مقدمة كتاب مصر +100 : أو كيف نقرأ أدب الخيال العلمى خارج القصرية الغربية

إليكم هذا اللغز؛ هل الخيال العلمي:

  1. تصور للمستقبل ينطلق من ظاهرة أو نظرية علمية في الحاضر، فتكون النتيجة عالمًا أدبيًّا مختلفًا عن واقع لحظتنا لكن يعمل وفق قوانينها “العلمية”، أو بلغة أخرى كما تقول Ursula K. Le guin:

[1]غالبًا ما يتم وصف الخيال العلمي، وحتى تعريفه، بأنه استقراءي. يأخذ كتاب الخيال العلمي اتجاهًا أو ظاهرة هنا والآن، ويقومون بتنقيتها وتكثيفها لتحقيق تأثير درامي، وتوسيعها إلى المستقبل

  • 2. العالم محكوم بقوانين فيزيائية وحسابية، وأدب الخيال العلمي هو تخيل طرق علمية بديلة لتجاوز قبضة الواقع.
  • 3. الخيال العلمي هو مجموعة من الثيمات الدرامية والحبكات الأدبية تتكرر في آداب الدول الشمالية، أما إن ظهرت الثيمات والحبكات نفسها في أعمال أدبية من دول الجنوب تصبح “واقعية سحرية” أو “فلكلور”.
  •  4. يمكن تمييز أدب الخيال العلمي عبر مجموعة من المحددات كما تقول باربار ديك [2]

العوامل المميزة للخيال العلمي هي توجهه نحو استخدام العلم والتكنولوجيا، وغالبًا ما يركز بشكل خاص على المستقبل، طالما أن استخدام العلم والمستقبل جزء لا يتجزأ من الدراما.

الآن إليكم قصة قصيرة، فهذه مقدمة لكتاب قصصي، وليست ورقة امتحان

 في صيف 2010 أوقف اثنان من رجال الشرطة في ثياب مدنية الشاب خالد سعيد في الإسكندرية لتفتيشه، وحين طلب منهما تحقيق الشخصية ليتأكد من كونهما شرطيين، انهالا عليه بالضرب أمام كل من في الشارع، ثم جرَّاه إلى مدخل إحدى البنايات واستكملا وصلة الضرب، حتى تركاه جثة هامدة في مدخل البناية.

 التعذيب كان وما زال ممارسة منهجية لدى الشرطة المصرية، ولم يكن خالد سعيد الضحية الأولى ولا الأخيرة، لكن ردود الفعل على الحادثة اتسعت خارج الدائرة الحقوقية، لتشمل مجموعات شبابية نظموا أنفسهم باستخدام الإنترنت والسوشيال ميديا، في مظاهرات خرجت للشوارع وبدأت في الاتساع، خصوصًا وقد أنكرت وزارة الداخلية الاتهامات، وخرج تقريرها يقول إن خالد سعيد توفي بسبب ابتلاعه لفافة بانجو.

بعدها بنحو 6 أشهر اندلعت مظاهرات مليونية في القاهرة وعدد من المحافظات، وتحولت المطالب من إعادة محاكمة القتلة وعزل وزير الداخلية إلى إسقاط النظام والمطالبة برحيل الرئيس مبارك، الذي كان يحكم البلاد لأكثر من ثلاثين عامًا ممثلًا عن الجيش، الذي يملك ويحكم مصر منذ سقوط الملكية في 1952.

استمرت المظاهرات لمدة 18 يومًا، انتهت بتنحي مبارك عن السلطة يوم 11 فبراير 2011، لتنتهي شرعية السلطة القائمة وتحل بدلًا منها شرعية جديدة لما صار يعرف بثورة 25 يناير.

  أجريت انتخابات شبه ديموقراطية انتهت بفوز مرشح جماعة الإخوان المسلمين محمد مرسي بهامش بسيط، وقد كان مهندسًا في مجال الفلزات وتخصص في تطوير الأسطح المناسبة لصواريخ الفضاء.

 فور وصوله إلى الحكم أصدر عالم الفلزات مجموعة من القرارات الإمبراطورية بهدف الاستحواذ الكامل على السلطة، وتحويل مصر إلى إمارة إسلامية طبقًا لمفهوم جماعته. خرجت المظاهرات مرة أخرى ضده، وهذه المرة انضم إليها الجيش وقوى إقليمية خليجية، فانتهت التجربة شبه الديموقراطية بانقلاب قائد الجيش عبد الفتاح السيسي على الرئيس المنتخب، وتعيين رئيس المحكمة الدستورية رئيسًا لفترة استمرت عامًا، وانتهت بفوز الجنرال السيسي بانتخابات معدومة الديموقراطية، ليحكم السيسي مصر منذ 2014، بقبضة من الحديد والنار، وعقل يعشق الخرافات وتفسير الأحلام، ويرفض دراسات الجدوى ويرى أن العلم والتعليم استثمار خاسر ولا يدر أرباحًا.

في العام الانتقالي الذي حكم فيه السيسي وزيرًا للدفاع إلى جانب رئيس المحكمة الدستورية، وبينما تمتلئ الشوارع بالاشتباكات المسلحة والحروب الأهلية المصغرة بين مؤيدي الرئيس عالم الفلزات والجنرال عاشق الأحلام، استيقظ المصريون على أخبار عن مؤتمر صحفي هام للقوات المسلحة ستعلن فيه عن هدية منها لا للمصريين فقط بل للإنسانية جمعاء.

 في هذا المؤتمر ظهر بلباس عسكري شخص عرف نفسه بصفته اللواء دكتور عبد العاطي، أمسك في يده جهازًا يشبه الريموت كنترول يخرج منه أريال TV antenna، ليعلن أن القوات المسلحة ابتكرت هذا الجهاز الذي يمكنه الكشف عن أمراض التهاب الكبد الوبائي والإيدز، من دون الحاجة إلى إجراء تحاليل، فقط بتمرير الجهاز تتحرك “الأنتينا” إذا كان لدى المريض فيروس كبدي أو إيدز.

 أعلن اللواء دكتور عبد العاطي أنه يعكف على جهاز آخر سيقضي على الإيدز والتهاب الكبد الوبائي والأمراض الفيروسية الأخرى. أمام الكاميرات ومختلف محطات وسائل الاعلام شرح أن جهازه سيمكنه عبر الأشعة تفكيك وتكسير بروتين الفيروس، ثم تحويل هذا البروتين إلى غذاء للجسم، أو كما قال “هناخد الفيروس من المريض، أرجَّع له بروتين كباب وكفتة يغذيه ويفيده”.

صمتت المؤسسة الطبية المدنية ولم تعلق، فقبل الإعلان عن الجهاز ببضعة أسابيع، قتلت القوات المسلحة أكثر من ألف شخص في مذبحة ميدان رابعة، وأمام الكاميرات أشعلت القوات خيام المتظاهرين وجثثهم. ومنذ المذبحة وحتى الآن غاب أي مظهر من مظاهر القانون عن أداء الشرطة أو الجيش المصري، وتوسعا في عمليات القتل خارج إطار القانون، والإخفاء القسري، وسجن أى معارض لسنوات من دون محاكمات ولو حتى صورية. تحت سلطان الخوف صمت الجميع، بل صفق بعض الأطباء وأساتذة الجامعة لاختراع القوات المسلحة القادر على تحويل الفيروسات إلى كباب وكفتة.

كنت وقتها أعمل على روايتي الثالثة “والنمور لحجرتي”، والشخصية الرئيسية طبيبة علاج طبيعي في مستشفى عسكري، تكتشف ذات يوم قدرات علاجية خارقة للمسة يدها، فتخوض رحلة للتعافي من طلاقها ومعرفة سبب هذه القدرات المفاجئة، لكن أمام أخبار اختراع اللواء عبد العاطي، بدا الخيال العلمي الذي أكتبه محدودًا جدًّا مقارنةً بالواقع.

ما الذي يمكن أن يصنعه أدب الخيال العلمى في مواجهة سلطة استبدادية تستلهم مشاريعها من الخيال العلمي؟ من “نيوم” في السعودية إلى مشروع “عقل مصر”، يبدي الديكتاتوريون العرب شغفًا غير محدود بجماليات وأدبيات الخيال العلمي، ويستلهمون منها فانتازيا أحلامهم السياسية، التي تصبح كابوس حياة المواطنين.

كيف يمكن لكاتب خيال علمي أن يتعامل مع هذا الواقع أصلًا؟ كيف يمكن أن “تتخيل” في واقع يخرج فيه قادة عسكريون وأطباء جنرالات ليقنعوك بجهاز يلتقط ذبذبات الفيروس، ثم يفكك بروتينه، ويحوله إلى كفتة، وإذا رفضت منطقهم، علمهم، فمصيرك السجن أو القتل؟ ما العلم وما الخيال في واقع كهذا؟

أسئلة مرة أخرى، لذا إليكم مقال أدبي قصير، ففي النهاية يفترض أن تكون هذه مقدمة لكتاب قصصي.

غلاف كتاب +100

أعتقد – وقد تكون هذه مبالغة – أن التصور الخطي عن الزمن هو العمود الفقري للبنية اللغوية للإنجليزية، فكل جملة يجب أن تحدد موقعها بدقة على خط الزمن، المستقبل مثلًا يمكن أن يكون  Simple future tense, Future continuous tense, future perfect tense and the mysteries future perfect continuous tense.

لذا من السهل على كتَّاب ونقاد الإنجليزية تخيل أدب الخيال العلمي كاستشراف للمستقبل، مثلما تقول  Ursula K. Le Guin. لكن للزمن تصورات غير خطية في حضارات أخرى، كأن يكون دائرة مثلًا وكل نهاية/ موت إنما هي انتقال لحياة جديدة، أو فضاء يمكن للماضي والحاضر والمستقبل الاجتماع فيه، مثل حكاية الإسراء والمعراج في التراث الإسلامي، فبعد وفاة زوجة النبي محمد الأولى وعمه، يصاب بحزن شديد حتى يجد أمامه ذات ليلة “البراق”، وهو حيوان أكبر من حمار وأقل من حصان وله جناحين.

على ظهر البراق يسافر النبي إلى القدس، وهناك يجد الأنبياء جميعهم – الذين يفترض أنهم عاشوا وماتوا في الماضي – ينتظرونه ليصلي بهم، ثم بعد الصلاة يصعد مع الملاك جابرييل إلى السماء السابعة، وفي طريقه يشاهد أناسًا يعذَّبون في النار أو يتنعمون في الجنة فيما يفترض أنه المستقبل بعد يوم القيامة، ثم يعود من رحلته إلى فراشه قبل أن يبرد.

في التصور الخطي للزمن هذه القصة مستحيلة، بل تفتقد إلى منطق سردي. لكن في المفهوم الإسلامي فالزمن حيز يعيش داخله الإنسان، أما الملائكة والإله فهم خارج ذلك الزمن، ولذلك فلدى الله القدرة على رؤية الماضي والحاضر والمستقبل مهما كانت أفعال واختيارات البشر الذين يحيون داخل فضاء الزمن، وبقدرته يمكن أن يجتمع الأنبياء الذين ماتوا في الماضي، مع نعيم جنة المستقبل التي يفترض أن تأتي بعد القيامة ونهاية الزمان. ثم بعد انتهاء الرحلة يعود النبي إلى فراشه في مكة في الليلة ذاتها، حتى إن فراشه الذي غادره لم يبرد بعد.

ينعكس هذا التصور للزمن الذي تختص به الثقافة العربية في أدب الخيال العلمي المصري، فواحدة من أوائل الأعمال الرائدة هي “عجلة الأيام” ليوسف عز الدين عيسى، التي صدرت في 1939، وتبدأ بمشهد لزوجين عجوزين يتأملان غروب الشمس حين يلاحظان أنها تتحرك باتجاه الشرق لا الغرب، وأن عجلة الزمن تعود إلى الوراء، فالأمس يصبح غدًا، ولحظة الميلاد تصبح لحظة الموت، والماضي يصبح المستقبل.

إذا وضعنا هذه القصة على مقياس Ursula K. Le guin، لن يمكننا تحديد لحظة المستقبل عن الماضي.

في البدايات الأولى لأدب الخيال العلمي المصري، تتجلى حيرة الكتَّاب المصريين بين التصورات الغربية للزمن والزمن في تراثهم الأدبي، ومن هذه الحيرة ولدت الموجة الأولى لأدب الخيال العلمي المصري كما تتجلى في أعمال توفيق الحكيم (1898- 1987)، مثل “أهل الكهف” التي تستلهم قصة من الميثولوجيا الإسلامية عن ثلاثة دخلوا للنوم في كهف، وحين استيقظوا كان قد مر على العالم 300 عام. يتكرر الأمر في رواية نهاد شريف (1932- 2011) “قاهر الزمن”، إذ يتوصل طبيب ثري إلى التقنية التي يمكنه عبرها تجميد الجسد البشري لسنوات وعقود، حتى تنتصر الإنسانية على كل الأمراض وتصل إلى الخلود، فيعيد إحياء نفسه ومن اختاره ليعيشوا في المستقبل الخالد.

وهب نهاد شريف حياته لأدب الخيال العلمي، وعمل منذ الستينيات صحفيًّا متخصصًا في تغطية الموضوعات العلمية في جريدة أخبار اليوم، ومستشارًا لحكومات عبد الناصر في عدد من المشاريع الإصلاحية، مثل مشاريع القرية النموذجية، ومديرية التحرير، وهي مشاريع طموح هدفت إلى ابتكار مفهوم جديد  للقرية والمجتمع الزراعي في إطار اشتراكي لتعليم الفلاحين وتطوير حياتهم، عبر وضعهم في قرى مهندسة كنموذج مستقبلي لما يجب أن تكون عليه القرية.

تعطلت وتوقفت تلك المشاريع مع حرب 1967 ونهاية مشروع التحرر الوطني والإصلاح الذي قاده جمال عبد الناصر، لكن مع مجيء السبعينيات ظهر جيل جديد من كتَّاب الخيال العلمي، أبرزهم د. مصطفى محمود، ورؤوف وصفي، وصبري موسى، كما أصبحت ثيمات الخيال العلمي جزءًا أساسيًّا من فسيفساء الأدب المصري الحديث، يتطرق لها ويستخدمها كتَّاب لا يصنفون أنفسهم أو أعمالهم كخيال علمي، مثل رواية “شطح المدينة” لجمال الغيطاني (1949- 2015)، “لست وحدك” ليوسف السباعي (1917 – 1978).

لكن انفجار أدب الخيال العلمي المصري وتحوله إلى أدب شعبي بدأ في الثمانينيات، حين نشرت المؤسسة العربية الحديثة إعلانًا تدعو فيه الكتَّاب المهتمين بكتابة أدب الخيال العلمي والقصص البوليسية وأدب الرعب إلى التقدم بمسوداتهم للمؤسسة.

في الأصل كانت المؤسسة العربية الحديثة دار نشر متخصصة في نشر الكتب التعليمية، لكن في عام 1983 نشرت لنبيل فاروق أول عدد من سلسلة رواياته “ملف المستقبل” الموجهة للنشء، وتدور أحداثها في المستقبل مع مغامرات فريق من ضباط المخابرات العلمية المصرية. صدر من سلسلة ملف المستقبل أكثر من مئة كتاب، وكتب نبيل فاروق سلاسل مغامرات وروايات منفردة ذات طابع بوليسي أو خيال علمي، لكن جميعها تميزت بالطابع القومي، فمعظم أبطاله ضباط في جهاز المخابرات، أو ذكور شجعان أذكياء. ومع بداية عقد التسعينيات انضم إلى نبيل فاروق (1956- 2020) كتَّاب آخرون مثل محمد سليمان عبد الملك، ورؤوف وصفي، وأخيرًا د. أحمد خالد توفيق (1962- 2018)، الذي صار من أكثر الكتَّاب العرب مبيعًا وتأثيرًا في الأجيال اللاحقة، وصاحب ألقاب مثل “عراب أدب الخيال العلمي العربي”.

باعت روايات المؤسسة العربية الحديثة ملايين النسخ في أرجاء العالم العربي كافة، وصنعت قاعدة شعبية للآداب النوعية، لكنها خلت من أي أسئلة اجتماعية تخص الجندر أو الجنس أو الدين أو السياسة، بالعكس تمتلئ بالخطابات القومية والأفكار الأخلاقية الرجعية. وبحكم توجهه لجمهور النشء، سعى أحمد خالد توفيق وكتَّاب المؤسسة لتحييد أي أفكار مثيرة للقلق.

فقط في عقده الأخير، تحرر د. أحمد خالد توفيق من المؤسسة العربية الحديثة، وبدأ في نشر روايات موجهة إلى الكبار تميزت بطابعها “الديستوبيا”، مثل روايته “يوتوبيا”، التي تصور فيها مصر مستقبلية يعيش فيها الأغنياء داخل تجمعات سكنية بأسوار عالية، ويُمنع على الفقراء دخولها، بل يعيشون في واقع مزرٍ يسوده الجهل والتلوث ويختفي منه العلم والمنطق والتعليم، في حين يكون العلاج بالأحجية والأدعية. نشر أحمد خالد توفيق روايته عام 2008، وبعدها بثلاث سنوات قامت ثورة 25 يناير، وبعدها بخمس سنوات انقلاب 30 يونيو. حاليًّا يبني السيسي عاصمة جديدة في قلب الصحراء، محاطة بسور ضخم، وخندق لمنع تسلقه، ويحتاج المصريون إلى تذاكر وتصريحات خاصة لدخولها.

في العقدين الأخيرين، حدث انفجار في الآداب النوعية في سوق الكتاب المصري، خصوصًا أدب الرعب والخيال العلمي، سواء عبر مشاريع كتَّاب تخصصوا في كتابة الخيال العلمي فقط، أو كتَّاب صارت الاستعانة بتيمات الخيال العلمي جزءًا أساسيًّا من عالمهم الروائي.

لذا حاولنا في هذه المختارات تقديم كتابات تعكس تنوع المشهد الأدبي المعاصر، لا فقط أدب الخيال العلمي المصري، وساعدنا في هذه التيمة التي تحكم السلسلة +100.

اخترنا دعوة كتَّاب متمرسين في كتابة الخيال العلمي، مثل ميشيل حنا، وكتَّاب معروفين بأعمالهم الواقعية مثل نورا ناجي وعزة سلطان، وآخرين عُرفوا بأعمالهم السياسية والساخرة مثل بلال فضل. كذلك راعينا التنوع الجغرافي، فبعضهم مقيم في القاهرة، وبعضهم خارجها، وآخرون في المنفي خارج مصر. ولأن الأدب المصري لا يقتصر فقط على الأدب المكتوب وبالعربية، وجهنا دعوة إلى كتَّاب مصريين يكتبون بالإنجليزية مثل ياسمين الرشيدي.

تجمع هؤلاء الكتَّاب مصريتهم وتورطهم على نحو أو آخر في ثورة 25 يناير، التي قلبت عالمهم وأعادت تركيبه من جديد.  طلبنا من الكتَّاب المشاركين تخيل مصر 25 يناير لكن بعد مائة عام، لم نضع أي حدود أو إرشادات سوى ضرورة أن تتقاطع القصة مع لحظة مستقبلية هي 25 يناير 2111، فكانت النتيجة قصصًا تقف في المستقبل لكن تستلهم من الحاضر أحلامها وكوابيسها.


[1] Ursula K. Le guin  at the introduction of her novel The left hand of darkness.

[2] DICK, BARBARA,KATHLEEN (2016) Modern Arabic Science Fiction: Science,

لمَن يعلن السيسي عن سجونه الجديدة؟

بحملة إعلانية ضخمة وأغنية شاعرية رومانسية تتحدث عن فرص الحياة، أعلنت مصر عن افتتاح مجمع سجون، قيل أنه الأكبر في مصر والشرق الأوسط، وقيل في مبالغة، ربما الأكبر في أفريقيا، ومن يدري ربما يكون السجن الأكبر في العالم.

في الإعلان الذي يُبث بكثافة في التلفزيونات، تظهر لقطات واسعة مصورة بالـ”درونز” لمجمع السجون من أعلى، تحيطه الحدائق الخضراء التي أصبحت مفقودة في الشوارع المصرية. وعبر لقطات متتابعة تشبه تلك التي تظهر في إعلانات المشاريع العقارية الفخمة، يظهر ما كأنه ديكور لسفينة فضائية أو فيلم من أفلام الخيال العلمي المستقبلية، وفيها أشخاص يفترض أنهم مساجين وهم يمارسون أنشطة غريبة جداً: يعملون في مزرعة دجاج، يجلسون في غرفة موسيقى، يقفون في غرفة حضانة أطفال، يطهون الطعام في مطبخ فاخر مليء بالمعدات الحديثة.

وفي مشهد بليغ يجلس المساجين في غرفة مَرسم، يظهر أحدهم وهو يلون صورة للرئيس عبد الفتاح السيسي كُتب تحتها “تحيا مصر”، كما تظهر لقطات لغرفة مستشفيات مجهزة بأرقى الأجهزة. وفي بداية ونهاية الفيديو، هناك تنويه لا يمكن معه سوى الاستهجان حتى القهقهة إذ يؤكد “أن جميع النزلاء تم تصويرهم بموافقتهم”

بقية المقال متاح على موقع المدن

https://www.almodon.com/media/2021/10/30/%D9%84%D9%85%D9%86-%D9%8A%D8%B9%D9%84%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%B3%D9%8A-%D8%B9%D9%86-%D8%B3%D8%AC%D9%88%D9%86%D9%87-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF%D8%A9

بمناسبة الحوار المحلى والدولى: ثلاث أساليب فهلوة بضينة نتمنى أن تغيرها الأجهزة السيادية

من الواضح أن فيه بعض المسئولين في دوائر صناعة القرار المصرية خصوصا اللى على صلة بملفات خارجية قدروا يقنعوا السيد الرئيس بضرورة زحزحة الامور قليلا ولو بالتظاهر بالجري في المكان. في محاولة لتحسين الصورة الخارجية للبلد واقناع الراعي الأمريكى يحبنا شوية أو يرد على التليفون زى ما بيرد على تليفونات اردوغان، وتميم قطر، واسرائيل

شفنا مؤخراً جلسات حوار واستراتيجيات حقوق انسان، بل لأول مرة منذ سنوات فتحت قنوات حوار شبه رسمية بين ناس قدمت نفسها كمبعثين وممثلي لاجهزة وجهات وشخصيات معارضة  في الداخل والمنفي. عدد من منظمات المجتمع المدني أطلقت مبادرة السبع خطوات، والناس بتحاول على كذا اتجاه، وأى جهد يساهم في الافراج ولو عن شخص واحد من سجون السيسي أو تحسين ظروف سلخانات التعذيب ومقابر طرة فالناس مشكورة، وربنا يوفق الجميع.

لكن مع كل جولة مفاوضات أو انفتح افق حوار بنشوف تكرار في استراتيجيات الأجهزة، وبيدخلونا في نفس اللفة بتاعت ودنك منيين  يا جحا، وعايز اتوقف شوية عند عدد الاستراتيجيات والتكنيكات المكررة دى، واللى بقت مملة وتفقع وكفاية سخافة بقي حقيقي:

-معلهش أصل انا مجنون، و25 يناير لسه بتحرق طيزى

وهى الاستراتيجة الأولى في اى اجتماع او حوار بالذات من بعد 2016. وهنا بتلاقي الضابط أو المسئول بيعلن صراحة من البداية أنه مجنون، أو يقول لك معلهش معانا ضباط أو أجهزة مجانين، وخايفين يغلطوا أو يتكرر اللى حصل في 25 يناير، وبتحركهم شهوة الانتقام. وبالتالى بيطلب مننا احترام جنونه وان معاه شهادة معاملة اطفال..

علاء ومنى صورة زى ما هو واضح متلطخة بالعلامة المائية لجرنان إبراهيم المعلم

التجلى الاوضح للتكنيك دا، لما تطرح أسماء محددة من ناس بتموت في السجن بلا قضايا أو محاكمات، فيكون الرد، لا معلهش مش هنطلع فلان علشان من حوالى 8 سنين كان ماشى في مظاهرة بتقول الداخلية قتلة، أو فلان لا، علشان ابوه الله يرحمه مرة رد على السيسي وحش ولبسه جامد في قضية كشوف العذرية من عشر سنين.

الموضوع دا بقي ماسخ جدا يا جماعة، بل وعيب. عيب لما ممثلين لأجهزة سيادية بل ممثلين للرئاسة يعملوا اجتماعات برا وجو وقصاد مسئولين أجانب ولما يتسألوا عن ملفات وأسماء محددة فيقولوا “معلهش أصل ضابط الامن الوطنى اللى ماسك ملف كذا عصبي شوية”. طيب أنتم جايين ليه طيب؟ واذا كان الخواجة هيصدق الكلام دا؟ هل متوقع أن أنا أو غيرى من المصريين نصدق أن سلطة مفتش مصلحة السجون أعلى من سلطة ضابط في جهاز المخابرات؟ وهل معقول مثلا أصدق، أن كل الأجهزة معندهاش مشكلة مع فلان، بس السيكوباتى التافه أبو شخة أحمد فكري ضابط السجون، أقوى من أجهزة الدولة ومحدش يقدر يتدخل في قراراته جو السجن؟ وليه الدولة تعند على نفسها وتتمسك بناس مش بيجى من وراهم غير الخساير زى أحمد فكري، وصل أن اسمه وتاريخ ميلاده بل وعنوانه بقي موجود في سجل انتهاكاته الموثقة عند كل منظمات حقوق الانسان الدولية… ايه مصدر ميتين قوة واحد مجنون زى فكرى خرا دا، مناسب السيسي مثلا، هل أعز مثلا من رؤساء الاركان واللواءات اللى السيسي لبسهم الجلابية لما غلطوا؟

وإذا كان حضراتكم كلكم حمائم سلام وأذكياء ونبهاء، هل معقول ترك المساحة دى كلها للضباط المجانين يمارسوا سلطاتهم بدون حساب وبدون أوامر زى ما بتدعوا؟ طيب ما كلنا اللى بندفع ثمن الأخطاء دى؟ يعنى مثلا بسبب كام ضابط جاهل ومجنون من كام سنة خطفوا ريجينى وعذبوه وقتلوه، شوف احنا دفعنا حتى الآن كام مليار رشاوى وصفقات سلاح علشان نسكت ايطاليا واوروبا، وشوف خسرنا الدعم الايطالى والاوروبي ومنظرنا دوليا، ودلوقتى قاعدين نعيط علشان مفيش حد واقف معانا في موضوع اثيوبيا… كل دا غلطة ضباط في جهازين معاهم شهادة معاملة أطفال، ومكانهم المناسب سيكورتى في جنينة مول مش شغالين في جهاز أمنى المفروض يعين ويساعد القيادة السياسية مش يخلق لها مشاكل ويحملها بأعباء.

-والله ما أنا، دى أختى منى في الجهاز الثانى

اللعبة المكررة، وهى أنك تسأل حد عن ملف معين فيقول لك مش تبعى تبع فلان في الجهاز الثانى. بل شخصيا أنا ومش هقول حد قال لي، بل اتقالت في وشى في اجتماعات مع ضباط في الأمن الوطنى ومع ناس بتشتغل في أجهزة سيادية فيما يخص قضيتى، كانوا يقولوا لى، لا احنا مفيش مشكلة معاك. بس فيه حد في المكتب الفنى للنائب العام موصي عليك، وكمان حد من الاربعة الكبار. دايما طبعا فيه الاربعة الكبار أو الستة العظماء، أو الخمسة المهمين.

التكنيك دا يا جماعة أولا مش بياكل خالص مع الناس برا. لأنه فاهمين كويس ان دا بلد عسكري ديكتاتورى السلطة فيه هرمية، وأن القرار النهائي والأعلى هو السيسي شخصيا، واللى هو شخص السلطة بالنسبة له ممارسة فعلية يومين، ولازم يتدخل في كل حاجة، لدرجة لون جدران المساكن اللى بتبنيها الدولة عايز هو اللى يختاره.

تصدير خرافة أن فيه صراع أجهزة، وأن الأجهزة دى ليها رأى وصوت مش بس غير مقنع لحد، لا كمان دى بيدى صورة عن الدولة أنها مترهلة مفككة مخترقة، ومحزن جدا أن الواحد يروح لقاءات واجتماعات مع أجانب وعرب، ويسمع مسئولين من دول عربية يتكلموا بفخر عن أجهزة سيادية مصرية بصفتها “تبعهم”.

-بكرة انشاء الله

ودى طبعا اقدم تكنيك في دولاب الدولة المصرية بتاع فوت علينا بكرة. أنا عارف أن فيه ناس فوق شايفين أن مفيش حاجة اتغيرت في العالم وأن عادى نكمل زى امبارح، والامريكان دول ناخدهم نفسحهم ونعمل حركات من نوع استراتيجية حقوق الانسان، بل وايه دا احنا ممكن نرجع المجلس القومى لحقوق الانسان، والمساجين نخرجهم من السجن بعدها بشهر نعمل قضية ونسجنها ثانى، وان خلينا كدا نجري في مكانا ثلاث سنين على ما الانتخابات تحصل وتجى ادارة جديدة.

ربنا يزيدهم فكاكة وفهلوة، بس الساعة بتدق تك تيك تك تيك. وإذا كانت القيادة السياسية والسيسي مبسوط انه كل ما يعوز يكلم الامريكان لازم يخلى ابن امبارح بنيت بتاع اسرائيل يتوسط له. فبنيت وإسرائيل مش هتنقذك في موضوع اثيوبيا. وفي وضعك الحالى أمريكا عمرها ما هتقف معاك مثلا ضد حبيب القلب اردوغان، وانت قيمتك الاقليمية وما تقدمه دوليا لا يساوى ربع ما فعلته دولة كقطر في ملف افغناستان.

الجهة الوحيدة اللى ممكن تقف معاك وتسندك وتستمد منها قوة، هو المصريين أنفسهم والشعب دا. سواء اللى في السجون أو المنفي أو محتجزهم ممنوعين من السفر. وطول ما رجلك على رقبة الناس ومش عارفه تتنفس مش هيفضل عندك غير المخبرين اللى بيقبضوا بالريال والدرهم اللى انت نفسك لا تثق فيهم وعارف انهم لا عندهم شرف ولا وطنية ولا ولاء، وهتفضل أنت شخصيا كل ملف محتاج واسطة ومحتاج الشيخ فلان يتوسط لك. انت بقيت بتبذل مجهود وتفرك علشان تاخد قرار بتصويت من الامم المتحدة او من الاتحاد الافريقي وحتى دا معدتش عارف تعرفه.

قصروا الطريق على نفسكم وعلينا، وبصوت شفيقة الاسكندرانية، يا حلو قول على طبعك وانا امشى عليه، وأنتم اللى في موقع قوة وكل الخيوط في ايديكم، وكل السلطة والفلوس معاكم، بس نتمنى تعرفوا عايزين تعملوا ايه مش هنقضيها بقية العمر نبنى كباري ونرمى اسمنت في الصحرا

تاريخ الحفر على الناشف

 

Mamluk_Muhammad_b_Qalawun_copper_fals_1310_1341
فلس نحاسي من عهد السلطان قلاون

 

موضوع الحفر على الناشف دا طلع تاريخيى، ابن إياس بيحكى عن كيفية بناء بيمارستان (مستشفي) الناصر قلاوون.
فبيقول أن السلطان تغيير خاطره على الناس (صحى متضايق يعنى) فأمر المماليك أن يعملوا السيف في الناس (يعنى شغل قانون الطوارئ ونزل امناء الشرطة والجيش يضربوا نار ويهدوا البيت ويعملوا اللى هما عايزينه زى ما احنا شايفين وعايشين لنا خمس سنين). وبعدين صعد العلماء والمشايخ للسلطان ورجوه ان يخف ايده ويهد اعصابه،
فبعد شوية ندم وقرر يبنى المارستان ويوهبه للناس، فوكل الأمير سنجر ( كامل الوزير) بأنه يبنى المارستان، فراح صادر دار عامرة، وامر جميع الصناع والحرفيين بانهم يشتغلوا في بناء المارستان، لدرجة ان اى رجل كان بيعدى عليهم وهم شغالين كان لازم يجبروه ينزل من على فرسه ويساعد معاهم حتى لو هيرفع حجر
أو كما يقول ابن إياس:
” وعابوا علي المارستان لكثرة عسف الناس في عمله، وذلك أنه لما وقع اختيار السلطان على عمل الدار القطبية مارستانًا، ندب الطواشي حسام الدين بلالًا المغيثي للكلام في شرائها، فساس الأمر في ذلك حتى أنعمت مؤنسة خاتون ببيعها، على أن تعوض عنها بدار تلمها وعيالها، فعوضت قصر الزمرد برحبة باب العيد مع مبلغ من المال حمل إليها. ووقع البيع على هذا، فندب السلطان الأمير سنجر الشجاعي للعمارة، فأخرج النساء من القطبية من غير مهلة، وأخذ ثلاثمائة أسير، وجمع صناع القاهرة ومصر وتقدم إليهم بأن يعملوا بأجمعهم في الدار القطبية، ومنعهم أن يعملوا لأحد في المدينتين شغلًا وشدد عليهم في ذلك، وكان مهابًا، فلازموا العمل عنده، ونقل من قلعة الروضة ما احتاج إليه من العمد الصوان والرخام والقواعد والأعتاب والرخام البديع وغير ذلك. وصار يركب إليها كل يوم وينقل الأنقاض المذكورة على العجل إلى المارستان، ويعود إلى المارستان فيقف مع الصناع على الأساقيل حتى لا يتوانوا في عملهم، وأوقف مماليكه بين القصرين، وكان إذا مر أحد ولو رجل ألزموه أن يرفع حجرًا ويلقيه في موضع العمارة، فينزل الجندي والرئيس عن فرسه حتى يفعل ذلك، فترك أكثر الناس المرور هناك. “
تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ