تعليق على الحبتور واليأس وال “نا” التى تجمعنا

خلف الحبتور، الملياردير الاماراتى، نشر منذ أيام بوست حذرنا فيه -كتر خيره – من أن إسرائيل كيان توسعي استعماري، وأن ما صرّح به نتنياهو عن إسرائيل الكبرى وخريطتها التي تمتد حتى المدينة المنورة جنوبًا ومدينة رشيد غربًا (مش عارف ليه لم يضموا إسكندرية للخريطة، مع إن إسكندرية كان فيها يهود من سنة 600 قبل الميلاد، لكن هذا حديث آخر عن البطالمة والصهاينة). ليس حلم عقائدي، بل مشروع حي يحدث أمام أعيننا

ثم ختم سلسلة بوستاته الحماسية علشان يحذرنا أو يبشرنا (على حسب موقعك في المدرجات) من أن السلام لا يتحقق بالكلام، وأن إسرائيل تتحرك دبلوماسيًا وعسكريًا لتحقيق هذا الهدف وتلك الخريطة…كتر خيره من موقعه كشريك وحليف شخصي للمشروع التوراتي الصهيونى سرب لنا معلومات هامة.

التصريح ده عمل رد فعل مزدوج ومتناقض: الصحافة المصرية احتفت وعضعضت فيه اما عن جهل او استعباط او تعريص عادى، بينما الحسابات واللجان السعودية عملت هجمة لجانى على الراجل واعتبرت تصريحه تطاولًا على الجيش السعودي. وده طبعًا لأن الحبتور عنده تاريخ طويل مع السعودية وجيشها.

أثناء حرب اليمن، لم يتردّد الحبتور في انتقاد ما اعتبره ضعفًا وتخاذلًا من الجيش السعودي في مواجهاته مع الحوثيين. دعا إلى تشديد القصف، وأعلن بلا مواربة أن الضحايا المدنيين لا يُحسب لهم حساب، فهي ـ في نظره ـ مجرد “أضرار جانبية” لأي حرب. في تلك الفترة، كانت السعودية والإمارات قد دمّرتا أكثر من ألف مدرسة في اليمن، وفي إحدى الغارات قُتل ستون طفلًا يمنيًا تحت القصف السعودي.

وصل الأمر أن الحبتور اعترض علنًا وقتها على أن الجيش والخارجية السعودية اعتذروا عن مذبحة وقصف مدنيين وأطفال!

وقال إن موقف الجيش السعودي ضعيف. فطبعًا تصريحه وفرحته بخريطة إسرائيل الكبرى السعوديون على طول فهموها إنه بيلقح عليهم كلام وعلى جيشهم وعلى عدم قدرتهم على حماية المدينة المنورة.

بالمناسبة: فيها بعثات أثرية فرنسية–سعودية شغالة في السعودية من 2014 للبحث والتنقيب عن الآثار اليهودية، في دجل علمى لخدمة اللخرافة التوراتية عن المملكة اليهودية الكبرى في الحجاز. بل مؤخراً خصص جهاز الهسبرة على ما يبدو قسم خاص ومدونين ومؤثرين موجه لتغذية وتنشيط هذه الرواية، أطرفهم واحد إسرائيلي من كام سنة راح أتصور مع مجموعة سعوديين هناك، ونشر الصورة وكتب تحتها حاجة فيما معناه “أخيراً زرت ورث جدي بن سبأ”.

بس برضه لكل مقام حديث في وقت آخر.

نرجع لموضوعنا، نلاحظ أن الحبتور اللى من سنة كان بيشتم حماس، فجأة آخر كام أسبوع يعمل بوستات من نوع، إسرائيل دول استعمارية نحتاج لمشروع عربي ومتقمص يوسف وهبي في اسكندرية ليه، وهو بيقول اورشليم يا قاتلة الأنبياء..

لكن الحقائق على الأرض وفي السماء، أن الحبتور دا أول حد فتح مكتب اقتصادي في إسرائيل بعد التطبيع، بل وشركاته هي اللي سيرت أول خطوط طيران من الإمارات لإسرائيل. وبعد ما اليمنيين ضربوا ميناء إيلات، شركات الحبتور هي اللي عملت الجسر البري اللي بقي ياخد البضائع الذاهبة لإسرائيل من موانئ الإمارات وينقلها برًا لإسرائيل.

كمان الحبتور شريك لشلومي فوغل ووقعوا عقود وشركات استراتيجية في 2020. فوغل دا خنزير كبير علاقته بنتنايهو زى علاقة حسين سالم بمبارك زمان، مستثمر في مستوطنات، وشركات شحن بحري وموانيء، والاهم من كام سنة راح عمل صندوق استثماري ولم مليارات من رجال اعمال خليجين بحجة ان الفلوس داه شغلها لكم في قطاع التكنولوجيا الإسرائيلي، وبعدين الحرب قامت، وامك في العشة ولا طارت… والشركات دى خربت، وحاليا بتنقل برا اسرائيل، بس انشاء الله كلها كام شهر ويروح يلم منهم ويدفعوا له تانى..

الراجل دا بالذات معلق في دماغى لانى فاكر وقتها صورته هو والحبتور، ووقتها الحبتور طلع تصريح تاريخى هيفضل يجري وراه للابد:

“أتطلع إلى هذا اليوم منذ فترة طويلة جدًا. لطالما اعتبرت أن الإماراتيين والإسرائيليين يملكون قواسم مشتركة كثيرة. فالشعبان الإماراتي والإسرائيلي موجهان نحو الأعمال، ويعتمدان على المواهب البشرية والطموح أكثر من الموارد الطبيعية لبناء اقتصاد قوي قائم على الابتكار”.

ليه بقى الكلام الطويل ده كله؟

لأن الحقيقة عندي وجهة نظر أخرى في تصريح حبتور بن طحنون ده، وإن البوستات ليست تحذيرًا بل تبشيرًا وتصفيقًا. والناس دى سعيدة ومتعاونة وشايف دا حاجة جميلة جدا وفي مصلحتها.

فيه يقظة بطيئة ومتأخرة في السعودية في موضوع إسرائيل، لكن زي أي حاجة في السعودية: بطيئة، خجولة، وغير دائمة. وساعة الجد النظام السعودي مش هيكون قصاده غير الدفع وتقديم تنازلات لأمريكا وإسرائيل، أو إنه يناور ويدي تنازلات ومشاركة في الثروة والسلطة مع الشعب السعودي، علشان يقدر يقف قصاد اللى جاى، فربنا يعينهم ويعنا ساعة اللحظة الحاسمة..

أما الإمارات، فالمشروع الذي بدأ منذ حوالى خمسين عاما كحلم بوحدة سياسية واقتصادية لكل امارات الساحل العربي تقوم على التعاون والتكافوء، فتحول آخر عقدين إلي شوية هياكل مالية متركزة في دبي وابوظبي، ومعاهم كام انفلونسرز وحسين الجسمى (أجمل حاجة في الإمارات). بينما تضاءل بشكل مسبق نفوذ وقوة الامارات الأصغر. لدرجة أن مؤخرا بعد ما تحرش السفير الإسرائيلي بسيدات اماراتيات بغض النظر عن نسبهم واسم عائلتهم، لم يحدث اى رد فعل، ولم يتحدث أحد وينتقد ما يدور الا الشيخة جواهر زوجة حاكم الشارقة، وكأن البلد بح خلاص، حتى رجالها خايفين يتكلموا فيتداروا وراء امهاتهم، وأنا هنا لا أعاير أو أقلل من أحد كلنا مسحوقين تحت شبشب الاستبداد.

كل ما سبق يحدث واليوم، ترامب بيجتمع بزيلنسكى وقادة أوروبا، علشان يقنعهم يتنازلوا عن ارضهم لصالح بوتين. يعنى أمريكا ترامب، بتضغط على حليفها العقائدى والتاريخى والاستراتيجي علشان يتنازل عن أرضه.

ودا بعد ما الحليف دا (أوكرانيا) من شهر مضى للأمريكان اتفاقية تنازل بها عن حق إدارة كل ثرواته المعدنية، ومع ذلك عادى أمريكا ترامب رمتهم للدب الروسي…

فهل يظن، أو يعتقد مستشاري أصحاب السمو الملكى الذين تعلموا في جامعات كندا ووجورج تاون وكنجز كولدج. أن أمريكا اللى بترمى المواطن المسيحى الأوروبي الأبيض لبوتين ياكله، لما نتنياهو -اللى بكل تقدير اثبت انه اقوى سياسي شافته المنطقة والعالم آخر نصف قرن- يطلع يقول الخريطة دى بتاعتى والتوراة وربنا معايا، واذا كانت السعودية مش ناوية تطبع والخلايجة مش عايزين يدفعوا لنا حق حمايتهم من الخطر الايرانى فانا عايز حق ناشف في تبوك ولا نيوم ولا حتى آبار ومصافي المنطقة الشرقية وهخش اخدها حالا، هل لو صحى طلب كدا، أمريكا ترامب هتقول لأ؟ وتقف معاك انت يا جربوع يا أبو شبشب، ياللى وزير دفاع أمريكا الحالي كاتب كتاب بيقول فيه ان كل العرب والمسلمين حيوانات ولا يمكن تطبيق حقوق الانسان وقواعد الحرب العادية عليهم …

أمريكا دى، ترامب دا اللى انت عمال تدفع له هيشترك انت ويسيب بيبي نتنياهو !!

فيه ناس في السعودية بدأت تفوق شوية بس متأخر وكمان مزنوقين ومترددين، لكن الامارات شافت خطة زى دى حاجة روعة، كيف لأ ، وماذا اقول بعد الحبتور اللى قال

احنا مش عرب أصلا احنا اماراتيين واحنا وإسرائيل زى بعض سوا سوا في الهوا الهوا، على أساسه ان كدا ممكن ينجو وحتى لو لما ينجو ايه يعنى اللى ممكن يحصل، يلم كل مواطنين ابوظبي ودبي في طيارة ويطلع بيهم على اى مستعمرة بتاعتهم زى مستعمرة راس الحكمة في مصر او مستعمراتهم في جنوب فرنسا.

ومعاه الفلوس والصناديق الاستثمارية والخيمة تتنصب في اى ارض

إحنا مهزومين، وفي حالة تفكك للوعي والذاكرة الجماعية. لكن لسه لم نصل للقاع. القاع هيكون أول ما تحصل نكسة هزيمة وانكسار وتحول جيوسياسي يتم باعمال عسكرية: قلم على القفا أو الراس جامد أوي.

كل تغيير سياسي وهوياتى كبير شهدته مصر كان قبله حدث عسكري دفع المصريون ثمنه من لحمهم ودمهم:

300 ألف مصري في الحرب العالمية الأولى اللي اخترت فيها مصر تحارب ضد الخلافة العثمانية → ثمرتها سؤال الهوية وإعادة تعريف مصر للمصريين، ورؤية المصريين لنفسهم خارج مشروع الخلافة، وما كان من امر ثورة 1919.

هزيمة 1948 → ثمرتها إعادة تعريف مصر كمركب مسلم–مسيحي فقط، مع سحق وتهميش للطبقات الحاكمة اللي كان فيها مكونات أجنبية سواء كشركاء لهم أو متحالفين، أو للدقة تحالف النظام السياسي والاقتصادي الذي قاد للهزيمة.

هزيمة 1967 → ثمرتها الاتجاه أقصى اليمين: وصلنا بعدها لاضافة الإسلام في الدستور، وفجأة بقي عندنا كيانات سياسية كهنوتية زى الازهر والكنيسة والرقابة الإدارية.

في كل مرحلة من دول، سقطت الدولة المصرية وتغيرت بنيتها، وتم بناء دولة جديدة. في كل مرحلة تم إعادة ابتكار مفهوم الشعب المصري من جديد. لا شيء باقٍ:

لا الدول

ولا الهويات الجماعية للشعوب.

الأفراد المستسلمين لليأس أو أوهام الكبتاغون ليسوا إلا صرخة في البرية.. الثورة مستمرة.. جسدى حريتى..

ذاكرة عاطفية ربما تحفظها أغنية أو بيت شعر.

يجب أن نتخيل الغد اليوم.

أن نطرح معاني جديدة لمعنى الهوية، لمعنى “نا” … لا يمكن أن نقول “نا” عرب ونصطف بجوار الحبتور والغندور وايجيبت.

الـ”نا” التي أتحدث بها، أخاطب بها هؤلاء الذين لا يزالون يقرؤون مقالات على الإنترنت وبوستات طويلة ولا يكتفون بالعناوين. هؤلاء الذين يستيقظون صباحًا فيجدون أنفسهم مجبولين على المقاومة، على القراءة للفهم.

شركائي في الغضب واليأس، المصابون بالملل من خطابات المقاومة والممانعة، ومن عبثية خطابات السلام وانتظار السمنة من طيز النملة الإسرائيلية أو الغربية. لهؤلاء أسأل وأسأل نفسي:

هل يمكن أن نُحلّم بعربي جديد؟

عربي لا ينهض فقط على عدائه للمكون التركي–العثماني مثل عروبة الحرب العالمية الثانية، ولا على العداء للمشروع الصهيوني مثل العروبة التي وُلدت بعد 48، بل عربي في عداء مع الاثنين: مع المشروع الصهيوني والمشروع الإقطاعي لعائلات الساحل الخليجي.

لماذا يفضل العرب التسلط أكثر من السادية؟

نشرت في موقع الحب ثقافة عام 2014

في نقد غاتاراي ودولوز لعلم النفس الحديث يخبران الاثنان أن التحليل النفسي الفرويدي ليس إلا وسيلة في يد الرأسمالية، فهو ابتكار مجموعة من القواعد والقوانين لملاحقة الرغبة من أجل السيطرة عليها والتحكم فيها، وتتجلى عملية تدعيم التحليل النفسي للرأسمالية في مجموعة من التعريفات والإجراءات التي يتناول من خلالها مفهوم الرغبة. حيث يتبنى التحليل النفسي الفرويدي تعريف أفلاطون للرغبة باعتبارها “فقدان”، لكنها في حقيقة الأمر من وجهة نظر دولوز “إنتاج”.

فلسفة الصورة الفيلسوف جيل دولوز
جيل دولوز

جعل فرويد وعلم النفس الحديث الرغبة مرتبطة بالجنس فقط، كما يجعل اللذة هي هدف الرغبة وغايتها بحيث يكون الحصول على اللذة تخلصاً من الرغبة. ويجعل التحليل النفسي الرغبة محصورة في الإطار العائلي ومثلث الاب، الابن، والأم. بالتالي يقوم بتهميش الدور الأكبر للمجتمع في عملية خلق الرغبة ودور الدولة والنظام في عملية الكبت، وخلق مسارات محددة سلفاً للرغبات تحولها إلي آلة لتلبية الاحتياجات التي يوفرها النظام.

منذ الحرب العالمية الثانية نمت صناعة البورنو جنباً إلي جنب مع كافة الصناعات العاملة في مجال الخدمات الجنسية، وبمساعدة علم النفس تم تقسيم أرض الجنس إلي أدراج وملفات، أنواع مختلفة من “الفيتش”، تراكمات هذه الخبرات الفردية لتصنع في النهاية دليل استخدام للفانتازيا الجنسية. هذا الدليل سهل عملية تسليع الجنس في النظام العالمي الجديد.

مع الانترنت تم تعميم “الكتالوجات” الجنسية، خلق من الجنس مساحات متخصصة، بل وتم تمييز الناس والتفرقة ما بينهم على أساس ميولهم الجنسية أحياناً وعلى أساس الأوضاع والممارسات التي يفضلونها. شاهدنا في العقد الآخير كيف نمى المحتوى الجنسي العربي على الانترنت في الشبكات الاجتماعية والمنتديات ليشمل أقسام تبدأ من محبي “فيتش الأقدام”. وحتى قبائل الممارسات المازوخية والسادية.

لكن بدلاً من أن تمثل هذه الأراضي الجديدة فضاء للأفراد للعب والاستكشاف تحولت لهويات مغلقة على جماعات محددة، حيث أصبح كل ميل معبر عن هوية. وفي العالم العربي انتشرت الصفحات التي تقدم هذه الميول الجنسية كعلم له أصول وقواعد. وتحاول في الوقت ذاته إيجاد حلول لأزمات واشكاليات المواطن العربي المسلم، كيف يمارس ميوله الجنسية ضمن سياق لا يبعده عن المسار الديني أو الاجتماعي للمجتمع الذي يعيش فيه.

حتي الآن تمثل هذه الممارسات انحراف وشذوذ في الوعى الجمعي العربي، على الرغم من كون الإسلام الدين الأكثر انتشاراً في المنطقة لا يضع أي حدود للمارسة الجنسية إلي “الاتيان في الدبر” لكن سيل الفتاوى التي تتناول كل أمور الحياة أوصلتنا لفتاوى تحرم الاستمناء باليد لكن تبيحه بيد الزوجة.

فرجال الدين الإسلامي المنبوذ من كرسي الحكم في معظم البلدان العربية، يجدون مساحة أكبر لممارسة سلطاتهم على حياة الأفراد واختياراتهم الجنسية. والأفراد يحاولون إيجاد طرق وسط فتجد نقاش على واحدة من المجموعات الكبيرة التي تحمل اسم “عبيد الملكة نورهان” حول مدى جواز التمتع بفيتش الأقدام، يبدأ النقاش بتحيلي ذلك مع الزواج، وينطلق إلي أن القدم ليست عورة وبالتالي التمتع بصور أصابع أقدام الملك نورهان ليس بالفعل الحرام.

هذا الحصار الذي تعيشه رغبات الانسان العربي، يجد متنفساً له في العالم السفلي للانترنت حيث التحرك بهوايات وأسماء مستعارة، وتكون شبكة ومجموعة مغلقة من أهل الثقة الذين يتشاركون في ذات الاهتمامات. لكن حتي في العالم السفلي تطاردهم لعنات الإدانة أو نصائح الهداية وأحياناً الشرطة.

img_1850_09
رسم إباحى لمشهد جنس جماعى من القرن التاسع عشر- فنان مجهول

واحدة من الممارسات الجنسية التاريخية والتي تم إحيائها بتوسع مع الانترنت هي مجموعات وشبكات تبادل الزوجات، ومؤخراً أصبح القبض على ما أصبح يعرف إعلامياً بشبكات تبادل الزوجات خبراً متكرر بانتظام. وفي كل مرة تستغل الداخلية الأمر وتعمل على التشهير بالمشتركين لكن مع توالي الأخبار وتكررها لم يعد أحد يهتم. من الناحية القانونية لا توجد قضية إلا اذا نجحت الداخلية في إثبات تقاضي أي من الطرفين للمال مقابل الجنس حتى تصبح قضية دعارة، لكن في نظام قضائي كالذي تعيش فيه مصر يظل الأمر متروكاً للقاضي. ذات المجتمعات والنظام القضائي لا يجد غضاضة في التحرش المنتشر في الشوارع أو في العنف الذكوري اتجاه المرأة، كأنما الجنس وممارسته تظل مقبولة إذا كانت في إطار ترسيخ القيم الاجتماعية السائدة بما تحمله من تسلط وازدواجية.

الدرونز الإلهية

نشرت في المدن في ديسمبر2015

عادت صديقتي من جنيف، حيث تدرس القانون الدولي هناك، في زيارة قصيرة إلى القاهرة، لاستعادة الحياة خارج حزام القانون الدولي. بعد فقرة الترحيبات والأحاديث الودية، قالت لي إنها تعمل ضمن مجموعة بحثية، لانتاج مسودة من المفترض أن تتبناها الأمم المتحدة، لتكون بمثابة قوانين للطائرات بدون طيار، أو ما يعرف في فلسطين بالزنانة.

المسألة معقدة من الناحية القانونية ومليئة بالمداخلات التي يمكن أن نَستكشف فيها شكل المستقبل القادم. فأولاً أصبحت أميركا وكثير من الدول الغربية، تَستخدم طائرات بدون طيار، آلية بالكامل، بل ولا تحتاج إلى من يقودها عن بُعد. أصبح هناك طائرات بدون طيار أو للدقة قتل بدون عقل؛ تعطيها إحداثيات الموقع الذي ترغب في ضربه، أو صورة الشخص الذي ترغب في قتله، لتنطلق الطائرة بشكل آلي إلى الموقع المحدد وتجري عمليات بحث بين الكائنات البشرية، حتى تعثر على الهدف المحدد، وتنفذ التعليمات. من خلال الرادار وتقنيات البحث يمكن للطائرات الآلية تحديد الأشخاص الذين يحملون أسلحة، وسط تجمعات المدنيين، واستهدافهم بشكل دقيق.

هدف صديقتي القانونية هو وضع إطار قانوني لمحاسبة الطائرات بدون طيار. فمثلاً إذا أخطأت “الزنانة” في تحديد الهدف وأصابت هدفاً آخر، فمن يتحمل الخطأ؟ هل هو من أطلق الجهاز؟ أم الجهة التى صنعت البرنامج الذي يعمل به؟ أم الجهة المصنعة؟ أم المسؤولون عن القمر الصناعي الذي يساعد ويدعم الزنانة بالمعلومات. أخبرتني صديقتي عن مشاريع تقدمت بها شركات وحكومات لاستخدام “الزنانة” في مراقبة الحدود والتعامل مع اختراقاتها من قبل المهربين أو اللاجئين. يمكن برمجة الزنانة مثلاً كي تحرس حدود أوروبا، وتطلق النار أو ترمى الشباك على المخترقين أو تصعقهم كهربائياً بشكل يصيبهم بالشلل، أو تفعل ما تريد بحق من يخترق تلك الحدود.

من تقتلهم “الزنانة”، لا دية لهم، ولا قتلة، ولا ثأر يمكن أخذه. وبلهجة ثورية، إن أردت أن تأخذ حق أخوتك شهداء الطائرة بدون طيار، فيمكنك أن تبدأ بحرب بشرية ضد الآلات الذكية، أو تنتظر إقرار الأمم المتحدة لقوانين محاسبة الطيارات بدون طيار، والتي بالتأكيد ستوزع الخطأ إن وجد على كل المشاركين في صناعة آلات القتل المستقبلية تلك.

العدد الأكبر من ضحايا الطائرات بدون طيار، هم دائماً عرب أو مسلمون. من أفغانستان إلى غزة واليمن، منحت أجساد العرب الفرصة لآلات القتل الآلية لتطوير قدراتها.

لم نعد أعداء لأحد، بل فئران تجارب لتطوير تكنولوجيا القتل الآلي. القتل الحديث والذي يتم حتى بدون أعراض جانبية، كالشعور بالذنب أو إرسال المجندين إلى أطباء نفسانيين لعلاجهم من الصدمات.

الإنسان الغربي صانع الحضارة والمستقبل يصل الآن إلى مشارف بوابة الآلهة، حيث يمكنه أن يقتل من دون أن يتحمل الذنب، ومن دون أن يعلق حق ودم الضحية في رقبته. بل يقترب من بوابة الآلهة الإغريق حيث يجلس في مدنه الذكية المحصنة، بينما الآلات الذكية تحميه، وتضرب الأعداء.

الغرب يستغل العلم والتكنولوجيا لصنع قفزاته مقترباً من الآلهة التي لا يمكن محاسبتها، وتحركها دائماً القيم النبيلة كالحرية والإخاء والمساواة، وغيرها من القيم الفرنسية التي يظن المسيو هولاند أن الإرهاب يحارب فرنسا بسببها. لكن الشرق أًيضاً، من خلال السمو الروحي والتضحية والفناء الصوفي في المحبوب، يرتقي ليقترب من بوابة الآلهة.

في تفجير أتوبيس الأمن الرئاسي في تونس، وردت أخبار أن القاتل المفجر لنفسه، سُمع وهو يُحادث آخر، عبر هاتفه المحمول، قبل الصعود إلى الأتوبيس، وهو يقول: “نلتقي في الجنة”. وبينما تستهدف الطائرات الأوروبية والروسية والعربية، أحياناً، مناطق تمركز “داعش” ظناً منهم بأن تلك وسيلة لتحقيق النصر، فمقاتلو “داعش” يرون في الموت تحت قصف الصواريخ أو تفجير النفس، طريقاً سريعاً إلى الجنة والغلمان المخلدين. أو بمجاز آخر، فإن بوابة الصعود إلى الآلهة، من خلال تحول الجسد إلى آداة للقتل، أو جثة ممزقة تحت وقع انفجار الصاروخ، لتصل الروح إلى جنتها الموعودة.

في المنتصف بين المجموعتين، عالقون نحن البشر الذين نأخذ من التكنولوجيا وسيلة للتعبير ولتوسيع فضاء دنياهم البائسة، ومن الدين صورته التي تدعي الوسطية والصوفية الحديثة الأقرب للتنمية البشرية.

البشر الباحثين عن النجاة. والذين لا يخدعهم السعي الداعشي لجنة غائبة، أو “السهوكة” الغربية الساعية لعالم تحكمه القوانين العاقلة والطائرات دون طيار الذكية المهذبة.

مضطرين لمخالطة التماثيل وللاستماع لخطاباتهم المليئة بالمجازات والاستعارات التاريخية والميثولوجيا، بينما يتبادلون صفقات الأسلحة والنفط من تحت الطاولة، لكي تغذي خطاباتهم بالمزيد والمزيد من الأكاذيب، في طريقهم لجبال آلهة الكذب.

 

Pablo Picasso. Guernica. 1937. Oil on canvas. Museo del Prado, Madrid, Spain.
بيكاسو الجرونيكا

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ