لمَن يعلن السيسي عن سجونه الجديدة؟

بحملة إعلانية ضخمة وأغنية شاعرية رومانسية تتحدث عن فرص الحياة، أعلنت مصر عن افتتاح مجمع سجون، قيل أنه الأكبر في مصر والشرق الأوسط، وقيل في مبالغة، ربما الأكبر في أفريقيا، ومن يدري ربما يكون السجن الأكبر في العالم.

في الإعلان الذي يُبث بكثافة في التلفزيونات، تظهر لقطات واسعة مصورة بالـ”درونز” لمجمع السجون من أعلى، تحيطه الحدائق الخضراء التي أصبحت مفقودة في الشوارع المصرية. وعبر لقطات متتابعة تشبه تلك التي تظهر في إعلانات المشاريع العقارية الفخمة، يظهر ما كأنه ديكور لسفينة فضائية أو فيلم من أفلام الخيال العلمي المستقبلية، وفيها أشخاص يفترض أنهم مساجين وهم يمارسون أنشطة غريبة جداً: يعملون في مزرعة دجاج، يجلسون في غرفة موسيقى، يقفون في غرفة حضانة أطفال، يطهون الطعام في مطبخ فاخر مليء بالمعدات الحديثة.

وفي مشهد بليغ يجلس المساجين في غرفة مَرسم، يظهر أحدهم وهو يلون صورة للرئيس عبد الفتاح السيسي كُتب تحتها “تحيا مصر”، كما تظهر لقطات لغرفة مستشفيات مجهزة بأرقى الأجهزة. وفي بداية ونهاية الفيديو، هناك تنويه لا يمكن معه سوى الاستهجان حتى القهقهة إذ يؤكد “أن جميع النزلاء تم تصويرهم بموافقتهم”

بقية المقال متاح على موقع المدن

https://www.almodon.com/media/2021/10/30/%D9%84%D9%85%D9%86-%D9%8A%D8%B9%D9%84%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%B3%D9%8A-%D8%B9%D9%86-%D8%B3%D8%AC%D9%88%D9%86%D9%87-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF%D8%A9

بمناسبة الحوار المحلى والدولى: ثلاث أساليب فهلوة بضينة نتمنى أن تغيرها الأجهزة السيادية

من الواضح أن فيه بعض المسئولين في دوائر صناعة القرار المصرية خصوصا اللى على صلة بملفات خارجية قدروا يقنعوا السيد الرئيس بضرورة زحزحة الامور قليلا ولو بالتظاهر بالجري في المكان. في محاولة لتحسين الصورة الخارجية للبلد واقناع الراعي الأمريكى يحبنا شوية أو يرد على التليفون زى ما بيرد على تليفونات اردوغان، وتميم قطر، واسرائيل

شفنا مؤخراً جلسات حوار واستراتيجيات حقوق انسان، بل لأول مرة منذ سنوات فتحت قنوات حوار شبه رسمية بين ناس قدمت نفسها كمبعثين وممثلي لاجهزة وجهات وشخصيات معارضة  في الداخل والمنفي. عدد من منظمات المجتمع المدني أطلقت مبادرة السبع خطوات، والناس بتحاول على كذا اتجاه، وأى جهد يساهم في الافراج ولو عن شخص واحد من سجون السيسي أو تحسين ظروف سلخانات التعذيب ومقابر طرة فالناس مشكورة، وربنا يوفق الجميع.

لكن مع كل جولة مفاوضات أو انفتح افق حوار بنشوف تكرار في استراتيجيات الأجهزة، وبيدخلونا في نفس اللفة بتاعت ودنك منيين  يا جحا، وعايز اتوقف شوية عند عدد الاستراتيجيات والتكنيكات المكررة دى، واللى بقت مملة وتفقع وكفاية سخافة بقي حقيقي:

-معلهش أصل انا مجنون، و25 يناير لسه بتحرق طيزى

وهى الاستراتيجة الأولى في اى اجتماع او حوار بالذات من بعد 2016. وهنا بتلاقي الضابط أو المسئول بيعلن صراحة من البداية أنه مجنون، أو يقول لك معلهش معانا ضباط أو أجهزة مجانين، وخايفين يغلطوا أو يتكرر اللى حصل في 25 يناير، وبتحركهم شهوة الانتقام. وبالتالى بيطلب مننا احترام جنونه وان معاه شهادة معاملة اطفال..

علاء ومنى صورة زى ما هو واضح متلطخة بالعلامة المائية لجرنان إبراهيم المعلم

التجلى الاوضح للتكنيك دا، لما تطرح أسماء محددة من ناس بتموت في السجن بلا قضايا أو محاكمات، فيكون الرد، لا معلهش مش هنطلع فلان علشان من حوالى 8 سنين كان ماشى في مظاهرة بتقول الداخلية قتلة، أو فلان لا، علشان ابوه الله يرحمه مرة رد على السيسي وحش ولبسه جامد في قضية كشوف العذرية من عشر سنين.

الموضوع دا بقي ماسخ جدا يا جماعة، بل وعيب. عيب لما ممثلين لأجهزة سيادية بل ممثلين للرئاسة يعملوا اجتماعات برا وجو وقصاد مسئولين أجانب ولما يتسألوا عن ملفات وأسماء محددة فيقولوا “معلهش أصل ضابط الامن الوطنى اللى ماسك ملف كذا عصبي شوية”. طيب أنتم جايين ليه طيب؟ واذا كان الخواجة هيصدق الكلام دا؟ هل متوقع أن أنا أو غيرى من المصريين نصدق أن سلطة مفتش مصلحة السجون أعلى من سلطة ضابط في جهاز المخابرات؟ وهل معقول مثلا أصدق، أن كل الأجهزة معندهاش مشكلة مع فلان، بس السيكوباتى التافه أبو شخة أحمد فكري ضابط السجون، أقوى من أجهزة الدولة ومحدش يقدر يتدخل في قراراته جو السجن؟ وليه الدولة تعند على نفسها وتتمسك بناس مش بيجى من وراهم غير الخساير زى أحمد فكري، وصل أن اسمه وتاريخ ميلاده بل وعنوانه بقي موجود في سجل انتهاكاته الموثقة عند كل منظمات حقوق الانسان الدولية… ايه مصدر ميتين قوة واحد مجنون زى فكرى خرا دا، مناسب السيسي مثلا، هل أعز مثلا من رؤساء الاركان واللواءات اللى السيسي لبسهم الجلابية لما غلطوا؟

وإذا كان حضراتكم كلكم حمائم سلام وأذكياء ونبهاء، هل معقول ترك المساحة دى كلها للضباط المجانين يمارسوا سلطاتهم بدون حساب وبدون أوامر زى ما بتدعوا؟ طيب ما كلنا اللى بندفع ثمن الأخطاء دى؟ يعنى مثلا بسبب كام ضابط جاهل ومجنون من كام سنة خطفوا ريجينى وعذبوه وقتلوه، شوف احنا دفعنا حتى الآن كام مليار رشاوى وصفقات سلاح علشان نسكت ايطاليا واوروبا، وشوف خسرنا الدعم الايطالى والاوروبي ومنظرنا دوليا، ودلوقتى قاعدين نعيط علشان مفيش حد واقف معانا في موضوع اثيوبيا… كل دا غلطة ضباط في جهازين معاهم شهادة معاملة أطفال، ومكانهم المناسب سيكورتى في جنينة مول مش شغالين في جهاز أمنى المفروض يعين ويساعد القيادة السياسية مش يخلق لها مشاكل ويحملها بأعباء.

-والله ما أنا، دى أختى منى في الجهاز الثانى

اللعبة المكررة، وهى أنك تسأل حد عن ملف معين فيقول لك مش تبعى تبع فلان في الجهاز الثانى. بل شخصيا أنا ومش هقول حد قال لي، بل اتقالت في وشى في اجتماعات مع ضباط في الأمن الوطنى ومع ناس بتشتغل في أجهزة سيادية فيما يخص قضيتى، كانوا يقولوا لى، لا احنا مفيش مشكلة معاك. بس فيه حد في المكتب الفنى للنائب العام موصي عليك، وكمان حد من الاربعة الكبار. دايما طبعا فيه الاربعة الكبار أو الستة العظماء، أو الخمسة المهمين.

التكنيك دا يا جماعة أولا مش بياكل خالص مع الناس برا. لأنه فاهمين كويس ان دا بلد عسكري ديكتاتورى السلطة فيه هرمية، وأن القرار النهائي والأعلى هو السيسي شخصيا، واللى هو شخص السلطة بالنسبة له ممارسة فعلية يومين، ولازم يتدخل في كل حاجة، لدرجة لون جدران المساكن اللى بتبنيها الدولة عايز هو اللى يختاره.

تصدير خرافة أن فيه صراع أجهزة، وأن الأجهزة دى ليها رأى وصوت مش بس غير مقنع لحد، لا كمان دى بيدى صورة عن الدولة أنها مترهلة مفككة مخترقة، ومحزن جدا أن الواحد يروح لقاءات واجتماعات مع أجانب وعرب، ويسمع مسئولين من دول عربية يتكلموا بفخر عن أجهزة سيادية مصرية بصفتها “تبعهم”.

-بكرة انشاء الله

ودى طبعا اقدم تكنيك في دولاب الدولة المصرية بتاع فوت علينا بكرة. أنا عارف أن فيه ناس فوق شايفين أن مفيش حاجة اتغيرت في العالم وأن عادى نكمل زى امبارح، والامريكان دول ناخدهم نفسحهم ونعمل حركات من نوع استراتيجية حقوق الانسان، بل وايه دا احنا ممكن نرجع المجلس القومى لحقوق الانسان، والمساجين نخرجهم من السجن بعدها بشهر نعمل قضية ونسجنها ثانى، وان خلينا كدا نجري في مكانا ثلاث سنين على ما الانتخابات تحصل وتجى ادارة جديدة.

ربنا يزيدهم فكاكة وفهلوة، بس الساعة بتدق تك تيك تك تيك. وإذا كانت القيادة السياسية والسيسي مبسوط انه كل ما يعوز يكلم الامريكان لازم يخلى ابن امبارح بنيت بتاع اسرائيل يتوسط له. فبنيت وإسرائيل مش هتنقذك في موضوع اثيوبيا. وفي وضعك الحالى أمريكا عمرها ما هتقف معاك مثلا ضد حبيب القلب اردوغان، وانت قيمتك الاقليمية وما تقدمه دوليا لا يساوى ربع ما فعلته دولة كقطر في ملف افغناستان.

الجهة الوحيدة اللى ممكن تقف معاك وتسندك وتستمد منها قوة، هو المصريين أنفسهم والشعب دا. سواء اللى في السجون أو المنفي أو محتجزهم ممنوعين من السفر. وطول ما رجلك على رقبة الناس ومش عارفه تتنفس مش هيفضل عندك غير المخبرين اللى بيقبضوا بالريال والدرهم اللى انت نفسك لا تثق فيهم وعارف انهم لا عندهم شرف ولا وطنية ولا ولاء، وهتفضل أنت شخصيا كل ملف محتاج واسطة ومحتاج الشيخ فلان يتوسط لك. انت بقيت بتبذل مجهود وتفرك علشان تاخد قرار بتصويت من الامم المتحدة او من الاتحاد الافريقي وحتى دا معدتش عارف تعرفه.

قصروا الطريق على نفسكم وعلينا، وبصوت شفيقة الاسكندرانية، يا حلو قول على طبعك وانا امشى عليه، وأنتم اللى في موقع قوة وكل الخيوط في ايديكم، وكل السلطة والفلوس معاكم، بس نتمنى تعرفوا عايزين تعملوا ايه مش هنقضيها بقية العمر نبنى كباري ونرمى اسمنت في الصحرا

أحب الواسطة وأكره الطوابير، لكنى فقير

لا نري الطوابير في لوحات عصر النهضة، ولا توجد أدلة على وجود الطوابير لدى الرومان أو الاغريق. في مدينة العمال بهضبة الأهرامات، عثرنا على سجلات دقيقة حول أجور العمال ونظامهم الغذائي وحصص الطعام والبيرة التي توزع عليهم.. يا للعجب بدون طوابير.

في مقالة جيمى لورين كيلز عن التاريخ الاجتماعي الطوابير، يسجلون أن أول ذكر للطوابير يرد في كتاب توماس كارلي  عن تاريخ الثورة الفرنسية، حين رصد هذا المشهد الغريب بالنسبة له، حيث وقف الناس في صفوف أمام مخابز باريس لشراء الخبز.

 من رحم الثورة، والتمرد، ولدت الطوابير.

الطابور هو تظاهرة لتأكيد المساواة بين البشر، لذا فالثورة التي قطعت رؤوس الاقطاعيين، وألغت الألقاب المالكية، ونادت بالمساواة والأخوة، وجدت في الطابور إعلاناً واضحاً عن مبادئها، وسلوكاً تدريبياً لمواطنيها على قيم وقوانين العهد الجديد.

قبل ذلك كانت فكرة الطوابير شبهه مستحيلة، بل وضد قوانين الطبيعة في نظر الكثيرين. فكيف مثلا للكونت أن يقف في طابور مع الفلاحين؟ أو أن يسبق العبد الشيخ الأزهري في الطابور.

Alex Gross

البناء الهرمى للمجتمعات القديمة، والدول الملكية والإقطاعية يفرض ترتيباً هرميا للبشر علي حسب مكانتهم الاجتماعية، والعرقية، والدينية، وبالتالي لا يمكن المساواة بين رأس الهرم وأسفله أو أن يقف الاثنين في صف واحد.

تزايدت الطوابير بداية من القرن التاسع عشر مع الثورة الصناعية وبنيان الدولة الحديثة. معظمها طوابير العمال، أما السادة فيدخلون من باب خلفي.

مع بداية القرن العشرين لم تعد الطوابير مشهداً غريباً، بل أصبحت المشهد المنشود. المساواة التامة، كلنا في الطابور واحد، بلا باب خلفي للسادة، ومع بداية القرن الواحد وعشرين أصبحت الطوابير دلالة على الاحترافية والنظام والفاعلية حتى لو لم تتصف بكل ذلك.

أنا كرهت الطوابير طوال حياتى منذ الطفولة وحتى الآن. أول ذكري عن الألم تقبع في باطن قدمى، كنت طفلاً لم اتجاوز الثالثة، وكانت أمى تصحبنى معاها أحياناً لإنجاز بعض المعاملات الحكومية حيث الوقوف لساعات في طوابير متتالية في الشمس، وكنت دائماً اتألف من الوقوف على قدمى. حتى بعد دخول المدرسة، فقرة العذاب اليومية كانت  طابور الصباح، وحياتى المدرسية ليست إلا محاولة للهروب من هذا الطابور.

في المرحلة الثانوية، عرفت أنى أعانى من القدم المسطحة/ فلات فوت. وبالتالى الوقوف لفترات طويلة فعلا غير صحى، وكان هذا بداية تهريبي الأبدى من الطوابير الذي أوقعنى في شرك حب الواسطة والمحسوبية.

لكن مهما حاولت، كنت دائماً أفشل في الهروب منها، لأن كل محاولاتي للبحث عن واسطة تنقذينى وتحمينى لم تكن تكلل بالنجاح. اضطررت كثيراً للتعامل مع الطوابير  كقدر لا مهرب منه، براز من مخرجات الحداثة يتواجد في النظم الاشتراكية والرأسمالية، لا علاج له مثل حساسية الجيوب الانفية في الربيع، وآلام البواسير بعد تناول الطعام الحار، رد فعل للزيادة السكانية وشح الموارد.

ثم انتقلنا إلى الحياة في أمريكا منذ بضعة سنوات، لأجد مستوى آخر من الطوابير منجز أمريكى فريد حيث تقف في الطابور من أجل الحصول على تذكرة في طابور آخر. كأن تدخل مصلحة حكومية أو معمل تحاليل فتجد طابوراً طويلا، وحين تصل إلى نهايته يعطيك الموظف رقماً، لكي تجلس وتنتظر دورك في طابور افتراضي آخر.

العشق الأمريكى للطوابير غريب وفريد من نوعه، حتي أنهم لا يجدون في الأمر غرابة حين يرتدون أفخم الملابس ويخرجون للسهر ليلاً، ويقضون ساعة وأكثر واقفين في الطابور يحملون البيرة في أيديهم، والحماسة والسعادة تسيطر عليهم منتشين بالسهر في الطابور.

* **

بعد ثورة يناير 2011 في مصر، انتشرت مجموعة من الدعوات والمنشورات الترويجية رسالتها، أن مصر تحررت بعد الثورة وأصبحت بلدنا كلنا لذا لابد أن نحافظ عليها، وذلك بالالتزام بالقوانين، فلا إلقاء للزبالة في الشارع، ولا كسر لإشارة المرور، ولا تجاوز للدور في الطابور. وحين بدأت مسيرة الفعاليات الانتخابية، كانت صور الطوابير الطويلة للناخبين هي أكثر الصور تداولاً للدلالة على التغيير الذي تمر به البلاد، حيث يقف الناخبون في نظام وصبر لساعات طويلة، لا من أجل شراء رغيف الخبز كما في الثورة الفرنسية بل من أجل التصويت في الصندوق الانتخابي.

قانون الطوابير التاريخى ينص على ظهورها مع الثورات، و ترسخها وتوسعها في ظل الممارسات الديموقراطية.

لم تطل مرحلة “الممارسات الديمقراطية” في مصر إلا لعامين، لنعود بعد 2013 إلى فساد النظام العسكري الديكتاتوري المصري، حيث عشرين جنية، أو رشوة بسيطة تجعلك تتجاوز من يسبقونك في الطابور، أما إذا كان معك “واسطة” فلن تقف في الطابور وستدخل من باب السادة الخلفي.

الواسطة، هي يد تمتد من أعلى الهرم، لانتشالك من الطابور لتفتح لك باب السادة. لكنها لا تضمن لك الصعود إلى أعلي، هي مجرد يد تفتح باب خفي ثم تخرجك مرة آخري إلى طوابير المساواة في الفقر والانتظار والرجاء، حتى تظل إلى الأبد في حاجة لها، هكذا يحكم السادة، بفرض الطوابير والقوانين وامتلاك القدرة على استثناء الأخرين منها.

** *

مع ذلك فالواسطة ليست مجرمة في كل الحالات، ففي أحيانا كثيرة تباع الواسطة كامتياز شرعي. مثلا تذهب لتجديد جواز السفر فتجد ثلاث أسعار، واحد لإصدار الجواز خلال عشرة أيام، ثانى أغلى لإصداره خلال ثلاثة أيام، وثالث لتحصل على جواز سفرك في ذات اليوم. في أمريكا نفس الشيء، حيث هناك دائماً طابور الـ vip.

لم تعد مشكلة الواسطة في زمننا أنها نقيض للمساواة، للأخوة بين المواطنين في طابور الخبز بعد الثورة الفرنسية. بل لأنها تسمح بتسريب المال خارج دائرة النظام. وفي النظم الإدارية المحكمة فالمهم هو هذا المال المسرب لا القوانين والمساواة، لذلك كان الحل في شرعنة الواسطة من خلال طابور الخدمة المميزة، بحيث تدخل أموال رشاوى الواسطة إلى جيوب النظام.

الواسطة ليست مهمة لمن هم في الأسفل لتساعدهم على تجاوز صعوبات النظام والحياة، بل مهمة كذلك لمن هم في الأعلى لأنها مصدراً للدخل ولتأكيد نفوذهم وسلطانهم، حتى أنها في بلدان كاملة الفساد وهرمية الإدارة والحكم كمصر تصبح الواسطة أسلوب إدارة لكل شيء.

 يستحيل أن يحيا المرء حياته في مصر بدون واسطة، بل أن أول خطوة لإنجاز أى معاملة هي البحث عن “واسطة”، من التقديم لابنك في المدرسة، إلى الحصول على رخصة قيادة السيارة، إلى التعيين في الوظائف الهامة أو التافهه.

الواسطة في مصر هي نسيج اجتماعي، ونظام سياسي راسخ لدرجة أنه لا يعتبر فساد. بل أن وزراء العدل والقضاة المنوط بهم تنفيذ القوانين يعلنونها صريحة كل فترة مثلا أن تعيين أبناء القضاة لن يتوقف، وأنهم لا يمكن أن يقبلوا قضاة ليسوا من عائلات قضائية أو من أصول فقيرة أو متواضعة.

 بدون الواسطة أصلاً لا يمكن أن تصبح قاضياً في مصر فما بالك ببقية الوظائف والمهن.

** *

يتكيف المرء مع الواسطة كما يتكيف مع التغيرات المناخية، حتى لو كره حساسية الربيع. لا مهرب من الواسطة في مصر حتى لو أردت الحياة في الظل، ورضيت بموقعك في الأسفل. فهناك عدالة اجتماعية في توزيع الواسطة ومهما كان ما تفعله ضئيلاً وهامشياً ستجد مسار يجبرك على الاستجداء بالواسطة.

بعد خروجى من السجن عام 2016، ضاقت فرص الحياة والعمل في مصر، وبدا واضحاً أنه لا مهرب سوي الخروج، لكن حين اتجهت للمطار تفاجأت بالمنع من السفر. ظللت لأكثر من عامين أجرب كل الطرق القانونية، ووقفت في كل الطوابير لمعرفة الحجة القانونية لمنعي من السفر أو رفعه، لكن لم أوفق. حينها بدأت مسير التذلل الأكثر إهانة في حياتى كلها.

لعام ونصف تقريباً، كنت حرفياً أكلم طوب الأرض، من أجل المساعدة في رفع الحظر عن السفر. البعض يتهرب، البعض يعد، البعض يخبرنى أنه حاول لكن الموضوع صعب. سافرت إلى محافظات آخري لكي ألتقي بأشخاص في قري ريفية لكن لديهم قرابة أو علاقة مع ضباط في المخابرات، هؤلاء كانوا أكثر احترافية، تخبرهم بتفاصيل قضيتك والمسألة، ثم تقابلهم بعد أسبوع، يخبرك أن قريبه يعمل مع الراجل الثاني أو الثالث في الجهاز، والصفقة كالتالى عشرة آلاف دولار مقابل أن يسلمك لشخص أو جهة تهربك بريا عبر الحدود من مصر إلى السودان، ومن هناك يمكنك أن تسافر أينما أردت.

إذا لم تمتلك المال اللازم كحالتى فلا صفقة لاتمامها، ولا يمكن للواسطة أن تمد يدها إليك، لكن يمكنك إهداء موبايل آيفون لضابط، لكي يدبر لك مقابلة مع ضابط في أمن الدولة ليسمع منك لماذا ترغب في السفر؟ لا ضمانات في هذه الحالة، حوالى ألف دولار لكي تذهب لمقر الأمن الوطنى وتجلس لتشكو حالك لمدة عشرين دقيقة لضابط الأمن الوطنى، وفي هذا اللقاء عليك أن تكذب، وتدعى، وتمارس كل الحيل لتثبت أنك مواطن صالح مؤيد للنظام لا ضرر أو خوف منه، كما عليك أن تخاطب الانساني داخل الضابط، فتروى عن ظروفك الصعبة وزوجتك الحامل وحيدة في برد “سيراكيوز” في نيويورك، تحرك وتحرق كل كروتك، علك تناول رضا الضابط فيصبح واسطتك.

في كل مرة تقف فيها في الطابور وتنظر لأعلى تستجدى بالواسطة، فهناك شعور مهين يترسخ داخلك، مهما حاولت التظاهر بالكرامة والشمم، ففي كل مرة تستعين بالواسطة يمر المرء عبر ممر واطيء يجبرك سقفه على الانحناء، هذه هي مذلة وذل الواسطة.

* **

في أمريكا لا تنتشر الواسطة رغم انتشار الطوابير وذلك لأن البلد قفز من الاقطاعية لمابعد الحداثة دون ثورات أو إعادة توزيع للثروة، بالتالى فرغم أننا جميعاً نقف في الطابور، لكن أمام شباك المعاملة، أمام بندقية الشرطى لا يتساوى السيد الأبيض، بالمواطن الأسود، بالمهاجر الحديث الذي خرجه لتوه بالقارب. ثم إذا أردت أن تتجاوز الطابور فيمكنك أن تدفع ألف دولار لتدخل مباشرة من باب الـ VIP.

 الامتيازات العرقية في أمريكا فوق الواسطة، كما أن تكاليف الواسطة مرتفعة الأمر الذي يجعلها حكراً فقط علي الأثرياء جداً، كأنك تكون رئيس للجمهورية مثل ترامب فلا تدفع ضرائب سوي 800 دولار، أو متزوج من بنت رئيس الجمهورية فيصدر عفواً عنك يحميك من المحاكمة عن أى فعل ارتكبته.

بينما عشت حياتى السابقي داخل نظام قائم على الواسطة، يضمن للجميع توفير الواسطة المناسبة لامكانياته، ففي أمريكا لا توجد عدالة اجتماعية في توزيع الواسطة بل تظل حكراً علي أغنى الأغنياء فقط. مما يحرمنى من حق الواسطة مثلي مثل غير من الفقراء الذين نطالب بالعدالة.

طعامي، لذّتي، وذنوبي

 

بكت ياسمين لأنها لم تستطع إرضاع ابنتنا، سينا، في اليوم الأول بعد ولادتها. بكت سينا أيضاً. ومحبوساً مع الاثنتين في غرفتنا في المستشفى، لم أعرف ماذا أفعل سوى الاستغاثة بالممرضات.
حضرت إحداهن وحاولت مساعدة ياسمين في الرضاعة، لكن بلا فائدة. لم يخرج الحليب، واستمر بكاء الرضيعة. اقترحت الممرضة إرضاع سينا حليباً جاهزاً مصمماً خصيصاً لحديثي الولادة، فزاد بكاء ياسمين، لأنها شعرت بالتقصير والعجز عن إرضاع وليدتها.
في يومها الأول كأمّ، تعرفت ياسمين على الجوهر الحقيقي للأمومة: الإحساس الدائم بالذنب.

طلبت مني الممرضة التوقيع على أوراق قانونية وإجرائية تؤكد موافقتنا على تقديم الحليب الصناعي لرضيعتنا الجائعة. فلكي تتدخل المستشفى في الرابطة الغذائية بين الرضيع والأم، تحتاج لموافقة الأم وهي في كامل قواها العقلية، وإلا اعتُبر هذا التدخل جريمة. بقوة البيولوجيا والقانون الحديث، تتحمل الأم وحدها مسؤولية إطعام الرضيع.

بعد أيام، جرى الحليب في صدر “ياسمين”، وفي كل مرة تُرضع ياسمين صغيرتنا، يُشرق وجهها بابتسامة السعادة رغم آلام الجسد. تحاول شرح إحساسها لكنها تعجز عن التعبير بالكلمات. تتحدث عن طاقة وشيء ما يمتد من داخلها مع الحليب إلى داخل سينا. يقال إن هذه هي رابطة الأمومة.

نولد عاجزين عن تناول أي طعام، بل نشرب فقط حليب أمهاتنا. وأولى علامات النضج في نمو الطفل البشري هي قدرته على صلب رأسه عمودياً حتى يتمكن من البلع، وبالتالي حينها يمكن تقديم الطعام له. ثاني علامات النضج هي الفطام، بتوقف المولود عن الرضاعة، ينتقل من كونه رضيعاً إلى طفل.

كلما كبرنا، كلما ابتعدنا عنها. نتوقف عن الرضاعة من صدر الماما، لنأكل ما تقدمه يداها. ذائقتنا الغذائية يشكلها طعام الأمهات، نقضي سنوات مقتنعين بأن أفضل طعام هو ما تطهوه الماما.

مهما كان مستوى طهو الأم سيئاً، فالأبناء لا يعرفون، بل يكون هذا هو الطعم الطبيعي والممتاز للطعام.

يطلق على هذا الثقافة الأم، وهي تمتد لتشمل ليس فقط مذاق طهو الوالدة، بل تقاليد الطعام التي تعلمنا اياها الماما. ثمة أمهات يربين أولادهن على ضرورة إنهاء طبقهم بالكامل، وآخرون تربيهم أمهاتهم على ضرورة ترك جزء صغير من الطعام في الطبق. في مصر يسمون هذا نصيب القطة، لكي تتوافر فضلات طعام للقطط والكلاب التي تأكل من النفايات.

تخبرنا الماما ما يجب أن نأكله وما لا يجب. منذ صغري، مثلاً، منعَت أمي دخول “النقانق أو السجق أو الهوت دوغ” إلى  المنزل، وطوال طفولتي حذرتنا من أكله في الشارع.

نطيع الماما لأنها بالتأكيد تعرف معدتنا أكثر منّا. لكننا بمرور الزمن نكبر، نخرج من المنزل، نتمرد على ثقافة الأم. ونبدأ في استكشاف العالم والهوت دوغ.

وقعت في غرام النقانق بأشكالها كافة مع أول قضمة، وكان عمري 19 عاماً. عدت لأمي وسألتها لماذا منعت عنا “الهوت دوغ”. أخبرتني أنها حينما كانت صغيرة توقفت مرة أمام محل يبيع سندويشات السجق، ولسبب ما ضايقتها رائحة السجق على النار حتى أنها فقدت وعيها، ومن يومها وهي تكره السجق وكل ما يتعلق به. لم يكن المنع لسبب صحي إذاً، بل ذائقة شخصية للأم.

أجسادنا هي السجل الذي يوقع فيه الزمن، وهذا السجل المكوّن ظاهرياً من اللحم والدم والعظام، هو نتاج ما نأكله. الجسد وما يأكله يعكسان كل ما يشكل هويتنا.

نتولى زمام أنفسنا وإعادة تشكيل هويتنا حينما نتمرد على مطبخ الثقافة الأم. نبتعد عن مطبخ الماما، لنكتشف حقائق الحياة.

البعض لا يتقبل مذاق الحقيقة، يرفض تناول طعام لا يعرفه ويتمسك بالذائقة التي شكلها مطبخ الأم. البعض يستقبل كل جديد بفم مفتوح، يدرك أن أكل الماما ليس أفضل طهو بالتأكيد، لكن يظل مذاق النوستالجيا في طهو الماما ولا يمكن أن تجده في أي مكان آخر.

الذائقة مثل الهوية، ليست صورة مجمدة في الثلاجة، بل تتغير نتيجة أفعال الزمن في أجسادنا. حتى سن الـ28 لم أكن أطيق تناول السلطة أو الفاكهة. أتذكر سنوات كاملة مرت عليّ من دون أن اتناول أي فاكهة من أي نوع. فجأة، مع اقتراب الثلاثين، تغيرت الذائقة نتيجة تغير احتياجات الجسد وقدراته. الآن أبحث عن السلطة، بل  يتكون بعض وجباتي بشكل كامل من السلطة والخضروات فقط.

في البداية كان الأمر نداء من مكان خفي في الجسد. تناول اللحوم والكربوهيدرات صار يجعل جسدي ثقيلاً، ويولد كسلاً وبطئاً في حركتي وتفكيري. ثم مع عبور الثلاثين، انفجرت المشاكل الصحية في جهازي الهضمى.

ذهبت للطبيب أشكو صعوبات في التبول، وآلام في الشرج. “شرخ شرجي” قال الطبيب، وهو يكتب لي وصفة مرهم مسكن ويخبرني بأن أفضل علاج هو تغيير النظام الغذائي، الابتعاد عن المعجنات، وتناول المزيد من الخضروات والفواكه.

أدركت حينها أن مرحلة جديدة من النضج والتقدم في السن قد بدأت، وهي المرحلة التي يصبح اختيارك لما تتناوله، لا بسبب ثقافتك الأم، أو ذائقتك الشخصية، بل بناء على تعليمات الطب واحتياجات جهازك الهضمي الذي سيبدأ في التداعي.

انتقلت منذ شهور للحياة في أميركا، بجهاز هضمي لا يتحمل اللحوم الوردية وملذات الطعام الأميركي بدهونه وسكّره كل يوم، لم يعد مسموحاً لي إلا بمقدار بسيط من ملذات الطعام.

أشعر بالذنب كلما غششت نظام غذائي، آكل البيتزا مستمتعاً بطعمها، مفكراً في الوقت ذاته في الألم الذي سأتحمله حينما أخرجها. وإذا تمكنت من إسكات ضميري، فطريقة عرض وتسويق الطعام هنا في أميركا مصممة أصلاً لكي تشعرك دائماً بالذنب مما تتناوله.

تدخل أي مطعم لتجد اسم الطبق، شرحاً لمكوناته، سعره، وعدد سعراته الحرارية. بدءاً من مطاعم الوجبات السريعة، وصولاً إلى المطاعم الفاخرة، كل شيء يحمل رقم السعرات الحرارية. وهكذا، حينما تختار ما تتناوله، لا تفكر في رائحة الطبق، أو مذاق الطعام، بل في عدد السعرات الحرارية التي ستدخل جسمك، وكيف ستخرجها. وإذا كان الطعام جيداً ولم تستطع أن تمنع نفسك من تناول المزيد، تظل تأكل وعدّاد السعرات الحرارية في راسك مستمر في الزيادة.

تنهي وجبتك وتحاول نسيان إحساسك بالذنب، والتمتع بدفء امتلاء المعدة، فتجد نفسك محاصراً بمقالات التوعية الغذائية، أو “بوستات” أصدقائك الذين يروجون لأنظمة غذائية مختلفة، كلها تهدف إلى إنقاص وزنك، تحت دعاوى الحفاظ على صحتك.

لم يعد للطعام مذاق، بل أصبح كالدواء تتناوله مجبراً للاستمرار في حياة بلا دهون، ولا سكّر، ولا طعم أو رائحة.

اللوحة ل Gustave Courbet
اللوحة ل Gustave Courbet

خلال يومين أو ثلاثة في الأسبوع، أطلق العنان لشهواتي الغذائية. آكل المعجنات بمختلف أنواعها، اتلذذ بتتبيل اللحم بنفسي وتناوله نصف ناضج، متسمتعاً باللون الأحمر للحمة. أطرب أذنى بصوت الزيت المقلي يحمر البطاطس وقطع الدجاج المغلفة بالدقيق والخلطة السرية. أما بقية أيام الأسبوع، فأتناول الحشائش والخضروات، مثل الأرانب. أراقب وزني، وأعاين بَولي.

أحاول الحفاظ على حد أدنى من اللياقة البدنية والصيانة الدورية للجهاز الهضمي، لا بهدف أن أحيا رشيقاً، أو أن أعيش حياة صحية طويلة، بل لأظل قادراً على التمتع بكل أنواع الطعام اللذيذ غير الصحي الى الأبد.

المستقبل على طريقة السبكى

يمكن تصور المستقبل على طريقة السبكي، يصعد الآلهة الأمريكان إلي جبال الأولمب، يتخلون عن المنطقة ويقلصون من ميزانيتهم العسكرية الموجهة لهذه المنطقة. ينوعون في مصادر الطاقة ويتخلون شيئاً فشيئاً عن البترول. من خلف الأطلسي سيخلق الآلهة الأمريكان بشر أنصاف آلهه، سيمنحونهم أجزاء من طاقتهم. كأن الأله يوزع قدراته، فيجعل من هذا إله للإعلام، إله لكأس العالم ودوريات الكرة الأوروبية، إله لطائرات الأف 16، إله للارهاب، وآخر للمقاومة، وثالث للإسلام الوسطى.

الدرونز الإلهية

نشرت في المدن في ديسمبر2015

عادت صديقتي من جنيف، حيث تدرس القانون الدولي هناك، في زيارة قصيرة إلى القاهرة، لاستعادة الحياة خارج حزام القانون الدولي. بعد فقرة الترحيبات والأحاديث الودية، قالت لي إنها تعمل ضمن مجموعة بحثية، لانتاج مسودة من المفترض أن تتبناها الأمم المتحدة، لتكون بمثابة قوانين للطائرات بدون طيار، أو ما يعرف في فلسطين بالزنانة.

المسألة معقدة من الناحية القانونية ومليئة بالمداخلات التي يمكن أن نَستكشف فيها شكل المستقبل القادم. فأولاً أصبحت أميركا وكثير من الدول الغربية، تَستخدم طائرات بدون طيار، آلية بالكامل، بل ولا تحتاج إلى من يقودها عن بُعد. أصبح هناك طائرات بدون طيار أو للدقة قتل بدون عقل؛ تعطيها إحداثيات الموقع الذي ترغب في ضربه، أو صورة الشخص الذي ترغب في قتله، لتنطلق الطائرة بشكل آلي إلى الموقع المحدد وتجري عمليات بحث بين الكائنات البشرية، حتى تعثر على الهدف المحدد، وتنفذ التعليمات. من خلال الرادار وتقنيات البحث يمكن للطائرات الآلية تحديد الأشخاص الذين يحملون أسلحة، وسط تجمعات المدنيين، واستهدافهم بشكل دقيق.

هدف صديقتي القانونية هو وضع إطار قانوني لمحاسبة الطائرات بدون طيار. فمثلاً إذا أخطأت “الزنانة” في تحديد الهدف وأصابت هدفاً آخر، فمن يتحمل الخطأ؟ هل هو من أطلق الجهاز؟ أم الجهة التى صنعت البرنامج الذي يعمل به؟ أم الجهة المصنعة؟ أم المسؤولون عن القمر الصناعي الذي يساعد ويدعم الزنانة بالمعلومات. أخبرتني صديقتي عن مشاريع تقدمت بها شركات وحكومات لاستخدام “الزنانة” في مراقبة الحدود والتعامل مع اختراقاتها من قبل المهربين أو اللاجئين. يمكن برمجة الزنانة مثلاً كي تحرس حدود أوروبا، وتطلق النار أو ترمى الشباك على المخترقين أو تصعقهم كهربائياً بشكل يصيبهم بالشلل، أو تفعل ما تريد بحق من يخترق تلك الحدود.

من تقتلهم “الزنانة”، لا دية لهم، ولا قتلة، ولا ثأر يمكن أخذه. وبلهجة ثورية، إن أردت أن تأخذ حق أخوتك شهداء الطائرة بدون طيار، فيمكنك أن تبدأ بحرب بشرية ضد الآلات الذكية، أو تنتظر إقرار الأمم المتحدة لقوانين محاسبة الطيارات بدون طيار، والتي بالتأكيد ستوزع الخطأ إن وجد على كل المشاركين في صناعة آلات القتل المستقبلية تلك.

العدد الأكبر من ضحايا الطائرات بدون طيار، هم دائماً عرب أو مسلمون. من أفغانستان إلى غزة واليمن، منحت أجساد العرب الفرصة لآلات القتل الآلية لتطوير قدراتها.

لم نعد أعداء لأحد، بل فئران تجارب لتطوير تكنولوجيا القتل الآلي. القتل الحديث والذي يتم حتى بدون أعراض جانبية، كالشعور بالذنب أو إرسال المجندين إلى أطباء نفسانيين لعلاجهم من الصدمات.

الإنسان الغربي صانع الحضارة والمستقبل يصل الآن إلى مشارف بوابة الآلهة، حيث يمكنه أن يقتل من دون أن يتحمل الذنب، ومن دون أن يعلق حق ودم الضحية في رقبته. بل يقترب من بوابة الآلهة الإغريق حيث يجلس في مدنه الذكية المحصنة، بينما الآلات الذكية تحميه، وتضرب الأعداء.

الغرب يستغل العلم والتكنولوجيا لصنع قفزاته مقترباً من الآلهة التي لا يمكن محاسبتها، وتحركها دائماً القيم النبيلة كالحرية والإخاء والمساواة، وغيرها من القيم الفرنسية التي يظن المسيو هولاند أن الإرهاب يحارب فرنسا بسببها. لكن الشرق أًيضاً، من خلال السمو الروحي والتضحية والفناء الصوفي في المحبوب، يرتقي ليقترب من بوابة الآلهة.

في تفجير أتوبيس الأمن الرئاسي في تونس، وردت أخبار أن القاتل المفجر لنفسه، سُمع وهو يُحادث آخر، عبر هاتفه المحمول، قبل الصعود إلى الأتوبيس، وهو يقول: “نلتقي في الجنة”. وبينما تستهدف الطائرات الأوروبية والروسية والعربية، أحياناً، مناطق تمركز “داعش” ظناً منهم بأن تلك وسيلة لتحقيق النصر، فمقاتلو “داعش” يرون في الموت تحت قصف الصواريخ أو تفجير النفس، طريقاً سريعاً إلى الجنة والغلمان المخلدين. أو بمجاز آخر، فإن بوابة الصعود إلى الآلهة، من خلال تحول الجسد إلى آداة للقتل، أو جثة ممزقة تحت وقع انفجار الصاروخ، لتصل الروح إلى جنتها الموعودة.

في المنتصف بين المجموعتين، عالقون نحن البشر الذين نأخذ من التكنولوجيا وسيلة للتعبير ولتوسيع فضاء دنياهم البائسة، ومن الدين صورته التي تدعي الوسطية والصوفية الحديثة الأقرب للتنمية البشرية.

البشر الباحثين عن النجاة. والذين لا يخدعهم السعي الداعشي لجنة غائبة، أو “السهوكة” الغربية الساعية لعالم تحكمه القوانين العاقلة والطائرات دون طيار الذكية المهذبة.

مضطرين لمخالطة التماثيل وللاستماع لخطاباتهم المليئة بالمجازات والاستعارات التاريخية والميثولوجيا، بينما يتبادلون صفقات الأسلحة والنفط من تحت الطاولة، لكي تغذي خطاباتهم بالمزيد والمزيد من الأكاذيب، في طريقهم لجبال آلهة الكذب.

 

Pablo Picasso. Guernica. 1937. Oil on canvas. Museo del Prado, Madrid, Spain.
بيكاسو الجرونيكا

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ