدى شكري لفريق الدفاع الأساتذة؛ ناصر أمين، محمود عثمان، ومحمد عيسي على دعمهم ودفاعهم ووقوفهم معى على مدار ثلاث سنوات من عمر القضية. والشكر دائماً موصول إلي الأساتذة نجاد البرعى، خالد على وكل الأساتذة.
أدين بالفضل لقدرتى على الاستمرار إلي دعم ومحبة عائلتى، وكل الأصدقاء الذين أحاطونى بمحبتهم وهداياهم التى أتمنى أن استطيع رد ولو جزء بسيط منها. وإلي الروابط التى تجمعنى مع كل الشغوفين بالأدب والكتابة والمؤمنين بحرية الرأى والتعبير.
قضت محكمة استئناف شمال القاهرة اليوم بعدم اختصاصها في نظر الدعوى المقامة ضد الفقير لله أحمد ناجى بتهمة خدش الحياء العام بسبب نشر فصل من رواية #استخدام_الحياة في جريدة أخبار الأدب. و بإحالة الدعوى لمحكمة الجنايات.
يعنى هذا جولة جديدة من المحاكمات لكن هذه المرة أمام محكمة الجنايات.
أدين بالشكر للأساتذة ناصر أمين الذى قدم اليوم مرافعة رائعة والأساتذة محمود عثمان، محمد عيسي، خالد على ، نجاد البرعي. على كل الجهد الذي بذلوه ويبذلونه متطوعين لايمانهم بعدالة قضيتنا ودعمهم لحرية الرأي والتعبير.
ندخل في العام الرابع من هذه السلسلة من التحقيقات والمحاكمات، ما كان لى أن اتحمل كل ما جرى وما يزال يجرى لولا دعم ومحبة الاصدقاء والاحباء. شكرا لكم على كل هذه المحبة، هى كل ما نملك لنتمسك بها حتى نعبر سويا إلي مكان افضل نستحقه جميعا.
بورتريه داخل المتحف المصري مع تمثال غامض بلا اى لوحة تشرح ماهيته
في 20 فبراير من العام التالي لفوز مرشح الضرورة، المصري عبد الفتاح السيسي، حُكم على روائي/صحفي شاب، هو “أحمد ناجي أحمد حجازي” بعامين من السجن المُشدد، على خلفية بلاغ مقدم من مواطن ادعى أن نصًا روائيًا تسبب له “باضطراب في ضربات القلب وإعياء شديد وانخفاض حاد في الضغط وأن حياءه خُدش.” وذلك وفقًا للدعوى القضائية التي أسرعت النيابة العمومية بتحريكها، لتحصل في محكمة الابتداء على حيثيات براءة ارتكزت لمواد دستور يكفل حرية الإبداع ويمنع سلب المُبدع حريته لنشر نص مُعلن، إلا أن النيابة العامة، كوكيل عن عموم الشعب -وأنا منهم- ارتأت أن المصلحة العامة تحتّم الطعن على حكم البراءة، ليحكم استئناف القاهرة، بعد إعادة نظر القضية، بحبس شاب لأنه تجرأ على أن يدخل في لغة الأدب بضعة ألفاظ عامية، توصف على إنها بذيئة. وهو ما وصفته النيابة في مرافعة لا بد من أن نتذكرها، قائلة: “إنهم يريدون الإتيان على فضائل الآداب بكل ساعد.. فكيف نتحرج نحن أن نأتي بنيانهم من القواعد”.
كل ذلك معلوم، ومدون على الأنترنت، ولا يعوَّل كثيرًا عليه، لذلك لن نتعرض له بالمدح أو القدح أو التفنيد، فقط أرغب في الإشارة إلى أنه بسبب ذلك الحادث غير المتوقع نشأت حملة تضامن متباينة ومختلفة ترى كما صاغ مِصري، أن ما يحدث الآن “لحظة التهام وانتقام، حيث يغيب السلام الاجتماعي كما لم يغب من قبل في مصر” فلا سلام مع مجانين الحكم. وإن رغبت، أنصحك على سبيل الاستفادة بقراءة مقالتي أحمد شافعي “هناك كاتب مصري وحيد غير مهدد بالسجن“، وماهر عبد الرحمن “حكايات للأمير حتى يخرج” وذلك حتى نبدأ.
(عُ)
أحمد ناجى في بورتريه غير شخصي
يقول قسطنطين كفافيس: “عندما تنطلق في رحلتك إلى إيثاكا/ ادعُ أن يكون الطريق طويلًا/ أن يكون مليئًا بالمغامرة/ مفعمًا بالمعرفة.”
في قصيدته إيثاكا، يتحدث كفافيس إلى عوليس/ أوديسيوس، العائد لتوه من المتاهة، وهو بطل شهير لملحمة عُرفت باسمه، ونعرفها باسم الأوديسة، لا تخبرنا الأوديسة عن مصير عوليس/ أوديسيوس بعد العودة، حيث اكتفى هوميروس أو جماعته بالمشهد الختامي الشهير. “عائد من التِيه/ متحديًا إله البحر -بوسيدون العظيم- أمام عرشه/ ليجد الغرباء/ يحتلون بيته وينهبون طعامه وينتخبون من بينهم من يضاجع زوجته”. وبعد أن تنهي بينلوبي أخر عُقدة ببساط الانتظار الطويل، يعود لينقذ ما تبقى.. “كَهلًا لكنه غاضب/ مُتعب من عناِء الرحلة لكنه مفعم بالمعرفة/ واهن لكنه مليء بالمغامرة/ ومشدود كمنجنيق”.. يعود أوديسيوس ليحكي عن الرحلة بلغة أقرب لقصيدة النثر، التي طالما كرهها -فاجرًا كما أحب.. دون أن يخشي رقيبًا أو وكيل نيابة طيب.. لمجتمع قبيح.
وحتي لا يصاب بالسأم، عند العودة، مهم أن يجد “ما تبقى” ينتظره أفضل مما كان.
(و)
حدث ذلك حسبما أظن في خريف ما، في عام من تلك الأعوام التي نظنها اليوم بعيدة رغم قربها، ونحن نتحدث عبر تطبيق “الياهو ماسينجر”، -وذلك ﻹعطائك لمحة عن السنة- أرسل إلىّ تعليقًا استفزازيًا، فتجاهلته، فلحقه بتعليق آخر، مع رابط مدونته على البلوج سبوت. مدونته حديثة وليدة، وكان صاحبها يشاغب ويتورط في معارك كلامية لا طائل منها إلا لفت الانتباه، يكتب بدأب راهب، وبجرأة تجبرك أن تتجاهل حتى أخطائه اللغوية أو النحوية، الحقيقة أننا تعلمنا جميعًا ألا نقمع الأخطاء اللغوية، كنا نصوبها ولكن بلا اضطرار، لكننا كنا ضد كل ما هو غير منطقي، ولذلك كانت المدونات حاضنة أفكار ومعملًا للأسلوبية وتحليل الخطاب، كان يكتب عن دورته اليومية كشخصية افتراضية، في صحراء أكتوبر يحكي عن حيتان تمرح في بحر الرمال. بين طوابق منزل والده هناك دورة ما بين المرحاض والكيبورد. ويمارس فانتازيا ذهنية سريالية، غير مؤذية، يقيس سجادة الصلاة بحافة مسطرة، ليرى إن كانت تصلح للاستخدام كبساط السندباد، ثم يقتبس المشهد كاملًا في روايته الأولى “روجرز”.
تلك حقبة غابرة، حقبة مليئة بالألعاب الذهنية واللغوية، يجهلها أغلب المتضامنين اليوم مع أحمد ناجي، حقبة المدونات، حيث الكلام مُباح، واللغة منفلتة من قواعد الصرف، والغضب وقود. تعلمنا سويًا كيف نزيح ذلك الهامش اللزج، لنخلق عالمًا أخر موازيًا، يسع ثورة الهرمونات، وكان واحدًا ممن دعوا لتوسعة الخيال. ليصبح ثقبًا أسود، اليوم خياله يُسأل، بينما يكتب أحد المتضامنين مع وسم #ضد_محاكمة_الخيال قائلاً: “بصراحة، لا أجد في حكاية أحمد ناجي فرصة للوقوف ضد الفاشية والظلام، ليست مُناسبة أخرى للدفاع عن الحريات، لا يهمني سوى أن يخرج صديقٌ من السجن، ونخرج معه من حالة (النكد) التي نعيشها. يستعيد أيامه، ونستعيد حياتنا الخاصة كأقلية في مجتمع يكره الأقليّات.”
وفي مجتمع يكره المجتمع، لم يخبرنا كاتب المقال كيف سيخرج “ناجي” دون أن يتحرر خياله؟ لكي يستعيد هو حياته الخاصة، وبصراحة أكثر، هو ككل “الانتلجنسيا” غير مُطالب بالدفاع عن الحريات، فقط عليه أن يتعلم كيف يمارس تلك الحرية باستخدام الحياة.
وبتعبير أكثر راديكالية: لم لا يكون كـ “أوسكار وايلد” إن استطاع؟ عليه أن يرسم لنا أولًا صورة دوريان غراي القبيحة، المخفية بحرص في قبو النخبوي المهذب، ذلك هو الحِنْثُ العَظِيمُ، لأننا سأمنا كل موظف على شاكلة حضرة المحترم.
(ل)
اِبْتِدَاءً مِنْ هَذِهِ اللَّحْظَةِ، تلك حرب جيل يتحدى الملل، هناك من تعلم قدسية الخيال، وأن الدهشة عتبات المعرفة، لذلك اندهش أغلبنا عند سماعنا بالحكم على “أحمد ناجي”، لم نغضب في البداية، بل تساءلنا عن صدق تلك الرواية “ده بجد.. ده حقيقي!!”.
خيالنا الضيق لم يتحمل الكابوس، في الزمن الآني هناك من يرى سببًا لتقيد حرية شخص، لـ 700 يومًا، بعيدًا عن الإنترنت، محرومًا من الشمس، محكومًا بمواعيد إطفاء النور، لا يرتدي سوى الأزرق، لأنه سَخَّر أنامله لتوصيف أعضائنا التناسلية بأسماء دارجة على كل لسان مصري فصيح.
هذا يحدث فى مصر العام 2016، حيث هناك كل صباح من يستخير محركات البحث، اسأل جوجل عن مدونة أحمد ناجي وسيجيب! وأتحداك أن كرهت ذلك الأديب، حتى ولو خدش حيائك.
كنا كأبطال قصص الكوميكس، أتين نحمل فوق ظهورنا خطايا التعليم والبطالة ونعاني من سوء التغذية، في مجتمع تجاوز المنطق، واتفق على تسمية العهر أصولًا، وثقل الظل خفة، والفساد فهلوة، والركون والكمون استقرارًا، والخنوع والمذلة حكم، والظلم.. انضباطًا. كنا نحلم باكتمال تحولات الدولة، لتصبح دولة، وكزهور برية تنبت دون بذور فوق سحابة، أدركنا أن الدولة أصل كل تلك الشرور.
تلك هي الأغلبية النسبية اليوم، الفاعلة في عالم يتغير، أمة صغيرة قد بلغت سن الرشد، فتعلمت أن عليها أول شيء أن تحطم النفاق، عملة ذلك المجتمع الرائجة، أن تخدش حيائه المزعوم، اختارت أن تسأل السؤال الصحيح، كنوع من المعرفة، أو كنفثات بالصدور، أفراد نهيم في بحور من الظلام أعوام، أعلنّا منذ اللحظة الأولى انتمائنا لـ “عائلة المدينة”، وهو مصطلح غير ثوري/ غير رومانتيكي -حتى لا يهرب المعنى- أطلقناه على الأصدقاء، وكنا نعلم أن “الصداقة علاقة مؤقتة، ليست كصلة الدم أبدية، وقد تنقلب إلى عداوة مع تغيير الأفكار والانحيازات، وأن الأصدقاء [عائلة المدينة] يحملون في جوهر وجودهم احتمال العداوة”. تلك الجماعة اليوم تسأل لماذا لا نخدش الحياء؟ إذا كان هناك حياء! تاركين الإجابة لمن يلينا.
(ي)
“الحرية ثمرة جهاد الأحرار، لا تجيء نتيجة لوجود المجتمع الحر، ولكنها هي التي تخلق المجتمع الحر” – [يخبرنا حضرة الموظف المحترم “نجيب محفوظ”، يوليو ١٩٩٢]
لذلك فكل ما نطلبه منكم اليوم أن تمارسوا حريتكم على الإنترنت، نطالبكم بها رغم علمنا أنكم تعيشون في مجتمع غير حر، حبس كاتبًا، وحاكمه على شهوة الخيال، بدعوى حماية القيم.
نطالبكم اليوم، إن لم تستطيعوا إعلان رأيكم صراحة، بإعلان الحياد التام، بين تلك الدولة التي أعلنت الحرب على الخيال، واثقة من النصر، وبين جيل تربى وتعلم كيف “سيتعامل”. وهو قادر على حماية وضعه.
وإن لم تستطيعوا إعلان الحياد التام، فكل ما نطلبه منكم، أن تتركوا لنا الإنترنت كمرفق مستقل.
“نحن ليست لنا حكومة منتخبة ولن تكون لنا على الأرجح حكومة؛ لذا نخاطبكم بسلطة لا تزيد على تلك التي طالما تحدثت بها الحرية نفسها لإعلان أن الفضاء الاجتماعي العالمي [الإنترنت] الذي ننشئه مستقل بطبيعته عن الطاغوت الذي تسعون لفرضه علينا؛ ليست لكم شرعية لتحكموه ولا بيدكم وسيلة لقهره تستحق أن نخشاها. أنتم لم تنخرطوا في محاوراتنا. أنتم لا تعرفون ثقافتنا، ولا أخلاقنا، ولا قوانينا غير المكتوبة التي تنظم مجتمعنا. نحن نخلق عالمًا يمكن فيه لأيٍّ كان في أي مكان التعبير عن رأيه أو رأيها، بغض النظر عن قدر تَفَرُّدِ هذا الرأي، بلا خوف من أن يُكره على الصمت أو على التوافق. مفاهيمكم عن الملكية والتعبير والهوية، والحراك والسياق لا تنطبق علينا، فكلها مبنية على المادة، ولا مادة هنا.” ذلك إعلان لاستقلال الإنترنت. وقد ارتضيناه.
(س)
في المرة التي اجتمعنا فيها، على سبيل السخرية، ضمن “ملتقى الأدباء والمثقفين”، لم نتحدث، لكني أتذكر أنه قال شيئًا ما فجأة عن شعوره الأخلاقي، بالتزام ما تجاه القراء، ومن ثم انفجرنا سويًا في الضحك، كان كلانا يعلم رأي الأخر في القراء ومثقفي الحقبة الاشتراكية، وندوات الشعر الحماسي، وبنيوية حزب التجمع الوحدوي والغرض من مدارس الكادر السياسي، والمناقشات العميقة عن طبيعة اللون في معارض الفنانين التشكيكيين -دون ذكر أسماء- والمؤسسات الدينية والسياسية والسيادية، كنا نعلم أنكم مجتمع عاجز عن الفعل، وأنكم تتفاخرون ولا تعلمون، وإنكم أن تمكنتم من خيالنا ستخصونه، لذلك كنا ندون -هناك- على سحابة، تاركين لكم أعمدة الورق لتلوثوه.
ويوم كتبت عند بلوغي الـ 25 عن اكتمال الدائرة بالنسبة لي، كنص أخر مخادع يكتبه مهزوم يرغب في أن يظل مهزومًا دون أن يتوارى أو يلفظ من المجتمع، يحمل خطاياه وندوب فشله كالأوسمة والنياشين دون أن يتحول الفشل لوصمة عار تلاحقه، مثلما يحدث اﻵن مع رواية ناجي، التي وسمتها المحكمة بالمسمومة، ترك لي تعليقًا لا زلت أذكره “عارف اللغة اتخلقت ليه؟؟ علشان تخدعني الخدعة المناسبة، علشان نكتب نص زي دا، ونعيش فيه بشكل لائق ومناسب ونظن إننا أحرار”.
ذاك هو الفارق الجوهري، كما فهمناه، ما بين الفن/ الأدب/ الرغبة في الفعل. وبين أي شيء أخر، مثل القانون، لذلك خلق الله الناموس، ووضعت الدولة القانون لتقيد الحق في الممارسة (حقيقة مطلقة) ثم أتى الإنسان فمنح الإنسان القدرة على الخيال، فكان الإبداع ليحرره من أسر اللغة والأخلاق وأوثان الآباء. (حقيقة آخرى لكن نسبية) ولذلك استشعر أوديسيوس الناجي نصي ولم يستخف به.
فلتظنوا إذًا أننا نهاب دولتكم، نخشي سيف قضائكم وقهره، لكننا ونحن ننظر إليكم ونعريكم، كل ما نفعله هو طرح السؤال الأزلي “لماذا تخشون من تسمية الأشياء بأسمائها؟”، وهل “استخدام الحياة” رواية أم فاكهة محرمة؟
نعم، نحن نحتفي بذلك الخراء -استخدام الحياة- ونعلم أنه ليس بهراء، نقف مع الفن الهابط لأننا نعي أنه طوق النجاة الوحيد للخلاص من شجرة بؤس لغتكم الخالية من المعنى. فمن أنتم حتى تحاكمونا؟ غير قوم تطالبون بأن نصبح مثلكم.
كل ما أرجوه ألا يعود أوديسيوس الناجي، على غرار قصيدة “ألفريد تنيسون” الشهيرة “عوليس”، ليعلن ضجره واستيائه، لأنه وجدنا كما تركنا. نخجل من كس الأمهات.
كل ما أرجوه أن يعود أديبًا، وليس ناشطًا يدافع عن حرية الرأي والتعبير. كل ما أرجوه أن يحافظ على الروح ليستخدمها كما اعتاد.
عزيزي أوديسيوس: أتمنى أن تصلك تدوينتي تلك، أينما كنت، هنا أو هناك، فقط عليك أن تعلم أنك وإن كنت الآن هناك، فأنت هنا، بيننا بخيالك السارح، وأننا ملتزمون اليوم، ريثما تعود، على أن نُبقي اللعبة كما تركتها، ممتعة. نصف مشبعة كعادة سرية.
وحتى نقتل ذلك الميناتورالغبي، ونحررك من تلك المتاهة، ربما نجلس حينها لنفعل كل ما اشتهينا من غير المعقول واللاأخلاقي دون حزن أو أسف. ربما نجد وقتها المعنى في أن نجلس لندون ذلك الكتاب الجامع، نحصي بحر رمال الصحراء، والكلمات منه لا تنفذ، حتى يثقل على كواهل الرجال المستحين، أثقل من كتب الدين، كتاب يحكي عقيدة ذلك الجيل، حكاياته كالثعابين تأكل أذيالها، يمجد بالكلمات روعة الفشل.. وليحيا كل ما هو هابط.
“وإن وجدتها فقيرة، فإيثاكا لم تخدعك/ فبعد أن أضحيت حكيماً/ وبعد أن تمتعت بهذه التجربة المديدة/ لا بد أنك أصبحت تفهم ماذا تعني إيثاكا.” – قسطنطين كفافيس. (1863-1933).
تمر هذه اﻷيام ستة أشهر على حبس اﻷديب أحمد ناجي بسبب مقاطع نشرها من روايته “استخدام الحياة” في جريدة أخبار اﻷدب، واتهم على إثرها بـ”خدش الحياء العام”. يُعد ناجي اﻷديب الوحيد المحبوس حاليًا في سجون النظام بسبب أدبه، ولكن على ما يبدو فهذا لا يكفي لتفسير اختلاف قضيته عن سائر القضايا في عيني المتابعين. بهذه المناسبة، وبعد أن هدأت قليلًا حدة البيانات الانفعالية المتضامنة، يمكننا أن نحاول اﻹجابة على سؤال “لماذا يختلف حبس أحمد ناجي عن حبس غيره؟”، ما يقودنا مباشرة إلى سؤال آخر: “لماذا يختلف أحمد ناجي عن غيره؟”
شارك ناجي في ثورة يناير، ولكن لم يمنعه هذا أبدًا من اتخاذ مواقف مستفزة طول الوقت لجموع الثوريين. لم يكن ممن انخرطوا بعنف في الاستقطابات التي اشتعلت في مصر عقب الثورة، وإنما كان يقف على حافة الاستقطاب دائمًا ، يتأمل من الخارج حارقًا دم جميع المستَقطبين. وعلى العموم، فقد وصف ناجي فيما بعد مشاركته في الثورة بـ”العمل الصبياني”.
بورترية لنائل الطوخى
طول الوقت يغني الكثير من الشعراء والأدباء للفردانية، ولكن ما أن يظهر على أرض الواقع شخص كامل الفردية، متخلص من ضغط الجماعات المتناحرة من حوله، حتى يشعرون بعدم ارتياح. لهذا كره الكثيرون ناجي؛ ﻷن الفردية الكاملة، رغم كونها قيمة محبوبة نظريًا (انظر لكم اﻹعجاب الذي تُنطق به عبارة “لا يشبه إلا نفسه”)، هي في الحقيقة شائكة وموحشة وغير مريحة، حتى لمن يتغنّون بها.
يشكل القطيع دائمًا حماية للشخص؛ يستأنس به ويشعر بالدفء في وجوده. وبالتأكيد يشكّل تهديدًا للسلطة، فالمجموع أقوى من الفرد بطبيعة الحال، ومجموعات متحدة يمكنها تكسير جدار لا يقوى على تكسيره فرد واحد. ولكن ما نريد قوله إن الانتظام في جماعة ربما أيضًا لا يكون عمليًا في جميع اﻷحوال؛ أحيانًا ما يسهّل القطيع سيطرة السلطة على المعارضة. فلأن القطيع يلزمه رأس، يمكن تشتيته بمجرد نزع رأسه.
هذا يقودنا إلى ثورة يناير، والتي كانت عبارة عن مجاميع ضخمة تتكون من أفراد لا يملك كل منها إلا حسابًا على فيسبوك.
في فيلم “حياة براين”، يتبع المؤمنون براين، الذي يتصورونه المسيح الجديد. يؤكد لهم هذا مرارًا وتكرارًا أنه ليس المسيح فلا يصدقونه، فيصرخ فيهم “ليس عليكم أن تتبعوا أي شخص، أنتم أفراد”، فيهتفون بشكل جماعي ومتجانس تصديقًا لكلامه: “نحن أفراد!” يصرخ فيهم “كلكم مختلفون عن بعض”، فيهتفون بشكل جماعي: “نعم. نحن كلنا مختلفون عن بعض!” يبدو لي كثيرًا أن هذا التزاوج بين الفردي والجماعي كان مفتاح ما حدث في الثورة.
على خلاف اﻹخوان المسلمين، الذين هم أكبر جماعة منظمة في تاريخ مصر الحديث، والتي أمكن تشتيتها فقط عبر نزع رأسها، فلم يمكن هذا بعد مع ثوريي يناير. لا يزال اﻷخيرون قادرين على الإلهام وعلى توجيه المجتمع باتجاه رؤاهم.
“التشتيت” ليس اللفظ اﻷدق. فصحيح أن اﻹخوان المسلمين تشتتوا، ولكن الثوريين مشتتون طول الوقت أيضًا. قد يكون اللفظ اﻷدق هو “نزع السحر”. أمكن نزع السحر عن اﻹخوان المسلمين عبر عزل مرسي، ولم يمكن هذا بعد مع الثوريين. الثورة بلا قائد، كان هذا من البداية إلهام الثورة ومقتلها في آن. وﻷنها بلا قائد، وﻷنها عبارة عن مجموعات مختلفة ومتباينة، تتكون من أفراد مختلفين ومتباينين، لا يجمعهم إلا السخط على الوضع القائم، فقد أمكن لهؤلاء اﻷفراد التسلل في المجتمع، أحرارًا ومرنين، ونزع السحر عن النظام العسكري الحاكم وعن اﻹسلاميين في الوقت ذاته.
في هذا كان ناجي ممثلًا لروح الثورة، أو لروح “الإنترنت”، أو لـ”المعاصرة”. واﻷخيران، اﻹنترنت والمعاصرة، كانا حجته الدائمة. يكفي أن يشير ناجي إلى نظرية بأنها قديمة، حتى تبدأ مجموعات من حوله في الانفضاض عنها، تتبعها مجموعات أخرى أوسع، وهكذا.
المؤسف والمعقد أنه كما كان ناجي فردًا كاملًا، فقد أتى التضامن معه فرديًا أيضًا. بعد فورة البيانات القوية لم يعد يشير لناجي إلا أشخاص معدودون. رغم محاولات اﻷدباء لتنظيم حركات تضامن واسعة، على غرار الحركات التي تطالب بالحرية لفلان أو لغيره، إلا أن شيئًا في وعي المتضامنين كان يشير إلى أن الموضوع مختلف قليلًا. كأن ناجي لم يرغب هو نفسه في هذا التضامن. أو كأن التضامن الجماعي هو ضد مشروعه باﻷساس.
هذا هو العيب الأساسي للفردية، كونها غير قادرة على توفير الحماية لصاحبها. قد تحميه فكريًا، ولكنها لن تحمي جسده من الإيذاء على يد السلطة.
***
اﻵن يبدو طبيعيًا أن يُحبس ناجي بسبب كتابته، ولكن هذا ليس إلا بأثر رجعي. قبلها، لم يتخيل أحد من أصدقائه أو المتضامنين معه إمكانية حبسه. ظل ناجي وحده في مكان بعيد عن الصراع السياسي الدائر، وبالتأكيد عن اﻷحكام بالحبس، ﻷنه فرد أولًا ولا يعبر سوى عن وجهات نظر شديدة الفردية، وﻷن في سجالاته شيء شديد الشبه باللعب.
بعد حبسه، خمن الكثيرون أنه حُبس ﻷسباب لا علاقة لها بالبذاءة، وإنما لأسباب سياسية، في محاولة ربما للتقليل من شأن قدرة البذاءة على استفزاز السلطة. ورغم وجاهة النظريات المطروحة، فقد كان التفسير اﻷبسط أكثر إقناعًا؛ ناجي محبوس بسبب الألفاظ البذيئة التي استعملها في كتاباته. رجاء عودوا إلى الفصل المنشور وفكروا، هل يمكن لمصري من الطبقة الوسطى، مصري غير مثقف ولا يؤمن بحرية التعبير، ألا يغضب من ألفاظ كهذه؟ ثم السؤال التالي: ماذا سيفعل شخص كهذا إن وجد نفسه يملك سلطة الحبس، وهو يقرأ الفصل المنشور؟ سيستخدم السلطة التي يمتلكها بطبيعة الحال. وكل الكلام (الدستوري) حول “الحق في التعبير” و”حرية الرأي” و”لماذا يؤخذ الكلام إلى المحكمة”، لن يعدو أن يكون رطانة بالنسبة له، قبيحة أو جميلة، ولكنها في نهاية الأمر رطانة تتحطم أمام هذا الولد الذي يحتاج لإعادة تربية من جديد.
في هذا السياق، لا تمكن اﻹشارة لشخص أحمد ناجي بدون اﻹشارة لسخافاته المتكررة. بدا ناجي طول الوقت كأنه يأخذ موضوع “التساخف” كلعبة مسلية، حتى وإن لم يخل تساخفه من منطق ومن ذكاء في كثير من اﻷحيان. كان قادرًا على تحويل أي رأي جاد لمسخرة بكلمتين، وعلى إحراج الكثيرين ممن بذلوا مجهودًا ضخمًا في صياغة نظرية ضخمة بكلمة واحدة. وفي المقابل، بدأ الكثيرون مع الوقت أيضًا ينمّون مهارة التعامل مع سخافاته، حتى أصبح التساخف والتساخف المضاد لعبة مثيرة بالنسبة لنا، نمّت ذكاءنا وعلمتنا أن الآراء لا ينبغي أن تقال بسبب الوجاهة التي تمنحها لقائلها، ﻷن ناجي (ومعه الإنترنت) قادران على هدم هذه الوجاهة في ثانية.
ما حدث بالضبط هو أن شخصًا أتى من الخارج، بلا أي معرفة بقواعد اللعبة، فمزق أوراقها وحبس لاعبًا فيها. هذا التفسير الأبرز لإحساس الصدمة وعدم التصديق لدى الكثيرين من حبس ناجي، بالأحرى لدى الكثيرين ممن تساخف عليهم ناجي سابقًا؛ هناك شيء ما انتُهك في القواعد؛ ناجي ينتمي للمساحة التي نلعب فيها، لا المساحة التي يلعبون فيها.
هناك بالطبع الكثيرون ممن تساخف عليهم ناجي وهاجموه بعد حبسه، وهذا طبيعي، فأحيانًا يرغب المهزوم في اللعبة بأن تأتي السلطة وتعتقل المنتصر. ولكن اﻷغرب هم هؤلاء الذين لم يحتك بهم ناجي أبدًا، ولم يطب لهم الهجوم عليه إلا بعد حبسه. ربما خافوا من احتمال أن يتساخف عليهم في المستقبل؟ ربما كان وجوده مريبًا بالنسبة لهم، حتى مع عجزهم عن تعريف سبب الريبة هذه؟ ربما أحسوا أنه ابن ثقافة معادية لهم بالضرورة؟ على العموم، كثيرًا ما يجتمع الجبن والنذالة في نفس الشخص، ولا ينبغي أن يشغل المرء باله بهذا النوع من الجبناء اﻷنذال، ﻷنهم في الغالب تعساء أيضًا.
***
بالإضافة لفرديته، فناجي ليس شخصًا واسع التأثير كذلك. لا يظهر على التليفزيون، ولا كتبه تباع بعشرات اﻵلاف، ولا يملك منصبًا حكوميًا عدا عن كونه صحفيًا في جريدة “أخبار الأدب” النخبوية. لا يملك إلا حسابًا على فيسبوك وآخر على تويتر، ومقالات يكتبها كلما عنَّ له.
ربما يكون عميق التأثير، ولكن ليس واسعه، أعني أنه ذلك النوع من اﻷشخاص الذين يتسرب تأثيرهم إلى من حولهم، بفضل طزاجة منطقهم فحسب، وليس بفضل احتلالهم مواقع واسعة التأثير بطبيعتها. هذا أيضًا واحد من أسباب اﻹحساس بالصدمة لدى من يعرفونه، ﻷنه لا يُخشى من تأثيره السياسي الواسع، وﻷنه لم يدع أي دور قيادي.
ركز ناجي سهام سخريته كثيرًا على “المكانة الاجتماعية”، حطم مكانات اجتماعية كثيرة لأناس حوله بمنتهى البساطة، ومع كل هذا، فلم يدعِّ الزهد والصعلكة، على غرار شعراء الستينيات مثلًا، بل كان دائم التغني مثلًا بأهمية الفلوس وبأن يحيا المرء حياة جيدة. بعد رحيل البرادعي لفيينا مع ما أثاره هذا من خذلان في قلوب محبيه، حياه ناجي بحرارة على صفحته الشخصية ﻷنه قرر أخيرًا أن يعيش حياة مريحة كبرنس معه فلوس.
إن كان هناك هدف رئيسي لناجي يؤمن به فهو التقدم، وإن كان لهذا الهدف تكنيك فهو الصراع. كثيرًا ما أخذ يردد في السنوات اﻷخيرة: “الصراع دينامو التقدم”. ويبدو لي أحيانًا أن التقدم كما يعنيه هو أن يفكر البشر من حوله في أشياء لم يفكروا فيها من قبل. وهذا ليس أمرًا سهلًا أبدًا، وإنما يمر عبر طريق طويل من استفزاز العقل والتساخف المستمر، وكان ناجي شديد المهارة في كليهما.
عندما تلقيتُ خبر حبس أحمد ناجي شعرتُ بالصدمة والغضب معًا، وبدا الأمر لي كارثيًا إلى أقصى درجة، ليس فقط بسبب معرفتي الشخصية بناجي كأحد أكثر الكتاب الجدد جنونًا ونزقًا وموهبة وامتلاء بالحرية وممارسة لها في الكتابة، بل أيضًا لأن المستقبل القريب بدا أمامي منذرًا بتوالي كوارث من هذا النوع، خصوصًا لأن هناك عشرات الدعاوى المشابهة، مرفوعة فعلًا من ناس وجهات ومؤسسات، ضد أعمال أدبية وفنية ومقالات وأشعار، تنتظر دورها في أروقة النيابة وقاعات المحاكم. وحبس الأستاذ إسلام بحيري والحكم بحبس الكاتبة فاطمة ناعوت ثم حبس ناجي، سيتلوه بلا أي شك أحكام على هذه الشاكلة على الأقل، فهم يحاربون الخيال، وأول خطوة في قمع الخيال ودحره، هي تجفيف المنابع وإشاعة الخوف وممارسة الإرهاب بتضييق المجال العام ثم المزيد من تضييقه.
صفحة من رواية استخدام الحياة
قضيتُ اليومين الماضيين في التقليب في عدد من الأوراق والكتب باحثًا عن أي خيط يقودني لفهم إلى أين تمضي بنا كارثة بهذه الغباوة. ويحفل تاريخنا القريب بعشرات وعشرات من أحكام و قرارات بالمنع والمصادرة والحبس أيضًا، مثلما جرى لعلاء حامد عام 1992 بحبسه سنة لتأليفه كتاب “مسافة في عقل رجل” الذي كان قد صدر قبلها أصلًا بثماني سنوات، وبالمناسبة وفي العام نفسه، 1992، صدر حكم على صلاح الدين محسن لتأليفه ثلاثة كتب هي “عبطاوي” و”ارتعاشات تنويرية”، و”مسامرة مع السماء” بالحبس ستة أشهر أمضى منها أربعة أشهر قبل أن تُصدر محكمة جنح طوارئ أمن الدولة بالجيزة حكمها بإيقاف التنفيذ.
هذا عن الحبس بسبب تأليف الكتب والعياذ بالله فقط، ناهيك طبعا عن مصادرة الكتب أو الغارات الهجومية على المطابع لضبط كتب خادشة للحياء بشتى أنواعه والازدراء بمختلف ألوانه، مثل “ألف ليلة وليلة” و”الفتوحات المكية” لابن عربي و”فقه اللغة” للويس عوض، هذا إلى جانب العشرات من حالات التدخل الرقابي الفظ من جانب الرقابة الرسمية بالحذف لعبارات وفقرات لكُتّاب مثل يوسف إدريس وإدوار الخراط وصنع الله إبراهيم والطيب صالح ومحمد روميش ونجيب محفوظ وشريف حتاتة وفتحي غانم وغيرهم وغيرهم.
ومع كل ذلك الذي ذكرته، وهو مجرد أمثلة عشوائية، فإن حالة ناجي بدت لي أكثر كارثية في مجتمع أشعل شبابه فتيل الثورة بعيدة الغور، حتى على الرغم من المآل المؤقت الذي آلت إليه. لن أستطرد هنا، فهو شائع ومعروف، ولكن على سبيل المثال فقط، فالمادة 67 من الدستور النافذ بعد أن استُفتي الشعب عليه، تنص بوضوح على عدم توقيع أي عقوبة سالبة للحرية “في الجرائم التي ترتكب بسبب علانية المنتج الفني أو الأدبي أو الفكري”. هنا عدوان واضح على الدستور ذاته، أليس كذلك؟ وعلى سبيل المثال أيضًا فإن الحكم السابق مباشرة انتصر لحرية الإبداع وقضى ببراءة ناجي، وهو حكم لم يمض عليه إلا أسابيع قليلة.
لا منطق ولانظام بل انتهاك، وليس مجرد خدش للدستور والقانون. النص المنشور في “أخبار الأدب” سبق نشره في كتاب، ومن لا يريد أن يُخدش حياؤه لا يقرأ الكتاب، هل هناك أكثر بديهية من هذا؟ كما أنه ليس من سلطة النيابة والقضاء الحكم على الأعمال الأدبية والفنية، بل من سلطة النقد الأدبي، وهذا ما أوضحه بجلاء الأستاذان صنع الله إبراهيم ومحمد سلماوي أمام المحكمة في جلستها السابقة، لكن النيابة لم ترعوِ واستأنفت فكان الحكم الصادم.
لا أريد أن أستطرد أيضًا حول التهمة التي زُج ناجي في السجن بسببها، وهي خدش الحياء العام. من يحدد معايير خدش الحياء العام؟ هل لوحات محمود سعيد وموسيقى زكريا أحمد وأغاني عبد الوهاب وتمثيل فاتن حمامة خدش للحياء العام؟ مجرد مناقشة مثل هذه البديهيات تصيب الواحد بالضجر.
هناك إذن شيء ما أو أشياء، لا يمكن وضعها في سياق، لا على مستوى تنفيذ القانون ولا على مستوى المنطق.
أنا على سبيل المثال، شعرتُ بغضب شخصي، بل بالإهانة، بسبب اتهام المصريين، بعد ثورة بحجم ثورة يناير، بالسُعار الجنسي والهياج، بحيث تتأثر جموعهم بما احتوت عليه رواية ناجي من ألفاظ تثير اللعاب. أي خدش للحياء يتحدثون عنه؟وهل ما يفعله مرتضى منصور وأحمد موسى مثلًا يشكل خدشًا للحياء أم زغزغة ومهارشة بريئة مثلًا؟
وعندما يحدث هذا في وقت يتم فيه بكل قوة وحزم تضييق المجال العام، بدءًا بالأحكام الصادرة على الشباب في قضايا التظاهر والاحتجاج السلمي، وعودة السيطرة الأمنية على أجهزة ومؤسسات الإعلام، ومطاردة منظمات المجتمع المدني، وليس انتهاءً بحبس إسلام بحيرى وحكم فاطمة ناعوت ثم حبس أحمد ناجى، عندما يحدث هذا، فمن الطبيعي أن أرى أن ما جرى ويجري أمور كارثية، ولكن رد الفعل خلال الساعات الثماني والأربعين الماضية كان مذهًلا. ليس فقط الحالة المعنوية العالية لناجي في محبسه، وسرعة تضامن العشرات من زملائه الكُتاب والفنانين من كل الأجيال والتيارات والاتجاهات، بل أيضًا التضامن العملي من جانب نقابة الصحفيين واتحاد الناشرين وجبهة الحريات وغيرها من المنظمات والهيئات.
وهكذا فإن ما جرى أخيرًا ليس كارثيًا جدًا، وأغلب الظن أن المواجهة المنتظرة بين سدنة قمع الخيال وتضييق المجال العام من جانب، وقوى المجتمع الحية من الكُتاب والفنانين من جانب آخر، لن تنتهي بهزيمة الخيال.
قضية النيابة العمومية رقم 9292 لسنة 2015 جنح بوﻻق ابو العلا
ضـد
احمد ناجي احمد حجازي
طارق الطاهر حنفي سيد
بعد سماع المرافعة ومطالعه الاوراق
حيث تتحصل وقائع الدعوي فيما ابلغ بيه المدعو / هاني صالح من انه حال شراءه لجريدة اخبار الادب العدد منه يتضمن عبارات تخدش الحياء العام وعبارات جنسية وانه يتضرر من كل من طارق الطاهر حنفي رئيس تحرير جريدة اخبار الادب والصحفي احمد ناجي احمد حجازي كاتب المقال .
حيث باشرت النيابة العامة التحقيقات وبسؤالها للمتهم الثاني طارق الطاهر حنفي رئيس تحرير اخبار الادب انكر ما هو منسوب اليه وقرر بانه لم يطلع علي النص بالكامل وانما اكتفي بقراءة رقم 1097 الصادر بتاريخ 3 اغسطس 2014 فوجي بمقال يحمل اسم ملف استخدام الحياة الفصل الخامس عنوان النص فقط وبسؤال الشاكي قرر بمضمون ما جاء بمحضر الاستدﻻﻻت واضافة ب انه فقد اصابه ضرر من ذلك وبسؤال النقيب احمد سمير الشيخ معاون مباحث قسم بوﻻق ابو العلا شهد بان تحرياته انتهت الي صحة الواقعة وقد قدمت النيابة العامة المتهمان للمحاكمة الجنائية بالمادتين 178و 200 مكرر أ / 2 من قانون العقوبات لقيام المتهم الاول بنشر مقال بقصد العرض و التوزيع يحتوي مادة كتابية خادشة للحياء العام علي النحو المبين بالأوراق وقيام المتهم الثاني بصفته رئيس تحرير جريدة اخبار الادب اخل بواجب الاشراف علي جريدته فيما ادي الي نشر المقال محل الاتهام السابق .
وحيث تداولت الدعوى بالجلسات علي النحو المبين بمحاضر جلساتها مثل فيها المتهم الاول ووكيل محام والذي طلب شهادة المختصين من رجال الادب والفكر واختص كل من الاستاذ/ محمد سلماوي و الروائي / صنع الله ابراهيم والاستاذ/ جابر عصفور كما مثل المجني عليه بوكيل محام وطلب اجل لإعلان بالدعوى المدنية وبجلسة 12 ديسمبر 2015 مثل كل من الاستاذ / محمد سلماوي رئيس اتحاد الكتاب و الروائي / صنع الله ابراهيم واقر كل منهما بان العمل محل المحاكمة هو عمل روائي متكامل من خيال الكاتب المتهم الاول وﻻ يمكن اجتزاء اي جزء منه علي حده وتقييمه بشكل منفصل عن سياق الرواية وانه يوجد الكثير من الاعمال الادبية الهامة حوت علي الفاظ وايحاءات جنسية كرواية الف ليله وليله ورواية دعاء الكروان لعميد الادب العربي طه حسين كما ان العديد من كتب الفقه و التفاسير حوت ايضا علي الفاظ وعبارات جنسية كما مثل محام المتهم الاول وابدي مرافعه شفوية استمعت اليها المحكمة كما قدم ايضا مذكرة بدفاعه طالعتها المحكمة والمت بها كما قدم محامي المدعيين بالحق المدني صحيفة الاعلان بالدعوى المدنية وقررت المحكمة حجز الدعوى للحكم جلسة اليوم .
هذا ولما كانت المادة 67 نصت على ” حرية الابداع الفني والأدبي مكفولة، وتلتزم الدولة بالنهوض بالفنون والآداب ورعاية المبدعين وحماية ابداعاتهم، وتوفير وسائل التشجيع اللازمة لذلك.
وﻻ يجوز رفع او تحريك الدعاوى لوقف او مصادرة الاعمال الفنية والادبية والفكرية او ضد مبدعيها إلا عن طريق النيابة العامة، ولا توقع عقوبة سالبة للحرية في الجرائم التي ترتكب بسبب علانيه المنتج الفني او الادبي او الفكري.”
“ولما كان من المسقر عليه بأحكام محكمة النقض بأن حق محكمة الموضوع في استخلاص الصورة الصحيحة لواقعة الدعوى حسبما يؤدي اليه اقتناعها سواء من الادلة المباشرة او بالاستنتاج و الاستقرار و كافة الممكنات الفعلية مادام سائغا”
(الطعن رقم 4184 لسنة 73-قضائية جلسة 29 سبتمبر 2003)
كما أنه من المستقر عليه ايضا ” لمحكمة الموضوع تجزئة اقوال الشاهد والاخذ لما تطمئن اليه وطرح ما عداها. علة ذلك؟ عدم التزامها بان تورد من اقوال الشهود إلا ما تقيم عليه قضاءها
(طعن رقم 42490 لسنة 72 قضائية جلسة 5 مارس 2003)
حيث انه من المقرر ان حرية التعبير وتفاعل الآراء التي تتوالد عنها ﻻ يجوز تقيدها بأغلال تعوق ممارساتها سواء من ناحية فرض قيود مسبقة على نشرها أو من ناحية العقوبة اللاحقة التي تتوخى قمعها بل تكن للمواطن الحرية ان يتنقل بينها يأخذ منها ما يأخذ ويلفظ منها ما يلفظ دون ان يوضع له اطارًا او قالبا يحد من تكوين افكاره ومعتقداته كما ان طرح الافكار والآراء والمعتقدات علانيه يجعلها مجالًا للبحث والتقييم من جانب المختصين بل والمجتمع اجمع فيأخذ منها الصالح ويطرح الطالح.
وحيث انه عن موضوع الدعوى فلما كانت النيابة العامة احالت كلا المتهمان بتهمة حدش الحياء العام طبقا للمادتين 178 و 200 مكرر أ / 2 من قانون العقوبات الامر الذي يتطلب توافر القصد الجنائي الخاص الذي يتمثل في قصد المتهمان حدش الحياء العام او نشر الفجور و الرذيلة وهو يتنافى مع ما قام به المتهم الاول الذي يعد عملا ادبيا من وحي خياله وان ما تضمنه ذلك العمل الادبي من الفاظ وعبارات ارتأت النيابة العامة انها تخدش الحياء به ، هو في اطار عمل ادبي وسياق عام لقصه حاكها المتهم الاول من وحي خياله كما ان ما احتواه العمل الادبي ( القصة ) علي الفاظ وعبارات جنسية هو امر درج في العديد من المؤلفات و الاعمال الادبية و الاشعار قديما وحديثا وهذا ما انتهت اليه شهادة كل من الاستاذ / محمد سلماوي والروائى / صنع الله إبراهيم والتي تطمئن اليهم المحكمة من ان العمل الادبي ﻻ يمكن الانقطاع من سياقه او اخذ جزء منه و ترك الاخر .
كما أن العمل الادبي هو كيان واحد إذا انقطع منه جزء انهار ذلك العمل.
كما ان المحكمة ترى ان تقييم الالفاظ والعبارات الخادشة للحياء امر يصعب وضع معيار ثابت له فما يراه الانسان البسيط خدش للحياء تراه الانسان المثقف او المختص غير ذلك وما يراه صاحب الفكر المتشدد خدشا للحياء لا يراه صاحب الفكر المستنير كذلك.
وكذلك ما يطرح في مجاﻻت البحث العلمي في الطب مثلا يكون بالنسبة للغير خدشا للحياء إلا انه ﻻ يكون كذلك بالنسبة للأطباء مثلا فان العبرة في عقلية المتلقي وتقديره للأمور.
فالعبارات التي حوت تلك القصة محل الاتهام ارتأت النيابة العامة انها تخدش الحياء لم يرتأها الادباء والروائيين خدشا للحياء طالما انها كانت في سياق ومضمون عمل ادبي فني.
إذا فان المعيار في ذلك يختلف من شخص الي اخر حسبما لثقافته وافكاره وتعليمه فما اتاه العلماء والمثقفين قديما من أفكار وآراء واجتهادات كانت محل رفض ونقد لهم من مجتمعاتهم ان ذاك اصبحت اليوم من الثوابت العلمية والابداعات الادبية التي تثري مجتمعنا.
ولما كان ذلك الامر الذي ترى معه المحكمة انتفاء القصد الجنائي الخاص لدى المتهمان عن قصدهما بخدش الحياء ونشر الرذيلة ولما كان المستقر عليه قانونا وفي قضاء محكمة النقض أن الاحكام الجنائي تبنى على الجزم واليقين لا على الشك والتخمين وإن تشكك القاضي في صحة الاسناد كفيلا بالقضاء ببراءة المتهم الامر الذي تقضي معه المحكمة والحال كذلك ببراءة المتهمان مما نسب إليهم من اتهام ورفض جميع الدعاوى المدنية المقامة وإلزام رافعيها المصاريف وخمسون جنيها اتعاب محاماة
لهذه الأسباب حكمت المحكمة
ببراءة المتهامان مما نسب اليهما من اتهام ورفض الدعاوى المدنية وإلزام رافعيها المصاريف اتعاب محاماة وخمسون جنيها.
استأنفت النيابة على حكم البراءة، حيث أعيدت المحاكمة أمام محكمة استئناف، التى قضت يوم 20 فبراير بسجن أحمد ناجى لمدة عامين بتهمة خدش الحياء
في ليلة عيد الفِطر سنة ١٩٩٥، أوقف البوليس على كوبري مدينة المنصورة طالباً جامعيّاً كان في طريقه لقضاء العيد مع أسرته. سألوه عن إثبات الشخصيّة، أعطاهم بطاقته، وضعوه في عربة الشرطة لعدّة ساعات واصلوا فيها توقيف العابرين والتأكد من هويّاتهم. في الفجر، تركوه يمضي ولكن بعد أن أعلن ضابط الدوريّة رأيه في طول شعْره: “ما قصّتش شعْرك ليه قبل العيد ياله، انت خول ولا إيه؟” في القاهرة، في نفس الليلة، أوقف ضابط بوليس فناناً تشكيليّاً شاباً وسأله عن وجهته وأوراقه، أمسك بالبطاقة الشخصيّة وقبل أن ينظر فيها قال له: “انت فاكر نفسك مين وليه حالق لي راسك كابوريا؟”. لا توجد مادة في القانون المصريّ تتناول الطول القانونيّ الصحيح لشعْر الرجل. مع ذلك، يعبّر رجال البوليس، يد الدولة القويّة، عن ذوقهم الشخصيّ في قصّات الشعْر وفي الرجولة وفي شكل المواطن الصالح. إنهم محميّون بقانون الطوارئ والذي يعني بشكل كبير غياب ما يمكن أن نسميه “القانون”.
لابد أنني حكيت لأحمد ناجي هذه القصّة وتأثيرها الكبير عليّ في التسعينيّات. لقد هزّتني معرفتي الوثيقة ببطليها أكثر من حوادث منع الكتب والأفلام والصحف خلال تلك الفترة. بدت أكثر رعباً من قضيّة الحسبة الشهيرة ضد نصر حامد أبو زيد والتي انتهت بإعلان إحدى المحاكم المصريّة أنه “مُرتدّ”. طبقاً لفهمي وقتها، محاكمة أبي زيد كانت نتاج وجود بعض قوانين العصور الوسطى في يد نظام يدعي أنه ليس من العصور الوسطى، نظام عسكريّ يدعي العلمانيّة، مسلم متديّن، بوليسيّ، أخلاقي، عائلي، بيروقراطي، فاسد، ويستخدم تلك القوانين في لعبة الصراع والنفاق والتواطؤ مع فئاته الداخليّة ومع الإسلاميين حسب الطلب. مع ذلك، بدت عشوائيّة هذا النظام المهلهل أكثر رعباً في تقييمه لقصّات الشعْر. كيف يصبح مواطنٌ ما مهدداً لمجرد تحركه في الفضاء العام للمدينة بسبب شعره فقط؟ دعني أقول أنني كنتُ وقتها خائفة كمواطنة أكثر من خوفي كمثقفة.
المثقفون أيضاً مواطنون
لقد رأى أنطونيو جرامشي منذ عقود، أن المثقفين ليسوا طبقة اجتماعيّة مستقلّة؛ فهم أنواع وفئات مختلفة، يرتبط كل منهم بأصوله الطبقيّة، تعليمه، ما يتبناه من أيديولوجيا ومصالح. يمكن أن نضيف الكثير لهذه القائمة؛ مثلاً الفرديّة، والتوجّه الجنسيّ، وحتى الاختيارات اللغويّة والفنيّة. ولكن قبل وبعد كل هذا، يرتبط المثقف في تاريخنا العربيّ الحديث بكوارث الصورة الشخصيّة وانعكاساتها. لقد تكوّن مفهوم ما عن تفوّق مثقفي القرن العشرين في ثقافتنا باعتبارهم مختصّين بصناعة الأفكار في مجتمعات تعاني من الأُميّة، وبكونهم قادة معارضة الاحتلال والديكتاتوريّات وطرفاً في الصراع الطبقيّ وفي النقاش حول التخلّف المجتمعي، وإضافة لتميّزهم بسبب كل ما سبق، ظلوا الجماعة القادرة على “التعبير” عن مصالحها حتى لو كان صوتهم يأتي في أغلب الأحيان من داخل المنظومة التي يعارضونها.
هناك من لم يقبل بهذه الصورة في المشهد الثقافي العربي طوال القرن العشرين، كتّاب وسينمائيون وفنانون يمكن رسم سلالتهم في سياق آخر. ولكن صورة المثقف كصوت وممثّل لجماعة أكبر منه وكضمير لأمته أو طبقته لم يتم التنكيل بها لأسباب شتى إلا في تسعينيّات القرن الماضي على يد جيل لم يشارك في صناعة المشاريع القومية الكبرى ولا المشاريع الثقافية الكبرى التي دعمت خطاباتها. حاول أن تتخيّل كاتباً في عشرينياته ينظر بغرابة لمثقف قوميّ كبير وهو يدافع باستماتة عن حرية التعبير في قضايا مرفوعة ضد فيلم “المهاجر” في منتصف التسعينيّات أو بعد ذلك رواية “وليمة لأعشاب البحر”، أو أزمة “الروايات الثلاث” بينما يدافع بنفس الاستماتة عن صدام حسين أو القذافي، ويطالب بأقصى عقاب على بعض الاسلاميين في محاكمات هزليّة أو على علي سالم بدعوى التطبيع.. إلخ. في الحقيقة، في كل مرة كانت تندلع فيها نيران التضامن العارم مع حريّة تعبير أحد المثقفين، كانت مشاعري لا تخلو من اختلاط التضامن المبدئيّ بالتوتر والسخريّة، وربما القنوط. مثل آخرين لاحقين منهم أحمد ناجي نفسه، لا أستطيع أن أنسى أن معظم مثقفينا لا يتضامنون بنفس الحماس عندما يأتي الأمر لحقوق الإنسان بشكل عام، كأن التضامن مع حريّة التعبير هو الأسهل والأكثر أماناً من غيره. أتخيّل الآن أن ناجي سيضحك من بعض المتضامنين معه بينما ما زالوا يبررون مشاهد القتل وسجن المعارضين السياسيين وتجاوزات الشرطة وينفون وجود حالات اختفاء قسريّ في عهد السيسي.
شروط التضامن مع حريّة التعبير
هناك تضامن كبير مع حريّة أحمد ناجي في الكتابة، والخيال، واستخدام اللّغة. هناك على الأقل جملة يلتف حولها كثيرون تقول: “لا يجب أن يذهب الكلام للمحاكم”. أنا لا أكتب هذه المقالة من أجل تأكيد هذه البديهة، لم يكن ناجي ليفعل ذلك لو كان مكاني، هكذا أعرفه وأشعر بحزن غامر لأنه في السجن بينما أنا أكتب.
في نفس الوقت، قرأنا بعض الآراء -في سياق الحكم على الكاتب بالسجن- ويجب أن نقف أمامها، دعني أُلخصها لك في النقاط التالية: تكتل المثقفين حول قضية كهذه مدعاة للسخريّة حيث أنهم معزولون وبلا تأثير. رواية “استخدام الحياة” ليست جيدة وخالية من “الإبداع” الذي يستحق التضامن. أخبار الأدب التي نشرت الفصل سبب المحاكمة تصدر بأموال دافعي الضرائب ولم تحترم الميثاق اللغوي أو الأخلاقي للمجتمع وهي تُعبّر فقط عن آراء محرريها. تحتوي الرواية على “بذاءة” والبذاءة أيضاً نوع من العنف الذي لا يستطيع إقامة حوار مع المجتمع. بالطبع، قوبلت هذه الآراء برفض وسخرية من بعض المتضامنين مع ناجي وأنا منهم.
هذا التضامن اللافت وهذه الآراء التي تشكك في أسبابه وجدواه ودلالته تطرح بعض الأسئلة: هل من شروط التضامن أن يكون صاحب الحق له تأثير على المجتمع؟ هل هناك شروط للتضامن مع قضيّة محدّدة تخصّ حريّة التعبير؟ هل يُشترط في الدفاع عن حريّة أحد أن نتفق مع ما يقوله، مع كيفيّة قوله؟ هل يجب أن ننادي بالتخلص من أي هامش تسمح به مؤسسات الدولة الثقافيّة لتناسب تصورنا عن أخلاق دافع الضرائب؟ أليس أحمد ناجي وبعض قرائه من دافعي الضرائب أيضاً؟ ما هو كنه هذا المجتمع الذي تنجح رواية في إقامة حوار معه أو تفشل بسبب بذاءتها، وكيف تعلّم الكاتب وهو أحد أفراد هذا المجتمع النقيّ – البذاءة؟
الجماعة الثقافيّة ليست جيشاً ولا يجب أن تكون
دعنا نتذكر أن الجماعة الثقافيّة ليست جيشاً، وأنه لا مجال لمطالبة أفرادها بالاتحاد خلف حرب ما. دعنا أيضاً نعترف أننا كأفراد لا تعترينا نفس الدرجة من الغضب كلما تم الاعتداء على حرية آخرين من نفس الجماعة الثقافيّة – ربما لأسباب قيميّة أو إيديولوجية أو شخصيّة – وأن هذا ليس مأزقاً أخلاقيّاً بالضرورة ما دمنا لا نبرر ولا نقبل بأي شكل من الأشكال الاعتداء على حرياتهم لهذه الأسباب.
إنني أسأل نفسي قبل الآخرين إذا كان غضبي الشديد من سجن ناجي له علاقة باهتمامي بكتابته، بانتمائي لها، بفهمي لعالمها. وإجابتي هي: نعم!
لقد فتحت مدوّنة أحمد ناجي“بيسو” منذ بدايتها ٢٠٠٥ مع مدوّنات أخرى باباً واسعاً للغة حيّة خارج تعليبات الأنواع الأدبية والصحف الورقيّة والرقابة. إنه منذ البداية لا يقدّم نفسه ككاتب تنويريّ أو كمثقف يريد كسر تابوهات المجتمع؛ إنه في الحقيقة لا يخاطب وحشاً افتراضيّاً يسمونه المجتمع. لقد أدهشني استغراق ناجي من وقت لآخر في متابعات تناسب مزاجه وأسئلته، مثل مقالاته عن المهرجانات، أو السعوديّة، أو القاهرة، ودراسته الهامة عن الجرافيتي “يحيا الفن الزائل” في ٢٠١١.
صورة ثلاثية من اليمين لليسار: نائل الطوخى، أحمد ناجى، محمد ربيع في مدخل دار ميريت في مقرها القديم بشارع قصر النيل
بالنسبة لي، يمثل أحمد ناجي مع نائل الطوخي ومحمد ربيع وأحمد شافعي وآخرين من كُتّاب الأجيال الأحدث أهم ما يحدث في الكتابة المصريّة الآن. أُضيف إلى هذا التحيّز للكتابة، الامتنان لوجود مثل هؤلاء الأشخاص حولنا، بحواراتهم ولغتهم وطزاجتهم ونديّتهم والاقتراحات التي يقدمونها لنا كقراء أو كمهتمين بالكتابة. الأكثر من ذلك، أنهم ربما يمثلون الجيل الأول الذي لديه هذه الحرية في اللعب الحقيقيّ باللغة والتخييل السرديّ دون رغبة في صدم أحد أو في بطولة طليعيّة، دون خوف أو قلق من صورة المثقف التي نشأنا تحت وطأتها وفقدنا الكثير من الوقت والطاقة في رفضها. نعم يجب أن نرفض أي اعتداء على حريّة التعبير، ولكن يجب أن نتصالح مع حقيقة أن هذا الغضب يستمد طاقة أكبر عندما يتم الاعتداء على ما نستمتع به وندعمه ونظن أنه يخصّنا.
صدمة القارئ وصدمة المجتمع
إذا كان لدى نص ما قدرة على الصدم، فإنه لا يصدم إلا قارئه. إنه قارئ فرد يجلس على الحافة بين مجتمع لا يقرأ وبين النصّ الذي أمامه. يشعر القارئ بالصدمة كنتاج للعلاقات الدلاليّة في النصّ وليس داخل المجتمع. قد يسبق المجتمع في لغته ما يمكن أن يُكتب. أنت تسمع كلمة “كُس” كل يوم في شوارع القاهرة ومع ذلك تظل صادمة عندما تقرأها في “استخدام الحياة”. لماذا؟
يقول ميشيل ريفاتير الذي فكر في هذا الأمر لأسباب أخرى إن الصدمة التي تسببها العلاقات النصيّة ليست نتاج كسر العادات والتقاليد المجتمعيّة ولا محاكاتها، إنها قد تأتي من التقليد الساخر، من توسيع الدلالة أو تضخيمها، من صناعة خلل داخل السرد يجعل أكثر المفردات عاديّة تشبه النتوءات وتورط القارئ في لعبة التبديل والإحلال. التبديل اللغوي هو لعبة الكاتب ومادته.
ما يسميه ريفاتير بـ “الفضيحة اللغويّة” يكون له صدم مستمر حتى في أكثر المجتمعات تحرراً، ذلك أنها نتاج النصّ وليس نتاج الذوق العام. دليل ريفاتير على ذلك بديهيّ للغاية، لو كانت الفضيحة اللغويّة في نص ما هي نتاج اختلافها عن أخلاق المجتمع، لفقد هذا النصّ قدرته على الصدم، بصمته، بمجرد تغيّر هذه الأخلاق، وهذا ما لم يحدث مع مئات النصوص من “نشيد الإنشاد” وحتى “أناشيد مالدورور” للوتريامون. هذا يجعلني أفكر أن هؤلاء الذين يظنون أن الفضيحة اللغويّة بذاءة، أو أن الصدم هو نتاج مخالفة عادات المجتمع أو محاكاتها، هم نفسهم الذين يصدقون أن على المثقف أن يحافظ على صورته القديمة للأبد، أو أنه يسعى لحوار مع مجتمع مفترض ليس موجوداً إلا في أذهانهم.
أصدق القارئ الذي تسارعت دقات قلبه عندما قرأ الفصل الخامس من “استخدام الحياة” في أخبار الأدب، بل ويمكنني أن أحكي له كيف حدث لي ذلك عندما قرأت “تلك الرائحة” وأنا طالبة في الثانوي، وكيف شعرتُ بنفس الصدمة وأنا أقرأ جورج باتاي بعد ذلك بسنوات. الصدم أحد ملامح القراءة المُنتجة. تبدأ الكارثة عندما يظن هذا القارئ الفرد أن ما يخدشه يخدش أخلاق المجتمع الذي لم يقرأ ولم يكن ينوي أن يقرأ الرواية، ويقوم بتنصيب نفسه ممثلاً لهذا المجتمع فيرفع دعوى قضائيّة، ثم يقوم القاضي بقراءة الرواية نيابة عن المجتمع فيقرر أن يعاقب كاتبها. بمعنى آخر، لا توجد مشكلة في تصوّر ضابط بوليس ما، كمواطن، عن طول الشعْر المناسب للرجولة الحقيقية، ولكن تحدث الكارثة عندما يعاقب مواطنين مثله مستخدماً سلطته وغياب القانون في ذلك. لسنا في حوار مع رافع الدعوة ضد ناجي ولا القاضي الذي يحمى المجتمع منه ولا ضباط البوليس. نحن في حوار شئنا أم أبينا مع من تشغلهم الكتابة والقراءة ثم يتحدثون عن وجود شروط للتضامن مع الحريّات.
في الجزء الأول من هذه المقالة ذهبت إلى أن الإجراءات الصارمة التي تتخذها الدولة المصرية ضد السلوك «الهدّام» من وجهة نظرها لا تأتي فحسب من مجرد رغبة سلطوية في السيطرة على المجتمع، بل إنها تضرب جذورها في حالة من التيه الجمعي، وفي إرث من الحداثة الكولونيالية يرمي إلى التشبث بالوضع القائم والماضي المتخيَّل.
وعليه فإن معاملة «الآخر» ترتبط جوهريًا بالتصور عن الذات، ما يجعل الحط من شأن الأقليات أو إنزال العقاب عليها وعلى من يختلفون في طريقة لبسهم أو تعبيرهم عن أنفسهم ضرورة لتقدير الذات. واعتبار الاختلاف خطرًا يؤدي إلى تبنِّي موقف متناقض، يكون فيه الاختلاف موضع اشمئزاز، وفي الوقت نفسه تذكرة بعجز الذات. فكأن النخب المصرية ـ من ساسة وقضاة وصحفيين وشرطة ـ في دفاعها عن الماضي الديني والثقافي والسياسي «المجيد» تذكِّر نفسها بدونيتها المادية الراهنة من خلال ممارستها الاستعلائية لتفوقها المفترض.
لقد حذر سيجموند فرويد في كتابه «الوجيز في التحليل النفسي» An Outline of Psychoanalysis (الصادر سنة 1939) من تحطم المجتمع في حالة «المقاومة الفاشلة للعالم الخارجي إذا ما تغيَّر هذا العالم على نحو لا يمكن أن تتعامل معه تكيفات السلالة (المجتمع) التعامل المناسب».
وبالتالي لا تعكس الضراوة المتزايدة للموقف السلبي من حرية التعبير في مصر خلال السنوات الأخيرة مجرد رغبة النخبة الحاكمة في السيطرة الاجتماعية، لكنها نتيجة أيضًا لخطر تتصوره ذات وطنية بطريركية أُضفي عليها طابع رومانتيكي وأعيد تغليفها في أوائل سنوات مصر ما بعد الكولونيالية، لا سيما في خمسينيات القرن الماضي. لقد أنتجت عقود التدهور الثقافي والاجتماعي الاقتصادي ـ لا سيما منذ هزيمة 1967 المخزية ـ ذاتًا مصرية نمطية ممزقة بين قومية مؤمنة بصوابها وتحظى برعاية الدولة وأيديولوجيات إسلاموية وواقعًا من الفشل والمهانة. ويمكن تتبع أصول هذا وصولًا إلى أول اشتباك حاد، وقد يوصف بالعنف أيضًا، بين المجتمع والحداثة عندما غزا الجيش الفرنسي بقيادة نابليون البلد سنة 1799. فمنذ ذلك الحين بات الجدل يحيط بكثير من الأعراف والتقاليد ـ لا سيما في ما يتعلق بالسياسة والدين والجنس.
ولقد وجهت ثورة 2011 ضربة أساسية للأعراف الاجتماعية البطريركية المحافظة، وهنا يكمن سر الجهود الرامية إلى تصوير يناير 2011 بوصفها مؤامرة من «الآخرين» –الأجانب الدخلاء الخونة – لا المصريين الوطنيين حقًا، والرجوع من خلال القمع إلى الوضع الذي يُفترض أنه كان مستقرًا وقائمًا من قبل.
ولنا في قضية الكاتب أحمد ناجي مثالًا على ذلك. فناجي في السجن بسبب «مشاهد جنسية سافرة» في روايته، وفصل منها نشر في أسبوعية أدبية قاهرية. لماذا ترى محكمة مصرية في نشر عمل خيالي في إصدار محدود الانتشار ـ مهما يكن فاحشًا أو مسيئًا ـ خطرًا على الأخلاق العامة في بلد يتجاوز تعداد سكانه 90 مليونًا، وتقدر الأمية فيه بـ 26 %؟
قال ناجي ذات مرة «إنهم [أي النيابة] يمثلون حرسًا لأخلاق المجتمع وفضائله، لا للقوانين الحامية للحريات. وقد ساء هذا الوضع منذ تولي عبد الفتاح السيسي الرئاسة، فقد جاء إلى السلطة من خلال تحالف بين مؤسسات الدولة ـ كالقضاء ـ وهم يشتركون معًا في تولي مسؤولية حراسة مكتسباتهم. فالسيسي يراعي مصالحه، بينما يكرس القضاء نفسه لحراسة الأخلاق وتعليمنا الفضائل».
انتهت محكمة الاستئناف التي حكمت على ناجي (بعد تبرئته في محكمة الدرجة الأولى)إلى أن غاية القانون هي حماية الأخلاق العامة والدين والوطنية والأسرة. وذهب القاضي إلى أن كتابة ناجي تقوض المجتمع ذاته، وتتجاهل قيم المجتمع وحدوده الأخلاقية وتحرض على الفسق. ودعا القاضي البرلمان إلى تغليظ عقوبة السجن على هذه الجرائم«لأن نشر الرذيلة سعيًا إلى تدمير قيم المجتمع وقواعده الأخلاقية مسألة خطيرة تستوجب عقابًا صارمًا». ومضى ينتقد كل من يرون أن القواعد الأخلاقية نسبية متغيرة.وقال إن من العار أن يُترك «مصير أمتنا تحت رحمة من يتعاملون معه باستخفاف واستهتار كمن يلعبون الورق». وانتهى إلى أنه «تسقط الحرية التي جلبت لنا الفساد وضياع الأخلاق والتحلل الأخلاقي بعد الأحداث التي أحاقت بمصرنا الحبيبة» ـ في إشارة إلى ثورة 2011 التي تشيع الإشارة إليها بوصفها «الأحداث» بين من يرونها مؤامرة غايتها الاضطرابات، وليست دعوة إلى الحرية والعدالة الاجتماعية.
لو لم تتخذ الدولة إجراءات صارمة ضد حرية التعبير، لاعتبر ذلك إقرارًا باستحالة عودة الماضي المتخيَّل، وخطوة باتجاه الامتثال لواقع جديد غير محدد بدقة. لذلك فإن حالة مصر العصابية الراهنة تهدف فيها الذاتان الجوهريتان اللتان تروج لهما النخب الدينية والنيوليبرالية للحفاظ على الوضع القائم تحت حماية رحيمة من الدكتاتور الأب. فيكون أي تحد لهذا النظام هو بمثابة تحد لصورة الزعيم الأب.
ومن هنا تكون حرية التعبير أكثر تهديدًا حينما لا تأتي محل القديم بواقع جديد كل الجدة، بل تسائل المقدس، وتفتح إمكانيات جديدة أمام الراشد/ة للاختيار وتحمل مسؤولية اختياره/ها. وهي كذلك رفض للموقف المحافظ المنافق الذي يستعمل من خلاله الحرس المجتمعي شفرة أخلاقية لقمع الاحتجاج العام، في حين تتعرض هذه الشفرة الأخلاقية في الأماكن شبه العامة للانتهاك المنتظم وعلى نحو أكثر تغلغلًا، كما يحدث في الفساد الاقتصادي، والتعذيب في السجون، والحصانة وزوال سيادة القانون.
ما يهدد الأفراد واضح تمامًا في نظر مؤسسات الدولة، مثلما يتبيّن من وثائق وزارة أمن الدولة في ألمانية الشرقية [ستازي] في متحفها ببرلين الشرقية السابقة. وليس غريبًا أن تكون ستازي قد تولت تدريب جهاز أمن الدولة المصري الوليد في أواسط الخمسينيات وظلت تدعمه عشرين عامًا. ولا يخفى على أحد مدى الضعف المتزايد والفشل المتعمق الذي تعاني منه المؤسسات البطريركية (الدينية والسياسية والاجتماعية) في ضمان الهيمنة على الأسرة والمؤسسات التقليدية والمجتمع الكبير. والوسيلة الوحيدة للتغطية على هذا الفشل هي استحضار شفرة اجتماعية وأخلاقية مفترضة.
يرفض أغلب المصريين الاعتراف علنًا بما تتغاضي عنه أغلبيتنا أو تقبل به سرًا، وهو أن نظامنا الأخلاقي أصبح مختلًا تمامًا. فالفجوة المتسعة بين الواقع والرغبات والشفرات المجتمعية لم تترك مجالًا كبيرًا للحلول الوسطى. ونتيجة لذلك، يتجاهل الأثرياء والمتنفذون الأخلاق العامة داخل مجتمعاتهم المغلقة وأنديتهم، بينما يزداد رفض الفقراء لها في الممارسة.
إن المصري المحافظ الغاضب النمطي الآن فريسة للتفكير التآمري المريض في الأجندات والتأثيرات الأجنبية، أو ما يعرف بـ«قوى الشر» في الخطاب الرئاسي. ولكي تخرج مصر من هذا المستنقع، لا بد من إصلاحات سياسية ومؤسسية عميقة، وكذلك لا بد من إنهاء السيطرة المطلقة للنخبة الحاكمة. وسيستغرق ذلك وقتًا، لأن المغالاة في الوطنية والبطريركية هما جزء لا يتجزأ من الدفاع عن مصالح مادية واختلالات سيكولوجية.
لقد أشعلت ثورة 2011 الأمل مجددًا في أن تبدأ الدولة والمجتمع مرحلة تحول، لكننا كنا ساذجين وغافلين عن أعماق وتعقيدات الفساد المادي والمعنوي في المجتمع الأوسع. ولو كانت النخبة والمؤسسات الحاكمة هي مصدر الشر الوحيد، دون المرض الأعمق الكامن في الذات الوطنية المتشظية المضللة في حالة من الإحساس الدائم بأنها ضحية، لكانت المهمة أسهل.
__________
*هذه المقالة مأخوذة من «حرية التعبير في مصر: كيف يهدد الشعر الطويل والقمصان الوردية والروايات وفيديوهات الهواة وفيسبوك النظام العام والأخلاق في مصر» “Freedom of Expression in Egypt: How Long Hair, Pink Shirts, Novels, Amateur Videos and Facebook Threaten Public Order and Morality” وهي مقالة أطول للكاتب نشرت في عدد سبتمبر 2016 من The International Journal of Applied Psychoanalytic Studies الجزء 13 عدد 3.