لم أر في الخوف دنساً أو ضعفاً، على عكس الشجاعة التي رأيتها غالباً مرادفاً للحماقة والذكورية. في المقابل يجعلك الخوف يقظاً، منتبهاً، في حالة تأمل باطنى تمكنك تدريجياً من بناء دفاعاتك النفسية. أتحدث عن الخوف المحدود، لا الرعب، لا الهلع، والفزع من تهديد واضح أو مباشر، بل ذلك الخوف الأليف الذي تطعمه أمهاتنا لنا مع حليبهن وحين تنمو أسنان المرء ويُفطم، ويصبح التحايل، والكذب، والتخفي مكونات النظام الغذائي الذي نحيا عليه. خوف يأتي متبوعاً بنصائح من قبيل «اسمع الكلام، امش جنب الحيط، ابعد عن المشاكل، لو بلطجى وقفك أعطه ما معك ولا تتعارك، اشرب كوبك كاملاً، الطعام الذي تتركه في طبقك سيجري وراءك يوم القيامة، إذا استمررت في ضرب العشاري ستفقد نظرك وتضعف ركبك، قول شكراً، قول الحمد لله، متحكيش في السياسة، البس فانلة تحت الهدوم» إلخ.. إلخ.. إلخ، ثم بخ! تصل لمراهقتك وتتعلم ضرورة البعد عن مسار ضابط المرور إذا صادفته في الشارع، وإخفاء هويتك عمن يحادثك، وألا تخوض في الدين مع أحد، وحين تصل إلى شبابك تجد تمرسك مع الخوف قد أكسبك القدرة على ممارسة الحياة كاملة بصحبته؛ الحب تمارسه مع حبيبتك وأنتم محاطون بمخاوف متعددة تبدأ من اقتحام الجيران عليكم البيت، أن يوقفكم ضابط شرطة في الشارع، أن ينقطع الكندوم، أن يأتى صاحبك إلى المنزل قبل أن تنتهوا، أن تعرف بنت خالتها بأمر علاقتكم، أن يراكم ابن عم أمها معاً، ومع ذلك تستمر قصص الحب العربية وتنمو. نتزوج وننجب وننفصل. حياة كاملة بصحبة الخوف، من نكون نحن لنرفض الخوف أو نتمرد عليه! نحن قوم نأكل الخوف بدل الكرواسون مع القهوة، ثم أن لدينا هذه الألسنة الطويلة الحادة الجارحة التي لا تتوقف عن الغلغلة عن شجاعتنا، وقوتنا وصلابتنا وفرادتنا، وكل هذه القيم العربية الجميلة عن التمرد والشجاعة والجرأة التي تلهج بها أغاني المهرجانات المصرية ومغنون يتحدثون عن قدرتهم على حمل السلاح وإنهاء أى معركة بينما يطاردهم نقيب مثل هاني شاكر مجبراً إياهم على بلع ألسنتهم في مواجهته والفلقسة بشجاعة منقطعة النظير، لأنهم مثلنا جميعاً تربوا على الخوف وأكلوه صغاراً.
الفقرة السابقة طويلة، ومليئة بالأفكار والصور المتناثرة، وأنا أعرف أن قواعد التحرير البليغ تقتضي تقسيمها وتكسيرها لجمل وفقرات أصغر، وحذف ما قد يشتت ذهن القارئ عن الفكرة الرئيسية. أقرأها وأشعر بخوف وصوت اصطكاك «اكتبي زي الناس، بلاش قلة أدب، حددي الفكرة، عبر بكلمات قليلة وجمل بليغة، اجعلي النص يسيراً لا عسيراً». في الغالب سأخضع لخوفي، لأنه هذه المرة خوف جديد، خوف فريد الطابع لم أختبره في حياتى السابقة، ليس خوفاً عربياً، ليس الخوف الذي سقته لى أمى ومجتمعى ودولتي، بل خوف كما النمل زحف دون أن أشعر به خلال السنوات الأخيرة منذ هجرتي إلى أمريكا، حتى أكل النمل كل ثقتي في ذاتي، وانقطع تواصلي بأناي «هل هذه كلمة صحيحة لغوياً؟ إذا لم تكن، فهل تفهمها؟ نعم أسألك أنت».
بمناسبة صدورة طبعة جديدة عن دار نشر ومكتبة خان الجنوب ببرلين، أجريت مع موقع “جدلية” هذا الحوار القدير عن حرز مكمكم والغرور الأدبي والخفة التى تطفو بك لكن لا تفقدك عمقك المتوهم
جدلية (ج): في البداية، ما معنى “حرز مكمكم”؟
أحمد ناجي (أ. ن.): الحرز هو مفرد الأحراز، وهى في اللغة القانونية الأدلة التي تثبت الجريمة. مثلًا إذا ضُبط لص وبحوزته المسروقات، فهذا هو حرزه.
مكمكم صفة من الكمكمة، وهى في القاموس “الستر بالثياب”، وذكر لسان العربي “أن عمر، رضي الله عنه: رأَى جارية مُتَكَمْكِمة فسأَل عنها فقالوا: أَمةُ آل فلان، فضرَبها بالدِّرّة وقال: يا لَكْعاء أَتَشَبَّهِين بالحَرائر؟ أَرادوا مُتَكَمِّمة فضاعَفوا، وأَصله من الكُمَّة وهي القَلَنْسُوة فشبه قِناعها بها”.
وقد انحرف المعنى في العامية المصرية ليُطلَق على الشيء المستور المغطى حتى أصابه العفن أو العته، فمثلًا الثياب القديمة إن تُركت في الخزينة لسنوات دون تهوية يقال عليها “كمكمة”. وكانت أمي توصيني دائمًا بعدم ترك الملابس في الغسالة ونشرها فورًا حتى لا تصيبها “الكمكمة”.
أما في السجن، فيُطلَق لفظ “حرز” على المسجون “الشمال” – وأتمنى ألا تسألني يعني إيه شمال – أو المسجون “اللي مش سالك”. أما وصف “حرز مكمكم” فهو من أشد وأقسى المسبات المستخدمة في السجن، إذ شاهدت في مرة مسجونًا كا أن يفقد عينيه لأنه وصف مسجونًا آخر في خناقة بأنه حرز مكمكم. أن تصف مسجونًا بأنه حرز مكمكم، فهو يعني أنه ذات نفسه هو “الحرز”، هو دليل الاتهام، وهو السبب في سجن نفسه ومن معه، أما وصفه بالكمكمة فمعناه أنه سيظل في السجن للأبد، لأنه حرز مكمكم.
استخدام المصطلح كعنوان للكتاب نظرًا للتقاطعات المتعددة، والإشكاليات الإبستمولوجية التي يطرحها الكتاب. فهو كتاب عن الكتابة، التي هي دليل اتهامي/حرزي، لكنه أيضًا كذلك حرز خفيّ، أما لماذا هو بالحرز الخفي، فأدعوك لتقرأ الكتاب لتجد إجابة على تلك الأسئلة.
أحب أن أنوّه أيضًا أني استلهمت العنوان من أغنية الفنان رضا البحراوي “حديد” التي كتب كلماتها الشاعر محسن الشبراوي، وكذلك مهرجان “حرز مكمكم” للفنانين كاتي ونانا وشرارة، وهي من كلمات شاعر العامية الكبير “الجن والأسطورة”.
(ج): كيف تبلورت فكرة الكتاب وما الذي قادك نحو الموضوع؟
(أ. ن.): قادنى نحو المشروع السجن.
أما كيف تبلورت فكرة الكتاب، فلأنه حين راجعت معظم كتابات أدب السجون وجدتها تتحدث عن السجن السياسي، وتتكلم عن المعركة والنضال والتنظيمات السياسية والرفاقية، وأشكال المقاومة، وهو أمر بعيد تمامًا عن تجربتي كمسجون بتهمة مخالفة الآداب العامة ومصنّف مع مروجي الدعارة وبائعي الهوى والنصابين والمزورين والقضاة وضباط الشرطة والجيش الفاسدين.
كان هناك رغبة، لا في تسجيل التجربة أو الشهادة للتاريخ، بل لفهم كل ما حدث والحوار معه، لكي أتمكن من إعادة بناء ذات جديدة تهضم ما مضى وتعاشره وتعشره، وتستولد المستقبل من رحم الحاضر واللحظة الراهنة التي هي بغير تأكيد لحظة فارقة مثل كل لحظات حياتي.
(ج): ما هي الأفكار أو القصة الرئيسية التي يتضمنها الكتاب؟
(أ. ن.): مثل كل أعمالي وما أكتبه، فالفكرة الرئيسية ومحور العمل هو: الحب والصداقة.
(ج): ما هي التحديات التي جابهتك أثناء الكتابة؟
(أ. ن.): لا شيء إلا ما يواجهه كل كاتب؛ كيفية تدبير الوقت اللازم للكتابة، ضمن مشاغل الحياة وضغوط العمل والحاجة المادية، أتمنى يومًا أن أصبح مليونيرًا حتى أتخلص من هذه التحديات والضغوط، وأفرغ وقتي للطهو والكتابة وتعلم صناعة الكوكتيلات وأستثمر مليونًا في إنشاء جائزة أو منحة باسمي تمنح للكاتبات أو الكتاب للتغلب على مصاعب الحياة وتحديات الكتابة.
(ج): كيف كنت تكتب داخل السجن، وكيف تعامل السجناء مع هذا الأمر؟
(أ. ن.): بالنسبة للجزء الثاني من السؤال، فكل السجناء يكتبون. الكتابة في السجن ليست نشاطًا مقدسًا يمارسه المرء في برج عاجي، بل الجميع يكتب. بعضهم قد حكم عليه بالسجن لمدة خمس سنوات يجد في الكتابة استخدامًا مناسب للوقت، يفقد الكاتب تميزه داخل السجن. في حالتي نظرًا لطبيعة قضيتي فقد حذرني مدير مباحث السجن من النشر أو تهريب أي رسائل للخارج، مقابل السماح لي بالاحتفاظ بدفتري الأسود والكتابة فيه، لكن لأني كنت أعرف أني أكتب تحت ظل الرقابة وربما نتعرض للتفتيش في أي لحظة فكنت أكتب بما يشبه الشفرة، وجمل وكلمات مختصرة خاصة جدًّا.
بالنسبة للشق الأول من السؤال، فربما يكون مفيدًا مشاركة هذا المقطع معك:
“رفيقي كان يسكن مصلبًا مجاورًا لي. جميع المصالب في عنابرنا كانت مبنية من الخرسانة المسلحة والأسمنت، وبين مصلبي ومصلبه يوجد حاجز إسمنتي بارتفاع عشرة سنتيمتر، كنا نضع عليه كرتونة تحتوي على علب السكر، والقهوة، والشاي، والنسكافيه، إلى جانب بعض قطع البسكويت أحيانًا، وعلبة الزيتون الأسود الذي أدمن مضغه، وكتبي. أما أوراقي والكرّاس الذي كنتُ أكتب فيه روايتي فكنتُ أضعه أسفل المرتبة التي أنام عليها.
على ضوء اللمبة حيث أقرأ ترجمة عربية لرواية “أطفال منتصف الليل” لسلمان رشدي، يسهر رفيقي الليل وهوم يكتب على ورق فلوسكاب خطابات طويلة من صفحات متعددة، يكتب بالقلم الأزرق، وأحيانًا يخرج قلم التصحيح الأبيض، يهزّه، ويمسح حرفًا خطأ أو جملة ندم على كتابتها. كان لديه شغف جنوني بكتابة الخطابات، وكنتُ أحسده على قدرته الجسدية على الكتابة لفترات طويلة بهذا الشكل.
لطالما كان لدي مشكلة مع إمساك القلم والكتابة لفترات طويلة، في الامتحانات كنتُ أحيانًا أختصر في إجابة الأسئلة، ولا أكتب كل ما أعرفه لأن يدي متعبة. منذ المراهقة بدأت في كتابة قصصي ويومياتي على الكمبيوتر، وبعد التخرج هجرت الورقة والقلم. والآن في السجن كنت أتعلم من جديد كيفية إمساك القلم وكيفية الكتابة على الورقة ذات السطور.
أولًا تمكنا أنا وشريكي من شراء عدد قديم من مجلة زهرة الخليج، وهي مجلة اجتماعية ذات طباعة إماراتية فاخرة. كنا نستخدمها كمسند للكتابة نضع فوقها الورق. نضعها فوق الفاصل الخرسانى بين المصلبين ونكتب عليها. كان يحفظ أوراق رسائله داخل صفحات المجلة. لكنه أقصر مني لذا كان بإمكانه الكتابة في هذا الوضع، أما أنا فبعد أول خمس دقايق كنت أشعر بعظام وعضلات ظهري تصرخ من الألم. جربت الاستناد بظهري على الجدار ووضع مجلة زهرة الخليج على فخذي مع ثني الركبتين، وكان هذا أفضل وضع للكتابة وصلت له.
كل السجناء يكتبون. الكتابة في السجن ليست نشاطًا مقدسًا يمارسه المرء في برج عاجي، بل الجميع يكتب. بعضهم قد حكم عليه بالسجن لمدة خمس سنوات يجد في الكتابة استخدامًا مناسب للوقت، يفقد الكاتب تميزه داخل السجن.
قسّمتُ فترات الكتابة حَتَّى لَا أشعر بالإرهاق سَرِيعًا. أكتب فقرة ثم أفرد جسمي حتى لا أفاجأ بعظامي وقد طُبقت وأُغلقت على عضلات جسدي. ركبتى تطقطق، وفي الليل أستيقظ من آلام الركبة بسبب البرد والرطوبة والنوم غير المريح، أفرد قدمي فلا أستطيع فردها كاملة لأني أطول من المصلب، أظل ساهرًا أخاطب الألم عله يزول فأنام، وفي الصباح تؤلمنى مع كل ثنية. أضغط على أسناني متحملًا آلام الركبة المثنية وأنا أكتب بالقلم الجاف على الورقة مستندًا إلى فخذي.
لكل كلمة كتبتها في هذا الوضع داخل السجن ألمها وجُهدها. قلت لتكن هذه حياتك إذن أيها الكاتب، درّب نفسك على هذه الممارسة، هكذا ستكون حياتك فاستعد لاستخدامها”.
(ج): كيف يختلف أو يتميز هذا الكتاب عن أدب السجون عمومًا؟
(أ. ن.): لا يمكنني الإجابة على هذا السؤال لأني شخص مغرور جدًّا جدًّا جدًّا. ومثل معظم الكتّاب لدي ميول لجنون العظمة وأوهامها، بالتالي أحاول في المقابلات الصحفية السيطرة على هذه الأمراض بتلافي الإجابة على الأسئلة التي تضعني في مقارنة مع الآخرين، احترامًا ومحبة لهم، وأترك أمر تقدير ما أكتبه للآخرين ومن يقرأ.
(ج): ما هو موقع هذا الكتاب في مسيرتك الإبداعية؟
(أ. ن.): هذا سؤال محرج جدًّا، للأسف ليس لدي مشروع أو مسار أو مسيرة إبداعية. الكتابة بالنسبة لي هي ممارسة ممتعة وتواصل مع النفس والآخرين، اختيار أن ترى وتعرّف نفسك ككاتب هو اختيار لنمط حياة، تكون القراءة والكتابة محورها، وبالنسبة لي كل كتابة هي إعادة خلق لذات جديدة، تأقلم مع مرحلة عمرية، هضم لأثر الزمن على العقل والجسد والروح، إشراق أبدي بعد كل موجة اكتئاب وانطفاء. هذا الكتاب كان مهمًّا لا لمسيرتي الإبداعية بل لحياتي الشخصية، حتى أفهم ما حدث وأحوّل كل التجربة إلى نصب تذكاري ربما يرى فيه الآخرون ما يثير اهتمامهم ويجعلهم يطرحون أسئلة.
(ج): من هو الجمهور المفترض للكتاب وما الذي تأمل أن يصل إليه القراء؟
(أ. ن.): أكتب غالبًا وفي ذهني قارئ متخيل هو مزيج من خمسة أو سبعة أصدقاء. ثم بعد ذلك مهمة الناشر أن يحدد الجمهور المناسب للكتاب ويسوّقه لهم، تحديد الجمهور ليس مهنتي. أنا أصلًا أندهش جدًّا حين يخبرني أحد لا أعرفه أنه قرأ كتابًا لي.
الكتاب أيضًا منتج يستهلك فرديًّا، ليس كالسينما تشاهده مع الجماعة، بل تقرأ الكتاب لوحدك، هو علاقة بينك وبين المؤلف. لذا اسمح لي أن أشمئز جدًّا من استخدام كلمة جمهور عند الحديث عن الكتاب. لا يوجد جمهور يكتب له الكاتب، بل هناك قارئ، فرد واحد يقرأ الكتاب ويتفاعل معه بالإيجاب والسلب، أما طموحي الأكبر ولحظة التحقق بالنسبة لي فهي لحظة الحوار مع هذا القارئ، وفي معظم الحالات ينتهي الحوار بأن نصبح أصدقاء.
غالبية أصدقائي هم قراء لي، أو أنا قارئء لهم، لذا ففي النهاية المسألة بسيطة وواضحة جدًّا، أنا أكتب عن الحب والصداقة لأصدقائي الذين أعرفهم، أو الذين سيعرفونني في المستقبل.
(ج): ما هي مشاريعك الأخرى/المستقبلية؟
(أ. ن.): أعمل حاليًّا على مشروع كتاب غير خيالي/قصصي بعنوان “33 وفي الجنة”. يركز بشكل أساسي على التقدم في العمر وما يحدث للرجال وأجسادهم، وكيف يؤثر التقدم في العمر على وعي الذكور بأجسادهم. يتقاطع كل هذا مع تجربتي في الهجرة إلى أميركا، وإعادة اكتشاف الذات والجسد في مواجهة البيروقراطية الأميركية والسياسات العرقية والصحية.
هي كتابة تمزج بين السيرة الذاتية، والتحليل التاريخي والغطس في الأرشيف، واللقاءات الصحفية. كل هذا في قالب ساخر يحتقر الحنين والنوستالجيا ويهرب من بكائيات وميلودراما الكتابة العربية عن المنفى والمهجر.
مقتطف من الكتاب
الكتاب كقناع
يعتمد التخفي على كبت الآراء التي تعبر عن مواقف طبقية أو سياسية أو دينية مع استعمال أكثر الصيغ الحيادية والمطروقة اجتمَاعيًّا في الإجَابةِ عن كل سؤال أو الرد على كل إيماءة، مع الكثير من عبارات مثل: معلش، والله كريم، وربنا يعينك، إلى آخره.
يتطلب القناع رسم ابتسامة هادئة، تمثيل الود والمحبة وتقبل الشخاخ الذي ينطق به الآخر، مهما حمل الخطاب من كراهية، وغباء، وعنصرية. ابتسم واعتبره نكتة، تظاهر بالبراءة وعدم إدراك حقارته.
استعملتَ القناع بِنجَاح فائق في معظم المناسبات الاجتماعية التي فُرضت عليكَ، وفي الظروف التي تطلبت منك الوجود في أماكن عامة، أو الاندماج مع البيئات غير المألوفة.
أثبت القناع كفاءته داخل السجن، خصوصًا في اكتساب احترام ومودة المسجونين والسجانين، لكن عبء ارتداء القناع طوال الوقت كان أثقل فعل على قلبي وروحي في السجن، بعد عبء انتظار مرور الوقت بالطبع.
كانت الكتب في الفترة الأولى هي الاستراحة التي يمكن خلالها نزع هذا القناع. تعمدت الرد على كل مَن يقطع اندماجي في القراءة ردودًا سَاهمة قصيرة ميتة، لإيصال رسالة لهم بأنني غير موجود معهم في الوجود، حين أرتدي قناع الكتاب.
مَثّل وجودي في مصلب علوي عبئًا أكبر، على عكس سكان المصَالب السفلية، فكل حركاتي وأشيائي الموضوعة في أكياس بلاستيك مُعلقة على مسامير في الجدار مكشوفة لجميع الأعين. كنتُ أعرف أن الغرض من وضعي هنا أن أكون تحت رقابة العصافير الموجودة في العنبر. كل كلمة أنطقها، وكل فعل، بل وماذا قرأتُ، ومع مَن تحدثتُ، وكم مرة دخلتُ الحمام، ومدة كل مرة، كل هذا يُنقل إلى الإدارة في تقارير مُتعددة من أكثر من مصدر، لكن أسفل قناع الكتاب أدخل في حجاب عن عالم المراقبة. في الكتاب أقابل أفرادًا لا حاجة لارتداء القناع معهم، بل نتناقش بجدية وحدة، ونرد على حجج بعضنا البعض، ونتخيل أحداثًا وافتراضات زمانية ومكانية، يندهش زميل ويهزني برفق: “أنت لسه في أول أسبوع، لحقت تكلم نفسك؟”.
اليوم السابع، السبت 27 فبراير 2016
أنا أذوب في مصلبي من الملل، أقرأ رواية “بابا سارتر” لعلي بدر وأتمنى ألا تنتهي. أقتصد في مضغ كل صفحة؛ لأن انتهاءها يعني ثقلًا أكبر على صدري من الملل وبطء مرور الوقت.
أفكر في الطزطوز الجميل، في أجمل الطياز التي مرت علي. أشتاق للجنس، ولا أجد حتى مساحة للاستمناء. في الصباح كان فلان يخبط بيده ويطلب من شاغلي الحمام الخروج ويردد إفيه السجون الشهير: “كفاية لبن بقى هتسدّوا البلاعات”.
الحب والأحبّة يبتعدون. أدرب الذاكرة بالكتابة وتسجيل الأسماء. أعزي الأحلام بالتمني. أتخيل الجميع معي في نويبع – سيناء، جالسون إلى مأدبة. كل أحبتي بجوار البحر وعلى الرمل أمام الطعام نضحك معًا بلا ضغينة.
نقطة الضعف التي أحاول السيطرة عليها هنا هي الغضب والانفعال. أي لحظة تفقد فيها السيطرة على أعصابك وثباتك الانفعالي عواقبها وخيمة. لا ترغب في النزول إلى الحبس الانفرادي.
اليوم في طرف أنفي يجلس شاعر غاضب.
ساعة التمام دخل أمين شرطة غليظ الملامح، يتمشى في ممر العنبر وعيونه مسلطة عليَّ. بادلته النظر لابسًا الوش الخشب. سأل بحدة، وقد ظن أني مجند متهرب من التجنيد:
– عسكري؟
– لا.
– اسمك إيه؟
– أحمد.
– محكوم؟
– آه.. واخد سنتين.
– بتشتغل إيه؟
– صحفي.
هز رأسه ثم تركني وانصرف.
ضرورة الحزق لولادة الأدب
خلعت ملابسي ثم قرفصت جالسًا في وضع التبول لكن بعيدًا عن عين الكابينة البلدي. أغمضت عيني في تركيز وكتمت أنفاسي مستجمعًا قوتي في عضلاتي وحزقت، شعرت بأثر الضغط في أمعائي لكن بلا نتيجة، لم يخرج شيء. أخذت نفسًا آخر وكررت الأمر ثانية بلطف أولًا ثم بقوة أكبر قليلًا، شعرت باستجابة عضلات دبري هذه المرة، لكن لم يخرج شيء بعد.
حزقت أكثر فظهر طرف الكيس البلاستيكي خارجًا من صرم طيزي. أوجعني الألم لكن مع كل حزقه يبرز الكيس ويتعاظم شعور الراحة، مددت يدي وأمسكت بأصابعي طرف الكيس، وبالتزامن مع الحزق سحبت الكيس خارج صرم طيزي، وبفضل كريم الشعر الذي دهنته سابقًا كانت الولادة/الإخراج انسيابية، حتى خرج كاملًا وبداخله الأوراق مطوية على شكل أسطوانة وقد علقت بعض قطع الخراء بالكيس الذي يغلفها.
فتحت المياه، وتحت القطرات المنسابة من الدش غسلته مزيلًا آثار الخراء وكريم الشعر قدر المستطاع، فردت الكيس فاستوت الأوراق التي يحتويها.
في نهاية عام 2019، بعد أن تحرر من سجنه، وبعد أن ترك السجن الكبير الذي صارته بلادنا، أصدر الكاتب أحمد ناجي كتابين دفعة واحدة. أولهما «حرز مكمكم» (دار صفصافة) الذي أرى فيه كتابة يندر مثيلها في تاريخ الأدب العربي حول السجون، كما أرى فيه شهادةً أدبية تنهض في مواجهة الوثائق القانونية التي أدانت الكاتب وعاقبته. وإذا كان صحيح أن للوثائق القانونية تأثير أحدّ في مصائر البشر من حيث كونها «فعلًا بالكلام»، فلا شك عندي أن لشهادة أدبية كهذه تأثير أكبر لدى سرد التاريخ، بما فيها من كلام عن الفعل. بالتزامن مع «الحِرز»، نشر ناجي رواية «والنمور لحجرتي» (دار المحروسة)، فجاءت تأكيدًا على أن شواغل الكاتب المجَرّم، والتي يحكي عنها بالتفصيل في «الحرز»، هي محل تطبيق ودراسة وعمل وتأمل وفحص وتحقيق في رواياته.
في هذه المقالة -وأعتذر مسبقًا عن طولها- سأحاول التعليق على هذين الكتابين اللذين أصدرهما ناجي معًا: عمّ وعمّن يكتب ناجي؟ ما المشترك بين كتابيه هذين؟ ما الجديد فيهما مقارنةً ببعض أعماله السابقة؟ كيف يدلنا كل منهما على قراءة لجانب من حياتنا؟ وكيف يدلنا كل منهما إلى قراءة للآخر؟ وأين موقع المؤلف وتعريفه للأدب واللغة في كل منهما؟ وما موقع سؤال الأنواع الأدبية بين الكتابين، وأحدهما رواية -يعني تخييل- وثانيهما سيرة ذاتية -يعني وثيقة تدّعي قولَ الحقيقة بلسان المؤلف؟ وأخيرًا، إذا كانت الرواية هي الجريمة واللغة
“لتحقيق هذا الوعد.. سيداتي سادتي، أريد من كل شخص فيكم أن يغمض عينيه ويفكر في عيب واحد، نقطة ضعف لم ينجح في التخلص منها. أرجوكم فكروا لثوانٍ وحددوا مشكلة واحدة تؤرق حياتكم”.
تتساقط الجثث في شوارع القاهرة بينما ساحر شاب لا يستطيع النوم مترقباً كارثة أكبر، وشريكة في السكن عالق في مقطوعة إلكترونية غير مكتملة، لكن وحدها “فرح” تعافر حتى تجد مهرب من هذا الخراب إلي اقليم على هيئة دولة، ودولة بلا خيال جمعي، امرأة تلد ربتها، مراعي خضراء للإبل، وملاعب أكبر للجولف، رعاة البهم يتطاولون في البنيان، ثلاث نجمات مجوسية. مدينة ذات قمر مشقوق، محرم فيها الأطفال، ، وناقة تخرج من صخرة وألف عجيبة وعجيبة آخري.
في روايته الثالثة يشيد أحمد ناجي من زواج فاشل وقصة حب هشة عالماً روائياً يمتد من القاهرة لسيناء لنيوم. وينمو خطه الزمني من ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد إلي المستقبل القريب، القادم نحونا بعنف ليدهسنا.
تأخر هذا الخطاب ثلاث سنوات تقريباً. لكن أن تأتى متأخراً خيراً من ألا تأتى.
منذ ثلاث سنوات في مثل هذا اليوم تم الحكم علي بالسجن لمدة عامين بسبب رواية كتبتها، من المحكمة تم ترحيلى إلي قسم الشرطة حيث قضيت هناك ثلاث ليالى. أثناء وقتى هناك أحضر أصدقائي لى عدة كتب لقرائتها في عزلتى. لكنهم فجأة نقلونى من قسم الشرطة إلي السجن. وعلى باب السجن أخذوا منى الكتب التى كانت معى، وملابسي وأقلامى.
في أول يوم بالسجن، مضى الوقت بطيئاً جداً. والوقت هو جلاد المسجون الدائم الذي لا يفارقه، لكني اكتشفت أن السلاح الوحيد الذي يعتمد عليه المساجين لمواجهة الوقت هو القراءة. بعض المساجين الذين قابلتهم لم يفتح كتاباً في حياته، لكنه في السجن مُحَاطاً بالملل وغارقاً في الوقت اللانهائي لا يجد سوى الكتب والقراءة لتمضية الوقت.
غلاف رواية إلينج لانجفار
لم أجد أمامى سوى كتاب مذكرات جيهان السادات –زوجة رئيس الجمهورية السابق- قرأت الكتاب في ليلة واحدة رغم سطحيته وتفاهته، مر أول يوم ولم أجد كتاب أخر سوى كتاب السيدة الأولى السابقة، حاولت قرأته مرة ثانية لكن بدا الأمر مؤلماً أكثر من الملل.
أخذت أتمشى في الزنزانة بحثاً عما أفعله، سألنى زميل سجين ما إذا كنت بخير؟ قلت له فقط أبحث عما اقرأه لأنى لا استطيع النوم. سمعنى سجين آخر وقال لى “فيه كتاب أدب مترجم جميل اوى مع فلان؟”
ذهبت إلي فلان، أخرج كتاب بغلاف أصفر كانت روايتك “إلينج” باللغة العربية. رفض اعطائي الرواية قال أنه لم ينهها بعد وعلى الانتظار للغد. لكن الملل كان يقتلنى لذا ظللت طوال اليوم اتمشى في الزنزانة الضيقة أمامه وأنا انظر له صامتاً مقتنعاً بقدرتى في التأثير عليه دون أن اتكلم، حتى استسلم منزعجاً واعطانى الرواية.
ألتهمت روايتك البديعة “إلينج” في ليلة واحدة، وحيث أنه لم يسمح لنا بالخروج من الزنزانة ليومين بعدها. فقد أعدت قراءة الرواية مرتين بتمهل وتمعن. تفاجأت أن أكثر من سجين في الرواية كان معجباً بها وقرأها. بعضهم لسبب ما تخيل أن بطلى العمل كانا مسجونين، ولأنه في النرويج لا توجد سجون فقد وضعوهم في ذلك البيت الخاص. شخصياً سحرنى الشعراء في روايتك. وفي عزلتى وسط بقية المساجين وجدتنى أعود لكتابة الشعر بعد توقف دام لسنوات.
شكراً لك على هذه الرواية البديعة، وعلى الابتسامة التى منحتها لى، وتحياتى منى ومن الزملاء المساجين في زنزانة 4/2 بعنبر الزراعة طرة.
في بلدٍ يبحث عن فرصة للإنقاذ من خلال مؤتمر اقتصادي حولوا موعده إلى حدث كرأس السنة، نعد تنازلياً ثم تدخل السنة الجديدة بلا مفاجآت غير قُبلة في الظلام للمحظوظين. يجلس مئات الآلاف وملايين المشردين على بوابات القصور في انتظار البشارة وتجلى المخلص الذي سينتشلنا من قاع الهاوية.
أقول في بلد كهذا لا ندري كيف أنجب واديه الطيب هذا القدر من السفلة الأوغاد، البعض مصاب بالعمى والبعض يرغب في التعامي. في هذا العمى لا يرون الخرائب والمزابل التي تشكل نسيج حياتهم، بل يرون عظمة ومجدا لا نراه، ويرون أعداء وحاقدين يرسلون لهم برسائل مشفرة لإثارة رعبهم وفزعهم على وطنهم الأم مصر.
ضميني لصدرك يا أمي. الجو الآن أفضل لا بارد ولا حار، ننتظر بالطبع مع نهاية شهر مارس عواصف الخماسين. هؤلاء الذين ليس لديهم أعداء وأرق وأرقى من أن يكونوا في المؤتمر العظيم، يمكنهم تمضية هذه الأيام بصحبة كاتب إيطالي يدعى كالفينو. هذه الأيام التي تشهد موت الشتاء القاسي مناسبة لقراءة روايته القصيرة «مدن لا مرئية» أو إعادة قراءتها إذا كنت قد نسيتها. وذلك في نسختها العربية بترجمة ياسين طه حافظ.
في رواية إيتالوكالفينو يجلس قبلاي خان على عرش إمبراطورتيه التي تغطى أكثر من نصف الكرة الأرضية. قضي الأمر واستتب له الملك والكرة الأرضية أصبحت في يد التتار. «أخبرنا الرسل بالدمار الذي أصاب طوابير الأعداء من هزيمة إلى هزيمة، أهلكوا قوات الملوك المجهولين الذين أغاروا على مواقع جندنا» أحرق البعض في ميادين مفتوحة ورسم الفنانون جداريات ضخمة لتلك المحارق حملوها لقصر الإمبراطور الذي أمر بتوزعها على المدن الرئاسية في الأقاليم المختلفة. أنشدوا الأشعار وغنوا الأوبريتات سلاماً لجيوش البلاد.
قبلاي خان غارق في الفراغ الذي يخلفه النصر والنجاح، يزوره رحالة إيطالي شاب ماركو بولو من مدينة البندقية. قطع ماركو رحلة طويلة بطول وعرض إمبراطورية التتار. الإمبراطور/ الرئيس/ الملك على عرشه ينصت لحكايات ماركو عن مدن إمبراطورتيه. الخواتم في أصابع الإمبراطور رمزا للقوة ولسلطانه، لجنده وناسه المنتشرين في بقاع الإمبراطورية، لكنه يحتاج لذلك الرحالة الشابة ليعرفه على ما يفترض أنه يملكه. «إنها لحظة أسى تلك التي اكتشفنا فيها أن هذه الإمبراطورية، التي كنا نظنها مجمع كل العجائب، خراب لا شكل له ولا حدود.. والنصر على الأعداء جعلنا ورثة بطالتهم الطويلة».
على طول الرواية يصف ماركو للإمبراطور المدن التي عبرها، بإيجاز واختصار، وصف كل مدينة لا يتجاوز الصفحة الواحدة. يحكي ماركو بلغة كالفينو ذات الجمل القصيرة التي تصف ولا تسرد، وكالعادة مع روايات كالفينو ففي كل صفحة تقرؤها وتدخل أكثر إلى متاهاته يصيبك دوار الكلمات، وتحتاج كل جملة إلى أن تقرأها أكثر من مرة في محاولة لاكتشاف هذا الأثر الذي تتركه تلك الكتابة على روحك وهذا الخدر الأفيونى الذي يصيب مزاجك.
في وصفه للمدن يقف ماركو على وصف القوانين الأساسية المحركة للمدينة والحاكمة للعلاقة بين سكانها وعمرانها، وصيرورة الحياة فيها. الحياة ليست عادلة بل لكل مدينة مفهومها عن العدالة.
يحكي ماركو عن مدينة ليس اسمها القاهرة لكنها تحمل اسم «أكلورا». الإمبراطور يستمع وهو يدخن غليونه وسحابه تعلق فوقهم وماركو يقص بصوت هادئ: «نظام للفضائل العامة، وللأخطاء العامة، يضعه شاذون، بعض المدققين في اتباع القواعد، مراقبون قدامى مما لا سبب يدعو لاعتبارهم الآن أمناء، ينسبون إلى أكلورا أصنافاً ثابتة من المزايا، ويؤكدون على مقارنتها بتلك التي للمدن الأخرى في أزمانها. ربما لا أكلورا المكتوبة، ولا أكلورا المرئية قد تغيرتا كثيراً منذ ذلك الحين، ولكن ما كان غريباً صار مألوفاً، وما كان طبيعياً هو الآن غريب، والفضائل والأخطاء فقدت روحها وشرها».
اعتقد كالفينو في قدرة الأدب على إنتاج نماذج من اللغة والخيال والجهد العقلي يمكنها أن تخلق ترابطا منطقيا للحقائق، وهذا بدوره يمكن أن يبتكر نماذج من القيم جمالية وأخلاقية وضرورية لأى خطة العمل خصوصاً في الحياة السياسية. ورغم أننا لسنا في أكلورا إلا أننا نعيش كسكانها متوهمين تمسكنا بأخلاق قديمة لم توجد أبداً، واقعين تحت عبء مراقبين قدامى تعروا أمامنا ورأيناهم والسحالي والأكاذيب تخرج على طول آخر خمس سنين من فتحاتهم ومع ذلك ننتظر منهم خلاصاً نعرف أنه لن يأتي.
من يختارون الانسحاب أو السفر لن يتركوا الماضي خلفهم. ماركو مثلاً عبر بمدن زجاجية، وأخرى بنى سكانها مدينة مماثلة لمدينتهم تحت الأرض ليخففوا صدام الانتقال من الحياة الدنيا فوق الأرض إلى الحياة الأخرى في ظلام بطنها. عبر بمدينة أنشأها مجموعة من البشر من مختلف بقاع الأرض حلموا جمعيهم ذات مساء بذات الحلم، مدينة أخرى تعيش على الماء، وأخرى جدرانها من التراب. لكن حينما يحاصره الإمبراطور بالأسئلة يجيب بأن كل ما يرويها ليس إلا أطراف من ذكرياته عن البندقية. لكنه يرفض أن يحكي حكاية البندقية كاملة مثلما لا تخرج الحقيقة الآن كاملة. «حين تقيد صور الذاكرة بكلمات، فإنها تمحى. وأرانى خائفاً من ضياع البندقية كلها مرة واحدة، إذا ما تحدثت عنها، وربما، وأنا أتكلم عن مدن أخرى، سأضيعها شيئاً بعد شيء..»
في نهاية الرواية وبينما الإمبراطور يقلب صفحات الأطلس ويشاهد أسماء المدن وصور تضاريسها، يغلق الكتب وبحزن يصارح ماركو بأن كل هذا المجد والسفر والبحث عن المدن اللامرئية بلا جدوى ما دامت مدينة الجحيم هي محطة وصولنا النهائي، لكن بولو يجاوبه: «إن جحيم الأحياء ليس شيئاً سيكون، وإذا وجد جحيم، فهو ذلك الموجود هنا الآن، الجحيم حيث نعيش كل يوم والذي نكونه حين نكون معاً. هنالك طريقان لتجنب عذابه، الأولى: سهلة للجميع، أن تتقبل الجحيم وتصبح بعضاً منه، فلا تراه بعد ذلك. الثانية خطرة، وتتطلب احتراساً وخشية دائمين: تبحث وتعرف، في وسط الجحيم مَنْ وما هو ليس جحيماً، ثم تمكنهما من البقاء وتمنحهما مجالاً».
كتب أحدهم على جدار مواجه لقسم شرطة حى الزمالك –أحد الأحياء البرجوازية في القاهرة- العبارة التالية: “إن حياة الفرد الأخلاقي تقوم على احتذاء النظام الخلقي الكونى، أما حياة الأوغاد فتقوم على معاكسة ذلك النظام الكونى”. بجوار تتلك العبارة رُسم جرافيتى ضخم لوجه الأسطورة الشعبية “الهرم” وهو يلف بين أصابعه سيجارة حشيش بينما أحاطت برأسه هالة كهالة القديسين.
“الهرم” هو أحد الأساطير الشعبية المعاصرة في مصر، ويصنف في مناطق بصفته إله “الديلارات” والدهاء. وفي مناطق شعبية تباع أيقونات صغيرة “للهرم” عليها الآية القرآنية “فأغشيناهم فهم لا يبصرون” حيث من يرتدى الأيقونة يحميه ظل الهرم من عيون ضباط الشرطة والأفراد الأخلاقيين وكلاب النظام الخُلقي الكونى.
لكن العبارة الفلسفية والعميقة المصاحبة للرسم، ليست من أقوال الهرم. ولم يعرف من صاحبها، ولما تستخدم بجوار أيقونة “الهرم”؟
كان هذا في الفترة التى تلت أحداث 25 و 28 يناير. وكانت جدران القاهرة تعج بآلاف الكتابات والرسومات معظمها ذات صبغة سياسية، لكن جرافيتى “الهرم” وبجواره العبارة الملغزة ظل شرخاً عميقاً في المشهد وهرمونية الروح الوطنية والثورية التى غطت البلاد في هذا الوقت.
** *
هناك أكثر من عالم.
ولكل مسألة أكثر من طبقة وزاوية. في النظام الخلقي الكونى هناك انشغال بالديمقراطية، الثورة، كرامة نبي، فيلم مسيء، كلاب تنبح، ديون وقروض ودول تشهر إفلاسها، صراعات تدور على الشاشة ونشرات الأخبار. لكننا هنا في حياة الأوغاد ندرك أن هذه الأوهام ليست سوى التمثيل الكاذب للحياة.
صورة فوتوغرافية من تصوير أحمد ناجى، تعود إلي العام 2009
بينما يتحدثون في النظام الأخلاقي عن أهمية الأدب والموسيقي في التواصل الحضارى بين الشعوب وحوار الحضارات، ندرك أنه لا حاجة لهذا الدفع أو التوجيه من قبل “النظام” لكى يكون الأدب والموسيقي في هذا الاتجاه.
في مصر نمت في السنوات الأخيرة موسيقي الأوغاد، أو ما يعرف بموسيقي المهرجانات وهى نوع موسيقي يختلط فيه إيقاع الهيب هوب، بألعاب الأصوات الألكترونية بأصوات النجوم الأوغاد. يتم تسجيل هذه الأغانى في منازل وعشش وإضاءة خافتة للشوارع الخلفية، والكلمات منفلتة عن كل الأطر الأخلاقية والنظامية المعتادة.
دون الحاجة إلى التوجيه اكتشفت مؤخراً تشابه غير معقول بين تلك الموسيقي المخلقة في حوارى القاهرة الشعبية، وبين نوع آخر من موسيقي العصابات يزدهر بجنون في البرازيل.
أى حدود يجب تجاوزها إذن؟
الحدود الحقيقية لا تقع بين اللغات المختلفة أو بين الدول ذات أنظمة منح “الفيزا” المختلفة. بل بين نظامين؛
الأول أخلاقي وكونى يفرض صوراً نمطية بين البشر أفراداً وأمماً ثم يدعى بأنهم جميعاً بشر لهم نفس الحقوق وحباً في الخير ومصلحة الكون يدفعهم لما يقول عنه “حوار” قالبه الأساسي التنافس والملكية.
والثانى هو حياة الأوغاد حيث الفرد مكتملاً في ذاته، ويستمد حريته وطاقة المغامرة لاستكشاف الحياة من معاكسة هذا النظام الكونى، لا بهدف تقويضة أو تفجيرة من الداخل، بل من أجل تللك اللذة السرية الصغيرة.
لكن تلك اللذة السرية ليست كل شيء فهناك الجانب الآخر، أو كما يقول أحد سكان المدينة الأوغاد بالعامية المصرية: “في الحالة دى مفيش آمان، حياتك بتبقي زى القمار، طالع نازل، لما تسيب حبة ريح توديك وتجيبك، لما تجريك لقمة عيش أو ريحة خطر، لما تعس نهارك وليلك من غير ما تولف راسك على حيط أو رجلك على أرض، لما الوقت يبقي بالنسبة لك فرصة، والمكان ضربة حظ.. ساعتها وساعتها بس تعرف أنك بقيت وغد..
بمناسبة اقتراب عيد ميلاده الأربعين، نعيد نشر حوار أجراه أحمد ناجى وأحمد وائل مع أمير الرواية الذهنية والدراما الهزلية نائل الطوخى. أجرى هذا الحوار منذ عشر أعوام حينما بلغ نائل الثلاثين، على أمل أن نصدر جزء ثانى منه بمناسبة عيد ميلاده الأربعين. ولا يفوتنا أن نهنئ نائل الحبيب بروايته الأخيرة التى يخرج فيها من البلاعة، ونقول له انزل يا جميل على الساحة، فالأربعين سنة النبوة، ولقد أوتيت الحكمة صبيا فأصعد من عيون القادمين إلى غروب السهل. أصعد من صناديق الخضار. و قوّة الأشياء أصعد
صور أرشيفية لنائل الطوخى تعود لعام 2008 أثناء محاولته الهروب من حصار الأسئلة
حاوره: أحمد وائل
وأحمد ناجى
نائل فى الثلاثين..خبر مهم، بل حدث مدو، هل تغير أمير الذهنية بعد وصوله للثلاثين؟ هل سينتقل إلى خندق حراس الجمود؟
هل سيتوقف عن الكتابة؟ ما معنى الثلاثين عند نائل الطوخي.. يقول المتصوفون أن الناى حزين لأنه يبكى الشجرة التى نزع منها.. لهذا يحن الناي إلى بداياته.. ويحزن بعمق، بنبل، بأسى، هل يحزن نائل مثل ناى وحيد؟
قبل أيام من بلوغ نائل الثلاثين كان يحدثنى بشكل ودى وحميمى عن مشروع رواية جديدة يريد أن يكتبها باللبنانية، ونشر فصلا منها تحت عنوان “82”. كان لنا ، ولكم، وللأمة العربية، هذا الحوار مع صاحب “خواطر ثائرة لفلاح مصرى”، ورواية “أرانب مطبوخة بالسمنة”
…………………………………..؟
انظروا. حينما بدأنا الكتابة كان العالم غير العالم والكتابة غير الكتابة. كانت
الدنيا رائقة وودودة ولم يكن هناك ذلك الصراع الفارغ حول الأفضل والأروع (يغمز بعينيه ويخرج طرف لسانه) والأكثر استحقاقا للترجمة والجوائز.
الكتابة كانت زي الحشيش: مزاج. طبعا كنا مجرد شباب ثوري متحمس. ظننا أن الثورة ستقوم بكرة، ومضى بكرة، ومضى بعد بكرة، واكتشفنا أن الثورة وهم كبير، فتفرغنا للسهر بالبار والاتهامات بالعمالة التي كنا نطلقها بين الحين والآخر كنوع من المداعبات المرحة والظريفة بيننا وبين زملاء القرطاس والقلم.
عن نفسي، أنا لم أحب السهر في البار، كانت عندي دائما مشاكل مع دماغ الخمرة، كنت أشعر أنها تتدخل بقسوة في تكويني الجسماني الصافي، بعكس الحشيش، ومثلما قلت لك: الكتابة حشيش، هذه مقولة أنا مؤمن بها، ومستعد للدفاع عنها حتى الموت.
………………………..؟
هذا شيء بتاع ربنا.
ربنا سبحانه وتعالى يقول ولا تدري نفس ماذا تكسب غدا ولا تدري نفس بأي أرض تموت. وبعدين أنا دائما بأحرص على أن أستحمى بعد ممارسة الجنس أو الشرب. حتى لا يأخذني الموت على خوانة.
نائل الطوخى
………………………؟
نعم. مجموعتي الأولى أصدرتها وأنا أبلغ واحد وعشرين
سنة، كانت عبارة عن خواطر متناثرة ومكتوب على غلافها “خواطر ثائرة لفلاح مصري” حسب الطريقة التي كانت متبعة زمان. وقد لاقت استحسانا كبيرا عند نشرها. كتب عنها الناقد الكبير الأستاذ أحمد الهندي والروائي محمد
أحمد، ولكن أكثر مقال أتذكره بالامتنان كان مقال الناقد الكبير تامر أبو هيثم، حيث استغل موقعه في جميع الجامعات الأجنبية وقدم تعريفا جيدا بها وبي فله كل الشكر.
إذا قارنتم هذا بما يحدث الآن فلن تجدوا أحد يكتب أو أحد يقرأ. خلاص. الجهل بقى نعمة (ينفخ دخان السيجارة بشجن). يعني أنا مثلا متابع للأدب الشاب،وتعجبني بعض الأسماء التي تحاول تقديم طريقة سرد جديدة وإن كان ينقصها المشروع المتكامل والدأب. ولكن من الذى يتابعهم من النقاد مثلما قام النقاد الكبار بمتابعتنا؟ لا أحد للأسف.
أنا أرى أن هذا جيل مظلوم. الله يكون في عونكم.
……………………….؟
آه. بالنسبة للأستاذ أحمد الهندي فلقد كان واحدا من أهم نقاد جيلنا. لقد كنت أراه في أستوريل يوميا من الساعة الثانية ظهرا حتى الثانية من صباح اليوم التالي. تصوروا أنه كان يشرب طول الوقت، وكان يعتبرها عيبة كبيرة في حقه إذا قعد وماشربش أو إذا ترك شخصا آخر يحاسب على الترابيزة. وكان طول الوقت يكلمنا عن التيارات الجديدة مثل الواقعية ومابعد الواقعية وغيرها. ولم يتخلف عن ميعاد جلسته هذه يوما واحدا. أما محمد أحمد فهو يعتبر أديب عالمي، وبعدما نشرت المجموعة بسنتين أخدت بنته، تزوجتها، وتصور أنه على مدار عشرين سنة زواج لم يتدخل في حياتنا الخاصة أبدا. برغم أنها – أي بنته –كانت سليطة اللسان ودائمة الشكوى، ولكنه كان – بتفهم الروائي الكبير – يقول لي: هذه زوجتك، وأنا لا أريد أن أتدخل في حياتكو أبدا.
لقد كان نعم الروائي والصديق والحما رحمة الله عليه (يفتح يديه ليقرأ الفاتحة(.
……………………………؟
(يضحك بصوت عالي) السياسة حلوة. بصوا. السياسة دماغ. وأحلى دماغ كمان. أحلى من الحشيش.
أنا لما أكون مش مزبوط باروح أعمل دماغ سياسة. ندوة. مظاهرة. مناقشة جامدة. هكذا يعني. فيه بعض الناس التي تقول إن السياسة وحشة. لأ. أنا رأيي الشخصي أنها حلوة.
……………………….؟
أنا وإنتوا نقول هذا الكلام. ليه؟ لأن الناس تتصور أن الكاتب عندما يبلغ سنا معينا فإنه يغير أفكاره. لكن أنا وإنتوا عارفين الحقيقة. أنه لايغيرها. صح؟
طيب، كلامي واضح، أنا لم، ولن، يتغير موقفي من الذهنية، فهي تعتبر أول من قدمني للقراء بشكل أنصفني، وهي التي قدمت لي الخلفية التي أتسند عليها في أعمالي كلها. يعني خذوا عندكم مثلا، إنت مثلا بتكتب قصة حببين واحدة فقيرة وواحد غني، هذا موضوع ممتاز ومبتكر، ولكنه ليس ذهني بمافيه الكفاية، وبالتالي فالأمر لا يمنع من وجود بعض التيمات الذهنية في الكتابة، يعني أن تجعل البنت الفقيرة فقيرة جدا، والغني غني جدا، وهكذا يحصل الكونتراست.
صورة مهزوزة يظهر فيها من اليمين لليسار، ياسر عبد اللطيف، نائل الطوخى، وأحمد وائل
………………………….؟
(بتسم) نعم. أنا كاتب كونتراست. بعض الناس يتصورون أنني أزعل من هذا الوصف ولكن الحقيقة هي لا. أنا أرى أن كل واحد أستاذ في صنعته. وكان أول من وصفني بهذا الوصف الراحل الجليل الأستاذ محمد أحمد، الأديب العالمي وحمايا العزيز.
…………………؟
مثل ما قلتلكو من شوية، كل واحد أستاذ في صنعته. ربنا دائما يسبب الأرزاق. لا أحد يرزق حد، ولكن دائما هناك أسباب. الرواية الذهنية مثلا عندما ظهرت كان هناك تيارات أخرى.. ولكن هي اكتسحت الجو لأنها أثبتت جدارتها.. بينما التيارات الجديدة تحاول أن تثبت لنفسها مكانا ولكنها تفشل المرة تلو المرة.. لماذا؟
لأن الناس تنبذها. وربنا سبحانه وتعالى يقول أن ما ينفع الناس يمكث في الأٍرض.. لأحكي لكم قصة طريفة. أنا كنت ماشي في الشارع أقوم بجولتي الصباحية المعتادة. قابلني شخص استشفيت من ملابسه أنه بسيط الحال. وسألني لماذا لم أقم بواجبي في محاربة التيارات الجديدة التي جاءت بعد الذهنية. أنا قلت له شوف يا حاج. إنت شغال إيه؟ قال لي أنا على باب الله. قلت له إنت راجل طيب. لو جاء شخص ما وقرر أن يزاحمك في رزقك. هل تحاربه أم تترك ربنا ياخد لك حقك منه؟ قال لي أترك ربنا ياخدلي حقي طبعا.
قلت لهو هكذا هي الكتابة الذهنية يا صديقي.
إذا لم تخني الذاكرة فالرجل اعجبه كلامي لدرجة أنه حاول أن يقبل يدى ولكنني رفضت. .
………………….؟
)بتسم بسخرية) والموبايل الذي تحمله حضرتك غربي. وجهاز التسجيل الذي تسجلبه غربي. هل معنى هذا أن لا أستخدم هذه الأشياء وأتقوقع داخل نفسي؟ لا. يبقى الحل إيه؟ يبقى أنا آخذ من الغرب الأشياء التي تنفعني وأترك الأشياء التي لا تنفعني. وأنا أرى أن قصيدة النثر والشيوعية لم ينفعوا المواطن المصري، بينما الرواية الذهنية نفعته كثيرا. جعلته أكثر صحة، أكثر اهتماما بنفسه، وحققت له مستوى من الرفاهية لم يكن يحلم به قبلها. بالنسبة لماضي الرواية المصرية فأنا واحد من الناس الذين يرون أن إمبارح أحسن من النهاردة، والنهاردة أحسن من بكرة. قل لي: ليه؟.
اقولك. لأن النهاردة أنت عرفته بالفعل، بينما بكرة لا تعرفه. صح كدا؟ وهذه
إجابتي على مستقبل الرواية المصرية أيضا. أرجو أن يكون كلامي واضحا وألا
يساء فهمه.
………………..؟
شوفوا. أنا لا أسميه جنسا وإنما لذة جنسية. لأن كلمة جنس لوحدها هكذا تحمل لي دلالات غير مريحة. أنا لا أستريح لها. بالنسبة للذة الجنسية فهي من وجهة نظري لذة جنسية ذهنية، يعني مثلا أنت ممكن تزبط مراتك بالليل، لكن هذا يتم بدون ذهنية، هنا أنا لا أعتبر التزبيط تزبيط.
التزبيط في رأيي هو عمل كل الحواس، وأولها الذهن طبعا. (يقهقه بعنف شديد) إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى.
…………….؟
بالنسبة لموقعي من المؤسسة فأنا أحب المؤسسة. (يبتسم بود) هناك ميكروباص عندنا دائما ما يقول التباع بتاعه مؤسسة مؤسسة. هذه مجرد نكتة طريفة طبعا،ولكنها ترمى على ما هو أعمق. فأنا أرى أنه يتم التعامل مع المؤسسة كأنها مجرد تبّاع ميكروباص. وهذا ظلم. المؤسسة تمثل بالنسبة لي تاكسي. أنتوا عارفين. أنا بطلت ركوب ميكروباصات من زمان.
الصحة لم تعد مثل زمان. زمان كان هناك بركة كما قلتلكو. أنا أفضل التاكسي دائما. طبعا أدفع أكتر فيه. ولكن من الذي لا يدفع أكتر في هذه البلد. الإنسان هو الوحيد الذي يرخص يا أصدقاء.
تم حذف نص الأسئلة لاعتبارات خاصة بالمساحة، كما سنوفيكم تقريباً بالصور الخاصة بالحفل الذهنى الكونى الذى نظمه مجموعة من المعجبين ومحبى نائل بمناسبة بلوغه الثلاثين.
وقفتْ تصرخ في منتصف الغرفة، بينما أنا لا أسمع أي صوت. وأعني حرفيًا لا أسمع أي صوت. بدا الأمر كما لو أن أحدهم قد أطفأ زرار الصوت، أو أنني فقدتُ حاسة السمع لما يقرب الدقيقتين، أخذتْ هي فيهما تلوح بذراعيها وتتشنج عضلات وجهها وتتقلص وتنبسط، وحينما أوشكتْ على الإنتهاء كان آخر ما سمعته منها، وهي تستلقي في الوضع الجنيني على الفراش وتسحب الغطاء حتي رأسها:
عندما تلقيتُ خبر حبس أحمد ناجي شعرتُ بالصدمة والغضب معًا، وبدا الأمر لي كارثيًا إلى أقصى درجة، ليس فقط بسبب معرفتي الشخصية بناجي كأحد أكثر الكتاب الجدد جنونًا ونزقًا وموهبة وامتلاء بالحرية وممارسة لها في الكتابة، بل أيضًا لأن المستقبل القريب بدا أمامي منذرًا بتوالي كوارث من هذا النوع، خصوصًا لأن هناك عشرات الدعاوى المشابهة، مرفوعة فعلًا من ناس وجهات ومؤسسات، ضد أعمال أدبية وفنية ومقالات وأشعار، تنتظر دورها في أروقة النيابة وقاعات المحاكم. وحبس الأستاذ إسلام بحيري والحكم بحبس الكاتبة فاطمة ناعوت ثم حبس ناجي، سيتلوه بلا أي شك أحكام على هذه الشاكلة على الأقل، فهم يحاربون الخيال، وأول خطوة في قمع الخيال ودحره، هي تجفيف المنابع وإشاعة الخوف وممارسة الإرهاب بتضييق المجال العام ثم المزيد من تضييقه.
صفحة من رواية استخدام الحياة
قضيتُ اليومين الماضيين في التقليب في عدد من الأوراق والكتب باحثًا عن أي خيط يقودني لفهم إلى أين تمضي بنا كارثة بهذه الغباوة. ويحفل تاريخنا القريب بعشرات وعشرات من أحكام و قرارات بالمنع والمصادرة والحبس أيضًا، مثلما جرى لعلاء حامد عام 1992 بحبسه سنة لتأليفه كتاب “مسافة في عقل رجل” الذي كان قد صدر قبلها أصلًا بثماني سنوات، وبالمناسبة وفي العام نفسه، 1992، صدر حكم على صلاح الدين محسن لتأليفه ثلاثة كتب هي “عبطاوي” و”ارتعاشات تنويرية”، و”مسامرة مع السماء” بالحبس ستة أشهر أمضى منها أربعة أشهر قبل أن تُصدر محكمة جنح طوارئ أمن الدولة بالجيزة حكمها بإيقاف التنفيذ.
هذا عن الحبس بسبب تأليف الكتب والعياذ بالله فقط، ناهيك طبعا عن مصادرة الكتب أو الغارات الهجومية على المطابع لضبط كتب خادشة للحياء بشتى أنواعه والازدراء بمختلف ألوانه، مثل “ألف ليلة وليلة” و”الفتوحات المكية” لابن عربي و”فقه اللغة” للويس عوض، هذا إلى جانب العشرات من حالات التدخل الرقابي الفظ من جانب الرقابة الرسمية بالحذف لعبارات وفقرات لكُتّاب مثل يوسف إدريس وإدوار الخراط وصنع الله إبراهيم والطيب صالح ومحمد روميش ونجيب محفوظ وشريف حتاتة وفتحي غانم وغيرهم وغيرهم.
ومع كل ذلك الذي ذكرته، وهو مجرد أمثلة عشوائية، فإن حالة ناجي بدت لي أكثر كارثية في مجتمع أشعل شبابه فتيل الثورة بعيدة الغور، حتى على الرغم من المآل المؤقت الذي آلت إليه. لن أستطرد هنا، فهو شائع ومعروف، ولكن على سبيل المثال فقط، فالمادة 67 من الدستور النافذ بعد أن استُفتي الشعب عليه، تنص بوضوح على عدم توقيع أي عقوبة سالبة للحرية “في الجرائم التي ترتكب بسبب علانية المنتج الفني أو الأدبي أو الفكري”. هنا عدوان واضح على الدستور ذاته، أليس كذلك؟ وعلى سبيل المثال أيضًا فإن الحكم السابق مباشرة انتصر لحرية الإبداع وقضى ببراءة ناجي، وهو حكم لم يمض عليه إلا أسابيع قليلة.
لا منطق ولانظام بل انتهاك، وليس مجرد خدش للدستور والقانون. النص المنشور في “أخبار الأدب” سبق نشره في كتاب، ومن لا يريد أن يُخدش حياؤه لا يقرأ الكتاب، هل هناك أكثر بديهية من هذا؟ كما أنه ليس من سلطة النيابة والقضاء الحكم على الأعمال الأدبية والفنية، بل من سلطة النقد الأدبي، وهذا ما أوضحه بجلاء الأستاذان صنع الله إبراهيم ومحمد سلماوي أمام المحكمة في جلستها السابقة، لكن النيابة لم ترعوِ واستأنفت فكان الحكم الصادم.
لا أريد أن أستطرد أيضًا حول التهمة التي زُج ناجي في السجن بسببها، وهي خدش الحياء العام. من يحدد معايير خدش الحياء العام؟ هل لوحات محمود سعيد وموسيقى زكريا أحمد وأغاني عبد الوهاب وتمثيل فاتن حمامة خدش للحياء العام؟ مجرد مناقشة مثل هذه البديهيات تصيب الواحد بالضجر.
هناك إذن شيء ما أو أشياء، لا يمكن وضعها في سياق، لا على مستوى تنفيذ القانون ولا على مستوى المنطق.
أنا على سبيل المثال، شعرتُ بغضب شخصي، بل بالإهانة، بسبب اتهام المصريين، بعد ثورة بحجم ثورة يناير، بالسُعار الجنسي والهياج، بحيث تتأثر جموعهم بما احتوت عليه رواية ناجي من ألفاظ تثير اللعاب. أي خدش للحياء يتحدثون عنه؟وهل ما يفعله مرتضى منصور وأحمد موسى مثلًا يشكل خدشًا للحياء أم زغزغة ومهارشة بريئة مثلًا؟
وعندما يحدث هذا في وقت يتم فيه بكل قوة وحزم تضييق المجال العام، بدءًا بالأحكام الصادرة على الشباب في قضايا التظاهر والاحتجاج السلمي، وعودة السيطرة الأمنية على أجهزة ومؤسسات الإعلام، ومطاردة منظمات المجتمع المدني، وليس انتهاءً بحبس إسلام بحيرى وحكم فاطمة ناعوت ثم حبس أحمد ناجى، عندما يحدث هذا، فمن الطبيعي أن أرى أن ما جرى ويجري أمور كارثية، ولكن رد الفعل خلال الساعات الثماني والأربعين الماضية كان مذهًلا. ليس فقط الحالة المعنوية العالية لناجي في محبسه، وسرعة تضامن العشرات من زملائه الكُتاب والفنانين من كل الأجيال والتيارات والاتجاهات، بل أيضًا التضامن العملي من جانب نقابة الصحفيين واتحاد الناشرين وجبهة الحريات وغيرها من المنظمات والهيئات.
وهكذا فإن ما جرى أخيرًا ليس كارثيًا جدًا، وأغلب الظن أن المواجهة المنتظرة بين سدنة قمع الخيال وتضييق المجال العام من جانب، وقوى المجتمع الحية من الكُتاب والفنانين من جانب آخر، لن تنتهي بهزيمة الخيال.