كرنب الثور يا حبيبي- مقطع من رواية #والنمور_لحجرتي

  انحدرت فرح في المُقَارنة بينها وبين مي كامل، شخصيتها المنطوية التي تكره البهرجة والادعاء الفني، وشخصية مي مُعجزة السينما التي يصفق لها الجميع. وجهها الغارق دائمًا في المكياج، وفرح التي تستمتع بطلاء الأظفار لكنها لا تطيق المكياج الكثيف على وجهها. عائلة فرح المحافظة التي وقفت ضد ارتباطها بأحمد، وعائلة مي الفنية الشهيرة. فبابا هو من أنتج لمي أول فيلم لها، وبابا وأصحابه هم من مولوا لها أول مسلسل. ليس التعريص الفني هو ما يضايقها في اتجاهات مي الفنية، بل هذا الادعاء والمباشرة الخطابية التي تقدم بها أفلامها ومسلسلاتها، كأنها صلاة للغباء وتهجد لآلهة القيم المزيفة. ثم الاحتفاء المبالغ بأعمالها والتصفيق لها باعتبارها وجهًا نسويًّا ثوريًّا وشابًّا، في حين لا ترى فرح في أعمالها سوى النمطية العبيطة والشعارات المسروقة، حيث النسوية لأمثال مي كامل تتمثل في النجاح الفردي، ولوم النساء الأخريات لأنهن لا يتوقفن عن الشكوى بدلاً من العمل، لكي ينجحن ويحصدن الجوائز مثلها. أمثال مي يستفزونها وتكرههم، ليس لأنهم معرصين ولا يرون أن نجاحهم المزيف بسبب التعريص، بل لأنهم مجرمون يلومون الآخرين لأنهم لم يختاروا التعريص والشرمطة مثلهم.

نجحت مي كامل في الركوب على كل الأحداث السياسية وتطويعها لخدمتها. في أثناء ثورة الـ18 يومًا، كانت تذهب لشقة تطل على ميدانِ التحرير، يجتمع فيها الفنانون، تلتقط الصور من الشرفة لنفسها وهي تلوح بعلم مصر وترفع علامة النصر. ثم صنعت فيلمًا قصيرًا عن فتاة شابة تتحدى والدها وتهرب من المنزل لتشارك في الثورة، وحين يتنحى الرئيس وبينما يحتفل الجميع، تخاف الفتاة من عقاب أبيها إن عادت إلى المنزل، لكنها تجده وسط الجماهير يحتفل بالثورة، فتشاركه الاحتفال وينتهي الفيلم بالجميع سعيدًا.

طافت بالفيلم كل مهرجانات العالم ممتطية موجة الحب العالمي للثورة، وحصدت الجوائز بالطبع والتصفيق. “وجه الثورة النسائي الفني الشاب، كس أمها بجد!” قالت فرح لنفسها، ثم فتحت بروفايل مي، قلبت في الصور فظهرت لها صورة قديمة تجمع مي بأحمد. خمنت فرح أنها من بداية تعارفهما. في الصورة أحمد يرفع لافتة عليها صورة درية شفيق، ويسير مبتسمًا وسط الجموع، عن يمينه مي وهي ترتدي نظارة شمس كبيرة، تغطي نصف وجهها كما عادة نجوم التلفزيون، حينما يشاركون شرفيًّا في مثل هذه المناسبات.

بدت الصورة مقززة لفرح أكثر من صورته ووراءه إعلان مشروبات الطاقة، وهو يلعب الموسيقى للخنازير والخراتيت الذين أكلوا الثورة.

تذكر فرح هذه المظاهرة جيدًا، حاول أحمد دعوتها للمشارَكة، لكنها توقفت مبكرًا عن الذهاب إلى هذه الأنشطة/ المظاهرات/ الاحتجاجات.

بررت الأمر في كل مرة بحجة مُختلفة، أحيانًا تقول إن المخابرات تراجع سجلات العاملين في المستشفيات العسكرية، وهي لا تريد التورط في مشكلات، أحيانًا تعبِّر عن إرهاقها.

أبدًا لم تنتقد مُظَاهرة ما أو تسخر من مطلب فئوي. اتهمها أحمد ذات مرة بالعدميةِ والكسل والتخاذل، فاحتدت في النقاش معه، ووصفت نفسها بالعقلانية. قالت “لن أتظاهر سلميًّا في مُقَابل جنود يحملون السلاح ويطلقون النار علينا”.

التخاذل عن المشاركة في الفعاليات الثورية زاد من حدة الخلافات بينهما. تعارف الاثنان قبل الثورة، وأتى الانفجار الجماهيري ليشتعل حبهما وسط الغازات المسيلة للدموع، والحب الجماعي للجماهير المطلوقة في الشوارع. داخليًّا ربط أحمد حبهما بالثورة، فمثلما تحدى مع الجماهير الرئيس والشرطة والجيش، تحدى في حبهما سلطة الواقع وعائلة فرح. رأى أحمد في قدرته على فرض قرار زواجهما على عائلة فرح ووالدها انتصارًا آخر في هلوساته لإسقاط النظام.. “يسقط، يسقط، إحنا الشعب الخط الأحمر”.

بعدما صارت المواجهات بين المتظاهرين وقوات الجيش بسلاحه ودباباته ومدرعاته، رأت فرح المواجهة انتحارًا، فلا توجد أي قضية ولا حتى أوهام الدولة القومية تستحق أن يضحي الواحد بحياته، خصوصًا إن لم يمتلك المرء أي سلاح للمقاومة سوى الحنجرة، وخصوصًا إن كانت هذه الحنجرة الجماعية لا مكان فيها لصوتها. لكنها احترمت خيارات الآخرين، وتمنت فعلاً أن ينتصروا. وصفها أصدقاؤها بـالمتشائمة، لكن كل ما توقعته حدث بالفعل. لم تفهم قط لماذا لا يرى الآخرون ما تراه هي بوضوح. تمنت في كل مرة أن تكون على خطأ، أن تتنصر الحماسة المدنية والثورية على غشومية السلاح والبيادة العسكرية. لكن هذه المظاهرة التي حمل فيها أحمد صورة درية شفيق أخرجتها عن صمتها، سخرت في البداية من الدعوة، إذ كانت مُبادرة من مجموعة من الفنانين والمثقفين للدفاع عما أسموه الوجه الحضاري والثقافي لمصر، لمواجهة هجمة التيارات الدينية وفوزهم في الانتخابات من البرلمان حتى الرئاسة. الهدف من المظاهرة أن يجتمع المثقفون والمؤمنون بالدولة المدنية، ويرفعوا صور الشخصيات التاريخية التي يرون أنها تمثل التنوير والفن والحق والجمال، ويسيرون في استعراض ليذكِّروا المصريين بتراثهم ومدنيتهم. لخصت فرح موقفها في جملة واحدة حين وصلتها الدعوة إلى المُظَاهرةِ على الفيسبوك وقالتها لأحمد “منيكة فارغة”.

سكت أحمد ولم يعلق، قال “سأذهب”. لكنه محتار يحمل صورة مَن، أخبرها أنه يفكر في حمل صورة تحية كاريوكا أو سامية جمال. كانت فرح مرهقة وغاضبة في ذلك اليوم لأنها تعرضت للتحرش في الشارع في أثناء عودتها إلى المنزل، فانفجرت فيه، “يعني أنت بالنسبة لك المدنية والثقافة هي راقصات ماتوا وشبعوا موت؟ طيب ارفع صورة دينا، والا صورة دينا مش هتبقى مدنية أكتر من سامية؟”. أحمد الذي امتلك  فيضًا من الحنان يستخدمه في الاحتواء أو الابتزاز العاطفي حسب الموقف، شعر بغضبها فقام من مكانه وجلس على الكنبة، ضمها لصدره وأخذ يهدهدها “مالك يا بيبي؟”، هدأت وتبدد غضبها وتخدر جسدها بأمان الحب، ولكي يطيّب خاطرها سألها “طيب تحبي أرفع صورة مين؟” جاوبته إذا كنت تريد أن ترفع صورة وجه نسوي فارفع صورة درية شفيق”.

أسعدها أنه رفع الصورة التي اختارتها، لكنه عاد من تلك المظاهرة يحكي عن لقائه بالمخرجة مي كامل، وكيف عبرت عن حبها لموسيقاه، وأنها تريد أن يعملا معًا، هنأته فرح ولم تنتبه لتلك التفصيلة.

لم تكن فرح مَشغولة بصراع المدنية والدينية، ففي هذه الفترة سعت إلى الابتعاد عن كل التشويش والإزعاج المحيط بتفاصيل المشهد السياسي والاجتماعي في مصر بالكامل، كانت مستغرقة في اكتشاف الحقيقة.

“الحقيقة” هي بناء يتم بعد الحادث، سواء أكان الحادث فيضًا من المشاعر الثورية أم ولادة لنار الحب. فالحقيقة لا يتم بناؤها إلا بعد وقوع الواقعة. فالحب يبدأ بلقاء ليس قابلاً للقياس مثل وضعها حاليًّا مع نسيم، ووضعها سابقًا مع أحمد في بداية علاقتهما، حين اندفعا إلى الزواج وسط اندفاع الثورة المستمرة، ولكن فيما بعد تبدأ في إدراك ماهية الحب.

لفهم طبيعة بناء الحقيقة تقدم لنا الصيرورة العلمية مثالاً واضحًا، أنت تكتشف شيئًا غير متوقع، لِنَقُلْ مثلاً: فجوات غَامضة على القمر، أو جاذبية قوية لبعض الأجرام السماوية الغامضة. ومن ثم يكون هناك عمل رياضي لإعطاء معنى لهذا الاكتشاف، هذا العمل من أجل الوصول إلى القوانين، من أجل الوصول إلى المعنى، هو طقس بناء الحقيقة.

هذه عملية حقيقة، لا المشي في الشوارع رافعًا صور الأموات، اعتراضًا على سياسات أحياء يقدسون أمواتًا آخرين.

إجراء الحقيقة ليس انجرافًا خلف الذائقة الشخصية، على طريقة سأرفع صورة تحية كاريوكا لأنها وجه المدنية الثورية. إجراء الحقيقة هو الانتقال من التجربة الذاتية والمصادفة إلى قيمة عالمية.

فرح كانت مشغولة بهذه الأفكار مع نفسها، لا تشاركها مع أحد، إلا دفترها ذي الغلاف الجلدي الأسود. داخل هذا الغلاف شيدت عالمها. لم تجد في ما يحدث حولها مبعثًا لأي حماسة أو اهتمام، بل تراكمات من الأفكار الغبية والتصرفات الأغبى، لم تثِر فيها إلا السخرية والضحك. ذات مرة سألها أحمد مرة إن كانت تعاني من كرب ما بعد الثورة، فردت ساخرة “وماذا يكون كرنب الثورة يا حبيبي؟”

الجرافيتى المقزز أو كرنب الثورة يا حبيبي

أدركت أن العمل السياسي الحق يعطي حماسًا، وهذه الحماسة تعمي الأبصار، لكنها جميلة مثل الحب. فالسياسة الحقة هي الحماس الجمعي، والحب هو حماس يتشارك فيه شخصان. هي فقط حسدت عمال السياسة ونشطاءها على قدرتهم على التشارك في الحماس الجمعي، الذي لم تعد قادرة على الاندماج فيه. ففي هذه المرحلة من حياتها اكتفت بحماس حبها لأحمد فقط. لكنها لم تدرك أن أحمد يحتاج إلى ما هو أكثر من ذلك. مثل بعض المطلقات للأسف -وعلى الرغم من رجاحة عقلها- كانت فرح تلوم نفسها وتتهمها بالتقصير، لأنها لم تستوعب طموح أحمد.

بحثًا عن الشغف نشرت بعد طلاقها دراسة طويلة، في مجلة إلكترونية تصدرها مجموعة نسوية وكوِيرية شابة. لا تشعر باندماج كامل معهم، لكنها أخيرًا وجدت من يتقبل أفكارها ويشارك في ظنونها. أصبحت تلك المجموعة دائرة أصدقائها الجدد، وهي سعيدة بأن صارت لديها رفقة لا علاقة لها بأحمد، بعد سنوات من اعتمادها عليه في الحياة الاجتماعية.

أصدقاء يتشاركون معها الحماس للقضايا التي يرفض الآخرون التطرق إليها، مكتفين بادعاءات المدنية والثورية وغيرها من أشكال المنيكة الفارغة.

سَابقًا تدفقت الحماسة في أوردةِ وشرايين فرح وسط الجموع والجماهير، حتى وهم يهتفون هتافات كاذبة وعبيطة من نوع “حسني مبارك يا طيار جبت منين سبعين مليار!”. لكنها فقدت اتصالها بكل تلك الجموع الثورية حين ظهرت قضية علياء المهدي.

نشرت فتاة لا يتجاوز عمرها العشرين عامًا، صورة لها عارية على مدونتها الشخصية، منتصبة في وضع نصف إيروتيكي نصف طفولي. ولأن مدونتها تمتلئ بالمقالات الثورية وتنسب نفسها إلى حركة 6 أبريل، استخدمها تيار الإسلام السياسي للتشهير والطعن في التيار المدني.

ظهرت صورة علياء بعد إعلان عدد من الناجيات من كشوف العذرية ما حدث لهن داخل ثكنات الجيش، حين قُبِض عليهن من ميدان التحرير. كانت الانتخابات البرلمانية على الأبواب، وفرح وأحمد مدعوان إلى حفل في فيلا فخمة مِلك أحد رجال الأعمال المحبين للثورة والفن والموسيقى، يريد أن يتعرف ويتشرف بالشباب الذين قاموا بالثورة، لذا يدعوهم إلى منزله الواسع ليشربوا ويأكلوا ويسكروا ويرقصوا. وفي الطريق مع أحمد لمحت جرافيتي يصور واحدة من ضحايا كشوف العذرية وبجوارها صورة علياء المهدي، وفي المنتصف نَصّ ركيك يقارن كيف اهتم الإعلام والناس بعري علياء، ولم يهتموا بقضية الناجية من كشف العذرية. تصاعدت حموضة القرف والاشمئزاز من معدتها، كادت تتقيّأ صرختها، لكن اكتفت بالبصق من النافذة.

في الحفل وكلما فتحت فمها حكت بقرف عن هذا الجرافيتي. قرفها منبعه المقارنة السخيفة بين الفعلين، أبدت اندهاشها، لماذا لم تصدر ولا حركة ثقافية أو سياسية أو حقوقية أي بيان تضامنًا مع علياء التي تتعرض لهجمة وحشية، لا من التيارات الإسلامية فقط بل أيضًا من تيارات تصف نفسها بالثورية والمدنية. قطعت ورقة من الدفتر الذي تحمله وصاغت على عجل –بدافع الحماس أو تحت تأثير الخمر المجانية- بيان تضامن مع علياء، وذهبت تطلب توقيعهم عليه. رفضوا جميعًا، وكان الرد: لدينا أولويات أهم، مثل الدستور والانتخابات، وإن تمكنا من كتابة الدستور سنحرص على أن تكون حرية الرأي والتعبير مطلقة فيه.

حاولت الرد عليهم بمنطق مُماثل لكنهم حاصروها بآراء وحسابات أخرى. البعض تهرب، وآخرون ردوا بعنف “واحدة قلعت، مال الثورة والقلع؟” وجميعهم حرص في حديثه معها على الغمز واللمز، والسخرية الذكورية المعتادة ضد أي رأي مخالف تقوله امرأة. ثم انتبهت فرح إلى أن عري علياء أصلاً لم يكن موجهًا ضد الإسلاميين أو السلطة أو الرأسمالية العالمية، بل كان موجهًا ضد كل من هم هنا في هذا الحفل.

ثورة علياء ضد الثوريين، وعريها هو كفر بهذه الحماسة السياسية الكاذبة، التي تحمل داخلها بذور العفن الذي يغطي كل البلاد.

عري علياء ضد الإجابات العقلانية.

ضد التفكير العقلاني العلماني التنويري الذي رحب بتعليم وحرية المرأة، على ألا يعلو سقف الحرية عن ركبتها، وأن تكون حرية المرأة جزءًا من مشروع الدولة الناهضة وقوميات العروبة، والشرف الذي يراق على جوانبه الدم.

في غمار انفعالها وجدالها في مسألة علياء مع الحضور، ثارت فرح على رجل الأعمال الذي يستضيفهم، لأنه في منتصف النقاش علق قائلاً “البنت حتى مش جميلة، ليه تصور نفسها كدا؟ أكيد مريضة نفسيًّا أو لديها مشكلات أسرية واجتماعية”. سحبَتْ فرح شَخْرَة، وخرج الرصاص من فمها “أنت فاكر العالم معمول علشان يعجبك وتتفرج عليه؟ والا علشان مش شيخ وماتقدرش تكفرها هتقول على البنت مجنونة؟ إن كانت هي مجنونة فأنت معرص”. ثم بصقت على الأرض واتجهت نحو باب الخروج، وفي طريقها سحبت أحمد الواقف يعب الكحول المجاني عند البار. خرجت فرح وقررت أن تنهي علاقتها بذلك العالم وهؤلاء الناس، وألا تنظر خلفها فتتحول عمودًا من الملح.

عادت لتقلب في بروفيل أحمد على الفيسبوك، فظهرت لها صور تجمعها مع أحمد على الشاطئ. وجعها قلبها أكثر من الشوق له، لكن فرح ليست مازوخية، ستحرق المراكب، وتقلب الصفحة، لا شيء يجمعها أو يربطها بأحمد الآن. ترددت لحظات أخيرة ثم همت بأن تضغط الزر وتمسح بروفيل أحمد من قائمة أصدقائها مع حجب حسابه، لكن فجأة ظهر تنبيه بوجود رسالة منه في صندوقها البريدي، فتحت الرسالة فوجدتها سطورًا من المُحْن. لف ودوران وكلام غير واضح، الغرض منه أن يطمئن عليها كما يقول. قامت فرح من الكرسي، ثم فتحت باب الحديقة، نظرت إلى أعلى فوجدت الغيوم عادت لتحجب الشمس، أوشكت أن تمد يدها لتزيحها مرة أخرى لكن مهما أزاحت من غيوم ستأتي غيوم أخرى.

عادت إلى الداخل وأرسلت لأحمد رسالة على الموبايل “عايزة اشوفك، خلينا نتكلم، تعال لي البيت الجديد”.

متعة ما بعد الجنس

في ستينات القرن الماضي بدأ د.ويليام ماسترز وفيرجينيا جونسون أبحاثهم حول الجنس لدى البشر، وهى الأبحاث التى أحدثت ثورة في فهمنا للجنس ونتج عنها علاجاتهم المبتكرة لاضطرابات الدورة الجنسية لدى البشر.

توصل “ماسترز وجونسون” إلي التقسيم العلمى المعتمد للدورة الجنسية لدى البشر، وهى تبدأ بمرحلة الرغبة نتيجة حدث مثير جنسياً، ثم الإثارة أو “البلاتو” وهى التى تشهد انتصاب القضيب وزيادة الإفرازات المهبلية. كما رصد ماسترز وجونسون في تلك المرحلة بعد التغيرات البيولوجية كتغيرات لونية في الأعضاء التناسلية نتيجة تدفق الدم لها، تضخم الخصية لدى الذكر وارتفاعها، وتزايد الانقباضات في بعض عضلات الجسم خصوصاً الحوض والفخذين وزيادة النبض. ثم تأتى مرحلة النشوة أو “الأورجازم” كا يعرفها بعض البشر، في حين نبهنا ماسترز وجونسون أن بعض البشر لم يعرفوا “الأورجازم” في حياتهم فالجنس لهم ينتهى عند المرحلة الثانية “البلاتو”.

أخيرا تأتى المرحلة الرابعة والأخيرة وهى الإبراء أو بالانجليزية “Resolution”. وقد فحصها وحللها ماسترز وجونسون بدقة حيث رأوا أنها تنقسم لدى الذكر لمرحلتين في المرحلة الأولى يعود النبض إلي مستواه الطبيعي  ويتقلص حجم القضيب المنتصب بنسبة 50%، وفي تلك المرحلة يمكن في بعض الحالات أن يعاود الذكر الانتصاب. أما المرحلة الثانية فيتضاءل حجم القضيب، ويؤكد ماستر وجونسون استحالة انتصاب الذكر قبل انتهاء تلك المرحلة. أما الإبراء لدى النساء فلا ينقسم لأى مرحلة، ويمكن للمرأة أن تصل للنشوة مرة آخري دون الحاجة للمرور بمراحل الإبراء المختلفة، بل وبامكان بعض النساء الحصول على رعشات متتالية بعد الرعشة الأولى.

أهمية دراسات ماسترز وجونسون أنها كانت أول دراسة معملية عن الجنس. توصل ماسترز وجونسون لتلك النتائج من خلال دفع المال لرجال ونساء لإجراء التجارب عليهم وتوصيلهم بآلات طبية للاستشعار وقياس النبض والمؤشرات الحيوية المختلفة ثم مراقبتهم أثناء ممارسة الجنس وتسجيل الملاحظات والمؤشرات الحيوية. ثم ذات مرة اقترح الدكتور ويليام ماسترز على مساعدته فيرجنيا جونسون إخضاع أنفسهم للتجربة المعملية وأن يقوما بالتجربة العلمية بأنفسهم ويمارسوا الجنس.

توماس ماير كاتب السيرة الذاتية للباحثين، يحكى أن الجنس بدأ بين الدكتور ماسترز ومساعدته بشكل مهنى بحت. كانا يوصلان الآلات بأجسادهم ثم يبدأون بممارسة الجنس، وتسجيل انطباعاتهم وملاحظاتهم بعد كل ممارسة. حتى تطور الأمر إلي الاستلقاء في حضن بعضهم البعض بعد ممارسة الجنس. ثم تطورت علاقة ماستر وجونسون بعد ذلك من العمل إلي علاقة غرامية كاملة، استمرت في السر لما يقرب عشرة أعوام قضي خلالها د.ماسترز مع فيرجينيا وقتاً أكثر مما كان يقضيه مع أولاده وزوجته، الزوجة التى اكتشفت الأمر في النهاية وطلبت الطلاق لينفصلا ويتزوج ماسترز بفيرجينيا. المهتم بمعرفة المزيد عن تفاصيل حكاية وأبحاث ماستر وجونسون يمكنه مشاهدة المسلسل التلفزيونى Master of Sex. لكن موضوعنا هنا هو المرحلة الرابعة من الدورة الجنسية لدى البشر، الإبراء حينما ينتهى الانفعال والإثارة، وتتبدد الغشاوة من على العين فتطفوا على السطح المشاعر والانفعالات الآخري. أو ما هو أفضل لا تطفو أى مشاعر بل يغرق الاثنان في حالة سلام صامت كما اللون الأبيض، وتتمنى لو بالامكان تمديد لحظة السلام والسكينة تلك حتى تصبح أبدية.

في فترة المراهقة حذرنى صديق من تلك المرحلة. كنا لم نتجاوز الثامنة عشر بعد، وكان صديقنا قد مارس الجنس أكثر من مرة، وبالتالي فدائماً ما استعرض معرفته العملية علينا، أو آثارنا بحكاياته ومغامراته الجنسية. ثم ذات مرة حذرنا أن ممارسة الجنس ليست كما تبدو في الأفلام أو كما يحكيها لنا. على حد تعبيره الذي لا يزال مطبوعاً في ذاكرتى “بعد الواحد بتحس بفراغ تام”.

هذا الفراغ هو ما يدفع البعض بعد ممارسة الجنس إلي البكاء والإحساس بالذنب والندم، فثقافتنا الإجتماعية الشرقية الحبوبة تصم الجنس بالنجاسة سواء تم داخل إطار الزواج أو خارجه. ممارسة الجنس والقذف تعنى تحول الانسان ذكر أو أنثي من حالة الطهارة إلي الجنابة وهو ما يتطلب الإغتسال مرة آخري. أما ممارسة الجنس خارج إطار الزواج فهى كبير من الكبائر  تتطلب التوبة بالدموع.

بدأت قصة حب د.ماسترز وجونسون لأنهما مكثا في حضن بعضهما البعض بعد ممارسة الجنس، بينما هنا أعرف قصصاً تحطمت وتشوهت قبل أن تبدأ بسبب أن أحد الطرفين انفجر في البكاء بعد انتهاء الجنس لأنه لم يتحمل إحساس الذنب. آخرون لم يبكو لكن تملكهم إحساس الفراغ والاشمئزاز من النفس ومن الشريك، فكانت النتيجة إحتقار النفس واحتقار الآخر والتعامل مع الجنس كحمل ثقيل يسير به منتظراً الفرصة للتخلص منه مشمئزاً في أقرب حفرة.

يشوه الذنب مرحلة ما بعد الجنس وبدلاً من أن تكون مرحلة “إبراء” تصبح مرحلة جلد للذات تكفيراً عن ممارسة فعل بيولوجى طبيعي تمارسه كل الكائنات. وفي هذا السياق تتشوه كل الملذات، ويستحيل الحب إلا في إطار اعتباره مهمة مقدسة انجازها للآسف يتطلب فقدان الطهارة وإعادة الاغتسال والوضوء.

لا توجد حبة سحرية لتجاوز الأمر، وللآسف فدكتور ماسترز وجونسون لم يقدما لنا حلاً لتجاوز اضطراب الإنسان العربي المسلم في مرحلة الإبراء. لكنى أعدك يوماً إذا تجاوزت الذنب، إذا لم تقم فزعاً بعد النشوة من السرير، إذا لم تهرول للحمام بعد الجنس، إذا لم تشمئزى من السوائل التى تغطى جسدك وتسرعى بمسحها. خلف كل هذه الأشباح يوجد عالم آخر وسعادة لما بعد الجنس. توجد الحميمية بين إثنين التى قد تتسع لتشمل العالم، يوجد الحديث الذي يتعارف فيه اثنين عاريين على بعضهما البعض، يوجد تلك الحرارة التى لا توقظ نار الجنس ولكن توثق التواصل الانسانى لجسدين منحا الحب، ويستلقيا متعانقين بينما يغطيهم الوسن.

لا تسمح للذنب أن يركبك. ولا تنزع نفسك من شريكك. أمكث على الأقل مكانك وتمتع بمراحل عملية الابراء، من يدري ربما يكون هناك انتصاب آخر في الطريق وإن لم يأتى، فاستمع لنبض شريكك وانتظام نفسه. الآن وقد تخخفتما من حمل الاثارة الجنسية يأتى دور الحديث، التعرف على الأخر لا بصفته شريك جنسي. استكشاف الاحتمالات والفرص لمشاريع أخري، والأهم رى الحب حتى لا تذبل شجرته

مخاطر مشي العشاق في شوارع القاهرة

في مناخ حار بنسبة رطوبة عالية في الصيف، يصبح الجو مع زحام القاهرة وسطاً مناسباً لنمو مظاهر الاستعراض العدائي، من قبل الذكور على وجه الخصوص. وهنا يكون تصاعد ظاهرة التحرش “العلني” بالإناث في المدينة العلامة البارزة في إطار استعراض موازين القوى في شوارعها، خصوصاً في السنوات الأخيرة.
هنتعامل ويتعامل طلع سلاحك متكامل” وهذا ما يمكن أن نطلق عليه عبارة “صباح الخير” في القاهرة، لا كمقطع من الأغنية الأكثر شعبيةً في شوارع المدينة، بل أيضاً كتوصيف لحالة “المعاملة”، حيث الخطر المحدق بك في كل لحظة هو كغول يتربص ظلك على الأرض. “تجيب ورا تصبح مرا…مالكش قيمة وسط البشرية”. وبمصطلحات لغة النقد الأدبي التي راجت لفترة في التسعينيات نصبح أمام معادلة مقلوبة أخرى حيث “ملكش قيمة وسط البشرية = مرا (امرأة)”.

“صباح الخير، هنا شوارع المدينة”، وقانون المعاملة الأول هو “امرأة” لا قيمة لها وسط البشرية، طبعاً إلا في حالة إذا تعاملت وأخرجت سلاحها متكاملاً. الدنيا غابة يا صاحبي!. ولأكثر من ثلاثة عقود، من المفارقة أن نلاحظ كيف تتحول وجهة المواضيع الرئيسية من الغناء الشعبي إلى الحديث عن الغرام أو الرزق والرضا بشكل مختلف تماماً عن زمن عدوية وحمدي باتشان، حيث نسق “خيانة الأصدقاء”، أو سرديات معارك “أبطال خارقين” “من أصحاب النخوة” تحمل دلالات “الأصول” و”الأخلاق” و”الاستعداد للدفاع والحماية” وصورة مغايرة للرجولة، بداية من “عزبة محسن” وحتى “المطرية”.

للتمكن من الحياة وسط هذه الغابة طورت الإناث في القاهرة تقنيات متنوعة من أجل اتباع استراتيجية التخفي تفادياً لأنظار وحوش الشارع الذكور. تسير الإناث في القاهرة بخطوات متسارعة، موجهن أنظارهنّ للأرض أو مصوبينها باتجاه نقطة خفية في الأمام. يتحاشين أي تواصل بالأعين أو ابتسام، أو أي انفعال في عضلات الوجه. ومع ذلك تهبط الكلمة لا محالة. يهمس بها شاب عابر بجوارها، أو عجوز جلوس بتكاسل أمام محله.

 

تتسبب القاهرة في الكثير من العوائق للعشاق، وتتحرك بعض المجريات لتخلق الخلافات والصراعات بين الأصحاب والأزواج. من تلك الكوابيس التي يخجل الذكور من الاعتراف بها لبعضهم البعض هي ذلك التوتر والضغط الذي يشعرون به عند مصاحبة أي صديقة أو أنثي تربطه بها أي علاقة للمشى في الشارع لأي سبب أو غرض.

في منطقة كوبري قصر النيل وعلى الكورنيش الممتدة من مبنى التلفزيون حتي جاردن سيتى، يستغل العشاق المساحات المفتوحة كنزهة مجانية، لكن مع ذلك يوظب رجال الأمن الشجعان وعيون الوطن الساهرة على مهاجمة أي زوجين، خصوصاً إذا كانوا شباباً أو مراهقين. تقتحم سلسلة من الابتزازات المساحة مستغلة حداثة سن العشاق والقواعد الاجتماعية السائدة. يسأل رجل الأمن عن البطاقة، ثم يبدأ بممارسة استعراض سلطاته، والتهديد باصطحابهما لمركز الشرطة “القسم” لتحرير محضر بفعل فاضح في الطريق العام.

هنا القاهرة! القبلة فعل فاضح في الطريق العام، أما التبول على الرصيف فـفك زنقة محصور.

إذا استثنينا أماكن رجال شرطة الأخلاق، ورقابة حراس الحدائق المنتشرين في كل الحدائق العامة (لدرجة أن حراس الأمن في حدائق القاهرة يزيد عددهم عن عدد العاملين في فلاحتها) إلي أين نذهب إذاً؟ إلي مكان يليق بأبناء “الطبقة الوسطى” أكثر ، سينما أو مول تجاري أو كافيه يقف على حراسته رجل أمن من القطاع الخاص وظيفته أن يختار زبائن المكان بناءاً على مظهرهم وقراءته لتصنيفهم الطبقي. يفرض الأمن قواعد أخلاقية صارمة. تمارس بعض المراكز الثقافية “المنفتحة” الضبط على لغة الجسد لدرجة أنك إذا حدث وصادفت صديقة لم تقابلها من زمان وتبادلتما السلام بقبلتين على الخد يمكنك أن تحصل على الكارت الأحمر من الساقية وطردك أنت وهي من المكان.

12440565_914416835309892_7966092972993783863_o
لوحة للفنانة المصرية رانيا فؤاد

 

 

تضغط كل هذه التفاصيل على جميع اختياراتك كعاشق وكإنسان في القاهرة. يتوقف الشاب العاشق “الليبرالي” لصديقته أمام فستانها القصير. يومئ برأسه أنه جميل، لكنهما سيمران من حقل الشارع خطوات قبل الوصول إلي المكان المعني. يطلب منها لفظياً أو يشير بإيماءاته إلي أن “الخروجة” تتضمن المشي في الشارع. هذا مؤشر متعارف للحاجة إلى وضع تحصينات وأغطية وشال أو أكثر.
بصحبة الأنثي يسير الذكر في حالة تربص ومراقبة. بدلاً من رؤيتها أو تبادل الحديث أو استكشاف الشارع. يسير الذكر متنمراً يراقب جميع من حوله، ينتظر كلمة من هنا، أو يصد بعينيه نظرة من هناك. وحينما تعبر مجموعة من الشباب بجوارهما، ويلقي أحدهم تعليق، يكتفي الذكر المصاحب لرفيقته بتصنّع الصمم. في أحسن الأحوال وفي أكثر من مرة شاهدتها: قد يلتفت “المتحرش” معلقاً على زي رفيقته، طالباً منها جزء قد انكشف من ملابسها في قيظ القاهرة.
بين التحرش في الشوارع وتلك السلطة الناعمة التي تخضع لها أي أنثى برفقة الذكر حينما يطلب منها لبس ملابس معينة، أو عدم التدخين في هذا المكان لأنه لا يتحمل نظرات من حوله له ولامرأة ترافقه. بين الذكورة الخشنة المنطلقة بلا قوانين أو قواعد في الشوارع، والذكورة الناعمة المستكينة للضغط الخارجي المتجنبة تعرض أحدهم للمرأة التي ترافقك تسير حياة إناث القاهرة، ومعها يزداد جحيم حياة الذكور بين إناث يرغبن في فرض حمايتهنّ وإناث يسعين لانتهاك حمايتهنّ.

 

578416_481666038524047_457594506_n
صورة تعود إلي السبيعنات ألتقطت في شوارع القاهرة- المصور مجهول

 

 

 

 

في جهل الذكور بأشيائهم ‏

نشأت في عائلة طبية بشكل كامل. الأب طبيب، الأخوة أطباء أو يدرسون الطب. الأعمام أطباء، والخال طبيب، كذلك يمتد الأمر إلي أبناء وبنات الأعمام والخال. تقريباً كنت الفاشل الوحيد الذي اختار في الجامعة دراسة غير علمية. كانت المعلومات الطبية جزء من الأحاديث اليومية والأسرية في العائلة. وعبر مسيرة الواحد كونت حصيلة بسيطة من القراءات والمعرفة عن جسدى وطريقة عمله. وحتى أيم قليلة كنت أظن أنى أعرف على الأقل أهم المعلومات الصحية وكيفية عمل أعضاء جسدى، حتى اكتشفت منذ أسبوعين مدى جهلي بالكثير عن أهم أعضاء جسدى.

داهمني منذ فترة ألم خفيف في منطقة الخصية، تحديداً الخصية اليسري. كان الألم خفيفاً لكنه مستمر، لم يصاحبه أي أعراض أخري. استمر الأمر لعدة أيام وفي النهاية قررت زيارة الطبيب. كانت المفاجأة الأولى حينما أخبرنى طبيب المعاينة الأولي والذي يكتب بعد ذلك التحويل إلي الطبيب المتخصص بأننى احتاج إلي طبيب مسالك بولية، وليس أمراض ذكورة. حيث أن أمراض الذكورة لا تتعلق إلا بعمليات الإخصاب والتأكد على قدرة الذكر أن يكون ديك قادر على التلقيح.

تشخيص الحالة كان دوالي في الخصية، لكن الحديث مع الطبيب وكمية البحث التي قمت به في رحلة العلاج، كشف لى عن عالم كامل من أمراض الذكورة والجهاز التناسلي لدى الذكور لا أعرف عنه أي شيء. معلوماتي بشكل أساسي كانت تقف حول الأمراض التناسلية المعدية وكيفية الوقاية منها، كل ما غير ذلك مغيب ومعمم. تبدى لى صرح الجهل والتعميم عن كل الأمراض المتعلقة بالعضو الذكوري، حينما جاء الطبيب على ذكر حامل الخصية، فانفجرت في الضحك حيث كنت أظنه خرافة بينما اتضح كونه أداة طبية مساعدة تستخدم في بعض الحالات.

** *

لا يتحدث الذكور في جلساتهم الخاصة عن شيء أكثر من حديثهم عن الجنس. حديث الذكور عن الجنس هو حديث المعارك والانتصارات والتباهى بالأوضاع والقدرة على الانتصاب لفترة طويلة وتأخير القذف السريع. لكن يخلو هذه الحديث من لحظات الضعف والاضطراب. تستمد الذكورة جوهر وجودها من العضو الذكري. وفي مصر كما معظم البلدان العربية حيث الذكورة مستفحلة ومسيطرة، لا يقبل الذكر الحديث أو التطرق لأى ضعف خصوصاً إذا كان الأمر يتعلق بمنبع ذكورته. وحيث أننا في عالم ومجتمع ذكوري كما علمتنى الكتابات النسوية، فذات القواعد تسير وتؤثر على الذكور أنفسهم وعلى برامج التوعية الصحية وتوجهاتها في المجتمع.

الطبيب أثناء حديثنا كان يكثر من ترديد جملتين أساسيتين بلا داعي. الأولى هي “لا مؤخذة” والثانية “مش عايزك تقلق أبداً، كل الرجالة عندهم الموضوع دا لكنهم لا يقولون”.

خلال الأسابيع الماضية بعد اكتشاف الإصابة وبدأ رحلة العلاج الدوائي، بدأت في فتح الأمر مع دوائر الذكور الأصدقاء المقربين، وكان مؤسف أن أجد الجهل بكل هذه المسائل مستفحلاً. وبينما نجد اللافتات والحملات الإعلامية والدعائية المجانية لفحص الثدي والتوعية بكل الأمراض الأنثوية التي قد تصيب النساء، لا نجد أي دعاية خاصة بأمراض الذكورة أو البروستاتا أو مشاكل دوالي الخصية. والتي تذكر الاحصائيات أنها منتشرة لدى أكثر من 40% من الراجل.

لقد صدمت من كمية القصص الغرائبية التي سمعتها من أصدقاء ذكور حول الجرائم والكوارث التي يرتكبونها في حق أعضائهم نتيجة غياب المعلومات والجهل بأساليب الفحص المختلفة. صديق حكى لى أن مرة بتجربة دوالي الخصية قبل ذلك، لكنه تجاهل الأمر واعتبر أن الألم الخفيف في الخصية دليل على نشاطه الجنسي وامتلاء خصيته بالحيوانات المنوية (نموذج بسيط لتوضيح كيف تتخيل الذكورة ذاتها)، وبالتالي فالعلاج الذي تفتق ذهنه عنه هو الإكثار من ممارسة الجنس، الأمر الذي أدى إلى تطور الأمر نتيجة زيادة معدلات ضخ الدماء في الشرايين والأوردة. حتى وصل الأمر لمرحلة لم يستطيع معه تحملها، وأصبح عائقاً لدى الاتصال الجنسي، حينها فقط ذهب متأخراً للطبيب بعدما استفحلت الحالة. صديق آخر عبر من تجربة الدوالي، ظل متحاملاً على الألم حتى ذات يوم كان يتبول في حمام عام مد يده يتحسس مكان الألم، وقرر لسبب ما أن يضغط عليه معتقداً أن ضغطه عنيفة قد تريح خصيتيه من الألم لكن بدلاً من ذلك انفجر ألم ضخم في كل جسمه، وشعر بدوار حتي أنه كاد أن يفقد وعيه.

في كل برامج وكتيبات التوعية الجنسية تركز على فعالية القصيب وخصوبة الرجل أو الجابة على أسئلة الذكور الغارقة في الفانتازيا حول كيفية تكبير القضيب أو الحصول على انتصاب دائم، لكن لا توجد أي إشارات أو تعليمات حول سبل صيانة ورعاية القضيب ومشتملاته. صديق ثالث حكي كيف أنه أثناء ممارسة الجنس، مارس وضع ما خاطئ حيث عوج قضيبه بشكل ما، شعر بألم مفاجئ وشاهد قضيب نافر في قضيبة وقد ظهر عليه أثر كدمة. شعر برعب ولم يعرف ماذا يفعل ومن خجله أجل زيارته للطبيب ولم يعرف من هو الطبيب المختص الذي عليه زيارته وبعد يومين تحت ضغوط أصدقائه ذهب للطبيب، لكنه مع ذلك ظل رافضاً أن يخلع أمام الطبيب وهو يحكى حينما لاحظ اندهاشي قال معلقاً (أصل احنا صعايده) والنتيجة بعد حديث وتفاوض مع الطبيب شخص حالته بأنها جلطة في القضيب، وأخبره أن الأمر بسيط ولا داعى لقلق. ضحكنا جميعاً على حكاية الصديق بعدما انتهى منها، لكن خمسة ذكور كانوا في الجلسة أعمارهم تمتد من أول الأربعينات حتي منتصف العشرينات لم يكونوا يعرفون أن هناك شيء اسمه جلطة في القضيب.

خمس أوهام عن الذكورة تحجب عنك المتعة

مثلما تعمل الروابط وقوانين الملكية والعلاقات الاجتماعية على ترسيخ مفاهيم للأنوثة بصفتها قرينة للضعف، أو الجوهرة التي تحتاج إلي صيانة. فذات القوانين تعمل على إرساء قوانين مشابهه في عالم الذكور.

من الوسائط الإعلامية والفنية المختلفة على أساليب التربية في العائلة والمدرسة، ترسخ الممارسات العنيفة  واستعراضات القوة كسمة أساسية من سمات “الدكر” وفي عالم الأولاد المراهقين فأى تخلى عن طقوس الذكورة المبكرة معناه انتقاص لهذه الذكورة. وبينما لا يعيب المجتمع على الأنثي إخفاء أنوثتها، بل يطالبها أحياناً بذلك، فإخفاء الذكر لذكورته أو تنكره لممارستها وصورها الاجتماعية يعتبر إنتقاص لا يقبل التعويض.

بسبب هذه الأنماط، فهناك مجموعة متنوعة وغرائبية من أوهام الذكورة تسيطر على قطاع كبير من الذكور العرب، وتحكم أدائهم في العملية الجنسية، ونظرتهم للجنس. التقرير التالي مجموعة من النصائح جمعناها من ذكور مختلفين حول أوهام الذكورة التي أعاقت لسنوات استمتاعهم بالجنس:

-نعم حجم القضيب يصنع فرقاً، كذلك حجم كرشك.

ستظل جميع المواقع الطبية تنصحك وتؤكد أن حجم القضيب لا يشكل فرقاً في استمتاع المرأة، والمهم هو القدرة على الانتصاب. لم يكذبوا عليك، لكنهم لم يحددوا ما هو تعريف “استمتاع المرأة”.

حجم القضيب يصنع فرقاً بالتأكيد، القصيب المختون يختلف عن الغير مختون، طول ومحيط القضيب يختلف من رجل إلي آخر، مثلما يختلف حجم كرشك عن حجم كرش من يجلس جوارك. ستقابل سيدات لن يحببن حجم كرشك، وأخريات سيروا أنه كرش جذاب، آخريات لن يهتموا بكرشك وسيفضلون أن ينظروا لروحك.

ذات القيم والمعايير تنطبق على ما يتعلق بحجم القضيب. المسألة في النهاية تعود لتفضيلات المرأة. بعضن النساء قد يثيرهن حجم القضيب الكبير، آخريات سيشكون من الألم الناتج عن الحجم المبالغ فيه. آخريات لن يهتممن بحجم القضيب مفضلات أن يجيد الرجل الجنس الفموي. العالم مكان محير ومليء بالاختيارات ويفتقد للضمانات بما فيها حتى ضمانة القضيب الكبير.

غلاف مجلة من تصميم : Bruce Minney
غلاف مجلة من تصميم : Bruce Minney

-الجنس الفموى ليس انتقاصاً لقدراتك

على الرغم من الصورة الفجة التي تقدم فيها المنتجات البورنوجرافية تعامل الذكور مع الجنس. إلا أن في مجتمعاتنا العربية وفي بيئة يمتزج فيها تحقير الجسد الأنثوى مع الرغبة في امتلاكه واستخدامها تنمو الكثير من العقد منها على سبيل المثال رفض قطاعات من الذكور لممارسة الجنس الفموى، لأسباب متنوعة تبدأ من شعورهم بالقرف من الكس أو حتى رفض أكلها لأسباب دينية مختلفة. الرومان كذلك كانوا لا يحبون الجنس الفموى لأنهم يرون في الفم منبع الكلمة التي يكتسب بها المواطن الرومانى الحر حقه كمواطن في الإمبراطورية.

لكنك لست رومانياً عزيزي، وليس من العدل أن تستقبل الجنس الفموى من شريك وترفض اعطاءه في ذات الوقت. الأهم من ذلك في بعض الحالات لن تصل شريكتك للنشوة بالجنس العادى، وستفضل بعضهن استقبال شفاهك بدل من قضيبك، وهذا لا يعنى احتقار لقدراتك الانتصابية.

 

-الأصابع لن تسلبك شرفك

مثلما ترغب في اكتشاف جسد شريكك أو شريكاتك فهى كذلك ترغب في المثل. وبينما تسرح أصابعك في كل فتحات جسدها، لا يمكنك أن تعيق تقدم أصابعها نحو فتحتك الوحيدة إذا رغبت. الجنس، والإيلاج ليس عملية مهينة ولا تسلبك شرفك على عكس ما يقال في الشتائم الشعبية. بل أحياناً تكون باب لمتع لم تفكر فيها، ونافذة على تغييرات داخلية قد تقودك لمعرفة ذاتك أكثر.

 

-المثلية ليست مرضاً ينتقل بالعدوي

لديك الحق دائماً في اختيار أصدقاءك ومن ترغب في الخروج أو تمضية الوقت عليهم. لكن الشبكات الاجتماعية تفرض عليك أحياناً الالتقاء بآخرين مختلفين الميول والتوجهات. وأحياناً لا يخجلون من اظهار اختلافهم.

الذكور الناعمين أو الذين يهتمون بجسدهم بشكل بعيد عن المواصفات الذكورية السائدة من تربية للعضلات، ليسوا شرطاً أن يكونوا مثليين. وإن كانوا كذلك فالسلام عليهم أو مصافحتهم لن يتسبب في انتقال عدوى المثالية إليك. ولن يسلبك جزء من ذكورتك، أو يجعل السيدات ينظرن إليك كذكر غير مرغوب أو مرحب به في دائرة اهتمامهن.

 

-تبديل الأدوار في اللعبة أمر صحي

ليس هناك حالة ثابتة، أو هوية للميول الجنسية يمكن حملها للأبد. ميولك الأمس ستصبح ممارسات مملة وغير محفزة لبذور الرغبة اليوم. وأحلام اليوم ليست هي ما حققته الأمس.

لا تلتزم بدور محدد، ليس شرطاً أن تكون دائماً في الأعلى، وليس شرطا أن تكون دائماً من يصفع الأرداف أو الخدود. قليل من الصفعات منها أيضاً لن تهز صورتك كدكر أمامها. في الألعاب التخيلية والفانتازيات الجنسية تخلى عن التصورات المفروض عليك حول ذكوريتك وحول ما يجب أن تفعله وما لا تفعله

Alex Gross لوحة بعنوان الاستسلام
Alex Gross لوحة بعنوان الاستسلام

نبتة – قصة قصيرة

    لن آت من الباب ولا النَافذة.

   بل نبتة صغيرة لن تلاحظيها بالعين المجردة. سأنمو يومًا بعد يوم بسبب صوت غنائك وإيقاع تنفسك في الليل. نبتة صغيرة لن تلاحظيها في البداية تنمو أسفل سريرك.

   من الباب إلى الفراش، إلى الحمام، إلى الدولاب، إلى الوقوف أو الجلوس أمام المرآة. في كل تلك الأفعال صوت دندنتك بالموسيقي والأغاني سأنمو. نبتة صغيرة خضراء. أوراقها العريضة النحيفة ستتسلل من تحت فراشك.

   قرأتُ مرة عن نباتات تعيش على الضوء، لكنها تفترس كائنات أخرى. تحيطها بأوراقها الخضراء اللامعة، تجذبها برائحتها الطيبة والشهوانية، ثم تطبق عليها، وعلى مدى ساعات وأيام وسنوات تمتصها. تمتص أصابع قدميك إصبعًا فإصبع، ثم تصعد لأعلى.

    ماذا أفعل بالنحلة؟ وماذا أقول للزهرة؟

    تصبح النبتة وأنتِ شيئًا واحدًا. تكبرين، فتصيرين شجرة. مازلت أنا كنبتة أحتاج لدندنة صوتك، لهمهمتك قبل الأغنية. شيء ما يسقط مني كل يوم في الصباح، ولا أستطيع الإمساك به. شيء آخر يطير مني كل مرة أستلقي على الفراش، وحينما أصحو من النوم لا أتذكره.

    أحيانًا انتبه، اتجه للسرير أبحث أسفل منه، لا أجد النبتة الخضراء ولا أجدك.

16731190_10158246512470343_858280118_o

تأمين الحب

 

كتبت الكثير من الأعمال العظيمة والخفيفة حول الحب. شرارته الأولى، شبقه، استحالته، إخفاقاته، الفراق، الحنين، التراجيديا، الدموع والبعاد، الهجران والذبول ثم النسيان. الأخير اعتبره بورخيس الشيء الوحيد الذي لا وجود له.

 المدهش نُدرة الأعمَال العظيمة التي تتحدث عن استمرار الحب. ما بعد اللقاء. الفراغ الذي يملئ الصفحة بعد جملة وعاشوا في هناء وسعادة. يسكن الشوق باللقاء لكن لا دليل موثق لدينا أن الحب ينمو أو يسكن أو يتوقف عن بعث الآلام باللقاء. مهلوسي الميتافيزيقيا تحت دعوى التصوف قالوا يوماً “كل شوق يسكن باللقاء لا يعول عليه”. لكن لا نعنى بالحب هنا ذلك الشوق لغائب لا يمكن تجسيده، بل لجسدين، لشوق وحب ينمو بين بشريين محصورين بعوامل الزمن وضغوط الحياة وتآكل الجسد تحت وقع ضربات الحياة والزمن. وإذا استمر الحب بين الاثنين، فلا تأمين أو ضمان للمدى الزمنى لتلك الاستمرارية. وما نقصده هنا لا يتعلق بضمان الولاء الذي يتبع اللقاء، بل بضمان استمرار تلك الرجفة والنشوة التي يبعثها تسكين الأشواق. هذا الأمر خطر يا أصدقائي، هناك صرعى، أناس تنتحر وأناس تموت بسبب الحب، وأحياء تسلب منهم نشوة الحياة، والإنسانية طورت نظم رعاية وتأمين على كل شيء من الأرداف وحتى ناقلات البترول، لكن لم يكلف أحدهم نفسه بوضع كتيب إرشادي لكيفية التعامل مع هذا الأمر الخطير، أو بناء شبكة ضمان وتأمين ورعاية للحب.

لماذا يفضل العرب التسلط أكثر من السادية؟

نشرت في موقع الحب ثقافة عام 2014

في نقد غاتاراي ودولوز لعلم النفس الحديث يخبران الاثنان أن التحليل النفسي الفرويدي ليس إلا وسيلة في يد الرأسمالية، فهو ابتكار مجموعة من القواعد والقوانين لملاحقة الرغبة من أجل السيطرة عليها والتحكم فيها، وتتجلى عملية تدعيم التحليل النفسي للرأسمالية في مجموعة من التعريفات والإجراءات التي يتناول من خلالها مفهوم الرغبة. حيث يتبنى التحليل النفسي الفرويدي تعريف أفلاطون للرغبة باعتبارها “فقدان”، لكنها في حقيقة الأمر من وجهة نظر دولوز “إنتاج”.

فلسفة الصورة الفيلسوف جيل دولوز
جيل دولوز

جعل فرويد وعلم النفس الحديث الرغبة مرتبطة بالجنس فقط، كما يجعل اللذة هي هدف الرغبة وغايتها بحيث يكون الحصول على اللذة تخلصاً من الرغبة. ويجعل التحليل النفسي الرغبة محصورة في الإطار العائلي ومثلث الاب، الابن، والأم. بالتالي يقوم بتهميش الدور الأكبر للمجتمع في عملية خلق الرغبة ودور الدولة والنظام في عملية الكبت، وخلق مسارات محددة سلفاً للرغبات تحولها إلي آلة لتلبية الاحتياجات التي يوفرها النظام.

منذ الحرب العالمية الثانية نمت صناعة البورنو جنباً إلي جنب مع كافة الصناعات العاملة في مجال الخدمات الجنسية، وبمساعدة علم النفس تم تقسيم أرض الجنس إلي أدراج وملفات، أنواع مختلفة من “الفيتش”، تراكمات هذه الخبرات الفردية لتصنع في النهاية دليل استخدام للفانتازيا الجنسية. هذا الدليل سهل عملية تسليع الجنس في النظام العالمي الجديد.

مع الانترنت تم تعميم “الكتالوجات” الجنسية، خلق من الجنس مساحات متخصصة، بل وتم تمييز الناس والتفرقة ما بينهم على أساس ميولهم الجنسية أحياناً وعلى أساس الأوضاع والممارسات التي يفضلونها. شاهدنا في العقد الآخير كيف نمى المحتوى الجنسي العربي على الانترنت في الشبكات الاجتماعية والمنتديات ليشمل أقسام تبدأ من محبي “فيتش الأقدام”. وحتى قبائل الممارسات المازوخية والسادية.

لكن بدلاً من أن تمثل هذه الأراضي الجديدة فضاء للأفراد للعب والاستكشاف تحولت لهويات مغلقة على جماعات محددة، حيث أصبح كل ميل معبر عن هوية. وفي العالم العربي انتشرت الصفحات التي تقدم هذه الميول الجنسية كعلم له أصول وقواعد. وتحاول في الوقت ذاته إيجاد حلول لأزمات واشكاليات المواطن العربي المسلم، كيف يمارس ميوله الجنسية ضمن سياق لا يبعده عن المسار الديني أو الاجتماعي للمجتمع الذي يعيش فيه.

حتي الآن تمثل هذه الممارسات انحراف وشذوذ في الوعى الجمعي العربي، على الرغم من كون الإسلام الدين الأكثر انتشاراً في المنطقة لا يضع أي حدود للمارسة الجنسية إلي “الاتيان في الدبر” لكن سيل الفتاوى التي تتناول كل أمور الحياة أوصلتنا لفتاوى تحرم الاستمناء باليد لكن تبيحه بيد الزوجة.

فرجال الدين الإسلامي المنبوذ من كرسي الحكم في معظم البلدان العربية، يجدون مساحة أكبر لممارسة سلطاتهم على حياة الأفراد واختياراتهم الجنسية. والأفراد يحاولون إيجاد طرق وسط فتجد نقاش على واحدة من المجموعات الكبيرة التي تحمل اسم “عبيد الملكة نورهان” حول مدى جواز التمتع بفيتش الأقدام، يبدأ النقاش بتحيلي ذلك مع الزواج، وينطلق إلي أن القدم ليست عورة وبالتالي التمتع بصور أصابع أقدام الملك نورهان ليس بالفعل الحرام.

هذا الحصار الذي تعيشه رغبات الانسان العربي، يجد متنفساً له في العالم السفلي للانترنت حيث التحرك بهوايات وأسماء مستعارة، وتكون شبكة ومجموعة مغلقة من أهل الثقة الذين يتشاركون في ذات الاهتمامات. لكن حتي في العالم السفلي تطاردهم لعنات الإدانة أو نصائح الهداية وأحياناً الشرطة.

img_1850_09
رسم إباحى لمشهد جنس جماعى من القرن التاسع عشر- فنان مجهول

واحدة من الممارسات الجنسية التاريخية والتي تم إحيائها بتوسع مع الانترنت هي مجموعات وشبكات تبادل الزوجات، ومؤخراً أصبح القبض على ما أصبح يعرف إعلامياً بشبكات تبادل الزوجات خبراً متكرر بانتظام. وفي كل مرة تستغل الداخلية الأمر وتعمل على التشهير بالمشتركين لكن مع توالي الأخبار وتكررها لم يعد أحد يهتم. من الناحية القانونية لا توجد قضية إلا اذا نجحت الداخلية في إثبات تقاضي أي من الطرفين للمال مقابل الجنس حتى تصبح قضية دعارة، لكن في نظام قضائي كالذي تعيش فيه مصر يظل الأمر متروكاً للقاضي. ذات المجتمعات والنظام القضائي لا يجد غضاضة في التحرش المنتشر في الشوارع أو في العنف الذكوري اتجاه المرأة، كأنما الجنس وممارسته تظل مقبولة إذا كانت في إطار ترسيخ القيم الاجتماعية السائدة بما تحمله من تسلط وازدواجية.

الطلاق مسيرة من الفخاخ المتوالية

voأحدهم نصب لى فخاً! في الأفلام والمعالجات الدرامية والروائية، وحتى في النبرة التي يحكي فيها الذكور متفاخرين بتجاربهم العاطفية، يرد الانفصال أو الطلاق كوصمة عار ونقطة حزن في حياة المرأة، ولحظة قوة وحزم في حياة الراجل… وقد وقعت في الفخ.

سواء أكانت المقدمات للطلاق أو الانفصال من سفاسف الأمور التي تتراكم ببطء وصبر حتى لحظة انفجار تدمّر السد، أو جلمود صخر يسقط فجأة فيولّد معركة تتنهى بنهايات درامية… مهما كانت المسببات أو النتائج، أو عدد المحاولات المتوالية لإصلاح ما انكسر، أو البحث عن مخرج للحفرة، هناك نقطة يصل الظلام فيها إلي أقصى درجاته: نقطة تتوهم أن الطلاق أو الانفصال هو بصيص النور الذي يمكنك أن تهرب عبره من سواد الظلمة إلي شمس البدايات الجديدة. هذا أيضاً فخ.
بينما تستسلم إلى حل نهاية الطلاق وتسير نحوه، تجد المسائل تتعقد أكثر. العائلة تبدأ في التدخل. وفي الغالب هذا أسوأ ما يمكن أن يحصل. فأولاً سيطالبون بالحق في معرفة كل التفاصيل والمبررات للطلاق، وتحت ضغطهم و”الزن على الودان” المتواصل سرعان ما ستستسلم وتخبرهم بالتفاصيل. وحتى إذا التزمت الصمت، وتمسكت باحترام خصوصية العلاقة، في اللحظة التي سيعترف فيها الطرف الآخر لعائلته ستندفع أنت في حماقة أخرى لتعترف بدورك لعائلتك. حينها ستتضاعف المشاكل وتتصاعد الدراما.

2012-12-10 13.08.36
تصوير: أحمد

سينفجر الأمر

الخطأ الثاني الذي وقعت فيه وغالباً ما يتكرر في العائلات العربية أن تقرر تحت دافع السأم واليأس ترك مناقشة التفاصيل المادية للانفصال وتوكيل العائلة بتولي الإجراءات القانوينة والبيروقراطية، أو أن تفقد أعصابك في أي لحظة من لحظات التفاوض. سينفجر الأمر، ومع العائلات سيتدخل المحامون، ليبدأ فصل آخر مساره المحاكم والقضاء الشامخ، ورشاوى للأمناء، وبلطجة وقلة أدب وقيمة في بلد لا تعرف من القضاء إلا شموخه.
شاهدت رجالاً ينهارون تماماً مع دخول المسائل في مرحلة المحاكم. يتحولون إلى مضطربين بردود أفعال عنيفة تجاه كل شيء، بل يصبح من الصعب التنبؤ بأفعالهم. لم أدرك الداعي والسبب إلا حينما مررت بذات الموقف. كان هناك بركان من المشاعر الجديدة كل يوم تخرج إلى الملأ لأول مرة. نعيش كذكور خلف قواعد وأقنعة تحدد لنا ما هي الرجولة، وما هي صفاتها، وكيف ينبغي أن نتحرك ونتفاعل كي نكون “ذكراً”، وكل هذا من أجل جذب الطرف الآخر. لكن حينما يتبدد الحلم، ونقترب من فقدان الطرف الآخر، تنهار أقنعة الرجولة ونرى أنفسنا في مواجهة فيض من المشاعر المختلطة والمتضاربة، والتي لم يخبرنا أحد كيف يجب أن نتفاعل معها. في المقابل، تمر حالة من السكينة والهدوء والثقة والقوة الغريبة على كل امرأة عرفتها مرت بمرحلة الطلاق والانفصال. قد تصاب بالحزن والإحباط، وربما حالة عدمية ولا مبالة، لكن تظل مسارات المشاعر ذات كينونة معروفة وهي الحزن والاكتئاب. أما الرجل، فبسقوط القناع، يسقط في “حيص وبيص”، وتضارب واندفاع جنوني من أقصي اليمين إلي أقصي اليسار.
تجاوزتُ إجراءات الطلاق والانفصال بهدوء وسكينة وقدر من الاحترام والود. لكن ما بعد الانفصال: هذا الفراغ لم أعرف كيف أواجهه!. ظننت لفترة أنني حالة خاصة، مميز ومختلف، لكني سرعان ما وجدت أن قصتى متكررة. صديق طيار حربي جاء منهاراً بعد الطلاق يحكي كيف أنه، ولأول مرة، شعر بالتشتت حينما خرج في مهمة.
إذا اتجهت للخارج ستجد أن الهوة تتسع أكثر فأكثر
دورة مؤسفة. ففي الزواج اندفعت في دوامة العمل حتى تركت العلاقة تغرق في بحر من الرمال، وحينما انفجرت المشاكل، بدا الطلاق كوسيلة للتخلص من المشاكل والتفرغ للعمل. لكن بعد الطلاق، لم تعد هناك حاجة للعمل، وفكرة الادخار أو الاستقرار المادي تضاءلت. تحاول أحياناً تعويض الفراغ بالانطلاق في رحلات استشكافية جديدة، لكن إذا اتجهت للخارج ستجد أن الهوة تتسع أكثر فأكثر. ذلك أن ما لا تبحث عنه، وإن كنت تحتاجه، سيكون بالداخل وهى رحلة أكثر وعورة. لا تتوقع أبداً أن تجد ما فقدته، أو تجد أي شيء عموماً. فالمهم هو ما ستتركه الرحلة من آثار عليك. حينها ستتغير أنت وستجد أن ما تبحث عنه قد تغير، وأصبح شيئاً أو أشياء لم تكن لتراها دون العبور من هذا النفق وترك ما ظننته يوماً حياتك، وتعيش ولادة جديدة وإن حملت جينات وتاريخ الحيوات السابقة.
المدونات تعبّر عن رأي صاحبها وليس بالضرورة عن رأي الموقع.
تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ