مقدمة كتاب مصر +100 : أو كيف نقرأ أدب الخيال العلمى خارج القصرية الغربية

إليكم هذا اللغز؛ هل الخيال العلمي:

  1. تصور للمستقبل ينطلق من ظاهرة أو نظرية علمية في الحاضر، فتكون النتيجة عالمًا أدبيًّا مختلفًا عن واقع لحظتنا لكن يعمل وفق قوانينها “العلمية”، أو بلغة أخرى كما تقول Ursula K. Le guin:

[1]غالبًا ما يتم وصف الخيال العلمي، وحتى تعريفه، بأنه استقراءي. يأخذ كتاب الخيال العلمي اتجاهًا أو ظاهرة هنا والآن، ويقومون بتنقيتها وتكثيفها لتحقيق تأثير درامي، وتوسيعها إلى المستقبل

  • 2. العالم محكوم بقوانين فيزيائية وحسابية، وأدب الخيال العلمي هو تخيل طرق علمية بديلة لتجاوز قبضة الواقع.
  • 3. الخيال العلمي هو مجموعة من الثيمات الدرامية والحبكات الأدبية تتكرر في آداب الدول الشمالية، أما إن ظهرت الثيمات والحبكات نفسها في أعمال أدبية من دول الجنوب تصبح “واقعية سحرية” أو “فلكلور”.
  •  4. يمكن تمييز أدب الخيال العلمي عبر مجموعة من المحددات كما تقول باربار ديك [2]

العوامل المميزة للخيال العلمي هي توجهه نحو استخدام العلم والتكنولوجيا، وغالبًا ما يركز بشكل خاص على المستقبل، طالما أن استخدام العلم والمستقبل جزء لا يتجزأ من الدراما.

الآن إليكم قصة قصيرة، فهذه مقدمة لكتاب قصصي، وليست ورقة امتحان

 في صيف 2010 أوقف اثنان من رجال الشرطة في ثياب مدنية الشاب خالد سعيد في الإسكندرية لتفتيشه، وحين طلب منهما تحقيق الشخصية ليتأكد من كونهما شرطيين، انهالا عليه بالضرب أمام كل من في الشارع، ثم جرَّاه إلى مدخل إحدى البنايات واستكملا وصلة الضرب، حتى تركاه جثة هامدة في مدخل البناية.

 التعذيب كان وما زال ممارسة منهجية لدى الشرطة المصرية، ولم يكن خالد سعيد الضحية الأولى ولا الأخيرة، لكن ردود الفعل على الحادثة اتسعت خارج الدائرة الحقوقية، لتشمل مجموعات شبابية نظموا أنفسهم باستخدام الإنترنت والسوشيال ميديا، في مظاهرات خرجت للشوارع وبدأت في الاتساع، خصوصًا وقد أنكرت وزارة الداخلية الاتهامات، وخرج تقريرها يقول إن خالد سعيد توفي بسبب ابتلاعه لفافة بانجو.

بعدها بنحو 6 أشهر اندلعت مظاهرات مليونية في القاهرة وعدد من المحافظات، وتحولت المطالب من إعادة محاكمة القتلة وعزل وزير الداخلية إلى إسقاط النظام والمطالبة برحيل الرئيس مبارك، الذي كان يحكم البلاد لأكثر من ثلاثين عامًا ممثلًا عن الجيش، الذي يملك ويحكم مصر منذ سقوط الملكية في 1952.

استمرت المظاهرات لمدة 18 يومًا، انتهت بتنحي مبارك عن السلطة يوم 11 فبراير 2011، لتنتهي شرعية السلطة القائمة وتحل بدلًا منها شرعية جديدة لما صار يعرف بثورة 25 يناير.

  أجريت انتخابات شبه ديموقراطية انتهت بفوز مرشح جماعة الإخوان المسلمين محمد مرسي بهامش بسيط، وقد كان مهندسًا في مجال الفلزات وتخصص في تطوير الأسطح المناسبة لصواريخ الفضاء.

 فور وصوله إلى الحكم أصدر عالم الفلزات مجموعة من القرارات الإمبراطورية بهدف الاستحواذ الكامل على السلطة، وتحويل مصر إلى إمارة إسلامية طبقًا لمفهوم جماعته. خرجت المظاهرات مرة أخرى ضده، وهذه المرة انضم إليها الجيش وقوى إقليمية خليجية، فانتهت التجربة شبه الديموقراطية بانقلاب قائد الجيش عبد الفتاح السيسي على الرئيس المنتخب، وتعيين رئيس المحكمة الدستورية رئيسًا لفترة استمرت عامًا، وانتهت بفوز الجنرال السيسي بانتخابات معدومة الديموقراطية، ليحكم السيسي مصر منذ 2014، بقبضة من الحديد والنار، وعقل يعشق الخرافات وتفسير الأحلام، ويرفض دراسات الجدوى ويرى أن العلم والتعليم استثمار خاسر ولا يدر أرباحًا.

في العام الانتقالي الذي حكم فيه السيسي وزيرًا للدفاع إلى جانب رئيس المحكمة الدستورية، وبينما تمتلئ الشوارع بالاشتباكات المسلحة والحروب الأهلية المصغرة بين مؤيدي الرئيس عالم الفلزات والجنرال عاشق الأحلام، استيقظ المصريون على أخبار عن مؤتمر صحفي هام للقوات المسلحة ستعلن فيه عن هدية منها لا للمصريين فقط بل للإنسانية جمعاء.

 في هذا المؤتمر ظهر بلباس عسكري شخص عرف نفسه بصفته اللواء دكتور عبد العاطي، أمسك في يده جهازًا يشبه الريموت كنترول يخرج منه أريال TV antenna، ليعلن أن القوات المسلحة ابتكرت هذا الجهاز الذي يمكنه الكشف عن أمراض التهاب الكبد الوبائي والإيدز، من دون الحاجة إلى إجراء تحاليل، فقط بتمرير الجهاز تتحرك “الأنتينا” إذا كان لدى المريض فيروس كبدي أو إيدز.

 أعلن اللواء دكتور عبد العاطي أنه يعكف على جهاز آخر سيقضي على الإيدز والتهاب الكبد الوبائي والأمراض الفيروسية الأخرى. أمام الكاميرات ومختلف محطات وسائل الاعلام شرح أن جهازه سيمكنه عبر الأشعة تفكيك وتكسير بروتين الفيروس، ثم تحويل هذا البروتين إلى غذاء للجسم، أو كما قال “هناخد الفيروس من المريض، أرجَّع له بروتين كباب وكفتة يغذيه ويفيده”.

صمتت المؤسسة الطبية المدنية ولم تعلق، فقبل الإعلان عن الجهاز ببضعة أسابيع، قتلت القوات المسلحة أكثر من ألف شخص في مذبحة ميدان رابعة، وأمام الكاميرات أشعلت القوات خيام المتظاهرين وجثثهم. ومنذ المذبحة وحتى الآن غاب أي مظهر من مظاهر القانون عن أداء الشرطة أو الجيش المصري، وتوسعا في عمليات القتل خارج إطار القانون، والإخفاء القسري، وسجن أى معارض لسنوات من دون محاكمات ولو حتى صورية. تحت سلطان الخوف صمت الجميع، بل صفق بعض الأطباء وأساتذة الجامعة لاختراع القوات المسلحة القادر على تحويل الفيروسات إلى كباب وكفتة.

كنت وقتها أعمل على روايتي الثالثة “والنمور لحجرتي”، والشخصية الرئيسية طبيبة علاج طبيعي في مستشفى عسكري، تكتشف ذات يوم قدرات علاجية خارقة للمسة يدها، فتخوض رحلة للتعافي من طلاقها ومعرفة سبب هذه القدرات المفاجئة، لكن أمام أخبار اختراع اللواء عبد العاطي، بدا الخيال العلمي الذي أكتبه محدودًا جدًّا مقارنةً بالواقع.

ما الذي يمكن أن يصنعه أدب الخيال العلمى في مواجهة سلطة استبدادية تستلهم مشاريعها من الخيال العلمي؟ من “نيوم” في السعودية إلى مشروع “عقل مصر”، يبدي الديكتاتوريون العرب شغفًا غير محدود بجماليات وأدبيات الخيال العلمي، ويستلهمون منها فانتازيا أحلامهم السياسية، التي تصبح كابوس حياة المواطنين.

كيف يمكن لكاتب خيال علمي أن يتعامل مع هذا الواقع أصلًا؟ كيف يمكن أن “تتخيل” في واقع يخرج فيه قادة عسكريون وأطباء جنرالات ليقنعوك بجهاز يلتقط ذبذبات الفيروس، ثم يفكك بروتينه، ويحوله إلى كفتة، وإذا رفضت منطقهم، علمهم، فمصيرك السجن أو القتل؟ ما العلم وما الخيال في واقع كهذا؟

أسئلة مرة أخرى، لذا إليكم مقال أدبي قصير، ففي النهاية يفترض أن تكون هذه مقدمة لكتاب قصصي.

غلاف كتاب +100

أعتقد – وقد تكون هذه مبالغة – أن التصور الخطي عن الزمن هو العمود الفقري للبنية اللغوية للإنجليزية، فكل جملة يجب أن تحدد موقعها بدقة على خط الزمن، المستقبل مثلًا يمكن أن يكون  Simple future tense, Future continuous tense, future perfect tense and the mysteries future perfect continuous tense.

لذا من السهل على كتَّاب ونقاد الإنجليزية تخيل أدب الخيال العلمي كاستشراف للمستقبل، مثلما تقول  Ursula K. Le Guin. لكن للزمن تصورات غير خطية في حضارات أخرى، كأن يكون دائرة مثلًا وكل نهاية/ موت إنما هي انتقال لحياة جديدة، أو فضاء يمكن للماضي والحاضر والمستقبل الاجتماع فيه، مثل حكاية الإسراء والمعراج في التراث الإسلامي، فبعد وفاة زوجة النبي محمد الأولى وعمه، يصاب بحزن شديد حتى يجد أمامه ذات ليلة “البراق”، وهو حيوان أكبر من حمار وأقل من حصان وله جناحين.

على ظهر البراق يسافر النبي إلى القدس، وهناك يجد الأنبياء جميعهم – الذين يفترض أنهم عاشوا وماتوا في الماضي – ينتظرونه ليصلي بهم، ثم بعد الصلاة يصعد مع الملاك جابرييل إلى السماء السابعة، وفي طريقه يشاهد أناسًا يعذَّبون في النار أو يتنعمون في الجنة فيما يفترض أنه المستقبل بعد يوم القيامة، ثم يعود من رحلته إلى فراشه قبل أن يبرد.

في التصور الخطي للزمن هذه القصة مستحيلة، بل تفتقد إلى منطق سردي. لكن في المفهوم الإسلامي فالزمن حيز يعيش داخله الإنسان، أما الملائكة والإله فهم خارج ذلك الزمن، ولذلك فلدى الله القدرة على رؤية الماضي والحاضر والمستقبل مهما كانت أفعال واختيارات البشر الذين يحيون داخل فضاء الزمن، وبقدرته يمكن أن يجتمع الأنبياء الذين ماتوا في الماضي، مع نعيم جنة المستقبل التي يفترض أن تأتي بعد القيامة ونهاية الزمان. ثم بعد انتهاء الرحلة يعود النبي إلى فراشه في مكة في الليلة ذاتها، حتى إن فراشه الذي غادره لم يبرد بعد.

ينعكس هذا التصور للزمن الذي تختص به الثقافة العربية في أدب الخيال العلمي المصري، فواحدة من أوائل الأعمال الرائدة هي “عجلة الأيام” ليوسف عز الدين عيسى، التي صدرت في 1939، وتبدأ بمشهد لزوجين عجوزين يتأملان غروب الشمس حين يلاحظان أنها تتحرك باتجاه الشرق لا الغرب، وأن عجلة الزمن تعود إلى الوراء، فالأمس يصبح غدًا، ولحظة الميلاد تصبح لحظة الموت، والماضي يصبح المستقبل.

إذا وضعنا هذه القصة على مقياس Ursula K. Le guin، لن يمكننا تحديد لحظة المستقبل عن الماضي.

في البدايات الأولى لأدب الخيال العلمي المصري، تتجلى حيرة الكتَّاب المصريين بين التصورات الغربية للزمن والزمن في تراثهم الأدبي، ومن هذه الحيرة ولدت الموجة الأولى لأدب الخيال العلمي المصري كما تتجلى في أعمال توفيق الحكيم (1898- 1987)، مثل “أهل الكهف” التي تستلهم قصة من الميثولوجيا الإسلامية عن ثلاثة دخلوا للنوم في كهف، وحين استيقظوا كان قد مر على العالم 300 عام. يتكرر الأمر في رواية نهاد شريف (1932- 2011) “قاهر الزمن”، إذ يتوصل طبيب ثري إلى التقنية التي يمكنه عبرها تجميد الجسد البشري لسنوات وعقود، حتى تنتصر الإنسانية على كل الأمراض وتصل إلى الخلود، فيعيد إحياء نفسه ومن اختاره ليعيشوا في المستقبل الخالد.

وهب نهاد شريف حياته لأدب الخيال العلمي، وعمل منذ الستينيات صحفيًّا متخصصًا في تغطية الموضوعات العلمية في جريدة أخبار اليوم، ومستشارًا لحكومات عبد الناصر في عدد من المشاريع الإصلاحية، مثل مشاريع القرية النموذجية، ومديرية التحرير، وهي مشاريع طموح هدفت إلى ابتكار مفهوم جديد  للقرية والمجتمع الزراعي في إطار اشتراكي لتعليم الفلاحين وتطوير حياتهم، عبر وضعهم في قرى مهندسة كنموذج مستقبلي لما يجب أن تكون عليه القرية.

تعطلت وتوقفت تلك المشاريع مع حرب 1967 ونهاية مشروع التحرر الوطني والإصلاح الذي قاده جمال عبد الناصر، لكن مع مجيء السبعينيات ظهر جيل جديد من كتَّاب الخيال العلمي، أبرزهم د. مصطفى محمود، ورؤوف وصفي، وصبري موسى، كما أصبحت ثيمات الخيال العلمي جزءًا أساسيًّا من فسيفساء الأدب المصري الحديث، يتطرق لها ويستخدمها كتَّاب لا يصنفون أنفسهم أو أعمالهم كخيال علمي، مثل رواية “شطح المدينة” لجمال الغيطاني (1949- 2015)، “لست وحدك” ليوسف السباعي (1917 – 1978).

لكن انفجار أدب الخيال العلمي المصري وتحوله إلى أدب شعبي بدأ في الثمانينيات، حين نشرت المؤسسة العربية الحديثة إعلانًا تدعو فيه الكتَّاب المهتمين بكتابة أدب الخيال العلمي والقصص البوليسية وأدب الرعب إلى التقدم بمسوداتهم للمؤسسة.

في الأصل كانت المؤسسة العربية الحديثة دار نشر متخصصة في نشر الكتب التعليمية، لكن في عام 1983 نشرت لنبيل فاروق أول عدد من سلسلة رواياته “ملف المستقبل” الموجهة للنشء، وتدور أحداثها في المستقبل مع مغامرات فريق من ضباط المخابرات العلمية المصرية. صدر من سلسلة ملف المستقبل أكثر من مئة كتاب، وكتب نبيل فاروق سلاسل مغامرات وروايات منفردة ذات طابع بوليسي أو خيال علمي، لكن جميعها تميزت بالطابع القومي، فمعظم أبطاله ضباط في جهاز المخابرات، أو ذكور شجعان أذكياء. ومع بداية عقد التسعينيات انضم إلى نبيل فاروق (1956- 2020) كتَّاب آخرون مثل محمد سليمان عبد الملك، ورؤوف وصفي، وأخيرًا د. أحمد خالد توفيق (1962- 2018)، الذي صار من أكثر الكتَّاب العرب مبيعًا وتأثيرًا في الأجيال اللاحقة، وصاحب ألقاب مثل “عراب أدب الخيال العلمي العربي”.

باعت روايات المؤسسة العربية الحديثة ملايين النسخ في أرجاء العالم العربي كافة، وصنعت قاعدة شعبية للآداب النوعية، لكنها خلت من أي أسئلة اجتماعية تخص الجندر أو الجنس أو الدين أو السياسة، بالعكس تمتلئ بالخطابات القومية والأفكار الأخلاقية الرجعية. وبحكم توجهه لجمهور النشء، سعى أحمد خالد توفيق وكتَّاب المؤسسة لتحييد أي أفكار مثيرة للقلق.

فقط في عقده الأخير، تحرر د. أحمد خالد توفيق من المؤسسة العربية الحديثة، وبدأ في نشر روايات موجهة إلى الكبار تميزت بطابعها “الديستوبيا”، مثل روايته “يوتوبيا”، التي تصور فيها مصر مستقبلية يعيش فيها الأغنياء داخل تجمعات سكنية بأسوار عالية، ويُمنع على الفقراء دخولها، بل يعيشون في واقع مزرٍ يسوده الجهل والتلوث ويختفي منه العلم والمنطق والتعليم، في حين يكون العلاج بالأحجية والأدعية. نشر أحمد خالد توفيق روايته عام 2008، وبعدها بثلاث سنوات قامت ثورة 25 يناير، وبعدها بخمس سنوات انقلاب 30 يونيو. حاليًّا يبني السيسي عاصمة جديدة في قلب الصحراء، محاطة بسور ضخم، وخندق لمنع تسلقه، ويحتاج المصريون إلى تذاكر وتصريحات خاصة لدخولها.

في العقدين الأخيرين، حدث انفجار في الآداب النوعية في سوق الكتاب المصري، خصوصًا أدب الرعب والخيال العلمي، سواء عبر مشاريع كتَّاب تخصصوا في كتابة الخيال العلمي فقط، أو كتَّاب صارت الاستعانة بتيمات الخيال العلمي جزءًا أساسيًّا من عالمهم الروائي.

لذا حاولنا في هذه المختارات تقديم كتابات تعكس تنوع المشهد الأدبي المعاصر، لا فقط أدب الخيال العلمي المصري، وساعدنا في هذه التيمة التي تحكم السلسلة +100.

اخترنا دعوة كتَّاب متمرسين في كتابة الخيال العلمي، مثل ميشيل حنا، وكتَّاب معروفين بأعمالهم الواقعية مثل نورا ناجي وعزة سلطان، وآخرين عُرفوا بأعمالهم السياسية والساخرة مثل بلال فضل. كذلك راعينا التنوع الجغرافي، فبعضهم مقيم في القاهرة، وبعضهم خارجها، وآخرون في المنفي خارج مصر. ولأن الأدب المصري لا يقتصر فقط على الأدب المكتوب وبالعربية، وجهنا دعوة إلى كتَّاب مصريين يكتبون بالإنجليزية مثل ياسمين الرشيدي.

تجمع هؤلاء الكتَّاب مصريتهم وتورطهم على نحو أو آخر في ثورة 25 يناير، التي قلبت عالمهم وأعادت تركيبه من جديد.  طلبنا من الكتَّاب المشاركين تخيل مصر 25 يناير لكن بعد مائة عام، لم نضع أي حدود أو إرشادات سوى ضرورة أن تتقاطع القصة مع لحظة مستقبلية هي 25 يناير 2111، فكانت النتيجة قصصًا تقف في المستقبل لكن تستلهم من الحاضر أحلامها وكوابيسها.


[1] Ursula K. Le guin  at the introduction of her novel The left hand of darkness.

[2] DICK, BARBARA,KATHLEEN (2016) Modern Arabic Science Fiction: Science,

كرنب الثور يا حبيبي- مقطع من رواية #والنمور_لحجرتي

  انحدرت فرح في المُقَارنة بينها وبين مي كامل، شخصيتها المنطوية التي تكره البهرجة والادعاء الفني، وشخصية مي مُعجزة السينما التي يصفق لها الجميع. وجهها الغارق دائمًا في المكياج، وفرح التي تستمتع بطلاء الأظفار لكنها لا تطيق المكياج الكثيف على وجهها. عائلة فرح المحافظة التي وقفت ضد ارتباطها بأحمد، وعائلة مي الفنية الشهيرة. فبابا هو من أنتج لمي أول فيلم لها، وبابا وأصحابه هم من مولوا لها أول مسلسل. ليس التعريص الفني هو ما يضايقها في اتجاهات مي الفنية، بل هذا الادعاء والمباشرة الخطابية التي تقدم بها أفلامها ومسلسلاتها، كأنها صلاة للغباء وتهجد لآلهة القيم المزيفة. ثم الاحتفاء المبالغ بأعمالها والتصفيق لها باعتبارها وجهًا نسويًّا ثوريًّا وشابًّا، في حين لا ترى فرح في أعمالها سوى النمطية العبيطة والشعارات المسروقة، حيث النسوية لأمثال مي كامل تتمثل في النجاح الفردي، ولوم النساء الأخريات لأنهن لا يتوقفن عن الشكوى بدلاً من العمل، لكي ينجحن ويحصدن الجوائز مثلها. أمثال مي يستفزونها وتكرههم، ليس لأنهم معرصين ولا يرون أن نجاحهم المزيف بسبب التعريص، بل لأنهم مجرمون يلومون الآخرين لأنهم لم يختاروا التعريص والشرمطة مثلهم.

نجحت مي كامل في الركوب على كل الأحداث السياسية وتطويعها لخدمتها. في أثناء ثورة الـ18 يومًا، كانت تذهب لشقة تطل على ميدانِ التحرير، يجتمع فيها الفنانون، تلتقط الصور من الشرفة لنفسها وهي تلوح بعلم مصر وترفع علامة النصر. ثم صنعت فيلمًا قصيرًا عن فتاة شابة تتحدى والدها وتهرب من المنزل لتشارك في الثورة، وحين يتنحى الرئيس وبينما يحتفل الجميع، تخاف الفتاة من عقاب أبيها إن عادت إلى المنزل، لكنها تجده وسط الجماهير يحتفل بالثورة، فتشاركه الاحتفال وينتهي الفيلم بالجميع سعيدًا.

طافت بالفيلم كل مهرجانات العالم ممتطية موجة الحب العالمي للثورة، وحصدت الجوائز بالطبع والتصفيق. “وجه الثورة النسائي الفني الشاب، كس أمها بجد!” قالت فرح لنفسها، ثم فتحت بروفايل مي، قلبت في الصور فظهرت لها صورة قديمة تجمع مي بأحمد. خمنت فرح أنها من بداية تعارفهما. في الصورة أحمد يرفع لافتة عليها صورة درية شفيق، ويسير مبتسمًا وسط الجموع، عن يمينه مي وهي ترتدي نظارة شمس كبيرة، تغطي نصف وجهها كما عادة نجوم التلفزيون، حينما يشاركون شرفيًّا في مثل هذه المناسبات.

بدت الصورة مقززة لفرح أكثر من صورته ووراءه إعلان مشروبات الطاقة، وهو يلعب الموسيقى للخنازير والخراتيت الذين أكلوا الثورة.

تذكر فرح هذه المظاهرة جيدًا، حاول أحمد دعوتها للمشارَكة، لكنها توقفت مبكرًا عن الذهاب إلى هذه الأنشطة/ المظاهرات/ الاحتجاجات.

بررت الأمر في كل مرة بحجة مُختلفة، أحيانًا تقول إن المخابرات تراجع سجلات العاملين في المستشفيات العسكرية، وهي لا تريد التورط في مشكلات، أحيانًا تعبِّر عن إرهاقها.

أبدًا لم تنتقد مُظَاهرة ما أو تسخر من مطلب فئوي. اتهمها أحمد ذات مرة بالعدميةِ والكسل والتخاذل، فاحتدت في النقاش معه، ووصفت نفسها بالعقلانية. قالت “لن أتظاهر سلميًّا في مُقَابل جنود يحملون السلاح ويطلقون النار علينا”.

التخاذل عن المشاركة في الفعاليات الثورية زاد من حدة الخلافات بينهما. تعارف الاثنان قبل الثورة، وأتى الانفجار الجماهيري ليشتعل حبهما وسط الغازات المسيلة للدموع، والحب الجماعي للجماهير المطلوقة في الشوارع. داخليًّا ربط أحمد حبهما بالثورة، فمثلما تحدى مع الجماهير الرئيس والشرطة والجيش، تحدى في حبهما سلطة الواقع وعائلة فرح. رأى أحمد في قدرته على فرض قرار زواجهما على عائلة فرح ووالدها انتصارًا آخر في هلوساته لإسقاط النظام.. “يسقط، يسقط، إحنا الشعب الخط الأحمر”.

بعدما صارت المواجهات بين المتظاهرين وقوات الجيش بسلاحه ودباباته ومدرعاته، رأت فرح المواجهة انتحارًا، فلا توجد أي قضية ولا حتى أوهام الدولة القومية تستحق أن يضحي الواحد بحياته، خصوصًا إن لم يمتلك المرء أي سلاح للمقاومة سوى الحنجرة، وخصوصًا إن كانت هذه الحنجرة الجماعية لا مكان فيها لصوتها. لكنها احترمت خيارات الآخرين، وتمنت فعلاً أن ينتصروا. وصفها أصدقاؤها بـالمتشائمة، لكن كل ما توقعته حدث بالفعل. لم تفهم قط لماذا لا يرى الآخرون ما تراه هي بوضوح. تمنت في كل مرة أن تكون على خطأ، أن تتنصر الحماسة المدنية والثورية على غشومية السلاح والبيادة العسكرية. لكن هذه المظاهرة التي حمل فيها أحمد صورة درية شفيق أخرجتها عن صمتها، سخرت في البداية من الدعوة، إذ كانت مُبادرة من مجموعة من الفنانين والمثقفين للدفاع عما أسموه الوجه الحضاري والثقافي لمصر، لمواجهة هجمة التيارات الدينية وفوزهم في الانتخابات من البرلمان حتى الرئاسة. الهدف من المظاهرة أن يجتمع المثقفون والمؤمنون بالدولة المدنية، ويرفعوا صور الشخصيات التاريخية التي يرون أنها تمثل التنوير والفن والحق والجمال، ويسيرون في استعراض ليذكِّروا المصريين بتراثهم ومدنيتهم. لخصت فرح موقفها في جملة واحدة حين وصلتها الدعوة إلى المُظَاهرةِ على الفيسبوك وقالتها لأحمد “منيكة فارغة”.

سكت أحمد ولم يعلق، قال “سأذهب”. لكنه محتار يحمل صورة مَن، أخبرها أنه يفكر في حمل صورة تحية كاريوكا أو سامية جمال. كانت فرح مرهقة وغاضبة في ذلك اليوم لأنها تعرضت للتحرش في الشارع في أثناء عودتها إلى المنزل، فانفجرت فيه، “يعني أنت بالنسبة لك المدنية والثقافة هي راقصات ماتوا وشبعوا موت؟ طيب ارفع صورة دينا، والا صورة دينا مش هتبقى مدنية أكتر من سامية؟”. أحمد الذي امتلك  فيضًا من الحنان يستخدمه في الاحتواء أو الابتزاز العاطفي حسب الموقف، شعر بغضبها فقام من مكانه وجلس على الكنبة، ضمها لصدره وأخذ يهدهدها “مالك يا بيبي؟”، هدأت وتبدد غضبها وتخدر جسدها بأمان الحب، ولكي يطيّب خاطرها سألها “طيب تحبي أرفع صورة مين؟” جاوبته إذا كنت تريد أن ترفع صورة وجه نسوي فارفع صورة درية شفيق”.

أسعدها أنه رفع الصورة التي اختارتها، لكنه عاد من تلك المظاهرة يحكي عن لقائه بالمخرجة مي كامل، وكيف عبرت عن حبها لموسيقاه، وأنها تريد أن يعملا معًا، هنأته فرح ولم تنتبه لتلك التفصيلة.

لم تكن فرح مَشغولة بصراع المدنية والدينية، ففي هذه الفترة سعت إلى الابتعاد عن كل التشويش والإزعاج المحيط بتفاصيل المشهد السياسي والاجتماعي في مصر بالكامل، كانت مستغرقة في اكتشاف الحقيقة.

“الحقيقة” هي بناء يتم بعد الحادث، سواء أكان الحادث فيضًا من المشاعر الثورية أم ولادة لنار الحب. فالحقيقة لا يتم بناؤها إلا بعد وقوع الواقعة. فالحب يبدأ بلقاء ليس قابلاً للقياس مثل وضعها حاليًّا مع نسيم، ووضعها سابقًا مع أحمد في بداية علاقتهما، حين اندفعا إلى الزواج وسط اندفاع الثورة المستمرة، ولكن فيما بعد تبدأ في إدراك ماهية الحب.

لفهم طبيعة بناء الحقيقة تقدم لنا الصيرورة العلمية مثالاً واضحًا، أنت تكتشف شيئًا غير متوقع، لِنَقُلْ مثلاً: فجوات غَامضة على القمر، أو جاذبية قوية لبعض الأجرام السماوية الغامضة. ومن ثم يكون هناك عمل رياضي لإعطاء معنى لهذا الاكتشاف، هذا العمل من أجل الوصول إلى القوانين، من أجل الوصول إلى المعنى، هو طقس بناء الحقيقة.

هذه عملية حقيقة، لا المشي في الشوارع رافعًا صور الأموات، اعتراضًا على سياسات أحياء يقدسون أمواتًا آخرين.

إجراء الحقيقة ليس انجرافًا خلف الذائقة الشخصية، على طريقة سأرفع صورة تحية كاريوكا لأنها وجه المدنية الثورية. إجراء الحقيقة هو الانتقال من التجربة الذاتية والمصادفة إلى قيمة عالمية.

فرح كانت مشغولة بهذه الأفكار مع نفسها، لا تشاركها مع أحد، إلا دفترها ذي الغلاف الجلدي الأسود. داخل هذا الغلاف شيدت عالمها. لم تجد في ما يحدث حولها مبعثًا لأي حماسة أو اهتمام، بل تراكمات من الأفكار الغبية والتصرفات الأغبى، لم تثِر فيها إلا السخرية والضحك. ذات مرة سألها أحمد مرة إن كانت تعاني من كرب ما بعد الثورة، فردت ساخرة “وماذا يكون كرنب الثورة يا حبيبي؟”

الجرافيتى المقزز أو كرنب الثورة يا حبيبي

أدركت أن العمل السياسي الحق يعطي حماسًا، وهذه الحماسة تعمي الأبصار، لكنها جميلة مثل الحب. فالسياسة الحقة هي الحماس الجمعي، والحب هو حماس يتشارك فيه شخصان. هي فقط حسدت عمال السياسة ونشطاءها على قدرتهم على التشارك في الحماس الجمعي، الذي لم تعد قادرة على الاندماج فيه. ففي هذه المرحلة من حياتها اكتفت بحماس حبها لأحمد فقط. لكنها لم تدرك أن أحمد يحتاج إلى ما هو أكثر من ذلك. مثل بعض المطلقات للأسف -وعلى الرغم من رجاحة عقلها- كانت فرح تلوم نفسها وتتهمها بالتقصير، لأنها لم تستوعب طموح أحمد.

بحثًا عن الشغف نشرت بعد طلاقها دراسة طويلة، في مجلة إلكترونية تصدرها مجموعة نسوية وكوِيرية شابة. لا تشعر باندماج كامل معهم، لكنها أخيرًا وجدت من يتقبل أفكارها ويشارك في ظنونها. أصبحت تلك المجموعة دائرة أصدقائها الجدد، وهي سعيدة بأن صارت لديها رفقة لا علاقة لها بأحمد، بعد سنوات من اعتمادها عليه في الحياة الاجتماعية.

أصدقاء يتشاركون معها الحماس للقضايا التي يرفض الآخرون التطرق إليها، مكتفين بادعاءات المدنية والثورية وغيرها من أشكال المنيكة الفارغة.

سَابقًا تدفقت الحماسة في أوردةِ وشرايين فرح وسط الجموع والجماهير، حتى وهم يهتفون هتافات كاذبة وعبيطة من نوع “حسني مبارك يا طيار جبت منين سبعين مليار!”. لكنها فقدت اتصالها بكل تلك الجموع الثورية حين ظهرت قضية علياء المهدي.

نشرت فتاة لا يتجاوز عمرها العشرين عامًا، صورة لها عارية على مدونتها الشخصية، منتصبة في وضع نصف إيروتيكي نصف طفولي. ولأن مدونتها تمتلئ بالمقالات الثورية وتنسب نفسها إلى حركة 6 أبريل، استخدمها تيار الإسلام السياسي للتشهير والطعن في التيار المدني.

ظهرت صورة علياء بعد إعلان عدد من الناجيات من كشوف العذرية ما حدث لهن داخل ثكنات الجيش، حين قُبِض عليهن من ميدان التحرير. كانت الانتخابات البرلمانية على الأبواب، وفرح وأحمد مدعوان إلى حفل في فيلا فخمة مِلك أحد رجال الأعمال المحبين للثورة والفن والموسيقى، يريد أن يتعرف ويتشرف بالشباب الذين قاموا بالثورة، لذا يدعوهم إلى منزله الواسع ليشربوا ويأكلوا ويسكروا ويرقصوا. وفي الطريق مع أحمد لمحت جرافيتي يصور واحدة من ضحايا كشوف العذرية وبجوارها صورة علياء المهدي، وفي المنتصف نَصّ ركيك يقارن كيف اهتم الإعلام والناس بعري علياء، ولم يهتموا بقضية الناجية من كشف العذرية. تصاعدت حموضة القرف والاشمئزاز من معدتها، كادت تتقيّأ صرختها، لكن اكتفت بالبصق من النافذة.

في الحفل وكلما فتحت فمها حكت بقرف عن هذا الجرافيتي. قرفها منبعه المقارنة السخيفة بين الفعلين، أبدت اندهاشها، لماذا لم تصدر ولا حركة ثقافية أو سياسية أو حقوقية أي بيان تضامنًا مع علياء التي تتعرض لهجمة وحشية، لا من التيارات الإسلامية فقط بل أيضًا من تيارات تصف نفسها بالثورية والمدنية. قطعت ورقة من الدفتر الذي تحمله وصاغت على عجل –بدافع الحماس أو تحت تأثير الخمر المجانية- بيان تضامن مع علياء، وذهبت تطلب توقيعهم عليه. رفضوا جميعًا، وكان الرد: لدينا أولويات أهم، مثل الدستور والانتخابات، وإن تمكنا من كتابة الدستور سنحرص على أن تكون حرية الرأي والتعبير مطلقة فيه.

حاولت الرد عليهم بمنطق مُماثل لكنهم حاصروها بآراء وحسابات أخرى. البعض تهرب، وآخرون ردوا بعنف “واحدة قلعت، مال الثورة والقلع؟” وجميعهم حرص في حديثه معها على الغمز واللمز، والسخرية الذكورية المعتادة ضد أي رأي مخالف تقوله امرأة. ثم انتبهت فرح إلى أن عري علياء أصلاً لم يكن موجهًا ضد الإسلاميين أو السلطة أو الرأسمالية العالمية، بل كان موجهًا ضد كل من هم هنا في هذا الحفل.

ثورة علياء ضد الثوريين، وعريها هو كفر بهذه الحماسة السياسية الكاذبة، التي تحمل داخلها بذور العفن الذي يغطي كل البلاد.

عري علياء ضد الإجابات العقلانية.

ضد التفكير العقلاني العلماني التنويري الذي رحب بتعليم وحرية المرأة، على ألا يعلو سقف الحرية عن ركبتها، وأن تكون حرية المرأة جزءًا من مشروع الدولة الناهضة وقوميات العروبة، والشرف الذي يراق على جوانبه الدم.

في غمار انفعالها وجدالها في مسألة علياء مع الحضور، ثارت فرح على رجل الأعمال الذي يستضيفهم، لأنه في منتصف النقاش علق قائلاً “البنت حتى مش جميلة، ليه تصور نفسها كدا؟ أكيد مريضة نفسيًّا أو لديها مشكلات أسرية واجتماعية”. سحبَتْ فرح شَخْرَة، وخرج الرصاص من فمها “أنت فاكر العالم معمول علشان يعجبك وتتفرج عليه؟ والا علشان مش شيخ وماتقدرش تكفرها هتقول على البنت مجنونة؟ إن كانت هي مجنونة فأنت معرص”. ثم بصقت على الأرض واتجهت نحو باب الخروج، وفي طريقها سحبت أحمد الواقف يعب الكحول المجاني عند البار. خرجت فرح وقررت أن تنهي علاقتها بذلك العالم وهؤلاء الناس، وألا تنظر خلفها فتتحول عمودًا من الملح.

عادت لتقلب في بروفيل أحمد على الفيسبوك، فظهرت لها صور تجمعها مع أحمد على الشاطئ. وجعها قلبها أكثر من الشوق له، لكن فرح ليست مازوخية، ستحرق المراكب، وتقلب الصفحة، لا شيء يجمعها أو يربطها بأحمد الآن. ترددت لحظات أخيرة ثم همت بأن تضغط الزر وتمسح بروفيل أحمد من قائمة أصدقائها مع حجب حسابه، لكن فجأة ظهر تنبيه بوجود رسالة منه في صندوقها البريدي، فتحت الرسالة فوجدتها سطورًا من المُحْن. لف ودوران وكلام غير واضح، الغرض منه أن يطمئن عليها كما يقول. قامت فرح من الكرسي، ثم فتحت باب الحديقة، نظرت إلى أعلى فوجدت الغيوم عادت لتحجب الشمس، أوشكت أن تمد يدها لتزيحها مرة أخرى لكن مهما أزاحت من غيوم ستأتي غيوم أخرى.

عادت إلى الداخل وأرسلت لأحمد رسالة على الموبايل “عايزة اشوفك، خلينا نتكلم، تعال لي البيت الجديد”.

تعليق سريع على مسألة الوائل

إذا كان وائل غنيم صادقاً في البحث عن مغفرة وتسامح مع الآخر والعالم، إذا كان جاداً فيما يقول وإن كنت أظن أن الأمر لا يعدو أكثر من طلعة انفعالية من بكاءه وانفعالته العاطفية التى عودنا عليها، إذا كان فعلا يشعر بالذنب أو لا يشعر فليرد الدين إذن وينطق بالحقيقة كاملة ولو مرة واحدة:
-أين ذهب مشروع أكاديمية التحرير؟ وأين ذهبت أمواله؟
-ما الذي جري في عشرات الاجتماعات واللقاءات السرية التى حضرها وتحدث فيها بالنيابة عن الثورة، والشعب، وحق الشهداء والميدان، على ماذا تفاوض ومع من؟
-إذا كان حقاً يشعر بالمسئولية، ويرغب في التكلم والتعليق على محمد على وكيل المديح للرجل الطيب السيسي، فلماذا لا ينطق بحقيقة ما حدث؟
-جلد الذات والبكاء جميل خصوصاً ونحن في موسم عاشوراء، لكن وائل ودائرته من شباب الثورة، طوال سنوات تفاوضوا باسمنا، واتخذوا قرارات، وأجتماعات مع أطراف سياسية مصرية، وعربية، ودولية، دون أى قدر من الشفافية، وحتى الآن لم يعلنوا لنا الحقيقة أبداً… من يرغب في جلد الذات فالكرابيج السودانى موجودة والحمد لله، لكن من يرغب في تجاوز مرحلة الدروشة والعياط على الثورة المغدورة، فعلينا أن نسأل وائل وأمثاله عن الحقيقة، وعن كل ما دار في الاجتماعات المغلقة
 
ملحوظة آخيرة: تسطيح الأموور وقفل أى نقاش بحجة أنه منهار نفسيا وانظر ماذا فعل فين السيسي، حقارة بالغة الصراحة وليس انسانية، لا وائل مجنون يهزى، ولا نحن مرضي نفسياً أو انعانى من مشاكل داخلية، مشاكلنا كلها خارجية وسببها الواقع الذي نعيش فيه، والذي تسببت فيه وخلقته أطراف كثيرة من ضمنها وائل غنيم نفسه

عصر الزرائبية أو معنى حميدتى

 

155517365558800900

في واحدة من الفيديوهات التي وثقت لعميلة فض اعتصام القيادة العامة في الخرطوم على يد قوات الدعم السريع. يظهر مجموعة من جنود الجيش السودانى الفخيم خلف القضبان الحديدة لسور صديء، كأسري حرب في معسكر اعتقال، بلا أسلحة، وأحدهم بلا حذاء. بينما ضباع الدعم السريع تطلق النار، تضرب المتظاهرين، تحرق الخيام، تغتصب الرجال والنساء، تحاصر المستشفيات، ترمى الجثث في النيل، و… غيرها من باقة الموبقات والجرائم العريقة المشهورة بها قوات الدعم السريع (الجنجويد) والتي مكنتهم من تخليد أسمائهم في محكمة العدل الدولية كواحدة من أقذر وأشرس الميليشيات المتخصصة في ارتكاب المجازر الجماعية وكافة الجرائم الجنونية الدموية.

تصلح تلك الصورة أن تكون أيقونة جديدة للحظة الراهنة وذلك المنعطف للثورة السودانية، وفي المستقبل سيتذكر الجميع أن مذبحة اعتصام القيادة العامة هى بداية النهاية لهذا الجيش قبل أن تكون الفصل الختامى للثورة السودانية.

تأسست الجيوش الحديثة كما نعرفها كجزء من لوازم إنشاء الدول القومية، يأتي الجيش مع العلم، والمتحف، والمدرسة، والنظام الصحي. يحتكر الجيش حق حمل السلاح، ويخلق في معسكراته وثكناته بوتقة لصهر أبناء الشعب من كافة الطبقات والتوجهات ليصبغهم بزى موحد وبأخوية السلاح وتقديس العلم.

وفي دولنا المقززة، فالجيش هو الرأس الكبيرة، والحاجب الذي لا يجوز للعين أن تعلوا عليه. سواء كانت تلك العين حزب سياسي، أو برلمان منتخب، أو رئيس منقلب. الجيش في الدول العربية هو مصدر السلطات ومنبع الشرعية، ببساطة لأنه ما من شرعية في الدول العربية إلا شرعية السلاح والاعتراف الدولى، وغير ذلك تدريبات ذهنية.

لكن في السودان انتج الوضع الذي خلفه عمر البشير، والتلاعب السعودى بالمشهد حالة مغايرة، فالجيش لم يعد “نمبر وان. بل أصبح حميدتى وعصابات الجنجويد هم “النمبر وان”. في حالة فريدة، يمكن تسميتها بالمرحلة الزرائبية.

الزرائبية من الزرائب، هو عنوان المرحلة القادمة في السودان، وهى حالة قابلة للتعميم والانتشار طالما استمر الدعم من امبراطوريات الرمال والنفط لكل الأنظمة المتخلفة في المنطقة العربية.

ولد محمد حمدان الشهير بحميدتى لأبوان عربيان من تشاد، حيث نشأ في إقليم دارفور. لم يكمل تعليمه الابتدائي حتي ثم تفرغ لتجارة المواشي والعمل في الزرائب. ومن الزريبة لبى نداء الوطن وقائده عمر البشير. فالبداية كانت بتشكيلة عصابة صغيرة من البلطجية لحماية زرائبه، ثم تطوع لحماية زرائب الآخرين. وحيث أن تجارة المواشي هي أنشط السلع التجارية بين تشاد، ومالى والسودان. فقد بدأ في تقديم خدماته لقوافل تجارة المواشي لحمايتهم من السرقة. طبعاً من لم يكن يدفع للحماية تتم سرقته.

مع اندلاع الاحتجاجات الشعبية في دارفور، تم الاستعانة بالقبائل والعصابات التي يقودها حميدتى لقمع الانتفاضات الشعبية. في حالة بهيمية متكاملة الأركان لم يكن أحد قادر على انتاجها إلا البشير، حيث دفع مثل أى تاجر مواشي لحميدتى فتوة الزرائب لكي يحمى ملكه ويقمع انتفاضة دارفور. منح البشير حميدتى امتيازات حصرية لمناجم الذهب وأصبغ عليه الرتب العسكرية دون أن يدخل أى مدرسة عسكرية، ومنح عصابته اللقب الكرتونى قوات الدعم السريع والمعروفة شعبياً بـ”الجنجويد”. وهى الكلمة المستخدمة لوصف راكبي الخيل الذين يعيشون على السرقة والنهب، السلوك الذي ميز ميليشيات الجنجويد مضاف إليه التعذيب والاغتصاب وتجارة الأعضاء وغيرها من الجرائم المسجلة باسمها في أرقي المؤسسات الدولية والحقوقية في مختلف أنحاء العالم.

ولتميز حميدتى وخبرته في مجال الزرائب والمواشي، فقد ترقي سريعاً وحاز على ثقة البشير الذي كثيراً ما داعبه بلقب (حمايتى)، قبل أن يقلبه ويضعه في الحجز في مكان غير معلوم.

لكن طموح حميدتى ليس طموح عكسري، هو ليس جنرال يرضي بتركيب النياشين والترقي وتلقي الأوامر ممن هم أعلى منه رتبة. حميدتى تاجر مواشي، وليس جندى نظامى. ثقافته هي ثقافة الزريبة لا التربية العسكرية. لذا مع ترقيه انتقل من الأدوار المحلية إلى الأدوار العالمية ليقدم خدماته “الزرائبية” للأنظمة الخليجية، ويساهم في تصدير المقاتلين من تشاد والسودان إلى اليمن ليحاربوا فيما تخوضه السعودية وتسميه في مفارقة ساخرة “حرب دعم الشرعية”.

في سنوات قليلة، خلق حميدتى امتداد إقليمي له موازى لامتداد البشير والمؤسسة العسكرية السودانية. أصبح قائداً لأول ميلشيا معترف بها دوليا، وجنوده في اليمن يحملون الأسلحة الأمريكية الممنوعه حتى على الجيش السوداني.

ليس هذا فقط تعاون حميدتى مع الاتحاد الأوروبي في مكافحة الهجرة غير الشرعية، وعملت قواته في السنوات الأخيرة علي إيقاف خطوط الهجرة من أثيوبيا وجنوب السودان التي تنقل المهاجرين لسواحل المتوسط في ليبيا. ومؤخراً حينما تزايدت الضغوط الدولية عليه هدد الاتحاد الأوروبي بايقاف التعاون وإطلاق جحافل المهاجرين عليهم.

لذا حينما تنحى  البشير وأعلن أحمد عوض بن عوف توليه زمام الأمور، صرح حمدتى  بعدم رضاه عن خطة عوف الانتقالية، وفي أقل من 24 ساعة تنحى عوف ليتولى حميدتى مقاليد الأمور واضعاً بجواره دمية على شكل جنرال يدعى برهان.

لأول مرة إذن نشاهد حالة لا يكون فيه الجيش رأس السلطات، بل ركع حميدتى الجيش وركبه، ويحكم فعليا بقوة السلاح في يد عصابته، وهى ميليشا غير مدربة عسكريا، ولا متعلمة، وليست نظامية، بل والعديد من أفرادها ليسوا إلا أطفال حروب يتاجر فيهم حميدتى، ويقودها  مجموعة من مربي المواشي والبهائم انتقلوا من سلخ الحيوانات لسلخ البشر.

ثقب الأمل لا يزال مفتوحاً، والمفاوضات والشد والجذب مستمر. وإن كنا كما نعرف “جميع الثورات تهزم”. لكن إن حدث واكتملت هزيمة الموجة الثورية السودانية الحالية، فستكون مؤشر لظهور نظام جديد نموذجى تسعي الدول الخليجية الداعمة لنشره، ويمكننا تسميته بالنظام الزرائبي.

وفي هذا النظام تتحول الدول بشعوبها وجيوشها ومؤسساتها الامنية والاقتصادية إلى زريبة كبيرة، يشرف عليها تاجر مواشي معين من قبل القوي الفاعلة في النظام الدولي ووظيفته السيطرة على قطعان الماشية في زريبته بما يتفق وأجندة الأنظمة الدولية، فهذا النظام لا يريد مهاجرين فيحرص تاجر المواشي على منع المهاجرين، وهذا النظام يرغب في رؤوس ماشية بشرية للقتل نيابة عنه في حروبه الفاشلة فيورد تاجر المواشي الرؤوس والأيدي المقاتلة.

في تصريح كاشف منذ أسابيع قال حميدتى بأن قوى الحرية والتغيير خدعتهم في المفاوضات ولا تريد سوى حكم مدني وإرسالهم لثكناتهم. لكي أين هي ثكنات حميدتى؟

لا ثكنات لحميدتى ليعود إليه، وفي سبيل بقاءه فهو مستعد لحرق ثكنات الجيش ومساكن المدنيين

حميدتى ليس عودة للحكم العسكري، حميدتى هو عودة لما قبل الحداثة، لما قبل الدولة والشرعية، لما قبل الاقتصاد الحديث، لعصر المقايضة والرعي والصيد والالتقاط. حميدتى ردة حضارية أثرها لن يقف عند السودان، بل قادر على إغراء أنظمة آخري مجاورة على تسريع خطوات التحول من شبه دولة إلى زريبة.

مع بلال فضل -الحلقة الأولى من عصير الكتب

في ضيافة كبيرة، على مدى أكثر من ساعة ظهرت مع بلال فضل في برنامجه البديع “عصير الكتب” تقريباً هذا أول لقاء تلفزيونى أجريه منذ خروجى من السجن، وأجمل لقاء عملته، الحوار مع بلال دائما متعة ومليء بالنكات والقفشات. شكرا بلال على هذه الفرصة، وأتمنى أكون كنت ضيف خفيف على جمهور البرنامج

هراء الإصلاح والكتابة الدهنية

مثابرة ودأب يستمر عز الدين شكري فشير في الكتابة ليقدم لنا روايته السابعة. 

مسيرة بدأها العام 1995 بروايته “مقتل فخر الدين” وآخر محطاتها روايته التي صدرت مؤخراً عن دار الكرمة “كل هذا الهراء”.

 

سبع روايات كل رواية هي ركن في عالم واحد يضيف له فشير، لكنه لا يغادره.

موضوع العالم الروائي لدى فشير هو السلطة والنميمة السياسية. وهو لا يكتفي بوحدة الموضوع في كل أعماله، بل إن الشخصيات تتكاثر وتتناسل من رواية إلى أخرى، وفخر الدين الذي يرد ذكره في أول رواية لفشير، يكون ابنه عمر هو بطل روايته الأخير، التي كان يريد منحها عنوان “أمل وعمر في الفراش”، لكنه تراجع ليعنونها بالهراء، ليستمر تناسل شخصيات فشير من رواية إلى أخرى في عودة مُختلفة لأدب السلاسل الروائية الذي احتكره نبيل فاروق وأحمد خالد توفيق في العقود الأخيرة.

والحق أن عالم فشير الروائي يتحدر من سلالة أخرى، لا سيما من رواد الأعمال السياسية ذات الطابع البوليسي، مثل فتحي غانم وصالح مرسي. لكنه، على العكس من الاثنين اللذين طمحا ليصبحا صوت السلطة وصائغي روايتها، يسير فشير في رحلة عكسية. فهو ابن مؤسسات السلطة المصرية، إذ عمل لسنوات طويلة في وزارة الخارجية. ورواياته غالباً عن ضحايا تلك المؤسسات (الجيش، الداخلية، الرئاسة، القضاء)، أو عن حالمين يريدون إصلاحها، وحينما يفشلون يتحولون الى إرهابيين. إيمان فشير بالإصلاح من الداخل، وتمحور الحياة وأي فرصة للتقدم حول تلك المؤسسات وأطرها القانونية والحقوقيةن لا يتزعزع، وحتى حينما غادر عمله في الخارجية وقامت ثورة يناير، كان الموقع الذي اختاره لنفسه يشكل استمراراً للمنهج الإصلاحي، إذ ظهر مباشرة بعد الثورة كأمين عام للمجلس الأعلى للثقافة، واستمر مشاركاً بحماس في مسيرة حماية المسار الديموقراطي من دون أن يندمج في أي حزب أو مشروع ما، لم يكن مؤسسة من مؤسسات الدولة، حتى وقع أخيراً في هوة الإحباط واليأس وهو يرى المؤسسات التي كانت منتهى أمله تنهار، ويأكل بعضها البعض أمام عينيه، فقرر كتابة رواية عن إحباطه ويأسه والهراء الذي ضيع وقته، فكانت روايته الأخيرة.

عز الدين شكري كاتب واقعي بقدر ما هو كاتب بوليسي، وفي روايته الأخيرة يتخلى عن عناصر التشويق والحبكات المعتادة في أعماله السابقة، مغادراً الأدب البوليسي، ليقدم عملًا روائيًا يدّعي الواقعية ويُلبس شخصياته أقنعة هزائمه الشخصية.

لكن، وفي كل مرة يخرج فيها على العوالم التي يتقنها، ويقدم شخوصاً ليست إرهابية أو ضباط جيش أو أمن دولة، تتبدى هشاشة القناع الذي يفقد واقعيته ووفائه للبحث الدقيق المخلص الذي اعتاد علاء الأسواني، مثلاً، تقديمه في أعماله الأولى. ففي روايته “كل هذا الهراء”، حينما يحكي شكري قصة الأصدقاء الثلاثة أعضاء “الألتراس”، يأتي البناء مفككاً خالياً من أي بحث عن تاريخ الحركة أو نشأتها وكيفية عمل روابطها، ناهيك عن أنك لن تقرأ سطراً واحداً عن علاقة هؤلاء الشباب بالنادي وما تمثله لهم هذه العلاقة، بل يصورهم كخلية عمل سياسي مثلما تراهم السلطة ومؤسساتها. والغياب ذاته نصطدم به في تفاصيل العالم الواقعي، إذ يتكرر الاضطراب مثلاً حينما يحكي حكاية الصحافي، صديق هند، الذي يبرر غربته عن زملائه بأنه متفوق عليهم ويريد الإلتزام بمعايير العمل الصحافي العالمي التي قرأ عنها في الجرائد الأميركية!

غياب الواقع بتفاصيله وحساسيته، يعوضه فشير بالكثير من زيوت ودهون الميلودراما، ورثاء الذات. فالرواية التي بدأت بلقاء في الفراش بين أمل وعمر، تحولت إلى حفلة لطم، حيث يتبادل الإثنان رثاء الذات وجَلْدَها.

لكن تراكم الكتابة يكسب الكاتب المعرفة، ورغم إدراكه الثغرات، لا يحاول الكاتب المخلص تغطيتها. بل يترك الثغرات مكشوفة ويتبرأ منها، مدعياً أنها ليست حكايته، بل وصلته الحكايات كملف صوتي لحديث أمل وعمر وقرر هو كتابتها، وهو تكنيك يظهر بأشكال متعددة في روايات شكري حيث يتخذ من الإيهام الروائي جداراً يستتر خلفه.

ورواية شكري هي حوار مسرحي طويل بين أمل وعمر. أمل خارجة من السجن وهي على عكس كل الخارجين من السجن، تقول إنها تعودت على صمت السجن وتريد البقاء مع شخص واحد، رغم أن الصمت آخر ما يمكن أن تجده في السجن، لكن ربما تكون هذه تجربتي أنا التي يحولها الكاتب إلى “أفيه” ثقيل ومكرر طوال الرواية. تختار أمل شاباً أصغر منها لتقضي معه ليلتين قبل سفرها، يتقلبان في الفراش بينما يتبادلان الأدوار في الحكي. حكايات مُتناثرة مثل تقارير الأفلام التسجيلية التي اعتادت برامج التلفزيون انتاجها عن شهداء الثورة. هو لا يحكي حكاية الثورة، بل وكما تقول أمل في الصفحة 130 “أنت من تحكي الحكاية: تنظر إلى وقائع كثيرة تنتقي من بينها مجموعة تنظر إليها – وتغفل جوانب بأخرى- وتدفع بنظرتنا نحو الجوانب التي تريد منا رؤيتها. بهذا المعنى حكايتك منشئة للحكاية؟”.

يبدأ فشير روايته بصفحات طويلة من الشكر والإهداء، بل ومقدمة أيضاً، ولا نصل إلى الرواية إلا بعد 15 صفحة. يحذرنا في مقدمة الرواية، أنها خادشة للحياء، وأنه لذلك يحظر أصحاب القلوب الضعيفة من قراءتها، خصوصاً وقد ترافقت كتابتها مع سجني بتهمة خدش الحياء العام. هكذا، تتوقع أن تأتي اللغة غير نمطية على الأقل، لكنك بعدما تجاوز المقدمة التحذيرية الساخنة، لا تجد إلا الهراء والجنس العقيم واللغة المخصية. وفي كل مشهد يحمل قدراً من الانفتاح، يرضخ الكاتب ليغطي كل الجمل الخادشة بجملة “الجزء الذي يسجن القضاة مَن يذكر اسمه”. في البداية يبدو الأمر كسخرية لطيفة، لكن تكرار الجملة “الأفيه” على طول الرواية يصيبك بالحموضة، وتتساءل لماذا إذن وضع المقدمة التحذيرية الخطيرة؟

أما الحكاية التي ينشئها فشير في روايته، فهي مجموعة من الأدراج، في كل درج صور نمطية للنماذج التلفزيونية لشباب الثورة. ورغم العناوين المرحة التي يضعها للفصول، يمكن أن نضع عناوين أخرى مثل، قصة شابة نسوية، قصة مثليَين جنسياً. وهكذا تتوالى الأنماط التي شاهدناها في كل المسلسلات والأفلام الجماهيرية التي قدمت الثورة خلال السنوات الأخيرة.

رواية فشير، مريحة وممتعة للقارئ، تقدم له معرفة مزيفة معلبة تحوّل البشر إلى مجموعة من البيانات، والقارئ يسترجع تجربته ويعيد تسكين الأشخاص الذين عرفهم أو تسكين نفسه في الأدراج التي أنشأها الكاتب.

تنعكس هذه الرؤية على لغة الرواية وسردها. فحينما يقدم فشير شخصية جديدة، فإنه يفعل ذلك على طريقة الملفات الحكومية والتقارير الأمنية عن الأفراد. الاسم، السن الطبقة الاجتماعية الموقف من الدين.. لأن كل شخصية هي انعكاس لفكرة إصلاحية مجهضة داخل الكاتب، كل شخصية هي رمز لنظرية سياسية، فشلت في معمل النجاح والفشل لدى الكاتب.

لا مجال في هذا العمل، مثل معظم أعمال فشير السابقة، لاضطراب العواطف أو تناقضها. فكل شيء مفسر ومبرر، حتى حينما يقدم شخصية شاب مثلي جنسياً، فإنه يفسر لنا السبب بالشكل النمطي المعتاد في الأدب العربي لأنه تعرض لتحرش جنسي من زميل له عندما كان صغيراً!

الشخصية الروائية لدى فشير أحادية، تطورها محتوم كبرامج الكومبيوتر، هكذا يستحلب القارئ العمل تحت لسانه، مهما كان موقفه السياسي، لتغيب -للحظات- الفوضى المحيطة به وينام آمناً داخل درج من أدراج فشير.

حياة الأوغاد

كتب أحدهم على جدار مواجه لقسم شرطة حى الزمالك –أحد الأحياء البرجوازية في القاهرة- العبارة التالية: “إن حياة الفرد الأخلاقي تقوم على احتذاء النظام الخلقي الكونى، أما حياة الأوغاد فتقوم على معاكسة ذلك النظام الكونى”. بجوار تتلك العبارة رُسم جرافيتى ضخم لوجه الأسطورة الشعبية “الهرم” وهو يلف بين أصابعه سيجارة حشيش بينما أحاطت برأسه هالة كهالة القديسين.

“الهرم” هو أحد الأساطير الشعبية المعاصرة في مصر، ويصنف في مناطق بصفته إله “الديلارات” والدهاء. وفي مناطق شعبية تباع أيقونات صغيرة “للهرم” عليها الآية القرآنية “فأغشيناهم فهم لا يبصرون” حيث من يرتدى الأيقونة يحميه ظل الهرم من عيون ضباط الشرطة والأفراد الأخلاقيين وكلاب النظام الخُلقي الكونى.

لكن العبارة الفلسفية والعميقة المصاحبة للرسم، ليست من أقوال الهرم. ولم يعرف من صاحبها، ولما تستخدم بجوار أيقونة “الهرم”؟

كان هذا في الفترة التى تلت أحداث 25 و 28 يناير. وكانت جدران القاهرة تعج بآلاف الكتابات والرسومات معظمها ذات صبغة سياسية، لكن جرافيتى “الهرم” وبجواره العبارة الملغزة ظل شرخاً عميقاً في المشهد وهرمونية الروح الوطنية والثورية التى غطت البلاد في هذا الوقت.

** *

هناك أكثر من عالم.

ولكل مسألة أكثر من طبقة وزاوية. في النظام الخلقي الكونى هناك انشغال بالديمقراطية، الثورة، كرامة نبي، فيلم مسيء، كلاب تنبح، ديون وقروض ودول تشهر إفلاسها، صراعات تدور على الشاشة ونشرات الأخبار. لكننا هنا في حياة الأوغاد ندرك أن هذه الأوهام ليست سوى التمثيل الكاذب للحياة.

20091011(004)
صورة فوتوغرافية من تصوير أحمد ناجى، تعود إلي العام 2009

بينما يتحدثون في النظام الأخلاقي عن أهمية الأدب والموسيقي في التواصل الحضارى بين الشعوب وحوار الحضارات، ندرك أنه لا حاجة لهذا الدفع أو التوجيه من قبل “النظام” لكى يكون الأدب والموسيقي في هذا الاتجاه.

في مصر نمت في السنوات الأخيرة موسيقي الأوغاد، أو ما يعرف بموسيقي المهرجانات وهى نوع موسيقي يختلط فيه إيقاع الهيب هوب، بألعاب الأصوات الألكترونية بأصوات النجوم الأوغاد. يتم تسجيل هذه الأغانى في منازل وعشش  وإضاءة خافتة للشوارع الخلفية، والكلمات منفلتة عن كل الأطر الأخلاقية والنظامية المعتادة.

دون الحاجة إلى التوجيه اكتشفت مؤخراً تشابه غير معقول بين تلك الموسيقي المخلقة في حوارى القاهرة الشعبية، وبين نوع آخر من موسيقي العصابات يزدهر بجنون في البرازيل.

أى حدود يجب تجاوزها إذن؟

الحدود الحقيقية لا تقع بين اللغات المختلفة أو بين الدول ذات أنظمة منح “الفيزا” المختلفة. بل بين نظامين؛

 الأول أخلاقي وكونى يفرض صوراً نمطية بين البشر أفراداً وأمماً ثم يدعى بأنهم جميعاً بشر لهم نفس الحقوق وحباً في الخير ومصلحة الكون يدفعهم لما يقول عنه “حوار” قالبه الأساسي التنافس والملكية.

والثانى هو حياة الأوغاد حيث الفرد مكتملاً في ذاته، ويستمد حريته وطاقة المغامرة لاستكشاف الحياة من معاكسة هذا النظام الكونى، لا بهدف تقويضة أو تفجيرة من الداخل، بل من أجل تللك اللذة السرية الصغيرة.

لكن تلك اللذة السرية ليست كل شيء فهناك الجانب الآخر، أو كما يقول أحد سكان المدينة الأوغاد بالعامية المصرية: “في الحالة دى مفيش آمان، حياتك بتبقي زى القمار، طالع نازل، لما تسيب حبة ريح توديك وتجيبك، لما تجريك لقمة عيش أو ريحة خطر، لما تعس نهارك وليلك من غير ما تولف راسك على حيط أو رجلك على أرض، لما الوقت يبقي بالنسبة لك فرصة، والمكان ضربة حظ.. ساعتها وساعتها بس تعرف أنك بقيت وغد..

بس خلى بالك، أصول لعب القمار.. الشجاعة

الشجاعة اللى متهزهاش كترة

نشرت في 2012

طز في الهوية

نشرت في المصري اليوم في نوفمبر 2012

تقول الأسطورة القديمة إن إيزيس بعدما جمعت أشلاء جسد أوزوريس الممزقة، وحملت منه بحورس. دفنت إيزيس أوزوريس في النوبة فكان رأسه في جزيرة «أنس الوجود» أو فيلة، وباقي جسده على طول الوادي من الشلال حتى الخرطوم. ثم جلست إيزيس على رأسه في جزيرة «فيلة» المقدسة. وأخذت تبكي فاندفعت دموعها محطمة صخور شلالات أسوان وغمر الخير أرض مصر.

والنيل يا أحبائي كما نعرف من أنهار الجنة.

واحتاج الأمر مني 27 عاماً حتى أكتشف، وعن طريق الصدفة، أن اللغات النوبية لها حروفها وأبجديتها الخاصة، لكن هذه الأبجدية في طريقها للنسيان مع انتشار كتابة النوبية بالحروف اللاتينة والعربية.

لماذا يحدث ذلك؟

ولماذا احتاج الأمر مني 27 عامًا لأعرف معلومة بسيطة كهذه؟

لأنك ولأني ولدنا في بلد استبدادي. تتم صياغة هويته من قبل سُلطة حمقَاء تُحدد بالخط الأحمر ما هو الوطن وما هو خارجه. وكأي سلطة استبدادية سعت دولة الجمهورية الأولى إلى ترسيخ وحصر الهوية المصرية بصفات مُحددة فكانت اللغة العربية هي اللغة الرسمية للدولةِ.

جرت على مر عقود عملية وأد وقتل ممنهج لكل اللغات والأقليات الثقافية الأخرى من أجل تحقيق هلاوس عبد الناصر حول القومية العربية. وهكذا تم تهجير النوبيين وتشريدهم، وفرض اللغة العربية كلغة رسمية، ورغم أن النوبية بفرعيها (فديجا) أو (كنزي) أقدم من اللغة العربية وهى لغة مصرية خالصة، لكن مع ذلك لا يتم تدريسها في أي من الجامعات المصرية. إلى جانب عدم ذكر أي شيء في المناهج الدراسية عن الثقافة والتاريخ النوبي وكم التضحيات التي بذلوها من أجل أن تسيل دموع إيزيس ويغمر الخير أرض مصر.

وحينما اهتمت الدولة باللغة والثقافة النوبية استخدمتها كشفرة في الحرب، ولم تهتم بعد ذلك بتدريسها ولا رعايتها، ربما للحفاظ عليها كشفرة سرية.

الآن يضع اليونسكو اللغة السيوية المصرية المتفرعة من اللغة الأمازيغية على قائمة اللغات المهددة بالانقراض، حيث وصل عدد متحدثيها إلى 15 ألفا من أصل 25 ألف مواطن أمازيغي مصري.

 لكن موقف اللغة السيوية في مصر أفضل كثيرًا من اللغة الدوميرية، والتي يتحدث بها الغجر المصريون وتنتشر على نطاق محدود في بعض مناطق القاهرة والأقصر، وإلى جانب ما سبق فهناك اللغة القبطية التي تصنف كلغة منقرضة منذ القرن 17 مع توقف التحدث بها واقتصار انتشارها وتدريسها داخل الكنيسة القبطية.

 هذا التنوع والثراء اللغوي والثقافي معرض كله للاندثار، بسبب إصرار البعض على إكمال النهج الاستبدادي في قمع الأقليات الثقافية، وفي إبقاء المادة الثانية كما هي دون حتى تضمين الدستور أي مادة تشير من قريب أو بعيد لحقوق هذه الأقليات اللغوية والثقافية. وهنا تصبح الهوية ليست تعبيرًا عن ثقافة وأسلوب حياة يتغير بتغير الزمن بل قيد وأداة تعذيب وترسيخ للاستبداد. وهنا يجب أن تكون الرسالة: طز في الهوية.

ولماذا حقيقي التمسك باللغة العربية، والرئيس مرسي نفسه لا يتقن حتى التحدث بها، أتابع مثلا محاولاته المسكينة للالتزام بقاعدة «سكن تسلم» ومع ذلك فكل مخارج الحروف فاسدة لديه، وكثيرا لسبب ما ينصب الفاعل، بل ويزيد على ذلك لا يعرف كيف يقرأ القرآن ويفسره بالمقلوب.

الهوية التي تسعى لجنة الدستور لفرضها مُمثلة في المادة الثانية وما يتبعها، ليست سوى كذبة. ينكرون كل اللغات الأخرى ويرفضون الاعتراف بها أو حتى دراستها وحمايتها من الانقراض، لترسيخ تصورات سطحية عن لغة هذا البلد وهويته لخدمة الاستبداد القائم على ما يدعون أنه شريعة، بينما هو في الحقيقة شعرة عند ياسر برهامي ساعة تروح وساعة تيجي، حيث الربا اليوم حرام، وغداً حلال لأنه مصاريف إدارية. والفجر كله يكتمل في حالة الزمر وشركاه المطالبين بتطبيق الشريعة بينما لو طبقنا الشريعة عليهم فبدل السجن كان يجب تطبيق حد الحرابة عليهم وتقطيع أيديهم وأرجلهم من خلاف وصلبهم بجذوع النخل.

من يدري ربما يحدث هذا قريباً، وإن غداً لناظره لقريب

غواصه من الماضى

نشرت لأول مرة في عام 2011

أثناء اعتصام ميدان التحرير الممتد لـ 18 يوم والذي أطلق عليه بعد ذلك ثورة 25 يناير. كنت في طريقي من 6 أكتوبر إلى ميدان التحرير حينما لمحت على الوصلة بين ميدان جهينة ومدينة الشيخ زايد فتاة تسير على الرصيف وترتدى بدلة غطس كاملة. أعنى بدلة ذات لون أسود، خزانة أكسجين في الخلف على ظهرها، نظارات مائية ضخمة، زعانف في الأقدام، حزام رصاص حول الخصر، كانت تسير بهدوء كأنها فوق مياة البحر الأحمر. توقفت عند بقعة ما وبدأت في إزاحة غطاء المجاري. اقتربت بالسيارة منها. توقفت على بضعة أمتار وفتحت النافذة مذهولاً وهى ببساطة تقفز داخل فتحة المجاري ثم تسحب غطاء البلاعة الثقيل كأنه ورقة وتعيده لمكانه خلفها وهى تختفي ببدلة الغوص تحت الأرض.

غاب مشهد فتاة الغواصة عن ذهني في مقابل ما كنت أراه طوال تلك الأيام، كما أنه لم يجد سياقاً مناسباً وسط أحاديث الأصدقاء والشئون والنميمة السياسية. ماذا تفعل؟ ماذا تقول؟ يعنى هتقعد وسط ناس بتحكى عن مؤامرات الجيش والجنرالات والرصاص وقنابل الغاز وأنت تقطع هذا الحديث الشيق المفيد وتحكى مشهد فتاة ترتدى ملابس الغوص وتختفي في بلاعة مجاري على محور 26 يوليو.

بعد تنحى الرئيس طلب منى أحد الأصدقاء وهو مصور يعمل مع الوكالات الأجنبية المساعدة في سعيه لانجاز قصة عن أصحاب الخيول والجمال أبطال موقعة الجمل الشهيرة، تطلب الأمر مشاوير وأبحاث طويلة. رفضوا التصوير أو الحديث لكن في محاولة أخيرة قررنا زيارة المنطقة.

الزيارة كانت محبطة، وأنا شخصيا لم أكن متحمساً للموضوع. جلسنا على أحد المقاهى لشرب “سبرايت”. فجأة حانت منى لفتة للوراء شاهدت فتاة البلاعة، وهى تزيل نظارة المياه من على وجهه، وبجوارها أسطوانة الأكسجين، طلبت شاى خفيف سكر برا. رغم أن المكان كان قهوة شعبية ليس من المعتاد أن يجلس عليها النساء. لكن كل من كانوا في المنطقة كانوا يتعاملون معها بأريحية وكأنها جزء طبيعى من المكان، عامل المقهى وهو يضع الشاى تبادل منها بعض الجمل لم استطع تبينها. صديق اندهش هو الآخر وقرر التقدم ومحاولة فتح الحوار معاها لكنها رفضت بعنف. ثم قامت وحملت أسطوانة الأكسجين وقررت الانصراف دون حتي أن تحاسب على المشاريب، كأنها زبونة دائمة ولديها حساب مفتوح.

 

كان نائماً حينما قامت الثورة.. يا بختك يا عمدة

هناك طائفة سرية بدأت بالتشكل بدون وعي كامل بعواقب أفعالهم منذ منتصف التسعينيات. هذه الطائفة السرية تزايدت شعبيتها وعضويتها ومحبوها في العقد الأخير بفضل الإنترنت وبفضل اتساع دائرة من أتيح لهم معرفة جوهر الرابطة الخفي. تتبع هذه الرابطة آثار شاعر ومهندس فاشل للعالم يدعى عماد أبوصالح.

c03c6a495726988fb40c9c00bc568631

منذ منتصف التسعينيات وعماد أبوصالح يتحرك كما نسمة هواء لا يمكن رؤيتها بين الحديقة والمزبلة بحثاً عن الشعر. وخلال العشرين عاماً الماضية. أصبح عماد أشهر شاعر سري. يكتب الشعر بهدوء وملل وهو يقطع البصل بحب كما يخبرنا في ديوانه الأخير. يجمع قصائده في دواوين، ويرفض أن تطبع هذه الدواوين في دور نشر خاصة أو حكومية، بل يطبعها في نسخ معدودة على نفقته الخاصة، ويختار المحظوظين من جماعته السرية ليوزع عليهم دواوينه.

لا يظهر عماد في التلفزيون ليبتز الجماهير بقصائد تتوهم الفخر والانتصارات الجماعية لترويها. ولا أذكر أنى رأيته أو سمعت أنه ألقى شعره في أي مكان عام أو مناسبة مفتوحة. وفي ديوانه الأخير الذي صدر مؤخراً يخبرنا أنه «كان نائماً حينما قامت الثورة«.

وجدت قصائد عماد طريقها للإنترنت، فالمفارقة التي تشكل جزءا من بناء القصيدة لديه، يسهل تقطيعها وتصنيع جمل جذابة عند نشرها على الإنترنت. المفارقة هي الأخت الصغرى للإفيه. والاثنان من عوامل الجذب الأساسية على الإنترنت. ظهر جيل كامل من الشباب لا يعرفون عماد ولم يسبق لهم أن أمسكوا بكتاب من دواوينه ذات الأغلفة البيضاء. لكنهم يعرفون قصائده وينشرونها على الإنترنت. بل أحياناً يختارون صورا بالأبيض والأسود أو أخرى من صور الكيتش المختلفة ويضعون معها مختارات من أعماله.

عماد الخائف من الأضواء والذي سعى طوال عمره للابتعاد عن ماكينة الاستهلاك ودائرته، أصبح اليوم كاهناً لكنيسة سرية على الإنترنت. يكفي أن تكتب اسمه في جوجل لتظهر لك أبوابها وأعمدتها السبعة المتابينة.

** *

بعد الطلاق أو الانفصال لا تتكسر الآمال العريضة فقط. بل يترك الإنسان في العراء بلا أي أمل. يفقد البعض الإيمان بالعالم، وأحياناً الإيمان بأنفسهم وقدرتهم على النهوض من جديد. يقول سائق «التوك التوك» في استيتوس مؤثر على ظهر مركبته (الحب مات بسبب البنات).

الجموع التي اندفعت بالعواطف الحارقة والجياشة طوال السنوات الماضية، خبطت في جدار من الإحباط، ولم تستخدم مرهم لتقليل حرقان العواطف وهى تصرخ بالثأر وتمجيد الشهداء. أصبحت مثل الزوجة المخدوعة أو الزوج المتهور الذي رمى يمين الطلاق وجلس يعض أصابع الندم. وفي أوقات الندم يختفي أيضاً شعراء الابتزاز العاطفي، هؤلاء اللصوص الذين ينتحلون لقب الشعراء ويتغذون على القصائد القبيحة التي تداعب عواطف الجماهير. لا يهم المعنى، بل يهم الجماهير. يمكن للشاعر اللص أن يكتب اليوم قصيدة عن الميدان، وغداً عن ضحكة المساجين، وبعده مطالباً بحرق كل ما سبق ما دامت هذه رغبة الجماهير. وحينما تفقد إيمانك بالجماهير وتستيقظ من خدعة المثالية وأننا كلنا واحد، هنا تبرز أهمية شاعر كعماد أبوصالح.

في ديوانه الأخير وتحت عنوان «ذم الثورة» حينما يتحدث عماد عن البطل يقول:

يا إلهي

كم هو رائع

هذا الشاب هناك!

يتقدم الصفوف

ويفتح صدره للرصاص

يعالج الجرحى

ويتنازل عن طعامه القليل للجوعى

كأنه نبي

أنا معجب به

إلى كل طفل

يحلم أن يكون بطلاً،

تعلم منه

لتثور ضده

بنفس طريقته.

حين يصبح

ديكتاتور المستقبل.

فقط الشاعر الفاشل في هندسة العالم، هو من لا تخدعه هتافات أبطال البانجو وتجار الثورات، بل لا يستسلم لديكتاتورية الجماهير التي تطلب منه أن يكون مهرجاً يسليها كهويس الشعر، أو يداعب صورتها الشوفونية عن ذاتها كهؤلاء الذين يتغنون في عظمة مصر وشعبها. الحرية لا يمكن أن تكون في يد الجماهير الثائرة لأنها كما يقول عماد: «لكن الحرية عصفور/ يرتعب/ ويطير عالياً/ لئلا تمسك به/ كل هذه الأيدي/ لئلا تلتهمه/ كل هذه الأفواه الجائعة».

user9142_pic4033_1226538635
عماد أبو صالح في صورة شبه رسمية

يُرمى الشعراء بالمثالية والسفه العقلي الذي يجعلهم مروجين للشعارات المثالية التي لا تقبل التنازل. صرخة أمل دنقل لا تزال حتى الآن مرفوعة بل قد نرى ظلها في الجرافيتى على الحائط «لا تصالح.. أبي لا مزيد/ أريد أبي عند بوابة القصر». الآن وقد تبددت سحب العواطف الثورية والتشنجات والمزايدات الوطنية والتي يتضح مدى الأخطاء الفادحة التي دفعتنا هذه العاطفة لارتكابها. يأتي شاعر كعماد أبوصالح لا ليزرع الأمل أو ليعطينى حق الأحلام والشعارات المثالية. بل ليهندس خرائبنا ويذكرنا بضرورة أن نحلم لأنفسنا أولا لا لحكام يرتدون النظارات الشمسية حتى داخل الأماكن المغلقة لكى لا يبصروا سوى صورتهم فقط. ماذا عن أحلام عماد نفسه؟ يختم ديوانه بحلم واحد حينما يقول:

«لا أحلم بأن يشرب الذئب مع الخروف من وعاء واحد. هذا حلم كبير. لا أحلم بأن يتوقف الناس عن متعة القتل. إن هذا مستحيل. كان حلمي أن يظل القاتل قاتلاً والقتيل قتيلاً؛ دون أن يختلط علىّ اليد التي غرزت السكين والقلب الذي تلقى الطعنات. هابيل حبيبي. أفرح به حين يرفض مد يده، ليبادل ابن أمه طعنة بطعنة. قابيل حبيبي. أفرح به وهو يبكة من الألم حين رأى جثة أخيه عارية، محرومة الروح في العراء.

أحلم بالحياة، حلبة مصارعة، بالعدل، بين الخطأ والندم، لا منتصر فيها ولا مهزوم».

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ