بمناسبة الحوار المحلى والدولى: ثلاث أساليب فهلوة بضينة نتمنى أن تغيرها الأجهزة السيادية

من الواضح أن فيه بعض المسئولين في دوائر صناعة القرار المصرية خصوصا اللى على صلة بملفات خارجية قدروا يقنعوا السيد الرئيس بضرورة زحزحة الامور قليلا ولو بالتظاهر بالجري في المكان. في محاولة لتحسين الصورة الخارجية للبلد واقناع الراعي الأمريكى يحبنا شوية أو يرد على التليفون زى ما بيرد على تليفونات اردوغان، وتميم قطر، واسرائيل

شفنا مؤخراً جلسات حوار واستراتيجيات حقوق انسان، بل لأول مرة منذ سنوات فتحت قنوات حوار شبه رسمية بين ناس قدمت نفسها كمبعثين وممثلي لاجهزة وجهات وشخصيات معارضة  في الداخل والمنفي. عدد من منظمات المجتمع المدني أطلقت مبادرة السبع خطوات، والناس بتحاول على كذا اتجاه، وأى جهد يساهم في الافراج ولو عن شخص واحد من سجون السيسي أو تحسين ظروف سلخانات التعذيب ومقابر طرة فالناس مشكورة، وربنا يوفق الجميع.

لكن مع كل جولة مفاوضات أو انفتح افق حوار بنشوف تكرار في استراتيجيات الأجهزة، وبيدخلونا في نفس اللفة بتاعت ودنك منيين  يا جحا، وعايز اتوقف شوية عند عدد الاستراتيجيات والتكنيكات المكررة دى، واللى بقت مملة وتفقع وكفاية سخافة بقي حقيقي:

-معلهش أصل انا مجنون، و25 يناير لسه بتحرق طيزى

وهى الاستراتيجة الأولى في اى اجتماع او حوار بالذات من بعد 2016. وهنا بتلاقي الضابط أو المسئول بيعلن صراحة من البداية أنه مجنون، أو يقول لك معلهش معانا ضباط أو أجهزة مجانين، وخايفين يغلطوا أو يتكرر اللى حصل في 25 يناير، وبتحركهم شهوة الانتقام. وبالتالى بيطلب مننا احترام جنونه وان معاه شهادة معاملة اطفال..

علاء ومنى صورة زى ما هو واضح متلطخة بالعلامة المائية لجرنان إبراهيم المعلم

التجلى الاوضح للتكنيك دا، لما تطرح أسماء محددة من ناس بتموت في السجن بلا قضايا أو محاكمات، فيكون الرد، لا معلهش مش هنطلع فلان علشان من حوالى 8 سنين كان ماشى في مظاهرة بتقول الداخلية قتلة، أو فلان لا، علشان ابوه الله يرحمه مرة رد على السيسي وحش ولبسه جامد في قضية كشوف العذرية من عشر سنين.

الموضوع دا بقي ماسخ جدا يا جماعة، بل وعيب. عيب لما ممثلين لأجهزة سيادية بل ممثلين للرئاسة يعملوا اجتماعات برا وجو وقصاد مسئولين أجانب ولما يتسألوا عن ملفات وأسماء محددة فيقولوا “معلهش أصل ضابط الامن الوطنى اللى ماسك ملف كذا عصبي شوية”. طيب أنتم جايين ليه طيب؟ واذا كان الخواجة هيصدق الكلام دا؟ هل متوقع أن أنا أو غيرى من المصريين نصدق أن سلطة مفتش مصلحة السجون أعلى من سلطة ضابط في جهاز المخابرات؟ وهل معقول مثلا أصدق، أن كل الأجهزة معندهاش مشكلة مع فلان، بس السيكوباتى التافه أبو شخة أحمد فكري ضابط السجون، أقوى من أجهزة الدولة ومحدش يقدر يتدخل في قراراته جو السجن؟ وليه الدولة تعند على نفسها وتتمسك بناس مش بيجى من وراهم غير الخساير زى أحمد فكري، وصل أن اسمه وتاريخ ميلاده بل وعنوانه بقي موجود في سجل انتهاكاته الموثقة عند كل منظمات حقوق الانسان الدولية… ايه مصدر ميتين قوة واحد مجنون زى فكرى خرا دا، مناسب السيسي مثلا، هل أعز مثلا من رؤساء الاركان واللواءات اللى السيسي لبسهم الجلابية لما غلطوا؟

وإذا كان حضراتكم كلكم حمائم سلام وأذكياء ونبهاء، هل معقول ترك المساحة دى كلها للضباط المجانين يمارسوا سلطاتهم بدون حساب وبدون أوامر زى ما بتدعوا؟ طيب ما كلنا اللى بندفع ثمن الأخطاء دى؟ يعنى مثلا بسبب كام ضابط جاهل ومجنون من كام سنة خطفوا ريجينى وعذبوه وقتلوه، شوف احنا دفعنا حتى الآن كام مليار رشاوى وصفقات سلاح علشان نسكت ايطاليا واوروبا، وشوف خسرنا الدعم الايطالى والاوروبي ومنظرنا دوليا، ودلوقتى قاعدين نعيط علشان مفيش حد واقف معانا في موضوع اثيوبيا… كل دا غلطة ضباط في جهازين معاهم شهادة معاملة أطفال، ومكانهم المناسب سيكورتى في جنينة مول مش شغالين في جهاز أمنى المفروض يعين ويساعد القيادة السياسية مش يخلق لها مشاكل ويحملها بأعباء.

-والله ما أنا، دى أختى منى في الجهاز الثانى

اللعبة المكررة، وهى أنك تسأل حد عن ملف معين فيقول لك مش تبعى تبع فلان في الجهاز الثانى. بل شخصيا أنا ومش هقول حد قال لي، بل اتقالت في وشى في اجتماعات مع ضباط في الأمن الوطنى ومع ناس بتشتغل في أجهزة سيادية فيما يخص قضيتى، كانوا يقولوا لى، لا احنا مفيش مشكلة معاك. بس فيه حد في المكتب الفنى للنائب العام موصي عليك، وكمان حد من الاربعة الكبار. دايما طبعا فيه الاربعة الكبار أو الستة العظماء، أو الخمسة المهمين.

التكنيك دا يا جماعة أولا مش بياكل خالص مع الناس برا. لأنه فاهمين كويس ان دا بلد عسكري ديكتاتورى السلطة فيه هرمية، وأن القرار النهائي والأعلى هو السيسي شخصيا، واللى هو شخص السلطة بالنسبة له ممارسة فعلية يومين، ولازم يتدخل في كل حاجة، لدرجة لون جدران المساكن اللى بتبنيها الدولة عايز هو اللى يختاره.

تصدير خرافة أن فيه صراع أجهزة، وأن الأجهزة دى ليها رأى وصوت مش بس غير مقنع لحد، لا كمان دى بيدى صورة عن الدولة أنها مترهلة مفككة مخترقة، ومحزن جدا أن الواحد يروح لقاءات واجتماعات مع أجانب وعرب، ويسمع مسئولين من دول عربية يتكلموا بفخر عن أجهزة سيادية مصرية بصفتها “تبعهم”.

-بكرة انشاء الله

ودى طبعا اقدم تكنيك في دولاب الدولة المصرية بتاع فوت علينا بكرة. أنا عارف أن فيه ناس فوق شايفين أن مفيش حاجة اتغيرت في العالم وأن عادى نكمل زى امبارح، والامريكان دول ناخدهم نفسحهم ونعمل حركات من نوع استراتيجية حقوق الانسان، بل وايه دا احنا ممكن نرجع المجلس القومى لحقوق الانسان، والمساجين نخرجهم من السجن بعدها بشهر نعمل قضية ونسجنها ثانى، وان خلينا كدا نجري في مكانا ثلاث سنين على ما الانتخابات تحصل وتجى ادارة جديدة.

ربنا يزيدهم فكاكة وفهلوة، بس الساعة بتدق تك تيك تك تيك. وإذا كانت القيادة السياسية والسيسي مبسوط انه كل ما يعوز يكلم الامريكان لازم يخلى ابن امبارح بنيت بتاع اسرائيل يتوسط له. فبنيت وإسرائيل مش هتنقذك في موضوع اثيوبيا. وفي وضعك الحالى أمريكا عمرها ما هتقف معاك مثلا ضد حبيب القلب اردوغان، وانت قيمتك الاقليمية وما تقدمه دوليا لا يساوى ربع ما فعلته دولة كقطر في ملف افغناستان.

الجهة الوحيدة اللى ممكن تقف معاك وتسندك وتستمد منها قوة، هو المصريين أنفسهم والشعب دا. سواء اللى في السجون أو المنفي أو محتجزهم ممنوعين من السفر. وطول ما رجلك على رقبة الناس ومش عارفه تتنفس مش هيفضل عندك غير المخبرين اللى بيقبضوا بالريال والدرهم اللى انت نفسك لا تثق فيهم وعارف انهم لا عندهم شرف ولا وطنية ولا ولاء، وهتفضل أنت شخصيا كل ملف محتاج واسطة ومحتاج الشيخ فلان يتوسط لك. انت بقيت بتبذل مجهود وتفرك علشان تاخد قرار بتصويت من الامم المتحدة او من الاتحاد الافريقي وحتى دا معدتش عارف تعرفه.

قصروا الطريق على نفسكم وعلينا، وبصوت شفيقة الاسكندرانية، يا حلو قول على طبعك وانا امشى عليه، وأنتم اللى في موقع قوة وكل الخيوط في ايديكم، وكل السلطة والفلوس معاكم، بس نتمنى تعرفوا عايزين تعملوا ايه مش هنقضيها بقية العمر نبنى كباري ونرمى اسمنت في الصحرا

أحب الواسطة وأكره الطوابير، لكنى فقير

لا نري الطوابير في لوحات عصر النهضة، ولا توجد أدلة على وجود الطوابير لدى الرومان أو الاغريق. في مدينة العمال بهضبة الأهرامات، عثرنا على سجلات دقيقة حول أجور العمال ونظامهم الغذائي وحصص الطعام والبيرة التي توزع عليهم.. يا للعجب بدون طوابير.

في مقالة جيمى لورين كيلز عن التاريخ الاجتماعي الطوابير، يسجلون أن أول ذكر للطوابير يرد في كتاب توماس كارلي  عن تاريخ الثورة الفرنسية، حين رصد هذا المشهد الغريب بالنسبة له، حيث وقف الناس في صفوف أمام مخابز باريس لشراء الخبز.

 من رحم الثورة، والتمرد، ولدت الطوابير.

الطابور هو تظاهرة لتأكيد المساواة بين البشر، لذا فالثورة التي قطعت رؤوس الاقطاعيين، وألغت الألقاب المالكية، ونادت بالمساواة والأخوة، وجدت في الطابور إعلاناً واضحاً عن مبادئها، وسلوكاً تدريبياً لمواطنيها على قيم وقوانين العهد الجديد.

قبل ذلك كانت فكرة الطوابير شبهه مستحيلة، بل وضد قوانين الطبيعة في نظر الكثيرين. فكيف مثلا للكونت أن يقف في طابور مع الفلاحين؟ أو أن يسبق العبد الشيخ الأزهري في الطابور.

Alex Gross

البناء الهرمى للمجتمعات القديمة، والدول الملكية والإقطاعية يفرض ترتيباً هرميا للبشر علي حسب مكانتهم الاجتماعية، والعرقية، والدينية، وبالتالي لا يمكن المساواة بين رأس الهرم وأسفله أو أن يقف الاثنين في صف واحد.

تزايدت الطوابير بداية من القرن التاسع عشر مع الثورة الصناعية وبنيان الدولة الحديثة. معظمها طوابير العمال، أما السادة فيدخلون من باب خلفي.

مع بداية القرن العشرين لم تعد الطوابير مشهداً غريباً، بل أصبحت المشهد المنشود. المساواة التامة، كلنا في الطابور واحد، بلا باب خلفي للسادة، ومع بداية القرن الواحد وعشرين أصبحت الطوابير دلالة على الاحترافية والنظام والفاعلية حتى لو لم تتصف بكل ذلك.

أنا كرهت الطوابير طوال حياتى منذ الطفولة وحتى الآن. أول ذكري عن الألم تقبع في باطن قدمى، كنت طفلاً لم اتجاوز الثالثة، وكانت أمى تصحبنى معاها أحياناً لإنجاز بعض المعاملات الحكومية حيث الوقوف لساعات في طوابير متتالية في الشمس، وكنت دائماً اتألف من الوقوف على قدمى. حتى بعد دخول المدرسة، فقرة العذاب اليومية كانت  طابور الصباح، وحياتى المدرسية ليست إلا محاولة للهروب من هذا الطابور.

في المرحلة الثانوية، عرفت أنى أعانى من القدم المسطحة/ فلات فوت. وبالتالى الوقوف لفترات طويلة فعلا غير صحى، وكان هذا بداية تهريبي الأبدى من الطوابير الذي أوقعنى في شرك حب الواسطة والمحسوبية.

لكن مهما حاولت، كنت دائماً أفشل في الهروب منها، لأن كل محاولاتي للبحث عن واسطة تنقذينى وتحمينى لم تكن تكلل بالنجاح. اضطررت كثيراً للتعامل مع الطوابير  كقدر لا مهرب منه، براز من مخرجات الحداثة يتواجد في النظم الاشتراكية والرأسمالية، لا علاج له مثل حساسية الجيوب الانفية في الربيع، وآلام البواسير بعد تناول الطعام الحار، رد فعل للزيادة السكانية وشح الموارد.

ثم انتقلنا إلى الحياة في أمريكا منذ بضعة سنوات، لأجد مستوى آخر من الطوابير منجز أمريكى فريد حيث تقف في الطابور من أجل الحصول على تذكرة في طابور آخر. كأن تدخل مصلحة حكومية أو معمل تحاليل فتجد طابوراً طويلا، وحين تصل إلى نهايته يعطيك الموظف رقماً، لكي تجلس وتنتظر دورك في طابور افتراضي آخر.

العشق الأمريكى للطوابير غريب وفريد من نوعه، حتي أنهم لا يجدون في الأمر غرابة حين يرتدون أفخم الملابس ويخرجون للسهر ليلاً، ويقضون ساعة وأكثر واقفين في الطابور يحملون البيرة في أيديهم، والحماسة والسعادة تسيطر عليهم منتشين بالسهر في الطابور.

* **

بعد ثورة يناير 2011 في مصر، انتشرت مجموعة من الدعوات والمنشورات الترويجية رسالتها، أن مصر تحررت بعد الثورة وأصبحت بلدنا كلنا لذا لابد أن نحافظ عليها، وذلك بالالتزام بالقوانين، فلا إلقاء للزبالة في الشارع، ولا كسر لإشارة المرور، ولا تجاوز للدور في الطابور. وحين بدأت مسيرة الفعاليات الانتخابية، كانت صور الطوابير الطويلة للناخبين هي أكثر الصور تداولاً للدلالة على التغيير الذي تمر به البلاد، حيث يقف الناخبون في نظام وصبر لساعات طويلة، لا من أجل شراء رغيف الخبز كما في الثورة الفرنسية بل من أجل التصويت في الصندوق الانتخابي.

قانون الطوابير التاريخى ينص على ظهورها مع الثورات، و ترسخها وتوسعها في ظل الممارسات الديموقراطية.

لم تطل مرحلة “الممارسات الديمقراطية” في مصر إلا لعامين، لنعود بعد 2013 إلى فساد النظام العسكري الديكتاتوري المصري، حيث عشرين جنية، أو رشوة بسيطة تجعلك تتجاوز من يسبقونك في الطابور، أما إذا كان معك “واسطة” فلن تقف في الطابور وستدخل من باب السادة الخلفي.

الواسطة، هي يد تمتد من أعلى الهرم، لانتشالك من الطابور لتفتح لك باب السادة. لكنها لا تضمن لك الصعود إلى أعلي، هي مجرد يد تفتح باب خفي ثم تخرجك مرة آخري إلى طوابير المساواة في الفقر والانتظار والرجاء، حتى تظل إلى الأبد في حاجة لها، هكذا يحكم السادة، بفرض الطوابير والقوانين وامتلاك القدرة على استثناء الأخرين منها.

** *

مع ذلك فالواسطة ليست مجرمة في كل الحالات، ففي أحيانا كثيرة تباع الواسطة كامتياز شرعي. مثلا تذهب لتجديد جواز السفر فتجد ثلاث أسعار، واحد لإصدار الجواز خلال عشرة أيام، ثانى أغلى لإصداره خلال ثلاثة أيام، وثالث لتحصل على جواز سفرك في ذات اليوم. في أمريكا نفس الشيء، حيث هناك دائماً طابور الـ vip.

لم تعد مشكلة الواسطة في زمننا أنها نقيض للمساواة، للأخوة بين المواطنين في طابور الخبز بعد الثورة الفرنسية. بل لأنها تسمح بتسريب المال خارج دائرة النظام. وفي النظم الإدارية المحكمة فالمهم هو هذا المال المسرب لا القوانين والمساواة، لذلك كان الحل في شرعنة الواسطة من خلال طابور الخدمة المميزة، بحيث تدخل أموال رشاوى الواسطة إلى جيوب النظام.

الواسطة ليست مهمة لمن هم في الأسفل لتساعدهم على تجاوز صعوبات النظام والحياة، بل مهمة كذلك لمن هم في الأعلى لأنها مصدراً للدخل ولتأكيد نفوذهم وسلطانهم، حتى أنها في بلدان كاملة الفساد وهرمية الإدارة والحكم كمصر تصبح الواسطة أسلوب إدارة لكل شيء.

 يستحيل أن يحيا المرء حياته في مصر بدون واسطة، بل أن أول خطوة لإنجاز أى معاملة هي البحث عن “واسطة”، من التقديم لابنك في المدرسة، إلى الحصول على رخصة قيادة السيارة، إلى التعيين في الوظائف الهامة أو التافهه.

الواسطة في مصر هي نسيج اجتماعي، ونظام سياسي راسخ لدرجة أنه لا يعتبر فساد. بل أن وزراء العدل والقضاة المنوط بهم تنفيذ القوانين يعلنونها صريحة كل فترة مثلا أن تعيين أبناء القضاة لن يتوقف، وأنهم لا يمكن أن يقبلوا قضاة ليسوا من عائلات قضائية أو من أصول فقيرة أو متواضعة.

 بدون الواسطة أصلاً لا يمكن أن تصبح قاضياً في مصر فما بالك ببقية الوظائف والمهن.

** *

يتكيف المرء مع الواسطة كما يتكيف مع التغيرات المناخية، حتى لو كره حساسية الربيع. لا مهرب من الواسطة في مصر حتى لو أردت الحياة في الظل، ورضيت بموقعك في الأسفل. فهناك عدالة اجتماعية في توزيع الواسطة ومهما كان ما تفعله ضئيلاً وهامشياً ستجد مسار يجبرك على الاستجداء بالواسطة.

بعد خروجى من السجن عام 2016، ضاقت فرص الحياة والعمل في مصر، وبدا واضحاً أنه لا مهرب سوي الخروج، لكن حين اتجهت للمطار تفاجأت بالمنع من السفر. ظللت لأكثر من عامين أجرب كل الطرق القانونية، ووقفت في كل الطوابير لمعرفة الحجة القانونية لمنعي من السفر أو رفعه، لكن لم أوفق. حينها بدأت مسير التذلل الأكثر إهانة في حياتى كلها.

لعام ونصف تقريباً، كنت حرفياً أكلم طوب الأرض، من أجل المساعدة في رفع الحظر عن السفر. البعض يتهرب، البعض يعد، البعض يخبرنى أنه حاول لكن الموضوع صعب. سافرت إلى محافظات آخري لكي ألتقي بأشخاص في قري ريفية لكن لديهم قرابة أو علاقة مع ضباط في المخابرات، هؤلاء كانوا أكثر احترافية، تخبرهم بتفاصيل قضيتك والمسألة، ثم تقابلهم بعد أسبوع، يخبرك أن قريبه يعمل مع الراجل الثاني أو الثالث في الجهاز، والصفقة كالتالى عشرة آلاف دولار مقابل أن يسلمك لشخص أو جهة تهربك بريا عبر الحدود من مصر إلى السودان، ومن هناك يمكنك أن تسافر أينما أردت.

إذا لم تمتلك المال اللازم كحالتى فلا صفقة لاتمامها، ولا يمكن للواسطة أن تمد يدها إليك، لكن يمكنك إهداء موبايل آيفون لضابط، لكي يدبر لك مقابلة مع ضابط في أمن الدولة ليسمع منك لماذا ترغب في السفر؟ لا ضمانات في هذه الحالة، حوالى ألف دولار لكي تذهب لمقر الأمن الوطنى وتجلس لتشكو حالك لمدة عشرين دقيقة لضابط الأمن الوطنى، وفي هذا اللقاء عليك أن تكذب، وتدعى، وتمارس كل الحيل لتثبت أنك مواطن صالح مؤيد للنظام لا ضرر أو خوف منه، كما عليك أن تخاطب الانساني داخل الضابط، فتروى عن ظروفك الصعبة وزوجتك الحامل وحيدة في برد “سيراكيوز” في نيويورك، تحرك وتحرق كل كروتك، علك تناول رضا الضابط فيصبح واسطتك.

في كل مرة تقف فيها في الطابور وتنظر لأعلى تستجدى بالواسطة، فهناك شعور مهين يترسخ داخلك، مهما حاولت التظاهر بالكرامة والشمم، ففي كل مرة تستعين بالواسطة يمر المرء عبر ممر واطيء يجبرك سقفه على الانحناء، هذه هي مذلة وذل الواسطة.

* **

في أمريكا لا تنتشر الواسطة رغم انتشار الطوابير وذلك لأن البلد قفز من الاقطاعية لمابعد الحداثة دون ثورات أو إعادة توزيع للثروة، بالتالى فرغم أننا جميعاً نقف في الطابور، لكن أمام شباك المعاملة، أمام بندقية الشرطى لا يتساوى السيد الأبيض، بالمواطن الأسود، بالمهاجر الحديث الذي خرجه لتوه بالقارب. ثم إذا أردت أن تتجاوز الطابور فيمكنك أن تدفع ألف دولار لتدخل مباشرة من باب الـ VIP.

 الامتيازات العرقية في أمريكا فوق الواسطة، كما أن تكاليف الواسطة مرتفعة الأمر الذي يجعلها حكراً فقط علي الأثرياء جداً، كأنك تكون رئيس للجمهورية مثل ترامب فلا تدفع ضرائب سوي 800 دولار، أو متزوج من بنت رئيس الجمهورية فيصدر عفواً عنك يحميك من المحاكمة عن أى فعل ارتكبته.

بينما عشت حياتى السابقي داخل نظام قائم على الواسطة، يضمن للجميع توفير الواسطة المناسبة لامكانياته، ففي أمريكا لا توجد عدالة اجتماعية في توزيع الواسطة بل تظل حكراً علي أغنى الأغنياء فقط. مما يحرمنى من حق الواسطة مثلي مثل غير من الفقراء الذين نطالب بالعدالة.

كرنب الثور يا حبيبي- مقطع من رواية #والنمور_لحجرتي

  انحدرت فرح في المُقَارنة بينها وبين مي كامل، شخصيتها المنطوية التي تكره البهرجة والادعاء الفني، وشخصية مي مُعجزة السينما التي يصفق لها الجميع. وجهها الغارق دائمًا في المكياج، وفرح التي تستمتع بطلاء الأظفار لكنها لا تطيق المكياج الكثيف على وجهها. عائلة فرح المحافظة التي وقفت ضد ارتباطها بأحمد، وعائلة مي الفنية الشهيرة. فبابا هو من أنتج لمي أول فيلم لها، وبابا وأصحابه هم من مولوا لها أول مسلسل. ليس التعريص الفني هو ما يضايقها في اتجاهات مي الفنية، بل هذا الادعاء والمباشرة الخطابية التي تقدم بها أفلامها ومسلسلاتها، كأنها صلاة للغباء وتهجد لآلهة القيم المزيفة. ثم الاحتفاء المبالغ بأعمالها والتصفيق لها باعتبارها وجهًا نسويًّا ثوريًّا وشابًّا، في حين لا ترى فرح في أعمالها سوى النمطية العبيطة والشعارات المسروقة، حيث النسوية لأمثال مي كامل تتمثل في النجاح الفردي، ولوم النساء الأخريات لأنهن لا يتوقفن عن الشكوى بدلاً من العمل، لكي ينجحن ويحصدن الجوائز مثلها. أمثال مي يستفزونها وتكرههم، ليس لأنهم معرصين ولا يرون أن نجاحهم المزيف بسبب التعريص، بل لأنهم مجرمون يلومون الآخرين لأنهم لم يختاروا التعريص والشرمطة مثلهم.

نجحت مي كامل في الركوب على كل الأحداث السياسية وتطويعها لخدمتها. في أثناء ثورة الـ18 يومًا، كانت تذهب لشقة تطل على ميدانِ التحرير، يجتمع فيها الفنانون، تلتقط الصور من الشرفة لنفسها وهي تلوح بعلم مصر وترفع علامة النصر. ثم صنعت فيلمًا قصيرًا عن فتاة شابة تتحدى والدها وتهرب من المنزل لتشارك في الثورة، وحين يتنحى الرئيس وبينما يحتفل الجميع، تخاف الفتاة من عقاب أبيها إن عادت إلى المنزل، لكنها تجده وسط الجماهير يحتفل بالثورة، فتشاركه الاحتفال وينتهي الفيلم بالجميع سعيدًا.

طافت بالفيلم كل مهرجانات العالم ممتطية موجة الحب العالمي للثورة، وحصدت الجوائز بالطبع والتصفيق. “وجه الثورة النسائي الفني الشاب، كس أمها بجد!” قالت فرح لنفسها، ثم فتحت بروفايل مي، قلبت في الصور فظهرت لها صورة قديمة تجمع مي بأحمد. خمنت فرح أنها من بداية تعارفهما. في الصورة أحمد يرفع لافتة عليها صورة درية شفيق، ويسير مبتسمًا وسط الجموع، عن يمينه مي وهي ترتدي نظارة شمس كبيرة، تغطي نصف وجهها كما عادة نجوم التلفزيون، حينما يشاركون شرفيًّا في مثل هذه المناسبات.

بدت الصورة مقززة لفرح أكثر من صورته ووراءه إعلان مشروبات الطاقة، وهو يلعب الموسيقى للخنازير والخراتيت الذين أكلوا الثورة.

تذكر فرح هذه المظاهرة جيدًا، حاول أحمد دعوتها للمشارَكة، لكنها توقفت مبكرًا عن الذهاب إلى هذه الأنشطة/ المظاهرات/ الاحتجاجات.

بررت الأمر في كل مرة بحجة مُختلفة، أحيانًا تقول إن المخابرات تراجع سجلات العاملين في المستشفيات العسكرية، وهي لا تريد التورط في مشكلات، أحيانًا تعبِّر عن إرهاقها.

أبدًا لم تنتقد مُظَاهرة ما أو تسخر من مطلب فئوي. اتهمها أحمد ذات مرة بالعدميةِ والكسل والتخاذل، فاحتدت في النقاش معه، ووصفت نفسها بالعقلانية. قالت “لن أتظاهر سلميًّا في مُقَابل جنود يحملون السلاح ويطلقون النار علينا”.

التخاذل عن المشاركة في الفعاليات الثورية زاد من حدة الخلافات بينهما. تعارف الاثنان قبل الثورة، وأتى الانفجار الجماهيري ليشتعل حبهما وسط الغازات المسيلة للدموع، والحب الجماعي للجماهير المطلوقة في الشوارع. داخليًّا ربط أحمد حبهما بالثورة، فمثلما تحدى مع الجماهير الرئيس والشرطة والجيش، تحدى في حبهما سلطة الواقع وعائلة فرح. رأى أحمد في قدرته على فرض قرار زواجهما على عائلة فرح ووالدها انتصارًا آخر في هلوساته لإسقاط النظام.. “يسقط، يسقط، إحنا الشعب الخط الأحمر”.

بعدما صارت المواجهات بين المتظاهرين وقوات الجيش بسلاحه ودباباته ومدرعاته، رأت فرح المواجهة انتحارًا، فلا توجد أي قضية ولا حتى أوهام الدولة القومية تستحق أن يضحي الواحد بحياته، خصوصًا إن لم يمتلك المرء أي سلاح للمقاومة سوى الحنجرة، وخصوصًا إن كانت هذه الحنجرة الجماعية لا مكان فيها لصوتها. لكنها احترمت خيارات الآخرين، وتمنت فعلاً أن ينتصروا. وصفها أصدقاؤها بـالمتشائمة، لكن كل ما توقعته حدث بالفعل. لم تفهم قط لماذا لا يرى الآخرون ما تراه هي بوضوح. تمنت في كل مرة أن تكون على خطأ، أن تتنصر الحماسة المدنية والثورية على غشومية السلاح والبيادة العسكرية. لكن هذه المظاهرة التي حمل فيها أحمد صورة درية شفيق أخرجتها عن صمتها، سخرت في البداية من الدعوة، إذ كانت مُبادرة من مجموعة من الفنانين والمثقفين للدفاع عما أسموه الوجه الحضاري والثقافي لمصر، لمواجهة هجمة التيارات الدينية وفوزهم في الانتخابات من البرلمان حتى الرئاسة. الهدف من المظاهرة أن يجتمع المثقفون والمؤمنون بالدولة المدنية، ويرفعوا صور الشخصيات التاريخية التي يرون أنها تمثل التنوير والفن والحق والجمال، ويسيرون في استعراض ليذكِّروا المصريين بتراثهم ومدنيتهم. لخصت فرح موقفها في جملة واحدة حين وصلتها الدعوة إلى المُظَاهرةِ على الفيسبوك وقالتها لأحمد “منيكة فارغة”.

سكت أحمد ولم يعلق، قال “سأذهب”. لكنه محتار يحمل صورة مَن، أخبرها أنه يفكر في حمل صورة تحية كاريوكا أو سامية جمال. كانت فرح مرهقة وغاضبة في ذلك اليوم لأنها تعرضت للتحرش في الشارع في أثناء عودتها إلى المنزل، فانفجرت فيه، “يعني أنت بالنسبة لك المدنية والثقافة هي راقصات ماتوا وشبعوا موت؟ طيب ارفع صورة دينا، والا صورة دينا مش هتبقى مدنية أكتر من سامية؟”. أحمد الذي امتلك  فيضًا من الحنان يستخدمه في الاحتواء أو الابتزاز العاطفي حسب الموقف، شعر بغضبها فقام من مكانه وجلس على الكنبة، ضمها لصدره وأخذ يهدهدها “مالك يا بيبي؟”، هدأت وتبدد غضبها وتخدر جسدها بأمان الحب، ولكي يطيّب خاطرها سألها “طيب تحبي أرفع صورة مين؟” جاوبته إذا كنت تريد أن ترفع صورة وجه نسوي فارفع صورة درية شفيق”.

أسعدها أنه رفع الصورة التي اختارتها، لكنه عاد من تلك المظاهرة يحكي عن لقائه بالمخرجة مي كامل، وكيف عبرت عن حبها لموسيقاه، وأنها تريد أن يعملا معًا، هنأته فرح ولم تنتبه لتلك التفصيلة.

لم تكن فرح مَشغولة بصراع المدنية والدينية، ففي هذه الفترة سعت إلى الابتعاد عن كل التشويش والإزعاج المحيط بتفاصيل المشهد السياسي والاجتماعي في مصر بالكامل، كانت مستغرقة في اكتشاف الحقيقة.

“الحقيقة” هي بناء يتم بعد الحادث، سواء أكان الحادث فيضًا من المشاعر الثورية أم ولادة لنار الحب. فالحقيقة لا يتم بناؤها إلا بعد وقوع الواقعة. فالحب يبدأ بلقاء ليس قابلاً للقياس مثل وضعها حاليًّا مع نسيم، ووضعها سابقًا مع أحمد في بداية علاقتهما، حين اندفعا إلى الزواج وسط اندفاع الثورة المستمرة، ولكن فيما بعد تبدأ في إدراك ماهية الحب.

لفهم طبيعة بناء الحقيقة تقدم لنا الصيرورة العلمية مثالاً واضحًا، أنت تكتشف شيئًا غير متوقع، لِنَقُلْ مثلاً: فجوات غَامضة على القمر، أو جاذبية قوية لبعض الأجرام السماوية الغامضة. ومن ثم يكون هناك عمل رياضي لإعطاء معنى لهذا الاكتشاف، هذا العمل من أجل الوصول إلى القوانين، من أجل الوصول إلى المعنى، هو طقس بناء الحقيقة.

هذه عملية حقيقة، لا المشي في الشوارع رافعًا صور الأموات، اعتراضًا على سياسات أحياء يقدسون أمواتًا آخرين.

إجراء الحقيقة ليس انجرافًا خلف الذائقة الشخصية، على طريقة سأرفع صورة تحية كاريوكا لأنها وجه المدنية الثورية. إجراء الحقيقة هو الانتقال من التجربة الذاتية والمصادفة إلى قيمة عالمية.

فرح كانت مشغولة بهذه الأفكار مع نفسها، لا تشاركها مع أحد، إلا دفترها ذي الغلاف الجلدي الأسود. داخل هذا الغلاف شيدت عالمها. لم تجد في ما يحدث حولها مبعثًا لأي حماسة أو اهتمام، بل تراكمات من الأفكار الغبية والتصرفات الأغبى، لم تثِر فيها إلا السخرية والضحك. ذات مرة سألها أحمد مرة إن كانت تعاني من كرب ما بعد الثورة، فردت ساخرة “وماذا يكون كرنب الثورة يا حبيبي؟”

الجرافيتى المقزز أو كرنب الثورة يا حبيبي

أدركت أن العمل السياسي الحق يعطي حماسًا، وهذه الحماسة تعمي الأبصار، لكنها جميلة مثل الحب. فالسياسة الحقة هي الحماس الجمعي، والحب هو حماس يتشارك فيه شخصان. هي فقط حسدت عمال السياسة ونشطاءها على قدرتهم على التشارك في الحماس الجمعي، الذي لم تعد قادرة على الاندماج فيه. ففي هذه المرحلة من حياتها اكتفت بحماس حبها لأحمد فقط. لكنها لم تدرك أن أحمد يحتاج إلى ما هو أكثر من ذلك. مثل بعض المطلقات للأسف -وعلى الرغم من رجاحة عقلها- كانت فرح تلوم نفسها وتتهمها بالتقصير، لأنها لم تستوعب طموح أحمد.

بحثًا عن الشغف نشرت بعد طلاقها دراسة طويلة، في مجلة إلكترونية تصدرها مجموعة نسوية وكوِيرية شابة. لا تشعر باندماج كامل معهم، لكنها أخيرًا وجدت من يتقبل أفكارها ويشارك في ظنونها. أصبحت تلك المجموعة دائرة أصدقائها الجدد، وهي سعيدة بأن صارت لديها رفقة لا علاقة لها بأحمد، بعد سنوات من اعتمادها عليه في الحياة الاجتماعية.

أصدقاء يتشاركون معها الحماس للقضايا التي يرفض الآخرون التطرق إليها، مكتفين بادعاءات المدنية والثورية وغيرها من أشكال المنيكة الفارغة.

سَابقًا تدفقت الحماسة في أوردةِ وشرايين فرح وسط الجموع والجماهير، حتى وهم يهتفون هتافات كاذبة وعبيطة من نوع “حسني مبارك يا طيار جبت منين سبعين مليار!”. لكنها فقدت اتصالها بكل تلك الجموع الثورية حين ظهرت قضية علياء المهدي.

نشرت فتاة لا يتجاوز عمرها العشرين عامًا، صورة لها عارية على مدونتها الشخصية، منتصبة في وضع نصف إيروتيكي نصف طفولي. ولأن مدونتها تمتلئ بالمقالات الثورية وتنسب نفسها إلى حركة 6 أبريل، استخدمها تيار الإسلام السياسي للتشهير والطعن في التيار المدني.

ظهرت صورة علياء بعد إعلان عدد من الناجيات من كشوف العذرية ما حدث لهن داخل ثكنات الجيش، حين قُبِض عليهن من ميدان التحرير. كانت الانتخابات البرلمانية على الأبواب، وفرح وأحمد مدعوان إلى حفل في فيلا فخمة مِلك أحد رجال الأعمال المحبين للثورة والفن والموسيقى، يريد أن يتعرف ويتشرف بالشباب الذين قاموا بالثورة، لذا يدعوهم إلى منزله الواسع ليشربوا ويأكلوا ويسكروا ويرقصوا. وفي الطريق مع أحمد لمحت جرافيتي يصور واحدة من ضحايا كشوف العذرية وبجوارها صورة علياء المهدي، وفي المنتصف نَصّ ركيك يقارن كيف اهتم الإعلام والناس بعري علياء، ولم يهتموا بقضية الناجية من كشف العذرية. تصاعدت حموضة القرف والاشمئزاز من معدتها، كادت تتقيّأ صرختها، لكن اكتفت بالبصق من النافذة.

في الحفل وكلما فتحت فمها حكت بقرف عن هذا الجرافيتي. قرفها منبعه المقارنة السخيفة بين الفعلين، أبدت اندهاشها، لماذا لم تصدر ولا حركة ثقافية أو سياسية أو حقوقية أي بيان تضامنًا مع علياء التي تتعرض لهجمة وحشية، لا من التيارات الإسلامية فقط بل أيضًا من تيارات تصف نفسها بالثورية والمدنية. قطعت ورقة من الدفتر الذي تحمله وصاغت على عجل –بدافع الحماس أو تحت تأثير الخمر المجانية- بيان تضامن مع علياء، وذهبت تطلب توقيعهم عليه. رفضوا جميعًا، وكان الرد: لدينا أولويات أهم، مثل الدستور والانتخابات، وإن تمكنا من كتابة الدستور سنحرص على أن تكون حرية الرأي والتعبير مطلقة فيه.

حاولت الرد عليهم بمنطق مُماثل لكنهم حاصروها بآراء وحسابات أخرى. البعض تهرب، وآخرون ردوا بعنف “واحدة قلعت، مال الثورة والقلع؟” وجميعهم حرص في حديثه معها على الغمز واللمز، والسخرية الذكورية المعتادة ضد أي رأي مخالف تقوله امرأة. ثم انتبهت فرح إلى أن عري علياء أصلاً لم يكن موجهًا ضد الإسلاميين أو السلطة أو الرأسمالية العالمية، بل كان موجهًا ضد كل من هم هنا في هذا الحفل.

ثورة علياء ضد الثوريين، وعريها هو كفر بهذه الحماسة السياسية الكاذبة، التي تحمل داخلها بذور العفن الذي يغطي كل البلاد.

عري علياء ضد الإجابات العقلانية.

ضد التفكير العقلاني العلماني التنويري الذي رحب بتعليم وحرية المرأة، على ألا يعلو سقف الحرية عن ركبتها، وأن تكون حرية المرأة جزءًا من مشروع الدولة الناهضة وقوميات العروبة، والشرف الذي يراق على جوانبه الدم.

في غمار انفعالها وجدالها في مسألة علياء مع الحضور، ثارت فرح على رجل الأعمال الذي يستضيفهم، لأنه في منتصف النقاش علق قائلاً “البنت حتى مش جميلة، ليه تصور نفسها كدا؟ أكيد مريضة نفسيًّا أو لديها مشكلات أسرية واجتماعية”. سحبَتْ فرح شَخْرَة، وخرج الرصاص من فمها “أنت فاكر العالم معمول علشان يعجبك وتتفرج عليه؟ والا علشان مش شيخ وماتقدرش تكفرها هتقول على البنت مجنونة؟ إن كانت هي مجنونة فأنت معرص”. ثم بصقت على الأرض واتجهت نحو باب الخروج، وفي طريقها سحبت أحمد الواقف يعب الكحول المجاني عند البار. خرجت فرح وقررت أن تنهي علاقتها بذلك العالم وهؤلاء الناس، وألا تنظر خلفها فتتحول عمودًا من الملح.

عادت لتقلب في بروفيل أحمد على الفيسبوك، فظهرت لها صور تجمعها مع أحمد على الشاطئ. وجعها قلبها أكثر من الشوق له، لكن فرح ليست مازوخية، ستحرق المراكب، وتقلب الصفحة، لا شيء يجمعها أو يربطها بأحمد الآن. ترددت لحظات أخيرة ثم همت بأن تضغط الزر وتمسح بروفيل أحمد من قائمة أصدقائها مع حجب حسابه، لكن فجأة ظهر تنبيه بوجود رسالة منه في صندوقها البريدي، فتحت الرسالة فوجدتها سطورًا من المُحْن. لف ودوران وكلام غير واضح، الغرض منه أن يطمئن عليها كما يقول. قامت فرح من الكرسي، ثم فتحت باب الحديقة، نظرت إلى أعلى فوجدت الغيوم عادت لتحجب الشمس، أوشكت أن تمد يدها لتزيحها مرة أخرى لكن مهما أزاحت من غيوم ستأتي غيوم أخرى.

عادت إلى الداخل وأرسلت لأحمد رسالة على الموبايل “عايزة اشوفك، خلينا نتكلم، تعال لي البيت الجديد”.

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ