طيف سامية في مطعم الزهور

لم يكن مُهمًا لي أن أعرف إلى أين نتجه، لكن بسهولة كنتُ أرى أننا نتجه نحو ميدان السيدة عائشة، وهو ما جعلني أحاول أن أتذكر أي مطعم باسم “الزهور”، هامّ ومثير لدرجة أن يدعوني أنور وليلي، ليس إلى تناول الغذاء فيه معهما، بل وتخصيص نصف يوم كامل للاستمتاع بنزهة جميلة – كان هذا هو التعبير المحبب لدى ليلى- في مطعم الزهور.

أعرف أنور وجدي منذ فترة طويلة، لكن علاقتي بهما ظلت مُتوقفة لفترة على السلام العَابر حينما نلتقي في حفلات لأصدقاء مشتركين. في واحدة من هذه الحفلات تبادلتُ حديثًا قصيرًا مع أنور حول المزيكا عبرت فيه عن إعجابي بجيري لويس، لكنه اختلف معي مُفضلا جوني كاش عنه. أما سام كوك فقد كان رقم واحد بالنسبة إليه، حتى أنه دعاني للاستماع إلى بعض أغانيه وعبر عن استعداده لمنحي بعض تسجيلاته النادرة لسام كوك.

ذهبتُ إلى منزله واستمعتُ إلى سام كوك وشربنا البيليز بقطعة ثلج واحدة في كل كوب،  وبعدما انتهت الزجاجة انتقلنا إلى الويسكي حتى مكثنا في هزار ونكات مُستمتعين بأمسية بديعة انتهت بغناء ليلى لنا وصرنا أصدقاء من بعدها.

ذات ظهيرة بينما كنتُ واقفًا في شرفة منزلهما بجاردن سيتي أدخن سيجارة بصحبة أنور، دخلتْ علينا ليلى ترتدي قميصًا منزليًا أبيض خفيفًا ذا حمالات رفيعة تنسدل إحداها كل لحظة عن كتفها. وقفت بجواري مستندة إلى سور الشرفة وقالتْ وهي تمسح العرق من على جبهتها: “أوفف الجو حر جدًا”. بدا أنور غير مُنتبه وهو يتابع غروب الشمس من أعلى القاهرة، فجاوبتُ ليلى: “كل دا واحنا لسه في يونيو، بعد كدا الواحد مش عارف هيعمل ايه في أغسطس”. أخرجتْ تنهيدة قصيرة أخرى، وقربتْ كتفها العاري أكثر باتجاه كتفي.

كنتُ أرتدي قميصًا بنصف كُمَّ، لذا شعرت بملمس بشرتها البيضاء رطبًا في تلامس خفيف مع ذراعي، وبطرف عيني كنتُ ألمح قلادتها الذهبية تتأرجح بين ثدييها، الذي كشف القميص ذو الفتحة الدائرية عن جزء كبير منهما. وفي لحظة التفتت إلى أنور فخرجتْ أنفاسها ساخنة في وجهي وهي تقول: “أنور احنا لازم نروح مطعم الزهور”، رد أنور دون أن يلتفت: “فكرة هايلة.. وأنت كمان لازم تيجي معانا”.

تبسمتُ، وهززتُ رأسي موافقًا بمعنى ماشي الحال. انصرفتُ يومها وقد نمت مشغولًا ببياض بشرة ليلى وبروز حلمتيها.

* * *

في سيارة أنور الكاديلاك قطعنا الطريق من جاردن سيتي إلى القصر العيني، عبر أنور بالسيارة ميدان السيدة عائشة وبدا متجهًا إلى القلعة، لكن وقبل أن نصل إليها انحرف يسارًا لندخل شارع ضيق وسط المنطقة السكنية المجاورة للقلعة. مشينا في الشارع بصعوبة حيث كان الطريق غير مسفلت وتوقفنا حوالي خمس دقائق لأن أحد الأغبياء أوقف سيارته في منتصف الشارع، لكننا أكملنا الطريق. يمين في شمال وشمال في يمين. كنا الآن في قلب مسَاكن القلعة أو هكذا خمنتُ، ثم وصلنا إلى ساحة يلعب فيها الأطفال كرة القدم، فأوقف أنور سيارته على طرف الساحة بجوار عدد آخر من السيارات الفخمة، والتي بدا وجودها في هذه المنطقة غريبًا.

نزلنا من السيارة متجهين نحو أحد المنازل الشعبية ذات الأبواب القديمة، ووسط السيارات لمحتُ سيارة جاجوار سوداء انخلع لرؤيتها قلبي. وقفنا أمام الباب فضغط أنور بيمينه على زر الجرس بينما يده اليسرى كانت تحمل حقيبة المناشف ولباس السباحة. فتح الباب رجل ضخم يرتدي جلبابًا بلديًا بني اللون، ابتسم ما أن رأى أنور وليلى وسَلَّم عليهما بحرارة شديدة، ثم قادنا من الباب في ممر طويل حتى أوصلنا إلى سلالم تمتد إلى الأسفل، فنزلناها حتى وصلنا إلى باب آخر يجلس أمامه أحد رجال الأمن غارقًا في عرقه، واضعًا بجواره مروحة ماركة فريش، فتح لنا الباب وهو ينحني ودخلنا.

* * *

شكرتُ أنور وليلى على النزهةِ الجميلة وعزومة الغذاء، وطلبتُ أنا وسعيد أبو بكر منهما إنزالنا في ميدان الأوبرا. كان أنور وليلى مرهقين وينويان التوجه إلى منزلهما، بينما بالنسبة لي أنا وسعيد كان اليوم لا يزال في بدايته. الساعة لا تزال العاشرة والنصف، مما يعني أن بار البراندي سوف يفتح أبوابه بعد نصف ساعة.

مشيتُ أنا وسعيد في ميدان الأوبرا وجلسنا تحت التمثال العظيم للفارس المحارب إبراهيم باشا، أخرج سعيد سيجارتين ماركة فاطيمه من جيب معطف بدلته السوداء، أشعلتُ له السيجارة من ولاعتي، أخذ نفسًا وقال لي:

–        أنت شفت سامية النهاردا؟

جاوبته: “لا جينا متأخر بعد ما خلصت، بس شفت عربيتها”. ابتسمتُ بلا سبب وأنا أضع السيجارة في فمي، ناظرًا لحواجبه السوداء الكثيفة وصلعته الخفيفة، التي ينعكس عليها ضوء مصابيح الشارع. لم يلحظ ابتسامتي، لكنه رد قائلاً :”آه الجاجوار السوداء دى رهيبة.. بنت الإيه، عارف جابتها من مين”. قاطعته: “يلا نروح نشرب براندي”، لكنه استمر بصوته الحاد: “فاكر الراجل اللي كان بيجي دايمًا في نايت كلوب الخديو”، فقاطعته بحدة أعلى: “يلا نروح نشرب براندي يا سعيد، ومش عايز اعرف جابتها من مين”. انخرس سعيد، وقمنا من تحت التمثال متجهين باتجاه بار براندي عبده.

* * *

يتكون مطعم الزهور من قاعة دائرية كبيرة في منتصفها قرص خشبي، قدرتُ أنه يشكل البيست أو بلغة أهل العرب ساحة الرقص، وحول القرص الدائري تتراص ما يمكن أن نسميه الطاولات، وهي عبارة عن أحواض جاكوزي صغيرة تتسع لأربعة أفراد، وفي المنتصف طاولة لوضع الطعام.

كنت منبهرًا بالشكل، وأنا أشَاهد الجميع يتحركون في المايوهات وأردية السبَاحة، وعملًا بنصيحة سابقة لأنور لم أفهم مغزاها وقتها، كنتُ قد ارتديتُ أسفل ملابسي المايوه، حيث لم أحتج إلا لخلع القميص والبنطال ووضع الشراب في الحذاء في واحدة من خزائن الملابس الملحقة بغرفةِ جَانبية.

جلستُ أنا وأنور وجدي وليلى، يصل الماء إلى مُنتصف صدرنا. طلبنا بيرة فحضرت البيرة. كان شعوري بالماء البارد محيطًا بجسدي منعشًا خصوصًا في مثل هذا الطقس، الذي جئنا منه في الخارج بينما كان المكان مُكيفًا على درجة حرارة مُنخفضة يمكن وصفها باللطيفة. في الجو كانت تنتشر رائحة بخار، خليط من الياسمين وشيء لم أستطع تحديد ماهيته، ربما يكون اللافندر. نظرتُ لزجَاجة البيرة الباردة تتساقط قطرات الماء من على جانبيها. عن يميني كانت تجلس ليلى وأنور بجوارها، وقطرة من الماء تنحدر من على كتفها الأبيض العاري.

* * *

بالصدفة أتى سعيد وشاركنا الطاولة. المشكلة الوحيدة في المكان أن التدخين ممنوع بداخله. استأذنا أنا وسعيد وذهبنا لشرب سيجارة وبينما كنا نسير في اتجاه الباب لمحتها خارجه بكامل بهائها. كانت تلف نفسها في عباءة سوداء تحتها فستان أسود قصير، مع جزمة ذات كعب عال ورفيع ينغرس سنه الفضي في قلبي مع كل خطوة تخطوها في اتجاه سيارتها الجاجوار السوداء.

انحنى لها الحارس وهو يفتح الباب انحناءة خادم فخور بأنه ينحني لسامية جمال. انحنى راضيًا مبتسمًا لبهائها. بهائها الذي نبذني كمجذوب يجب نفيه وحرق روحه. لماذا أحرقتِ روحي يا سامية؟

* * *

شربتُ أنا وسعيد ما أعتقد أنه كان نصف لتر من البراندي الرديء، وأكلنا كيس شبيسي من الحجم الكبير كاملًا، أما الترمس والفول فلم نستهلك إلا طبقًا واحدًا.

كان سعيد كلما رفع حبة ترمس إلى فمه يفتح حنكه ويمد حبة الترمس بين فلقتي شفتيه ويقشرها، ولا أجد حرجًا لأقول أنني وجدت المنظر مقززًا، خصوصًا في إطار اللحظة الشعرية التي كنتُ أعيشها، كشخص مُحبط شَاهد حبيبته القديمة التي هجرته، يسكر بالبراندي ويحرق السجائر، لذا فقد تحاشيتُ أن أطلب طبقًا ثانيًا من الترمس، مكتفيًا بالسجائر. لا أملك غيرها منذ غادرتني سامية.

* * *

مشيتُ سكرانًا من ميدان الأوبرا حتى شارع 26 يوليو ومنه إلي محطة الإسعاف، وبجوار الكنيسة الإنجيلية جلستُ وبكيتُ.

 

16731190_10158246512470343_858280118_o

نشرت في مجموعة لغز المهرجان المشطور، ونشرت أولا عام 2007 بجريدة البديل

إحالة قضية استخدام الحياة إلي الجنايات #ضد_محاكمة_الخيال

قضت محكمة استئناف شمال القاهرة اليوم بعدم اختصاصها في نظر الدعوى المقامة ضد الفقير لله أحمد ناجى بتهمة خدش الحياء العام بسبب نشر فصل من رواية #استخدام_الحياة في جريدة أخبار الأدب. و بإحالة الدعوى لمحكمة الجنايات.

يعنى هذا جولة جديدة من المحاكمات لكن هذه المرة أمام محكمة الجنايات.

أدين بالشكر للأساتذة ناصر أمين الذى قدم اليوم مرافعة رائعة والأساتذة محمود عثمان، محمد عيسي، خالد على ، نجاد البرعي. على كل الجهد الذي بذلوه ويبذلونه متطوعين لايمانهم بعدالة قضيتنا ودعمهم لحرية الرأي والتعبير.

ندخل في العام الرابع من هذه السلسلة من التحقيقات والمحاكمات، ما كان لى أن اتحمل كل ما جرى وما يزال يجرى لولا دعم ومحبة الاصدقاء والاحباء. شكرا لكم على كل هذه المحبة، هى كل ما نملك لنتمسك بها حتى نعبر سويا إلي مكان افضل نستحقه جميعا.

IMG-20170129-WA0111
بورتريه داخل المتحف المصري مع تمثال غامض بلا اى لوحة تشرح ماهيته

Sam Sacks on Using Life

Published first on: https://www.wsj.com/articles/the-best-new-fiction-1513970981

In 2015,shortly after Ahmed Naji published his novel “Using Life” (Center for Middle Eastern Studies, University of Texas at Austin, 196 pages, $21.95), a sexually explicit dystopian fantasy that imagines the destruction of Cairo under a tsunami of sand, an elderly reader wrote the authorities to complain that the book had caused him heart palpitations and a drop in blood pressure. To most in the West, so strong a reaction would be taken as an endorsement of the writer’s gifts, but under Egyptian President Sisi’s authoritarian rule, the consequences were severe. Mr. Naji was arrested and sentenced to two years in prison for, in the words of the prosecutor, “misusing writing to create foul stories that serve artistic lust and mortal joy.” And though his conviction was eventually overturned he is still, as of now, forced to await a retrial

.

A page from using life. Art work by: Aymen El-Zorkany

Mortal joy, indeed. “Using Life,” which has been vividly translated into English by Benjamin Koerber, is a ribald, streetwise, outrageously inventive speculative fiction that hammers at the chaos and dysfunction of Egyptian life while testifying to the vitality of its counterculture.

The story is told from the near future, following a sequence of natural disasters known collectively as the “Setback,” which left Cairo buried in sand and led to the construction of a new and far more efficiently organized capital. As the narrator, Bassam Bahgat, wryly relates, these acts of God were anything but: They were actually manufactured by a shadowy international syndicate called the Society of Urbanists, which aims to “change the direction of humanity as a whole” by aggressively re-engineering its cities.

Bassam recounts the revolutionary years when he was a documentary filmmaker hired by this illuminati of architects to produce a series of videos about Cairo’s neighborhoods. He takes a fatalistic view of the transformations. Pre-catastrophe Cairo, he mordantly admits, is a cesspool of graft, pollution and standstill traffic, “where life is one long wait, and the smell of trash and assorted animal dung hangs about all the time and everywhere.”

But Mr. Naji comes both to bury Cairo and to praise it. “Pessimistic on the outside,” its residents are “idealistic on the inside,” and the howling anarchy of the city is infinitely preferable to the soulless utopia envisioned by the Urbanists. Bassam’s encounters with the Society alternate with graphic episodes of party-going, drug use and lovemaking. Similarly, interspersed within the story are lurid, Ralph Steadman-esque panel illustrations by Ayman Al Zorkany. The alleged immorality for which Mr. Naji has been prosecuted is really a tribute to Cairo’s irrepressible life force. Even as Egyptian authorities play to the dystopian script by attempting to punish the author for his heterodoxies, his book memorably celebrates the country’s underground seams of freedom and individual expression.

سبع أبواب مغلقة على الرأس

تحط علي حالة من السأم وثقل القلب كلما زرت معابد الكرنك. سلطان هذا المعبد الإدارى كبيت للسلطة والحكم والكهنوت ثقيل وحى جدا. روح المعبد هى مزيج من محكمة الجلاء، ومجمع التحرير ومقر مشيخة الأزهر وجدران الكاتدرائية التى يمنع الشعب من دخولها بينما يسمح لقتلة الشعب بالمشاركة. هذه هى روح الكرنك، روح الدولة المركزية العميقة التى لا يسمح للشعب بالاطلاع على قلبها او جمالها لكن يذبل جماله في إنتظار ان تفتح ابوابها له.

هذه المرة ابتعدت عن ساحة الاساطين، وساحات الأعمدة التى لا تنتهى، حيث تسكنك الذلة في مواجهة جبروت الحاكم السلطان. اخذت اتمشي مع ياسمين تائهين بين أطلال الجزء الشمالي وبينما نرتاح في ظلال اطلال معبد لخنسو رب القمر، تبادلت الحديث مع أحد الخفراء وقد تذكرت فجأة خبرا عن اكتشاف ورفع مقصورة اوزيرية منذ بضع سنوات. صحبنا الخفير الي مبنى في الطرف الشرقي من المعبد وسط الحفائر. فتح القفل وازاح باب خشبي، دخلت الي مبنى مغطى برسوم ملونة وبديعة معظمها لاوزير شريكا في طقوس فتح الفم لفرعون ما وزوجته، وفي جدار يفصل بين غرفتين وجدت في مقابلي النقش البديع للأبواب الاوزيرية السبعة.

خبئت إيزيس اجزاء جيد اوزيريس في اماكن سرية متعددة. لأنه خافت على مصير رأسه، فقد دفنت الرأس في جزيرة مجهولة في العالم السفلي، وجعلت عليها سبع أبواب. 

سبعة أبواب تفصل الرأس عن باقي الجسد. يتمدد هذا الجسد متعفنا الان، بلادى لم تعد تصلح لمستقبلى، ولا لحياتى، وربما ولا أى حياة. وضعت الأبواب لحماية راس الحكمة، لكن الجسد يتعفن ببطء هنا،انا اتعفن هنا خلف سبعة ابواب مغلقة على كل هذه الأسرار الحارقة

نهاية تلفزيونية -قصة قصيرة جداً

وقفتْ تصرخ في منتصف الغرفة، بينما أنا لا أسمع أي صوت. وأعني حرفيًا لا أسمع أي صوت. بدا الأمر كما لو أن أحدهم قد أطفأ زرار الصوت، أو أنني فقدتُ حاسة السمع لما يقرب الدقيقتين، أخذتْ هي فيهما تلوح بذراعيها وتتشنج عضلات وجهها وتتقلص وتنبسط، وحينما أوشكتْ على الإنتهاء كان آخر ما سمعته منها، وهي تستلقي في الوضع الجنيني على الفراش وتسحب الغطاء حتي رأسها:

“أنا خلاص تعبت بجد”.

هانى مهنى: سيعود أوديسيوس الناجي إلى “إيثاكا” ولو بعد حين

في 20 فبراير من العام التالي لفوز مرشح الضرورة، المصري عبد الفتاح السيسي، حُكم على روائي/صحفي شاب، هو “أحمد ناجي أحمد حجازي” بعامين من السجن المُشدد، على خلفية بلاغ مقدم من مواطن ادعى أن نصًا روائيًا تسبب له “باضطراب في ضربات القلب وإعياء شديد وانخفاض حاد في الضغط وأن حياءه خُدش.” وذلك وفقًا للدعوى القضائية التي أسرعت النيابة العمومية بتحريكها، لتحصل في محكمة الابتداء على حيثيات براءة ارتكزت لمواد دستور يكفل حرية الإبداع ويمنع سلب المُبدع حريته لنشر نص مُعلن، إلا أن النيابة العامة، كوكيل عن عموم الشعب -وأنا منهم- ارتأت أن المصلحة العامة تحتّم الطعن على حكم البراءة، ليحكم استئناف القاهرة، بعد إعادة نظر القضية، بحبس شاب لأنه تجرأ على أن يدخل في لغة الأدب بضعة ألفاظ عامية، توصف على إنها بذيئة. وهو ما وصفته النيابة في مرافعة لا بد من أن نتذكرها، قائلة: “إنهم يريدون الإتيان على فضائل الآداب بكل ساعد.. فكيف نتحرج نحن أن نأتي بنيانهم من القواعد”.

كل ذلك معلوم، ومدون على الأنترنت، ولا يعوَّل كثيرًا عليه، لذلك لن نتعرض له بالمدح أو القدح أو التفنيد، فقط أرغب في الإشارة إلى أنه بسبب ذلك الحادث غير المتوقع نشأت حملة تضامن متباينة ومختلفة ترى كما صاغ مِصري، أن ما يحدث الآن “لحظة التهام وانتقام، حيث يغيب السلام الاجتماعي كما لم يغب من قبل في مصر” فلا سلام مع مجانين الحكم. وإن رغبت، أنصحك على سبيل الاستفادة بقراءة مقالتي أحمد شافعي “هناك كاتب مصري وحيد غير مهدد بالسجن“، وماهر عبد الرحمن “حكايات للأمير حتى يخرج” وذلك حتى نبدأ.

(عُ)

DSC_1644
أحمد ناجى في بورتريه غير شخصي

يقول قسطنطين كفافيس: “عندما تنطلق في رحلتك إلى إيثاكا/ ادعُ أن يكون الطريق طويلًا/ أن يكون مليئًا بالمغامرة/ مفعمًا بالمعرفة.”

في قصيدته إيثاكا، يتحدث كفافيس إلى عوليس/ أوديسيوس، العائد لتوه من المتاهة، وهو بطل شهير لملحمة عُرفت باسمه، ونعرفها باسم الأوديسة، لا تخبرنا الأوديسة عن مصير عوليس/ أوديسيوس بعد العودة، حيث اكتفى هوميروس أو جماعته بالمشهد الختامي الشهير. “عائد من التِيه/ متحديًا إله البحر -بوسيدون العظيم- أمام عرشه/ ليجد الغرباء/ يحتلون بيته وينهبون طعامه وينتخبون من بينهم من يضاجع زوجته”. وبعد أن تنهي بينلوبي أخر عُقدة ببساط الانتظار الطويل، يعود لينقذ ما تبقى.. “كَهلًا لكنه غاضب/ مُتعب من عناِء الرحلة لكنه مفعم بالمعرفة/ واهن لكنه مليء بالمغامرة/ ومشدود كمنجنيق”.. يعود أوديسيوس ليحكي عن الرحلة بلغة أقرب لقصيدة النثر، التي طالما كرهها -فاجرًا كما أحب.. دون أن يخشي رقيبًا أو وكيل نيابة طيب.. لمجتمع قبيح.

وحتي لا يصاب بالسأم، عند العودة، مهم أن يجد “ما تبقى” ينتظره أفضل مما كان.

(و)

حدث ذلك حسبما أظن في خريف ما، في عام من تلك الأعوام التي نظنها اليوم بعيدة رغم قربها، ونحن نتحدث عبر تطبيق “الياهو ماسينجر”، -وذلك ﻹعطائك لمحة عن السنة- أرسل إلىّ تعليقًا استفزازيًا، فتجاهلته، فلحقه بتعليق آخر، مع رابط مدونته على البلوج سبوت. مدونته حديثة وليدة، وكان صاحبها يشاغب ويتورط في معارك كلامية لا طائل منها إلا لفت الانتباه، يكتب بدأب راهب، وبجرأة تجبرك أن تتجاهل حتى أخطائه اللغوية أو النحوية، الحقيقة أننا تعلمنا جميعًا ألا نقمع الأخطاء اللغوية، كنا نصوبها ولكن بلا اضطرار، لكننا كنا ضد كل ما هو غير منطقي، ولذلك كانت المدونات حاضنة أفكار ومعملًا للأسلوبية وتحليل الخطاب، كان يكتب عن دورته اليومية كشخصية افتراضية، في صحراء أكتوبر يحكي عن حيتان تمرح في بحر الرمال. بين طوابق منزل والده هناك دورة ما بين المرحاض والكيبورد. ويمارس فانتازيا ذهنية سريالية، غير مؤذية، يقيس سجادة الصلاة بحافة مسطرة، ليرى إن كانت تصلح للاستخدام كبساط السندباد، ثم يقتبس المشهد كاملًا في روايته الأولى “روجرز”.

تلك حقبة غابرة، حقبة مليئة بالألعاب الذهنية واللغوية، يجهلها أغلب المتضامنين اليوم مع أحمد ناجي، حقبة المدونات، حيث الكلام مُباح، واللغة منفلتة من قواعد الصرف، والغضب وقود. تعلمنا سويًا كيف نزيح ذلك الهامش اللزج، لنخلق عالمًا أخر موازيًا، يسع ثورة الهرمونات، وكان واحدًا ممن دعوا لتوسعة الخيال. ليصبح ثقبًا أسود، اليوم خياله يُسأل، بينما يكتب أحد المتضامنين مع وسم #ضد_محاكمة_الخيال قائلاً: “بصراحة، لا أجد في حكاية أحمد ناجي فرصة للوقوف ضد الفاشية والظلام، ليست مُناسبة أخرى للدفاع عن الحريات، لا يهمني سوى أن يخرج صديقٌ من السجن، ونخرج معه من حالة (النكد) التي نعيشها. يستعيد أيامه، ونستعيد حياتنا الخاصة كأقلية في مجتمع يكره الأقليّات.”

وفي مجتمع يكره المجتمع، لم يخبرنا كاتب المقال كيف سيخرج “ناجي” دون أن يتحرر خياله؟ لكي يستعيد هو حياته الخاصة، وبصراحة أكثر، هو ككل “الانتلجنسيا” غير مُطالب بالدفاع عن الحريات، فقط عليه أن يتعلم كيف يمارس تلك الحرية باستخدام الحياة.

وبتعبير أكثر راديكالية: لم لا يكون كـ “أوسكار وايلد” إن استطاع؟ عليه أن يرسم لنا أولًا صورة دوريان غراي القبيحة، المخفية بحرص في قبو النخبوي المهذب، ذلك هو الحِنْثُ العَظِيمُ، لأننا سأمنا كل موظف على شاكلة حضرة المحترم.

(ل)

اِبْتِدَاءً مِنْ هَذِهِ اللَّحْظَةِ، تلك حرب جيل يتحدى الملل، هناك من تعلم قدسية الخيال، وأن الدهشة عتبات المعرفة، لذلك اندهش أغلبنا عند سماعنا بالحكم على “أحمد ناجي”، لم نغضب في البداية، بل تساءلنا عن صدق تلك الرواية “ده بجد.. ده حقيقي!!”.

خيالنا الضيق لم يتحمل الكابوس، في الزمن الآني هناك من يرى سببًا لتقيد حرية شخص، لـ 700 يومًا، بعيدًا عن الإنترنت، محرومًا من الشمس، محكومًا بمواعيد إطفاء النور، لا يرتدي سوى الأزرق، لأنه سَخَّر أنامله لتوصيف أعضائنا التناسلية بأسماء دارجة على كل لسان مصري فصيح.

هذا يحدث فى مصر العام 2016، حيث هناك كل صباح من يستخير محركات البحث، اسأل جوجل عن مدونة أحمد ناجي وسيجيب! وأتحداك أن كرهت ذلك الأديب، حتى ولو خدش حيائك.

كنا كأبطال قصص الكوميكس، أتين نحمل فوق ظهورنا خطايا التعليم والبطالة ونعاني من سوء التغذية، في مجتمع تجاوز المنطق، واتفق على تسمية العهر أصولًا، وثقل الظل خفة، والفساد فهلوة، والركون والكمون استقرارًا، والخنوع والمذلة حكم، والظلم.. انضباطًا. كنا نحلم باكتمال تحولات الدولة، لتصبح دولة، وكزهور برية تنبت دون بذور فوق سحابة، أدركنا أن الدولة أصل كل تلك الشرور.

تلك هي الأغلبية النسبية اليوم، الفاعلة في عالم يتغير، أمة صغيرة قد بلغت سن الرشد، فتعلمت أن عليها أول شيء أن تحطم النفاق، عملة ذلك المجتمع الرائجة، أن تخدش حيائه المزعوم، اختارت أن تسأل السؤال الصحيح، كنوع من المعرفة، أو كنفثات بالصدور، أفراد نهيم في بحور من الظلام أعوام، أعلنّا منذ اللحظة الأولى انتمائنا لـ “عائلة المدينة”، وهو مصطلح غير ثوري/ غير رومانتيكي -حتى لا يهرب المعنى- أطلقناه على الأصدقاء، وكنا نعلم أن “الصداقة علاقة مؤقتة، ليست كصلة الدم أبدية، وقد تنقلب إلى عداوة مع تغيير الأفكار والانحيازات، وأن الأصدقاء [عائلة المدينة] يحملون في جوهر وجودهم احتمال العداوة”. تلك الجماعة اليوم تسأل لماذا لا نخدش الحياء؟ إذا كان هناك حياء! تاركين الإجابة لمن يلينا.

(ي)

“الحرية ثمرة جهاد الأحرار، لا تجيء نتيجة لوجود المجتمع الحر، ولكنها هي التي تخلق المجتمع الحر” – [يخبرنا حضرة الموظف المحترم “نجيب محفوظ”، يوليو ١٩٩٢]

لذلك فكل ما نطلبه منكم اليوم أن تمارسوا حريتكم على الإنترنت، نطالبكم بها رغم علمنا أنكم تعيشون في مجتمع غير حر، حبس كاتبًا، وحاكمه على شهوة الخيال، بدعوى حماية القيم.

نطالبكم اليوم، إن لم تستطيعوا إعلان رأيكم صراحة، بإعلان الحياد التام، بين تلك الدولة التي أعلنت الحرب على الخيال، واثقة من النصر، وبين جيل تربى وتعلم كيف “سيتعامل”. وهو قادر على حماية وضعه.

وإن لم تستطيعوا إعلان الحياد التام، فكل ما نطلبه منكم، أن تتركوا لنا الإنترنت كمرفق مستقل.

“نحن ليست لنا حكومة منتخبة ولن تكون لنا على الأرجح حكومة؛ لذا نخاطبكم بسلطة لا تزيد على تلك التي طالما تحدثت بها الحرية نفسها لإعلان أن الفضاء الاجتماعي العالمي [الإنترنت] الذي ننشئه مستقل بطبيعته عن الطاغوت الذي تسعون لفرضه علينا؛ ليست لكم شرعية لتحكموه ولا بيدكم وسيلة لقهره تستحق أن نخشاها. أنتم لم تنخرطوا في محاوراتنا. أنتم لا تعرفون ثقافتنا، ولا أخلاقنا، ولا قوانينا غير المكتوبة التي تنظم مجتمعنا. نحن نخلق عالمًا يمكن فيه لأيٍّ كان في أي مكان التعبير عن رأيه أو رأيها، بغض النظر عن قدر تَفَرُّدِ هذا الرأي، بلا خوف من أن يُكره على الصمت أو على التوافق. مفاهيمكم عن الملكية والتعبير والهوية، والحراك والسياق لا تنطبق علينا، فكلها مبنية على المادة، ولا مادة هنا.” ذلك إعلان لاستقلال الإنترنت. وقد ارتضيناه.

(س)

في المرة التي اجتمعنا فيها، على سبيل السخرية، ضمن “ملتقى الأدباء والمثقفين”، لم نتحدث، لكني أتذكر أنه قال شيئًا ما فجأة عن شعوره الأخلاقي، بالتزام ما تجاه القراء، ومن ثم انفجرنا سويًا في الضحك، كان كلانا يعلم رأي الأخر في القراء ومثقفي الحقبة الاشتراكية، وندوات الشعر الحماسي، وبنيوية حزب التجمع الوحدوي والغرض من مدارس الكادر السياسي، والمناقشات العميقة عن طبيعة اللون في معارض الفنانين التشكيكيين -دون ذكر أسماء- والمؤسسات الدينية والسياسية والسيادية، كنا نعلم أنكم مجتمع عاجز عن الفعل، وأنكم تتفاخرون ولا تعلمون، وإنكم أن تمكنتم من خيالنا ستخصونه، لذلك كنا ندون -هناك- على سحابة، تاركين لكم أعمدة الورق لتلوثوه.

ويوم كتبت عند بلوغي الـ 25 عن اكتمال الدائرة بالنسبة لي، كنص أخر مخادع يكتبه مهزوم يرغب في أن يظل مهزومًا دون أن يتوارى أو يلفظ من المجتمع، يحمل خطاياه وندوب فشله كالأوسمة والنياشين دون أن يتحول الفشل لوصمة عار تلاحقه، مثلما يحدث اﻵن مع رواية ناجي، التي وسمتها المحكمة بالمسمومة، ترك لي تعليقًا لا زلت أذكره “عارف اللغة اتخلقت ليه؟؟ علشان تخدعني الخدعة المناسبة، علشان نكتب نص زي دا، ونعيش فيه بشكل لائق ومناسب ونظن إننا أحرار”.

ذاك هو الفارق الجوهري، كما فهمناه، ما بين الفن/ الأدب/ الرغبة في الفعل. وبين أي شيء أخر، مثل القانون، لذلك خلق الله الناموس، ووضعت الدولة القانون لتقيد الحق في الممارسة (حقيقة مطلقة) ثم أتى الإنسان فمنح الإنسان القدرة على الخيال، فكان الإبداع ليحرره من أسر اللغة والأخلاق وأوثان الآباء. (حقيقة آخرى لكن نسبية) ولذلك استشعر أوديسيوس الناجي نصي ولم يستخف به.

فلتظنوا إذًا أننا نهاب دولتكم، نخشي سيف قضائكم وقهره، لكننا ونحن ننظر إليكم ونعريكم، كل ما نفعله هو طرح السؤال الأزلي “لماذا تخشون من تسمية الأشياء بأسمائها؟”، وهل “استخدام الحياة” رواية أم فاكهة  محرمة؟

نعم، نحن نحتفي بذلك الخراء -استخدام الحياة- ونعلم أنه ليس بهراء، نقف مع الفن الهابط لأننا نعي أنه طوق النجاة الوحيد للخلاص من شجرة بؤس لغتكم الخالية من المعنى. فمن أنتم حتى تحاكمونا؟ غير قوم تطالبون بأن نصبح مثلكم.

كل ما أرجوه ألا يعود أوديسيوس الناجي، على غرار قصيدة “ألفريد تنيسون” الشهيرة “عوليس”، ليعلن ضجره واستيائه، لأنه وجدنا كما تركنا. نخجل من كس الأمهات.

كل ما أرجوه أن يعود أديبًا، وليس ناشطًا يدافع عن حرية الرأي والتعبير. كل ما أرجوه أن يحافظ على الروح ليستخدمها كما اعتاد.

عزيزي أوديسيوس: أتمنى أن تصلك تدوينتي تلك، أينما كنت، هنا أو هناك، فقط عليك أن تعلم أنك وإن كنت الآن هناك، فأنت هنا، بيننا بخيالك السارح، وأننا ملتزمون اليوم، ريثما تعود، على أن نُبقي اللعبة كما تركتها، ممتعة. نصف مشبعة كعادة سرية.

وحتى نقتل ذلك الميناتورالغبي، ونحررك من تلك المتاهة، ربما نجلس حينها لنفعل كل ما اشتهينا من غير المعقول واللاأخلاقي دون حزن أو أسف. ربما نجد وقتها المعنى في أن نجلس لندون ذلك الكتاب الجامع، نحصي بحر رمال الصحراء، والكلمات منه لا تنفذ، حتى يثقل على كواهل الرجال المستحين، أثقل من كتب الدين، كتاب يحكي عقيدة ذلك الجيل، حكاياته كالثعابين تأكل أذيالها، يمجد بالكلمات روعة الفشل.. وليحيا كل ما هو هابط.

“وإن وجدتها فقيرة، فإيثاكا لم تخدعك/ فبعد أن أضحيت حكيماً/ وبعد أن تمتعت بهذه التجربة المديدة/ لا بد أنك أصبحت تفهم ماذا تعني إيثاكا.” – قسطنطين كفافيس. (1863-1933).

عزيز بك ميلر وزوجته السيرالية ومراسلة الحروب

نشر مؤخراً خبر يشير إلي أن كيت وينسلت تستعد للقيام ببطولة فيلم روائي عن حياة مصورة الفوتوغرافيا الشهير “لى ميلر”. الفيلم واضح سيركز على دور ميلر كمصورة لمجلة الموضة والأزياء “فوج” أثناء الحرب العالمية، حيث عملت ميلر كمراسلة ومصورة عسكرية تغطى الحرب لمجلة الموضة.
لكن في جزء آخر قبل هذه المرحلة من حياة ميلر أنا شغوف به جدا. في بداية الثلاثينات كانت ميلر واحدة من أشهر عارضات الأزياء في أمريكا، شعرها الأشقر وملامح وجهها وجسدها في تلك الفترة شكلت نموذج الأنوثة ذات الجمال الشاحب في تلك الفترة، لكن يبدو بعد فترة من نعيم حياة الأضواء وصناعة الأزياء، قررت تسافر فرنسا علشان تتعلم فوتوغرافيا على يد “مان راى” المصور الفوتوغرافي وأحد رموز الحركة السيرالية في ذلك الوقت.
الحقيقة هى فرضت نفسها تقريباً على “مان راى” وتركت بعد كدا موضوع الموديلز، واتجهت إلي التصوير الفوتوغرافي. وأقامت أول معرض لها في باريس، ثم عادت لنيويورك وأسست استديو خاص بها. ثم بوووووووم
وقعت في الحب وألتقت برجل الأعمال المصري عزيز بك علوى، نار وفول بالزيت الحار. حبوا بعض وتزوجوا وراحوا قضوا شهر العسل في شلالات نياجرا كمان.
في هذا الأثناء زوجة عزيز بك علوى لم تتحمل الخبر واعتبرته إهانة شخصية، فاستخدمت مسدس زوجها وانتحرت.
الخبر كان مثار أحاديث النميمة في مجتمع القاهرة، وعزيز علوى ببرود يليق بأول من أدخل التكييف إلي مصر عاد للقاهرة ومعه زوجته الجديد “لى ميلر”
عزيز علوى كان مهندس ومدير لمصلحة السكة الحديد في فترة، رجل صناعة وأدخل عشرات التوكيلات التجارية لمصر أبرزها مثلا “يونيون آير” وهو أيضاً أول من أدخل التكييف لمصر، وأسس مصانع للصلب والحديد والكابلات النحاس.. لكن مع كل مشاغله كان راعى للفنون وصديق لمعظم أعضاء الحركة السيرالية المصرية واللى طبعا احتوت “لى ميلر”.
ميلر صورت مجموعة قليلة من الصور في مصر، لكن العجيب ان معظمها كانت الصور التى صنعت شهرتها كفنانة سيرالية، صورها كانت في أماكن غريبة جدا، بداية من أسيوط، المنيا، وحتى سيوة حيث صورت فيلم اسطورى قريت عنه كتير لكنى لم اشاهده اسمه تقريبا غرباء في الفضاء
علاقة عزيز بك بميلر فيها تفاصيل ملتوية وخاصة جدا، يعنى برونز واللى كان اصغر منها وعشيق لميلر، أتى في زيارة إلي مصر، وسافروا الاثنان في رحلة طويلة مع النيل. بعد كدا هم الاثنان غادروا القاهرة وعاشوا مع بعض فترة في انجلترا واوروبا وهى لسه زوجة لعزيز بك.
لما قامت الحرب، تغيرت حياة ميلر تماماً، لبست خوذة وتحولت لمراسلة حربية، التقطت عدد شهير من الصور الايقونية للحرب، أبرزها صورة النصر والتى كانت عبارة عن صورتها عارية وهى تستحم في بانيو حمام هتلر وذلك حينما أعلنوا سقوط برلين..
اكتشفت ميلر حملها من برونز، فعادت لنيويورك وطلبت الطلاق من عزيز بك، عاشت بقية حياتها بتعانى من اكتئاب شديد وإدمان على الأدوية المهدئة والكحول..
مرفق هنا عدد من صور لى ميلر المحببة لقلبي

نائل الطوخى: دروس مستفادة من حبس ناجي، أولها الفردية

تمر هذه اﻷيام ستة أشهر على حبس اﻷديب أحمد ناجي بسبب مقاطع نشرها من روايته “استخدام الحياة” في جريدة أخبار اﻷدب، واتهم على إثرها بـ”خدش الحياء العام”. يُعد ناجي اﻷديب الوحيد المحبوس حاليًا في سجون النظام بسبب أدبه، ولكن على ما يبدو فهذا لا يكفي لتفسير اختلاف قضيته عن سائر القضايا في عيني المتابعين. بهذه المناسبة، وبعد أن هدأت قليلًا حدة البيانات الانفعالية المتضامنة، يمكننا أن نحاول اﻹجابة على سؤال “لماذا يختلف حبس أحمد ناجي عن حبس غيره؟”، ما يقودنا مباشرة إلى سؤال آخر: “لماذا يختلف أحمد ناجي عن غيره؟”

شارك ناجي في ثورة يناير، ولكن لم يمنعه هذا أبدًا من اتخاذ مواقف مستفزة طول الوقت لجموع الثوريين. لم يكن ممن انخرطوا بعنف في الاستقطابات التي اشتعلت في مصر عقب الثورة، وإنما كان يقف على حافة الاستقطاب دائمًا ، يتأمل من الخارج حارقًا دم جميع المستَقطبين. وعلى العموم، فقد وصف ناجي فيما بعد مشاركته في الثورة بـ”العمل الصبياني”.

12441_217603880350_541205350_4538118_6655916_n
بورترية لنائل الطوخى

طول الوقت يغني الكثير من الشعراء والأدباء للفردانية، ولكن ما أن يظهر على أرض الواقع شخص كامل الفردية، متخلص من ضغط الجماعات المتناحرة من حوله، حتى يشعرون بعدم ارتياح. لهذا كره الكثيرون ناجي؛ ﻷن الفردية الكاملة، رغم كونها قيمة محبوبة نظريًا (انظر لكم اﻹعجاب الذي تُنطق به عبارة “لا يشبه إلا نفسه”)، هي في الحقيقة شائكة وموحشة وغير مريحة، حتى لمن يتغنّون بها.

يشكل القطيع دائمًا حماية للشخص؛ يستأنس به ويشعر بالدفء في وجوده. وبالتأكيد يشكّل تهديدًا للسلطة، فالمجموع أقوى من الفرد بطبيعة الحال، ومجموعات متحدة يمكنها تكسير جدار لا يقوى على تكسيره فرد واحد. ولكن ما نريد قوله إن الانتظام في جماعة ربما أيضًا لا يكون عمليًا في جميع اﻷحوال؛ أحيانًا ما يسهّل القطيع سيطرة السلطة على المعارضة. فلأن القطيع يلزمه رأس، يمكن تشتيته بمجرد نزع رأسه.

هذا يقودنا إلى ثورة يناير، والتي كانت عبارة عن مجاميع ضخمة تتكون من أفراد لا يملك كل منها إلا حسابًا على فيسبوك.

في فيلم “حياة براين”، يتبع المؤمنون براين، الذي يتصورونه المسيح الجديد. يؤكد لهم هذا مرارًا وتكرارًا أنه ليس المسيح فلا يصدقونه، فيصرخ فيهم “ليس عليكم أن تتبعوا أي شخص، أنتم أفراد”، فيهتفون بشكل جماعي ومتجانس تصديقًا لكلامه: “نحن أفراد!” يصرخ فيهم “كلكم مختلفون عن بعض”، فيهتفون بشكل جماعي: “نعم. نحن كلنا مختلفون عن بعض!” يبدو لي كثيرًا أن هذا التزاوج بين الفردي والجماعي كان مفتاح ما حدث في الثورة.

على خلاف اﻹخوان المسلمين، الذين هم أكبر جماعة منظمة في تاريخ مصر الحديث، والتي أمكن تشتيتها فقط عبر نزع رأسها، فلم يمكن هذا بعد مع ثوريي يناير. لا يزال اﻷخيرون قادرين على الإلهام وعلى توجيه المجتمع باتجاه رؤاهم.

“التشتيت” ليس اللفظ اﻷدق. فصحيح أن اﻹخوان المسلمين تشتتوا، ولكن الثوريين مشتتون طول الوقت أيضًا. قد يكون اللفظ اﻷدق هو “نزع السحر”. أمكن نزع السحر عن اﻹخوان المسلمين عبر عزل مرسي، ولم يمكن هذا بعد مع الثوريين. الثورة بلا قائد، كان هذا من البداية إلهام الثورة ومقتلها في آن. وﻷنها بلا قائد، وﻷنها عبارة عن مجموعات مختلفة ومتباينة، تتكون من أفراد مختلفين ومتباينين، لا يجمعهم إلا السخط على الوضع القائم، فقد أمكن لهؤلاء اﻷفراد التسلل في المجتمع، أحرارًا ومرنين، ونزع السحر عن النظام العسكري الحاكم وعن اﻹسلاميين في الوقت ذاته.

في هذا كان ناجي ممثلًا لروح الثورة، أو لروح “الإنترنت”، أو لـ”المعاصرة”. واﻷخيران، اﻹنترنت والمعاصرة، كانا حجته الدائمة. يكفي أن يشير ناجي إلى نظرية بأنها قديمة، حتى تبدأ مجموعات من حوله في الانفضاض عنها، تتبعها مجموعات أخرى أوسع، وهكذا.

المؤسف والمعقد أنه كما كان ناجي فردًا كاملًا، فقد أتى التضامن معه فرديًا أيضًا. بعد فورة البيانات القوية لم يعد يشير لناجي إلا أشخاص معدودون. رغم محاولات اﻷدباء لتنظيم حركات تضامن واسعة، على غرار الحركات التي تطالب بالحرية لفلان أو لغيره، إلا أن شيئًا في وعي المتضامنين كان يشير إلى أن الموضوع مختلف قليلًا. كأن ناجي لم يرغب هو نفسه في هذا التضامن. أو كأن التضامن الجماعي هو ضد مشروعه باﻷساس.

هذا هو العيب الأساسي للفردية، كونها غير قادرة على توفير الحماية لصاحبها. قد تحميه فكريًا، ولكنها لن تحمي جسده من الإيذاء على يد السلطة.

***

اﻵن يبدو طبيعيًا أن يُحبس ناجي بسبب كتابته، ولكن هذا ليس إلا بأثر رجعي. قبلها، لم يتخيل أحد من أصدقائه أو المتضامنين معه إمكانية حبسه. ظل ناجي وحده في مكان بعيد عن الصراع السياسي الدائر، وبالتأكيد عن اﻷحكام بالحبس، ﻷنه فرد أولًا ولا يعبر سوى عن وجهات نظر شديدة الفردية، وﻷن في سجالاته شيء شديد الشبه باللعب.

بعد حبسه، خمن الكثيرون أنه حُبس ﻷسباب لا علاقة لها بالبذاءة، وإنما لأسباب سياسية، في محاولة ربما للتقليل من شأن قدرة البذاءة على استفزاز السلطة. ورغم وجاهة النظريات المطروحة، فقد كان التفسير اﻷبسط أكثر إقناعًا؛ ناجي محبوس بسبب الألفاظ البذيئة التي استعملها في كتاباته. رجاء عودوا إلى الفصل المنشور وفكروا، هل يمكن لمصري من الطبقة الوسطى، مصري غير مثقف ولا يؤمن بحرية التعبير، ألا يغضب من ألفاظ كهذه؟ ثم السؤال التالي: ماذا سيفعل شخص كهذا إن وجد نفسه يملك سلطة الحبس، وهو يقرأ الفصل المنشور؟ سيستخدم السلطة التي يمتلكها بطبيعة الحال. وكل الكلام (الدستوري) حول “الحق في التعبير” و”حرية الرأي” و”لماذا يؤخذ الكلام إلى المحكمة”، لن يعدو أن يكون رطانة بالنسبة له، قبيحة أو جميلة، ولكنها في نهاية الأمر رطانة تتحطم أمام هذا الولد الذي يحتاج لإعادة تربية من جديد.

في هذا السياق، لا تمكن اﻹشارة لشخص أحمد ناجي بدون اﻹشارة لسخافاته المتكررة. بدا ناجي طول الوقت كأنه يأخذ موضوع “التساخف” كلعبة مسلية، حتى وإن لم يخل تساخفه من منطق ومن ذكاء في كثير من اﻷحيان. كان قادرًا على تحويل أي رأي جاد لمسخرة بكلمتين، وعلى إحراج الكثيرين ممن بذلوا مجهودًا ضخمًا في صياغة نظرية ضخمة بكلمة واحدة. وفي المقابل، بدأ الكثيرون مع الوقت أيضًا ينمّون مهارة التعامل مع سخافاته، حتى أصبح التساخف والتساخف المضاد لعبة مثيرة بالنسبة لنا، نمّت ذكاءنا وعلمتنا أن الآراء لا ينبغي أن تقال بسبب الوجاهة التي تمنحها لقائلها، ﻷن ناجي (ومعه الإنترنت) قادران على هدم هذه الوجاهة في ثانية.

ما حدث بالضبط هو أن شخصًا أتى من الخارج، بلا أي معرفة بقواعد اللعبة، فمزق أوراقها وحبس لاعبًا فيها. هذا التفسير الأبرز لإحساس الصدمة وعدم التصديق لدى الكثيرين من حبس ناجي، بالأحرى لدى الكثيرين ممن تساخف عليهم ناجي سابقًا؛ هناك شيء ما انتُهك في القواعد؛ ناجي ينتمي للمساحة التي نلعب فيها، لا المساحة التي يلعبون فيها.

هناك بالطبع الكثيرون ممن تساخف عليهم ناجي وهاجموه بعد حبسه، وهذا طبيعي، فأحيانًا يرغب المهزوم في اللعبة بأن تأتي السلطة وتعتقل المنتصر. ولكن اﻷغرب هم هؤلاء الذين لم يحتك بهم ناجي أبدًا، ولم يطب لهم الهجوم عليه إلا بعد حبسه. ربما خافوا من احتمال أن يتساخف عليهم في المستقبل؟ ربما كان وجوده مريبًا بالنسبة لهم، حتى مع عجزهم عن تعريف سبب الريبة هذه؟ ربما أحسوا أنه ابن ثقافة معادية لهم بالضرورة؟ على العموم، كثيرًا ما يجتمع الجبن والنذالة في نفس الشخص، ولا ينبغي أن يشغل المرء باله بهذا النوع من الجبناء اﻷنذال، ﻷنهم في الغالب تعساء أيضًا.

***

بالإضافة لفرديته، فناجي ليس شخصًا واسع التأثير كذلك. لا يظهر على التليفزيون، ولا كتبه تباع بعشرات اﻵلاف، ولا يملك منصبًا حكوميًا عدا عن كونه صحفيًا في جريدة “أخبار الأدب” النخبوية. لا يملك إلا حسابًا على فيسبوك وآخر على تويتر، ومقالات يكتبها كلما عنَّ له.

ربما يكون عميق التأثير، ولكن ليس واسعه، أعني أنه ذلك النوع من اﻷشخاص الذين يتسرب تأثيرهم إلى من حولهم، بفضل طزاجة منطقهم فحسب، وليس بفضل احتلالهم مواقع واسعة التأثير بطبيعتها. هذا أيضًا واحد من أسباب اﻹحساس بالصدمة لدى من يعرفونه، ﻷنه لا يُخشى من تأثيره السياسي الواسع، وﻷنه لم يدع أي دور قيادي.

ركز ناجي سهام سخريته كثيرًا على “المكانة الاجتماعية”، حطم مكانات اجتماعية كثيرة لأناس حوله بمنتهى البساطة، ومع كل هذا، فلم يدعِّ الزهد والصعلكة، على غرار شعراء الستينيات مثلًا، بل كان دائم التغني مثلًا بأهمية الفلوس وبأن يحيا المرء حياة جيدة. بعد رحيل البرادعي لفيينا مع ما أثاره هذا من خذلان في قلوب محبيه، حياه ناجي بحرارة على صفحته الشخصية ﻷنه قرر أخيرًا أن يعيش حياة مريحة كبرنس معه فلوس.

إن كان هناك هدف رئيسي لناجي يؤمن به فهو التقدم، وإن كان لهذا الهدف تكنيك فهو الصراع. كثيرًا ما أخذ يردد في السنوات اﻷخيرة: “الصراع دينامو التقدم”. ويبدو لي أحيانًا أن التقدم كما يعنيه هو أن يفكر البشر من حوله في أشياء لم يفكروا فيها من قبل. وهذا ليس أمرًا سهلًا أبدًا، وإنما يمر عبر طريق طويل من استفزاز العقل والتساخف المستمر، وكان ناجي شديد المهارة في كليهما.

لماذا يكره المصريون الفراعنة ويحبون صورهم؟

كلما قرأت أو سمعت عن خبر كشف أثري جديد تقوم أو تشرف عليه الدولة، مُتمثلة في وزارة الآثار، يَقفز مرتطمًا في سقف مخي السؤال الذي يحيرني منذ سنوات طويلة:

لماذا تنفق الدولة المصرية كل هذه الأموال على «الفحت» والحفر وإخراج التماثيل من جوف الأرض وتصويرها وأرشفتها أحيانًا وأحيانًا أخرى لا، ثم تقوم بدفنها مرة أخرى داخل مخازن وزارة الثقافة والآثار؟

قدس أوزيريس، معبد سيتي الأول #أبيدوس.jpg
قدس أوزيريس، معبد سيتي الأول #أبيدوس

مخازن الآثار لمن لا يعرف هي عبارة عن مساحات شاسعة من الخرابات يتم تكويم التماثيل والقطع الأثرية فيها وتعيين حارس برتبة غفير لحراسة كل هذا، لا يسمح للجمهور العادى بزيارة تلك المخازن ولا يعرف الباحثون عنها شيئاً ولا توجد قاعدة بيانات موحدة عن طبيعة محتوياتها. تترك فيها الآثار حتى يطمرها النسيان أو حتى تجد ابن الحرام المناسب لسرقتها وتهريبها.

الإجابة التي توصلت إليها أن الأمر يتعلق برغبة وطموح المؤسسات العلمية والأكاديمية الغربية واليابانية التي تحتوي على كليات للدراسات المصرية، وبالتالي ترسل البعثات العلمية إلى هنا وبالتالي تجدها الوزارة فرصة للركوبِ في المصلحةِ والظهور أمام الإعلام المحلي في صورة «أنديانا جونز»وفاتح مغارة على بابا. وبعدما تخفت أضواء الكاميرات تساق الآثار لمخازن وزارة الثقافة. فالبلد الذي يتفاخر بأنه يمتلك ثلث آثار العالم لا يمتلك التمويل الكافي لرعَاية وصيَانة وعرض رُبع هذه الآثار.

جميع المشاريع التي تتعلق بالآثار المصرية الفرعونية من المتحف الكبير المزمع افتتاحه قريبًا و حتى   الاكتشاف  الأخير في المطرية جميعها تعتمد على التمويل الأجنبي، لذا فطبيعي أن تكون نظرة السلطة العامة في مصر للآثار الفرعونية أنها ليست إلا وسيلة للحصول على العملة المجانية، وهو موقف يشترك فيه قطاع كبير من المواطنين مع السلطة، وإن اختلفوا أحيانًا حول تقاسم الأرباح.

من أجل كل ما سبق، لم أفهم حتى الآن سر الجدل حول الصور المتعلقة بالكشف الأثري الأخير في منطقة المطرية. الوزارة من جهة فخورة بالاكتشَاف حيث يعلم كل تُجار الآثار أن المطرية تعوم على مدن قديمة كاملة، لكن الوزارة سعيدة بأن الخواجة الألمانى أكد هذه المعلومة. حتى الآن كل شيء جيد، لكن فجأة عبر جمهور الإنترنت عن صدمته من الصور، بل وصل الأمر إلى استجواب الوزير في البرلمان.

ما هو الصادم؟

لم أفهم حتى الآن.

قرأت تعليقات أن «اللودر» وبعض الآلات التي استخدمت في الحفر وظهرت في الصور كان وضعها مشينًا أو مهينًا أو خادشًا، وكأن عمليات الحفر والتنقيب والانتشال من المفترض أن تتم بمكعبات «اللوجو»، لأن شكلها سيكون أجمل على «إنستجرام». تعليقات أخرى أشارت إلى الفوضى وانعدام النظام في موقع التنقيب والاستهانة بالآثار وأهمية الاكتشاف.

لكن إذا كانت بضع معدات وفوضى في موقع تنقيب تمثل إهانة، فماذا عن الإهانة في قلب المتحف المصري بالتحرير حيث تُعرَض جثث رمسيس الثاني وحتشبسوت والرموز الذين بنوا هذه الدولة القديمة وصنعوا أبرز الآثار الباقية لهذا التاريخ. جثثهم عارية معروضة بلا أي قيمة علمية. فقط إهانة وتحقير مُتعمد لجثثِ الملوك بحشرهم في تلك الغرفة التي تحمل لافتة «غرفة المومياوات».

ورغم أن التصوير ممنوع في تلك الغرفة، لكن ورقة بخمسين جنيهًا للحارس الجالس في الغرفة سيسمح لك بأخذ سيلفي مع جثة رمسيس الثاني باعتباره فرعون موسى وسيؤكد معلوماته «انظر إلى عظامه ستجدها بيضاء من أثر المياه بالملح، لأنه مات غريقًا»، أيضًا سيسمح لك بأخذ السيلفي مع جثة الملكة حتشبسوت باعتبارها «زليخة التي أغوت سيدنا يوسف». وفجأة وسط الهذيان والسياح العرب الذين يبحثون عن تأكيدات للخرافات الإسرائيلية عن الحضارة المصرية ستسأل نفسك، هل حقاً أنت وهذا الحارس والقائمون على هذا المكان وهذه الوزارة وهذا البلد لديهم أي علاقة بهؤلاء الملوك المعروضة جثثهم؟

هل حقًّا هم أجدادهم؟ وهل حقًّا يؤمن المصريون بأنهم فراعنة؟ وأن هناك رابطًا بينهم وبين هؤلاء المساخيط والكفار؟

وإذا كان الأمر كذلك فلماذا يقبل المصري المعاصر أن يعرض جثث أجداده خارج توابيتهم ومقابرهم؟ من أجل ورقة بخمسين جنيهًا؟ هل هوعيشالضباع فقط كما وصفه شادى عبد السلام في فيلم المومياء أم هناك جذر لمشكلة أعمق؟

ليس الأمر نتيجة للجهل أو الحاجة المادية، بل نمط وأسلوب خاص في التعامل مع الآثار الفرعونية لا يمكن أن نجده مثلاً مع الآثار الإسلامية. تخيل مثلاً أن تدخل متحف الفن الإسلامى لتجد غرفة بعنوان «غرفة الأولياء» تُعرض فيها جثث لعدد من الأولياء وحكام مصر في العصر الإسلامي وقد انتزعوا من مقابرهم ووضعوا في صناديق زجاجية للعرض العام. بالطبع يستحيل أن يحدث هذا لكن يكون هذا هو الطبيعي مع الآثار المصرية القديمة الفرعونية.

رع حر آختي يبارك مرنبتاح، الابن الثالث عشر لرمسيس الثاني من مقبرته بوادي الملوك KV8.

جوهر المسألة هو انعكاس للأزمة الأزلية لدى الإنسان المصري المعاصر في هويته ونظرته لذاته.

من جهة هناك أمثال الشيخ السلفي الذي يرى في كل ما هو مصري فرعوني حضَارة نجسة وأصنامًا وحجارة، ومن الطرف الآخر هناك أمثال أستاذ الآثار المصرية الذي لا يقدم في كتابته إلا الفخر بالريادة والمنجزات القديمة دون أي جهد لربط حياة المصري المعاصر بهذا التراث. بل إن السياسة العامة للدولة تعزز هذا الانفصال المعرفي مع الحضارة والتاريخ الفرعونى. فحينما يتم التعامل مع منطقة كشارع المعز والقاهرة الفاطمية تتم تهيئة المكان بحيث يظل سكانه في مكان إقامتهم وعملهم حتى يصبح المكان حيًا يزوره الشباب ويصنعون مع المكان ذكريات وتاريخًا خاصًا امتدادًا لتاريخه العام، لكن حينما يتم ترميم طريق الكباش في الأقصر يتم تدمير منازل الناس وإبعادهم، وذات الأمر مع سكان منطقة نزلة السمان، حيث تم فصلهم عن الهرم بجدار عازل وبناء الأسوار حول الهرم لتترسخ عزلته.

هكذا يجب أن تكون علاقتك كمصري معاصر مع التاريخ الذي يفترض أن تنتسب له، تشاهده من بعيد وسور عالٍ يفصل بينك وبينه، تكرهه في سريرتك لأنهم كفار ولأنك تجهلهم، لكنك لا تعلن هذه الكراهية لأنهم يمكن أن يشكلوا مصدرًا للرزق والعملة الأجنبية. هم أيضًا يكملون كوكتيل الهوية الذي تلوّن به وجهك حينما تقابل الآخرين. مقابل الخراب وخواء الحاضر هم أيضًا هؤلاء الكفار الذين تتكسب من وراء عرض جثثهم وبيع أعضائهم مصدر فخرك الوحيد بين الأمم المتحضرة.

فأي ضبع أنت أيها المصري المعاصر، وأي واقع تتوقع أن تكون عليه حياتك، إذا كانت هذه نظرتك للماضي، وإذا استمررت في إصرارك على عدم النظر في المرآة.

ضبطية هانى شاكر

في الأصل، النقابات شرعت كشكل من أشكال التنظيم المدني للمجتمع وطوائفه. والغرض منها الارتقاء بمستوى ممارسي المهنة، وحمايتهم من توغل السلطة سواء كان سلطة صاحب رأس المال أو السلطة السياسية أو الدينية وحتى سلطة المجتمع. يحدث هذا في المجتمعات المفتوحة القوية والتي تستمد قوتها من تعددها، وتدرك أن محرك التقدم هو التنافس الصراع السلمى بين مكونات المجتمع، لا حشده تحت شعارات سلطوية من قبيل كلنا يد واحدة.

مثلما يضمحل المجال السياسي، ويكشف خواءه، ومثلما ينخفض يوماً بعد يوم سقف حرية الرأي والتعبير في مصر سواء على الانترنت أو حتى في الإعلام التلفزيونى، فحرية الإبداع يتم حصارها في تحالف بين وزير العدل سيادة المستشار الزند ورؤساء النقابات الفنية على رأسهم أشرف ذكى وأمير الأحزان هانى شاكر نقيب الموسيقيين.

jan von hollebn
فوتوغرافيا: jan von holleben

منح وزير العدل الضبطية القضائية للنقابات الفنية ومنها نقيب الموسيقيين هانى شاكرالذي أصبح يحمل الضبطية القضائية (هل هنأتم أخيكم هانى فقد صار ضابط). يعنى هذا أن الموكلين من نقابة المهن الموسيقية أصبح لهم سلطة مأمور الضبط القضائي، وحسب القانون فمأمور الضبط القضائي يحق له تقصي الجرائم ومرتكبيها وجمع الدلائل التي تلزم عملية التحقيق في الدعاوى والجرائم ويخضع كذلك لإشراف النائب العام، وله حق دخول جميع أماكن العمل وتفتيشها للتحقق من تطبيق أحكام القانون وفحص دفاتر الأوراق وطلب المستندات والبيانات من أصحاب الأعمال أو من ينوب عنهم.

الجزء الجيد في هذا الخبر أنك إذا أردت العمل في مجال الشرطة ولم تنجح في دخول معهد أمناء الشرطة، يمكنك الانضمام لمعهد الموسيقي، ثم الانضمام لنقابة الموسيقيين والعمل كأمين شرطة. بل وبرتبة أعلى من رتبة أمين الشرطة حيث سلطاتك أقرب لسلطات وكيل النيابة.

الجزء الكارثي من الخبر هو تحويل المؤسسات النقابية التي يفترض بها الدفاع عن أعضائها وصيانة وحماية حرية الإبداع،إلي جزء من السلطة التنفيذية والقضائية. تمتد الكارثة إلي أن سلطة هانى شاكر يمكن بسطها على كامل الأراضي المصرية وعلى كل أفرادها.

لإدراك سلطة هانى شاكر وما تعنيه. تخيل أنك بعدما تغربت وعملت وشقيت وأخيراً أكرمك الله ببنت الحلال وستحقق حلمك بعد طول انتظار لأن الحلال أجمل، وأخيراً ستتزوج وستقيم فرحاً بهيجا في مدينتك المحلية الإقليمية في محافظة الغربية على سبيل المثال. الآن والفرح مشتعل والأهل في فرح وسرور من حق هانى شاكر أو من ينوب عنه، أن يدخل الفرح ويطلب الاطلاع على كل أوراق الموسيقيين الموجودين على المسرح والتأكد من عضويتهم للنقابة، بل وإذا لم يعجبه الفرح ووجد فيه اسفاف فمن حقه القبض على الموسيقيين وسجنهم، وهدم الفرح عليك وعلى دماغ أهلك. لأن أمير الأحزان جنرال مملكة الدموع هانى شاكر يري أن الموسيقي التي ترقص عليها في فرحك إسفافا.

سيكون أمامك في هذه الحالة اختيارين إما أن ترضخ لسلطة هانى شاكر وعصبته، أو تدفع له أتاوة تشبع عينهم وتسكتهم وتجعلهم ينصرفون. الحل الثالث أن تستقدم هانى شاكر نفسه للغناء في فرحك. مثلما يفعل منتجو التلفزيون والسينما حيث يمنحون الأدوار في كل أعمالهم لأشرف ذكى نقيب نقيب الممثلين أو لزوجته أو أقربائه.

لكن إذا دعوت هانى شاكر للغناء في فرحة فسيكلفك الأمر الكثير من المال. فجنرال مملكة الدموع وملك البوتكس في الخدود بعدما كان يغرق في نهر الأحزان، أصبح نقيباً والكل الآن يقدم له فروض الولاء والطاعة، الرجل كذلك مشغول في لم الريالات والدراهم بعد ألبومه الخليجى. وبالمناسبة ففي حفل بهيج بدار الأوبرا المصرية بالمسرح الكبير حيث ممنوع ارتداء الجلباب، غنى هانى مؤخراً مجموعة من أغانيه الخليجية. ولا أعرف لماذا في الأوبرا وليس في فندق خمس نجوم حتى يتمكن جمهوره الخليجى من الدخول بالثوب التقليدي ورمى النقطة والدراهم.

في أقل من شهر على منح الضبطية القضائية يمكن أن نشاهد كيف سيستغل هانى شاكر سلطته، فأول قراراته كانت قرار بمنع فرقة “ابن عربي” للموسيقي الأندلسية والصوفية من الغناء في مصر، وذلك بسبب على شكوى تقدم بها صاحب شركة لتنظيم الحفلات. بدلاً من أن تدافع النقابة عن أبنائها وعن الموسيقيين وعن تنوع المشهد لموسيقي فهى تقف مع رأس المال، وتصدر قرارات بالمنع دون تحقيقات حتى بل فقط شكوي يتقدم بها مواطن.

هذا الحرص الغريب من وزير العدل على آذان المصريين وحمايتها من الاسفاف، وعلى دعم حملة هانى شاكر في مواجهة ما يعتبره هانى انحطاط الذوق بمنع فرقة غناء موسيقي اندلسية من الغناء في مصر. لا يقابله مثلا أي جهد للحفاظ على صحة المصريين أو أرواحهم. لم يمنح الزند الضبطية القضائية لنقابة المهندسين مثلا أو لنقابة الأطباء. وإعلانات علاج البواسير والشرخ الشرجي تغرق المواصلات العامة وشاشات التليفزيون، وتروج للخرافات والأعشاب والمراهم السحرية التي تعالج الشرخ الشرجى بلمسة واحدة. حيث يباع الوهم لمرضي الشرخ الشرجي دون أن يتحرك مأمور الضبط القضائي هانى شاكر أو يتحمس وزير العدل لمنح تلك الضبطية لنقابات آخري. بل أن أحد دجالين العلاج الطبيعي والأعشاب والمحكوم عليه في قضايا نصب سابقاً قد أصبح عضواً في مجلس الشعب ويظهر على التلفزيون ليهدد الأمين العام للأمم المتحدة بالضرب.

لن يغير هذا المقال ولا المقال الذي سبقه شئياً من حقيقة الوضع، الذي يتجه نحو كوارث أكثر وتوسيع أكبر لسلطات مأموري الضبط القضائي لمراقبة الشعب وتربيته على طريقة هانى شاكر، بينما يتزايد عدد حالات مرضي الشرخ الشرجى دون نقيب يدافع عنهم. ربما السبب أن آذان المصريين وما يسمعونه ويشاهدونه يمثل خطورة على سلطة الزند وهانى شاكر، بينما صحتهم وبواسيرهم لا تهمهم ولا تهدهم بالقدر نفسه

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ