وإذا حسبنا أن الآلة تفسد الإنسان فما ذلك إلا لأنه ينقصنا قليل من الرجوع إلي الوراء لنستطيع الحكم على مدى التحولات السريعة التى تمت أمامنا. فما قيمة مائة عام من تاريخ الآلات بالنسبة لمائة ألف عام من تاريخ البشر؟ إننا لم نكد نستقر وسط دنيا المناجم ومحطات توليد الكهرباء، إننا لم نكد نستقر في بيتنا الجديد الذي لم يتم بناؤه بعد. لقد تغير سريعاً كل شيء حولنا، تغيرت العلاقات بين البشر وتغيرت أحوال العمل وتغيرت العادات. وحتى نفسيتنا قد انقلبت رأساً على عقب. فأفكار الفراق والغياب والبعد والعودة لم تعد تحوي ما كانت تشمل عليه من معانٍ، وإن بقيت الكلمات دون تغيير. وهكذا نتكلم في دنيا اليوم لغة أنشئت لعالم الأمس. ويخيل إلينا أن حياة الأمس أكثر استجابة لطبيعتنا، وما ذلك إلا لانها أكثر استجابة للغتنا.
وكل تقدم جديد يبعدنا قليلاً عن عادات لم نكد نتعودها، ونحن في الحق مهاجرون لم نؤسس بعد وطننا الجديد
أنطوان دو سانت اكزوبيري
أرض البشر
ترجمة: مصطفي كامل فودة.
