مخاطر مشي العشاق في شوارع القاهرة

في مناخ حار بنسبة رطوبة عالية في الصيف، يصبح الجو مع زحام القاهرة وسطاً مناسباً لنمو مظاهر الاستعراض العدائي، من قبل الذكور على وجه الخصوص. وهنا يكون تصاعد ظاهرة التحرش “العلني” بالإناث في المدينة العلامة البارزة في إطار استعراض موازين القوى في شوارعها، خصوصاً في السنوات الأخيرة.
هنتعامل ويتعامل طلع سلاحك متكامل” وهذا ما يمكن أن نطلق عليه عبارة “صباح الخير” في القاهرة، لا كمقطع من الأغنية الأكثر شعبيةً في شوارع المدينة، بل أيضاً كتوصيف لحالة “المعاملة”، حيث الخطر المحدق بك في كل لحظة هو كغول يتربص ظلك على الأرض. “تجيب ورا تصبح مرا…مالكش قيمة وسط البشرية”. وبمصطلحات لغة النقد الأدبي التي راجت لفترة في التسعينيات نصبح أمام معادلة مقلوبة أخرى حيث “ملكش قيمة وسط البشرية = مرا (امرأة)”.

“صباح الخير، هنا شوارع المدينة”، وقانون المعاملة الأول هو “امرأة” لا قيمة لها وسط البشرية، طبعاً إلا في حالة إذا تعاملت وأخرجت سلاحها متكاملاً. الدنيا غابة يا صاحبي!. ولأكثر من ثلاثة عقود، من المفارقة أن نلاحظ كيف تتحول وجهة المواضيع الرئيسية من الغناء الشعبي إلى الحديث عن الغرام أو الرزق والرضا بشكل مختلف تماماً عن زمن عدوية وحمدي باتشان، حيث نسق “خيانة الأصدقاء”، أو سرديات معارك “أبطال خارقين” “من أصحاب النخوة” تحمل دلالات “الأصول” و”الأخلاق” و”الاستعداد للدفاع والحماية” وصورة مغايرة للرجولة، بداية من “عزبة محسن” وحتى “المطرية”.

للتمكن من الحياة وسط هذه الغابة طورت الإناث في القاهرة تقنيات متنوعة من أجل اتباع استراتيجية التخفي تفادياً لأنظار وحوش الشارع الذكور. تسير الإناث في القاهرة بخطوات متسارعة، موجهن أنظارهنّ للأرض أو مصوبينها باتجاه نقطة خفية في الأمام. يتحاشين أي تواصل بالأعين أو ابتسام، أو أي انفعال في عضلات الوجه. ومع ذلك تهبط الكلمة لا محالة. يهمس بها شاب عابر بجوارها، أو عجوز جلوس بتكاسل أمام محله.

 

تتسبب القاهرة في الكثير من العوائق للعشاق، وتتحرك بعض المجريات لتخلق الخلافات والصراعات بين الأصحاب والأزواج. من تلك الكوابيس التي يخجل الذكور من الاعتراف بها لبعضهم البعض هي ذلك التوتر والضغط الذي يشعرون به عند مصاحبة أي صديقة أو أنثي تربطه بها أي علاقة للمشى في الشارع لأي سبب أو غرض.

في منطقة كوبري قصر النيل وعلى الكورنيش الممتدة من مبنى التلفزيون حتي جاردن سيتى، يستغل العشاق المساحات المفتوحة كنزهة مجانية، لكن مع ذلك يوظب رجال الأمن الشجعان وعيون الوطن الساهرة على مهاجمة أي زوجين، خصوصاً إذا كانوا شباباً أو مراهقين. تقتحم سلسلة من الابتزازات المساحة مستغلة حداثة سن العشاق والقواعد الاجتماعية السائدة. يسأل رجل الأمن عن البطاقة، ثم يبدأ بممارسة استعراض سلطاته، والتهديد باصطحابهما لمركز الشرطة “القسم” لتحرير محضر بفعل فاضح في الطريق العام.

هنا القاهرة! القبلة فعل فاضح في الطريق العام، أما التبول على الرصيف فـفك زنقة محصور.

إذا استثنينا أماكن رجال شرطة الأخلاق، ورقابة حراس الحدائق المنتشرين في كل الحدائق العامة (لدرجة أن حراس الأمن في حدائق القاهرة يزيد عددهم عن عدد العاملين في فلاحتها) إلي أين نذهب إذاً؟ إلي مكان يليق بأبناء “الطبقة الوسطى” أكثر ، سينما أو مول تجاري أو كافيه يقف على حراسته رجل أمن من القطاع الخاص وظيفته أن يختار زبائن المكان بناءاً على مظهرهم وقراءته لتصنيفهم الطبقي. يفرض الأمن قواعد أخلاقية صارمة. تمارس بعض المراكز الثقافية “المنفتحة” الضبط على لغة الجسد لدرجة أنك إذا حدث وصادفت صديقة لم تقابلها من زمان وتبادلتما السلام بقبلتين على الخد يمكنك أن تحصل على الكارت الأحمر من الساقية وطردك أنت وهي من المكان.

12440565_914416835309892_7966092972993783863_o
لوحة للفنانة المصرية رانيا فؤاد

 

 

تضغط كل هذه التفاصيل على جميع اختياراتك كعاشق وكإنسان في القاهرة. يتوقف الشاب العاشق “الليبرالي” لصديقته أمام فستانها القصير. يومئ برأسه أنه جميل، لكنهما سيمران من حقل الشارع خطوات قبل الوصول إلي المكان المعني. يطلب منها لفظياً أو يشير بإيماءاته إلي أن “الخروجة” تتضمن المشي في الشارع. هذا مؤشر متعارف للحاجة إلى وضع تحصينات وأغطية وشال أو أكثر.
بصحبة الأنثي يسير الذكر في حالة تربص ومراقبة. بدلاً من رؤيتها أو تبادل الحديث أو استكشاف الشارع. يسير الذكر متنمراً يراقب جميع من حوله، ينتظر كلمة من هنا، أو يصد بعينيه نظرة من هناك. وحينما تعبر مجموعة من الشباب بجوارهما، ويلقي أحدهم تعليق، يكتفي الذكر المصاحب لرفيقته بتصنّع الصمم. في أحسن الأحوال وفي أكثر من مرة شاهدتها: قد يلتفت “المتحرش” معلقاً على زي رفيقته، طالباً منها جزء قد انكشف من ملابسها في قيظ القاهرة.
بين التحرش في الشوارع وتلك السلطة الناعمة التي تخضع لها أي أنثى برفقة الذكر حينما يطلب منها لبس ملابس معينة، أو عدم التدخين في هذا المكان لأنه لا يتحمل نظرات من حوله له ولامرأة ترافقه. بين الذكورة الخشنة المنطلقة بلا قوانين أو قواعد في الشوارع، والذكورة الناعمة المستكينة للضغط الخارجي المتجنبة تعرض أحدهم للمرأة التي ترافقك تسير حياة إناث القاهرة، ومعها يزداد جحيم حياة الذكور بين إناث يرغبن في فرض حمايتهنّ وإناث يسعين لانتهاك حمايتهنّ.

 

578416_481666038524047_457594506_n
صورة تعود إلي السبيعنات ألتقطت في شوارع القاهرة- المصور مجهول

 

 

 

 

في جهل الذكور بأشيائهم ‏

نشأت في عائلة طبية بشكل كامل. الأب طبيب، الأخوة أطباء أو يدرسون الطب. الأعمام أطباء، والخال طبيب، كذلك يمتد الأمر إلي أبناء وبنات الأعمام والخال. تقريباً كنت الفاشل الوحيد الذي اختار في الجامعة دراسة غير علمية. كانت المعلومات الطبية جزء من الأحاديث اليومية والأسرية في العائلة. وعبر مسيرة الواحد كونت حصيلة بسيطة من القراءات والمعرفة عن جسدى وطريقة عمله. وحتى أيم قليلة كنت أظن أنى أعرف على الأقل أهم المعلومات الصحية وكيفية عمل أعضاء جسدى، حتى اكتشفت منذ أسبوعين مدى جهلي بالكثير عن أهم أعضاء جسدى.

داهمني منذ فترة ألم خفيف في منطقة الخصية، تحديداً الخصية اليسري. كان الألم خفيفاً لكنه مستمر، لم يصاحبه أي أعراض أخري. استمر الأمر لعدة أيام وفي النهاية قررت زيارة الطبيب. كانت المفاجأة الأولى حينما أخبرنى طبيب المعاينة الأولي والذي يكتب بعد ذلك التحويل إلي الطبيب المتخصص بأننى احتاج إلي طبيب مسالك بولية، وليس أمراض ذكورة. حيث أن أمراض الذكورة لا تتعلق إلا بعمليات الإخصاب والتأكد على قدرة الذكر أن يكون ديك قادر على التلقيح.

تشخيص الحالة كان دوالي في الخصية، لكن الحديث مع الطبيب وكمية البحث التي قمت به في رحلة العلاج، كشف لى عن عالم كامل من أمراض الذكورة والجهاز التناسلي لدى الذكور لا أعرف عنه أي شيء. معلوماتي بشكل أساسي كانت تقف حول الأمراض التناسلية المعدية وكيفية الوقاية منها، كل ما غير ذلك مغيب ومعمم. تبدى لى صرح الجهل والتعميم عن كل الأمراض المتعلقة بالعضو الذكوري، حينما جاء الطبيب على ذكر حامل الخصية، فانفجرت في الضحك حيث كنت أظنه خرافة بينما اتضح كونه أداة طبية مساعدة تستخدم في بعض الحالات.

** *

لا يتحدث الذكور في جلساتهم الخاصة عن شيء أكثر من حديثهم عن الجنس. حديث الذكور عن الجنس هو حديث المعارك والانتصارات والتباهى بالأوضاع والقدرة على الانتصاب لفترة طويلة وتأخير القذف السريع. لكن يخلو هذه الحديث من لحظات الضعف والاضطراب. تستمد الذكورة جوهر وجودها من العضو الذكري. وفي مصر كما معظم البلدان العربية حيث الذكورة مستفحلة ومسيطرة، لا يقبل الذكر الحديث أو التطرق لأى ضعف خصوصاً إذا كان الأمر يتعلق بمنبع ذكورته. وحيث أننا في عالم ومجتمع ذكوري كما علمتنى الكتابات النسوية، فذات القواعد تسير وتؤثر على الذكور أنفسهم وعلى برامج التوعية الصحية وتوجهاتها في المجتمع.

الطبيب أثناء حديثنا كان يكثر من ترديد جملتين أساسيتين بلا داعي. الأولى هي “لا مؤخذة” والثانية “مش عايزك تقلق أبداً، كل الرجالة عندهم الموضوع دا لكنهم لا يقولون”.

خلال الأسابيع الماضية بعد اكتشاف الإصابة وبدأ رحلة العلاج الدوائي، بدأت في فتح الأمر مع دوائر الذكور الأصدقاء المقربين، وكان مؤسف أن أجد الجهل بكل هذه المسائل مستفحلاً. وبينما نجد اللافتات والحملات الإعلامية والدعائية المجانية لفحص الثدي والتوعية بكل الأمراض الأنثوية التي قد تصيب النساء، لا نجد أي دعاية خاصة بأمراض الذكورة أو البروستاتا أو مشاكل دوالي الخصية. والتي تذكر الاحصائيات أنها منتشرة لدى أكثر من 40% من الراجل.

لقد صدمت من كمية القصص الغرائبية التي سمعتها من أصدقاء ذكور حول الجرائم والكوارث التي يرتكبونها في حق أعضائهم نتيجة غياب المعلومات والجهل بأساليب الفحص المختلفة. صديق حكى لى أن مرة بتجربة دوالي الخصية قبل ذلك، لكنه تجاهل الأمر واعتبر أن الألم الخفيف في الخصية دليل على نشاطه الجنسي وامتلاء خصيته بالحيوانات المنوية (نموذج بسيط لتوضيح كيف تتخيل الذكورة ذاتها)، وبالتالي فالعلاج الذي تفتق ذهنه عنه هو الإكثار من ممارسة الجنس، الأمر الذي أدى إلى تطور الأمر نتيجة زيادة معدلات ضخ الدماء في الشرايين والأوردة. حتى وصل الأمر لمرحلة لم يستطيع معه تحملها، وأصبح عائقاً لدى الاتصال الجنسي، حينها فقط ذهب متأخراً للطبيب بعدما استفحلت الحالة. صديق آخر عبر من تجربة الدوالي، ظل متحاملاً على الألم حتى ذات يوم كان يتبول في حمام عام مد يده يتحسس مكان الألم، وقرر لسبب ما أن يضغط عليه معتقداً أن ضغطه عنيفة قد تريح خصيتيه من الألم لكن بدلاً من ذلك انفجر ألم ضخم في كل جسمه، وشعر بدوار حتي أنه كاد أن يفقد وعيه.

في كل برامج وكتيبات التوعية الجنسية تركز على فعالية القصيب وخصوبة الرجل أو الجابة على أسئلة الذكور الغارقة في الفانتازيا حول كيفية تكبير القضيب أو الحصول على انتصاب دائم، لكن لا توجد أي إشارات أو تعليمات حول سبل صيانة ورعاية القضيب ومشتملاته. صديق ثالث حكي كيف أنه أثناء ممارسة الجنس، مارس وضع ما خاطئ حيث عوج قضيبه بشكل ما، شعر بألم مفاجئ وشاهد قضيب نافر في قضيبة وقد ظهر عليه أثر كدمة. شعر برعب ولم يعرف ماذا يفعل ومن خجله أجل زيارته للطبيب ولم يعرف من هو الطبيب المختص الذي عليه زيارته وبعد يومين تحت ضغوط أصدقائه ذهب للطبيب، لكنه مع ذلك ظل رافضاً أن يخلع أمام الطبيب وهو يحكى حينما لاحظ اندهاشي قال معلقاً (أصل احنا صعايده) والنتيجة بعد حديث وتفاوض مع الطبيب شخص حالته بأنها جلطة في القضيب، وأخبره أن الأمر بسيط ولا داعى لقلق. ضحكنا جميعاً على حكاية الصديق بعدما انتهى منها، لكن خمسة ذكور كانوا في الجلسة أعمارهم تمتد من أول الأربعينات حتي منتصف العشرينات لم يكونوا يعرفون أن هناك شيء اسمه جلطة في القضيب.

خمس أوهام عن الذكورة تحجب عنك المتعة

مثلما تعمل الروابط وقوانين الملكية والعلاقات الاجتماعية على ترسيخ مفاهيم للأنوثة بصفتها قرينة للضعف، أو الجوهرة التي تحتاج إلي صيانة. فذات القوانين تعمل على إرساء قوانين مشابهه في عالم الذكور.

من الوسائط الإعلامية والفنية المختلفة على أساليب التربية في العائلة والمدرسة، ترسخ الممارسات العنيفة  واستعراضات القوة كسمة أساسية من سمات “الدكر” وفي عالم الأولاد المراهقين فأى تخلى عن طقوس الذكورة المبكرة معناه انتقاص لهذه الذكورة. وبينما لا يعيب المجتمع على الأنثي إخفاء أنوثتها، بل يطالبها أحياناً بذلك، فإخفاء الذكر لذكورته أو تنكره لممارستها وصورها الاجتماعية يعتبر إنتقاص لا يقبل التعويض.

بسبب هذه الأنماط، فهناك مجموعة متنوعة وغرائبية من أوهام الذكورة تسيطر على قطاع كبير من الذكور العرب، وتحكم أدائهم في العملية الجنسية، ونظرتهم للجنس. التقرير التالي مجموعة من النصائح جمعناها من ذكور مختلفين حول أوهام الذكورة التي أعاقت لسنوات استمتاعهم بالجنس:

-نعم حجم القضيب يصنع فرقاً، كذلك حجم كرشك.

ستظل جميع المواقع الطبية تنصحك وتؤكد أن حجم القضيب لا يشكل فرقاً في استمتاع المرأة، والمهم هو القدرة على الانتصاب. لم يكذبوا عليك، لكنهم لم يحددوا ما هو تعريف “استمتاع المرأة”.

حجم القضيب يصنع فرقاً بالتأكيد، القصيب المختون يختلف عن الغير مختون، طول ومحيط القضيب يختلف من رجل إلي آخر، مثلما يختلف حجم كرشك عن حجم كرش من يجلس جوارك. ستقابل سيدات لن يحببن حجم كرشك، وأخريات سيروا أنه كرش جذاب، آخريات لن يهتموا بكرشك وسيفضلون أن ينظروا لروحك.

ذات القيم والمعايير تنطبق على ما يتعلق بحجم القضيب. المسألة في النهاية تعود لتفضيلات المرأة. بعضن النساء قد يثيرهن حجم القضيب الكبير، آخريات سيشكون من الألم الناتج عن الحجم المبالغ فيه. آخريات لن يهتممن بحجم القضيب مفضلات أن يجيد الرجل الجنس الفموي. العالم مكان محير ومليء بالاختيارات ويفتقد للضمانات بما فيها حتى ضمانة القضيب الكبير.

غلاف مجلة من تصميم : Bruce Minney
غلاف مجلة من تصميم : Bruce Minney

-الجنس الفموى ليس انتقاصاً لقدراتك

على الرغم من الصورة الفجة التي تقدم فيها المنتجات البورنوجرافية تعامل الذكور مع الجنس. إلا أن في مجتمعاتنا العربية وفي بيئة يمتزج فيها تحقير الجسد الأنثوى مع الرغبة في امتلاكه واستخدامها تنمو الكثير من العقد منها على سبيل المثال رفض قطاعات من الذكور لممارسة الجنس الفموى، لأسباب متنوعة تبدأ من شعورهم بالقرف من الكس أو حتى رفض أكلها لأسباب دينية مختلفة. الرومان كذلك كانوا لا يحبون الجنس الفموى لأنهم يرون في الفم منبع الكلمة التي يكتسب بها المواطن الرومانى الحر حقه كمواطن في الإمبراطورية.

لكنك لست رومانياً عزيزي، وليس من العدل أن تستقبل الجنس الفموى من شريك وترفض اعطاءه في ذات الوقت. الأهم من ذلك في بعض الحالات لن تصل شريكتك للنشوة بالجنس العادى، وستفضل بعضهن استقبال شفاهك بدل من قضيبك، وهذا لا يعنى احتقار لقدراتك الانتصابية.

 

-الأصابع لن تسلبك شرفك

مثلما ترغب في اكتشاف جسد شريكك أو شريكاتك فهى كذلك ترغب في المثل. وبينما تسرح أصابعك في كل فتحات جسدها، لا يمكنك أن تعيق تقدم أصابعها نحو فتحتك الوحيدة إذا رغبت. الجنس، والإيلاج ليس عملية مهينة ولا تسلبك شرفك على عكس ما يقال في الشتائم الشعبية. بل أحياناً تكون باب لمتع لم تفكر فيها، ونافذة على تغييرات داخلية قد تقودك لمعرفة ذاتك أكثر.

 

-المثلية ليست مرضاً ينتقل بالعدوي

لديك الحق دائماً في اختيار أصدقاءك ومن ترغب في الخروج أو تمضية الوقت عليهم. لكن الشبكات الاجتماعية تفرض عليك أحياناً الالتقاء بآخرين مختلفين الميول والتوجهات. وأحياناً لا يخجلون من اظهار اختلافهم.

الذكور الناعمين أو الذين يهتمون بجسدهم بشكل بعيد عن المواصفات الذكورية السائدة من تربية للعضلات، ليسوا شرطاً أن يكونوا مثليين. وإن كانوا كذلك فالسلام عليهم أو مصافحتهم لن يتسبب في انتقال عدوى المثالية إليك. ولن يسلبك جزء من ذكورتك، أو يجعل السيدات ينظرن إليك كذكر غير مرغوب أو مرحب به في دائرة اهتمامهن.

 

-تبديل الأدوار في اللعبة أمر صحي

ليس هناك حالة ثابتة، أو هوية للميول الجنسية يمكن حملها للأبد. ميولك الأمس ستصبح ممارسات مملة وغير محفزة لبذور الرغبة اليوم. وأحلام اليوم ليست هي ما حققته الأمس.

لا تلتزم بدور محدد، ليس شرطاً أن تكون دائماً في الأعلى، وليس شرطا أن تكون دائماً من يصفع الأرداف أو الخدود. قليل من الصفعات منها أيضاً لن تهز صورتك كدكر أمامها. في الألعاب التخيلية والفانتازيات الجنسية تخلى عن التصورات المفروض عليك حول ذكوريتك وحول ما يجب أن تفعله وما لا تفعله

Alex Gross لوحة بعنوان الاستسلام
Alex Gross لوحة بعنوان الاستسلام

مع بلال فضل -الحلقة الأولى من عصير الكتب

في ضيافة كبيرة، على مدى أكثر من ساعة ظهرت مع بلال فضل في برنامجه البديع “عصير الكتب” تقريباً هذا أول لقاء تلفزيونى أجريه منذ خروجى من السجن، وأجمل لقاء عملته، الحوار مع بلال دائما متعة ومليء بالنكات والقفشات. شكرا بلال على هذه الفرصة، وأتمنى أكون كنت ضيف خفيف على جمهور البرنامج

موسيقي الراب العربي والفلوس

مصر من الأحلام الكبيرة إلي الإعلانات والتنمية البشرية.

في بداية عام 2013 كانت الفوضى الخلاقة في أبدع صورها. الإخوان في السُلطةِ ومرسي يصدر أغرب الأصوات والقرارات والإعلانات الدستورية مُتقمصاً دور الديكتاتور المجنون. الشارع يموج بالمظاهرات والحركات السرية والعلنية، الخدمات العامة متهالكة، الكهرباء تنقطع لساعات طويلة. الجميع ضد الجميع وأنا أحاول استعادة عافيتى بعد شهرين قضيتهم في الفراش نتيجة لخضوعى لعملية جراحية. في مثل هذه الظروف قابلت هشام أو كما يعرفه الجميع “سفنكس” القائد والعقل المدبر لفريق “أرابيان نايتز (فرسان العرب)”. لم يكن اللقاء الأول لكنهم كانوا قد أصدروا اسطوانتهم التى حملت اسم   Uknighted State of Arabi في تلاعب لفظى يجمع بين كلمتى الاتحاد والفرسان لتكون النتيجة “الولايات المتحدة العربية”.

اندهشت أن يختار فنانى “رابرز” مصريين في لحظة عشوائية كتلك أن ينتجوا ألبوم يدعو للوحدة العربية. اذكروا أن المناقشة بينى وبين “سفنكس” احتدت وأنا أسئلة ما المقصود بالولايات العربية فحكى لى حلمه أن تتحد الدول العربية لتصبح مثل الولايات الأمريكية لكن تصبح الولايات المتحدة العربية. حينما سألته وما الفائدة من هذا؟

ردد خطاباً عن القوى والعظمة وهلاوس شوفينية آخري كل هذا الحديث كان بالانجليزية، لأنه ولد وعاش معظم حياته في الولايات المتحدة الأمريكية حتى جاء إلي مصر شاباً حيث ألتقي بمعظم أعضاء الفريق وشكلوا فريق فرسان العرب عام 2005 وبالتالى فقدرته على التعبير بالانجليزية أفضل كثيراً من عربيته. بدا لى سفنكس كواحدة من حالات اضطراب الهوية لدى أجيال المهاجرين العرب. يحلم بإتحاد فيدرالى عربي قومى لكى تكون قوة عظمى رداً على وطنه الأمريكى القوى العظمى التى بالتأكيد همشته بسبب أصوله العرقية والعربية.

10731106_10152854933824185_3991236700209815882_n
أرابيان نايتس.. أثناء أداء حى في واحدة من حفلاتهم

في هذه السنوات شاهدنا آلاف مثل هؤلاء كانوا يأتون من أوروبا وأمريكا ليساعدوا في بناء مصر بعد الثورة من خلال مشاريع تنموية مغرقة في استشراقها، ومع أول فشل لمشروعهم لتدوير المخلفات، أو استخدام الطاقة الشمسية لإضاءة العشوائيات، يصابون بالاكتئاب ويغرقون في حزن وجودى على بلدهم الأم الذي لم يستطيعوا استعادة الأوصار معه.

سفنكس كان مغترباً بشكل كامل، مغترب عن السياق السياسي لمصر والمنطقة، ومغترب عن السياق الفنى. لكن لديه عزيمة وإصرار كبير، وقدرة على إنشاء شبكات من العلاقات الاجتماعية فائقة التنظيم. فمن فريقه “أرابيان نايتز” خرج تحالف “أراب ليج” وهو تحالف يضم عشرات من فنانى الراب في مختلف الدول العربية، سمح التحالف بخروج أغانى هيب هوب يتعاون فيها فنانين راب من لبنان مع آخرين مع تونس، ومن مصر مع السعودية، وجميعهم قدموا ما يشبه أوبريت “هيب هوب” بدا كمحاكاة بموسيقي الهيب هوب لأوبريتات الوحدة العربية، التى كان يقدمها اللواء محمد عبد الوهاب في الزمن الذهبي للبروبجندا القومية الناصرية.

من تحالف “أراب ليج” خرج تحالف أوسع وهو تحالف نجوم العرب “آراب أول استار” والذي ضم مصوريين، فنانى جرافيتى، مصممى ملابس، منتجى موسيقي، كتاب، صحفيين، شباب من مختلف الطبقات والجنسيات تجمعهم ثقافة الهيب هوب والهالة الفنية التى صاغها “سنفكس” لفريق الأرابيان نايتز.

عرفت الساحة الموسيقية العربية الهيب هوب منذ التسعينات، كان هناك محاولات فردية تظهر وتختفي سريعا، تجارب خافتة لم يستطع أصحابها الاستمرار. عالم الموسيقي التجارية لم يكن يتقبلهم، ولم يكن لديهم موقع في عالم صناعة الموسيقي الشعبية والأفراح وحفلات الشارع. المناخ كان جافاً جداً والأرض يابسة. لا مسارح مفتوحة، ولا وسائط لتوزيع المنتج الموسيقي إلا عبر شركات الانتاج. وكلها لم تتقبل الهيب هوب العربي، وفي أحسن الأحوال اعتبرته حلية موسيقية وسط أغانى زمن الفيديوكليب العاطفية. الاستثناء الوحيد كان تجربة فريق “MTM” بألبومهم الغنائي “أمى مسافرة”(2003) حقق الألبوم نجاحاً تجارياً معقولاً، سحب الهيب هوب إلي منطقة الغناء الكوميدي وقدمه كجزء من ثقافة “الروشنة” لهذه الفترة.

8548769641497707679
فريق MTM

لكن لم تكتمل تجربة الفريق، ففي ظل غياب المسارح الغنائية أو تنظيم الحفلات الموسيقية تظل الأفراح أو الغناء في صالات الفنادق الفخمة هو مصدر الدخل الرئيسي لمعظم العاملين في صناعة الموسيقي. وفي ذلك الزمن لم يكن أحدهم ليستدعى فريق “هيب هوب” عربي ليغنى في فرحه، وصالات الفنادق لم تكن تسمح بدخول هذا النوع من الموسيقي.

في هذا السياق لم يكن”آرابيان نايتز” مجرد تجربة موسيقية، بل نواة تأسيسية لعائلة الهيب هوب العربي. فطموح وتخطيط “سفنكس” لم يتوقف عند الغناء وإصدار ألبوم بل بناء قاعدة جماهيرية لثقافة وموسيقي الهيب هوب، فالفريق يكبر ليصبح عائلة والعائلة تتمدد لتشمل “الوطن العربي الأكبر”. تحقق حلم سفنكس بوحدة “الهيب هوب” العربي، لكن لم يدم الحلم طويلاً، فكعادة تجارب الفرق الموسيقية انفجرت الخلافات بعد فترة وتنوعت التوجهات، وظهر التباين في مستوى النجوم.

سنوات ما بعد 2011 هى “أيام المجد” للهيب هوب العربي. الايقاع اللاهث المتلاحق للأحداث السياسية لم يكن هناك ما هو مناسب للتعبير عنه مثل “الهيب هوب”. قبل 2011 كانت الفرق الهيب هوب الفلسطنية واللبنانية مثل “كتيبة5” وغيرها هم من يحتكرون الخطاب السياسي الذي كان يركز على حياة المخيمات والأبعاد المختلفة للقضية الفلسطينية، طبعا مع الحفاظ على المحظورات الفلسطينية التاريخية فحتى الآن يستحل ويندر أن نجد في أغانى الهيب هوب الفلسطينية انتقاد للقيادات السياسية أو الفصائل المتنازعة. لكن مع هبوب رياح الربيع العربي سقط هذا الحاجز، كان “الهيب هوب ” العربي في صدارة ما يعرف بموسيقي الثورة.

أغانى مثل البوليسية كلاب في تونس أو الثورة مستمرة في مصر لم تكن جزء من الإيقاع الموسيقي لزمن الثورات، بل مثلت في حد ذاتها ثورة على الحدود المتعارف عليها في الموسيقي العربية سواء من جهة مباشرة الرسائل السياسية وعنفها، أو على مستوى اللغة التى لم تعد تجد حرجاً في استخدام الكلمات المنبوذة أو الموسومة بخدش الحياء.

منح الربيع العربي للهيب الهوب الحرية، لا في استخدام الكلمات والرسائل السياسية والاجتماعية العنيفة، بل حرية اختراق المجال العام والسوق التجاري. أصبحت هناك مساحات مختلفة تستوعب هذا الحراك وموسيقي الشباب، أصبح بإمكان مغنى الراب والهيب اعتلاء المسارح التى تكاثرت لتشكل ركن أساسي في منظومة اقتصادية تساعد على توسع قاعدة انتاج موسيقي الهيب هوب.

أتذكر في وسط البلد كان هناك “جراج” للسيارات مقابل لأتيلية القاهرة، ذات يوم أغلق الجراج ولم يستقبل أى سيارات، وعلى عجل تم دهن جدرانه بعشرات من رسومات الجرافيتى المتنوعة، ونصبت بين عمودين خشبة مسرح بإمكانيات بسيطة وتوافد الشباب بالمئات من كل أنحاء القاهرة ليحضروا واحدة من أشرس حفلات الهيب هوب المصري. في تلك الحفلة كانت الأغانى تنادى بإسقاط الحكم العسكري، وتتوعد المشير طنطاوى بمصير مثل مصير القذافي.

ثقافة عصابات الساحل الغربي التى شكلت موسيقي “الهيب الهوب” العالمية في الثمانيات والتسعينات  انتقلت إلي العالم العربي لتشكل عصابات مُنخرطة في نشاط ثورى أكثر عنفاً من أنشطة لوس انجلوس. كان الشرطة التونسية هى الأعنف في ردها على موجه “الهيب هوب” الصاعدة، بينما تم تركيع وتطويع الهيب هوب المصري بالمال والإعلانات وبقوانين الصناعة الفنية.

ظهر التباين سريعاً بين نوعين من أغانى الراب، قامت مؤسسة الانتاج الموسيقي بتدجين موسيقي الراب سريعاً، ففي ذلك الوقت كانت –ولا تزال- شركات الاعلانات وشركات المحمول هى المنتج والموزع الأكبر للموسيقي وفرضت تلك الشركات حدودها على موسيقي الراب فلم تقبل إلا بالراب الايجابي، الذي يتحدث عن الحب، السلام، البالية، التنمية البشرية، الحلم، السعادة، بكرة أحسن. سارعت بعض فرق موسيقي الراب والمغنين إلي ركوب تلك الموجة مثل شادى الحسينى، فريق أسفلت، أو مغنى راب التنمية البشرية زاب ثروت.

من لم يدخلوا لجنة الإعلانات، عاشوا اعتماداً على عائدات اليوتيوب الشحيحة والفرص العابرة لتحقيق أى عائد من الموسيقي والأغانى التى ينتجونها، لكنهم على الأقل احتفظوا بحريتهم في تقديم ما يرودنه مكنتهم هذا الحرية من الاستمرار كجزء من الحراك الثوري فعنى أم.سي أمين عن الخرفان منتقداً مرسي، ثم استمر معلنا الموجة الرابعة بأغنية مبروك عليك يا سيسي.


منحت الحرية كذلك ام.سي أمين القدرة على الانفتاح على أنواع موسيقية آخري منبوذة مثل الهيب الهوب ومحاولة الخروج بتجارب موسيقية جديدة، بينما كان زاب ثروت يقبل أن يكون بغبان يملأ الفراغات الموسيقية مع موسيقي الروك لفريق كايروكى، وشادى الحسينى الذي بدأ كفارس مع “أرابيان نايتز” يتحول لاكسسوار في ملابس تامر حسنى، فقد انطلق أمين محاولاً مزج موسيقي الهيب الهوب بموسيقي المهرجانات مقدماً ما عرف بالرابجية، ليقدم مع نجوم المهرجانات السادات العالمى وعلاء فيفتى عدد من الأغانى الناجحة مزجت بين الراب وموسيقي المهرجان الشعبية. أكدت السادات في تلك الأغنية أنهم “ملوك الأغنية الشعبية/  بنطلعها بلاش لولاد بلادنا الشعبية“، أما أمين فقد تمسك بأن حتى الرابجية ثورين ولديهم قضية. تمكنت موسيقي المهرجانات من الاستمرار لأن لديهم منظومتها الاقتصادية القائمة على حفلات الأفراح وليالى الحظ، وافلام السابقة، حتى وصلت لفرض نفسها على شركات الإعلانات. أما موسيقي الراب الثورية مثل أعمال أم.سي أمين فما أن غنى الموجة الرابعة محذراً السيسي من الموجة القادمة، حتى بدأت مياة الراب الثورى في مصر في الانحسار والتراجع.

على طالباب يدخن المعسل على مقهى في القاهرة
على طالباب يدخن المعسل على مقهى في القاهرة

أعلن على طالباب أبرز الأصوات الثورية بعد 2011 عن اعتزاله/ توقفه في 2015 الغناء، عاد بألبوم واحد “وحوش بدون أسامى” في 2017 من أربع أغانى قائلا مش هتمدوا ايدكوا على فلوسنا … “ممكن أحس بالتواضع/ امسك سلاح واحارب/ اقتل أو اتقتل/ ما الدولة لسه قايمة/ خليها مرة تحاسب/ ممكن أحس بالأغانى تانى/ أو صديق يتحبس بين الحيطان/ ممكن أرجع تانى” لكن على لم يعود بل سافر لاستكمال دراسة الماجستير في الخارج.

وضع الراب وموسيقي الهيب هوب في مصر يبدو أدق تمثيل للخيارات المتاحة والموضوعة أمام جيل شباب ثورة يناير ومن تبعهم. فالحالمون الذي كان يتبعهم صوت الكمان مثل على طالباب اضطروا للانزواء أو الخروج من الدائرة الخانقة في البلاد. وحتى من هم أكثر عنداً مثل “ام.سي. أمين” فقد انطفأت الأضواء من حولهم ومر العمر ووجدوا أنفسهم يكبرون وتكبلهم المسئوليات الاجتماعية، يحاولون البحث عن مكان لهم وسط إعلانات راب المشروبات الغذائية التى تكذب على المستمعين وتعدهم بغد أفضل لمجرد أن يتمسكوا بحلمهم بينما البيادة العسكرية تدهس رقبته.

الراب المصري الذي تمكن من الاستمرار هو من تمكنوا من الاندماج في المنظومة الاعلانية، أصبحوا يكتبون أغانى عن الشيبسي وكريم الشعر، زاب ثروت حالة أكثر ذكاءاً لم ينحدر لمستوى إعلانات البطاطس بل اكتفي بإعلانات برامج القروض الشبابية للبنوك، أو المشروبات الغذائية وعثر على ضالته مؤخراً في بيع الهوا للمؤسسات الدولية ومؤسسات المجتمع المدنى من خلال الحصول على تمويلهم لإنتاج أغانى يفترض أنها تحارب الهجرة غير الشرعية. مما يفتح له الباب ليغنى في حفلات موسيقية تحرسها الشرطة ويحضرها مسئولين الدولة، وتقربه أكثر فأكثر من القضايا التى يحبها الأوروبيون ويفضلون توجيه أموال المشاريع الفنية والثقافية لدعمها اعتقاداً منهم أن ذلك النوع من الأغانى الدعائية قد يساهم في التنمية.

بين خيار السفر الذي اتخذه على طالباب أو الغناء ضد السفر والهجرة لخدمة الأنظمة الحاكمة والمسيطرة الذي اتخذه زاب ثروت، يبدو هناك خيار ثالث. عالم كامل ممتلئ بمغنى الراب المصريين الشباب الذين يشكلون الموجة الجديدة التى ظهرت تحت حكم السيسي. هؤلاء لا يقتربون من الغناء السياسي ليس خوفاً من البطش الأمنى بل لأن العدمية هى الهواء الذي يتنفسوه، ولأنهم بدلاً من مقاومة الاحباط الذي خلقه المناخ السياسي والاقتصادى في البلاد قرروا الغرق في هذا الإحباط وتشربه. وبينما كانت أجيال الراب المصرية السابقة متأثرة بتجارب د.دراي Dr.Dre وفرق ومغنى الساحل الغرب الأمريكى مثل “توباك 2Pac” أو فريق N.W.A بأغانيهم التى تهاجم الشرطة وسلطة الرجل الأبيض. فأجيال الراب التى خرجت في زمن السيسي أكثر تأثراً بموسيقي وأساليب مغنين الساحل الشرقي الأمريكى بداية من كينى ويست Kanye West وحتى ليل وين Lil Wayne ناهيك عن داريك DRAKE  الذي يبدأ معظم مغنى الراب المصري الجدد في استنساخ تقنياته الغنائية قبل أن يصلوا لاسلوبهم.

يبدو التناقض بين الموجتين أوضح ما يكون حينما نستمع إلي تعليقات وحوارات أم.سي أمين وسفنكس عن “الراب الهادف”، بينما نجم الموجة الجديدة من الراب المصري “أبويوسف” يقدم نفسه تحت لقب “ملك الراب التافه”.

بينما كان “سفنكس” يحلم ويغنى للولايات العربية المتحدة، وأم.سي أمين يهدد السيسي بالموجة الثورية الرابعة، فأبويوسف يؤكد أن “الأغنية مش ممكن تغيّر مجتمع الصراحة.” ويري أن التغيير أو التأثير ليس دور الأغنية بل تكفي المتعة، في حواره مع معن أبو طالب محرر معازف يشبه أغنية الراب بالشيكولاتا وظيفتها أن تبسطك عند أكلها بغض النظر أنها ليست مفيدة.

لكن بدلاً من الانبساط فعالم “الساوند كلاود” المصري يمتلئ بالذوات المتضخمة التى تتصارع مع بعضها البعض. يتغذي مغنوا الراب المصري على مهاجمة بعضهم البعض من خلال الأغانى وهو تقليد معروف في تراث الراب عالميا، لكن بينما تقام مثل هذه المعارك في جراجات السيارات والمساحات المهجورة حيث يتباري مغنيوا الراب ويتنافسون في قدرتهم في الحفاظ على الايقاع تدوار معارك الراب المصري على منصات “ساوند كلاود” و “يوتيوب”. وبدلاً من المواجهة وجهاً لوجه، يدخل كل مغنى راب إلي الدولاب ليصنع بيئة عازلة للصوت ويرص قصيدة الهجاء الطويل في حروب مغنى الراب الكلامية من خلف الشاشات

ذهب الملك أو حديد السجن خيارات الراب المغربي

طاردت الشرطة التونسية مغنى الراب التونسي بمثابرة طوال أعوام 2011 و 2012. اعتقلتهم، ضربتهم، قاطعت وأفسدت حفلاتهم الموسيقي، القضاء التونسي أصدر في حقهم أحكام أحياناً تتجاوز العامين بالسجن. قضى مغنى الراب التونسي مثل “كلاي .بي” أو “ولد الكانز” سنوات ما بعد الربيع العربي مطاردين من الشرطة، يتخفون ويتنقلون من مدينة لمدينة.

حرب الشرطة التونسية على مغنى الراب لم تكن بسبب المعركة السياسية بين الطرفين فقط، بل سببها أن موسيقي الراب ثارت حتى علي القيم الاجتماعية المتعارف عليها. بعض مغنيوا الراب التونسي في تلك المرحلة كانوا أحياناً يخفون شخصياتهم لأنهم يغنون عن الزطلة (الحشيش بالدارجة التونسية)، وما يريدونه  ليس شرطاً أن يكون تغيير نظام الحكم أو مقاومة النظام العالمى أحياناً كل ما يريدونه قد يكون “سيب اللعبة” وحرية تدخين الحشيش.

في هذا الوقت كان مغنى الراب المصري يتقدمون الصفوف سريعاً، يظهرون في إعلانات شركات المحمول، تذيع القنوات التلفزيونية أغانيهم الثورية، ثم سريعا مع تغيير البوصلة السياسية واستقرار نظام السيسي انتهت كل هذه المساخر. لم يعد مسموحاً في مصر إلا بالراب الأخلاقي القائم على قيم التنمية البشرية، أما السياسية فلم يعد مسموحاً إلا بالقضايا السياسية تحت رعاية المنظمات الدولية كأن تغنى للهجرة غير الشرعية لمنظمة اليونسيف.

عاد الراب المصري سريعاً إلي المنتديات، والجحور السرية على موقع “ساوند كلاود”. والآن إذا أردت أن تستمع لراب مصري مختلف فليس أمامك سوى عالم راب “الساوند كلاود”. صحيح أنه راب مختلف، لكن فقره وعشوائية التجارب ظاهرة بشكل جلى، فمستوى التسجيل والإنتاج الصوتى أقل من راب التنمية البشرية والإعلانات، لكن في المقابل منحة حرية أكبر على مستوى المواضيع وطاقة التعبير واختيار الكلمات، لكن دون وجود قاعدة إنتاج تدعم الفنان تظل حتى التجارب المميزة لا تأخذ مساحتها، ويظل إنتاج المزيد من الأغانى لفنان راب الساوند كلاود عرضه لظروفه المادية والشخصية.

رغم الإعلانات والفيديو كليبات التى تغرق يوتيوب لراب التنمية البشرية، فراب الساوند كلاود يتوغل وينتشر ويصنع قاعدة في العالم السري لمحبي الراب. وربما من أكثر المشاهد والفيديوهات الدالة على العالم السري لراب الساوند كلاود هى تلك المعارك التى تنشب أحياناً بين مغنى الراب حيث تطور إلي تحدي ينتهى بلقاء في مكان ما على أرض الواقع، ينتشر موعد ومكان المعركة في الدوائر السرية للراب فيجتمع مستمعى ومحبي الراب يظهر المغنيان، يتقدم واحد من الجمهور يضم قبضتى يده على فمه ليصنع بأصوات الفم إيقاع (بيت بوكس…) وعلى ذلك الإيقاع تندلع المعركة بين كلا المغنين والمنتصر هو من يحافظ على الايقاع (البيت…) بينما رص الكلام معرياً الآخر. من أشهر تلك المعارك هى تلك التى نشبت بين “أبويوسف” و “عفروتو”.

في ظل غياب الفضاء العام، تقام معارك الراب في حدائق مهجورة أو على أطراف الأحياء السكنية، وبينما تكون الأعصاب مشدودة والآذان مشدوهة مع إيقاع الموسيقي والكلمات فالأعين تراقب الأجواء المحيطة حيث أحياناً ما تظهر الشرطة ليجري الجميع منصرفين، هرباً من مصير لا يمكن التنبؤ به إذا تم الامساك بأحدهم.

هذا الوضع المنبوذ والمطارد للهيب هوب في مصر يختلف  عن وضع الراب في بقية الدول العربية، فكما نعلم مصر ليست مثل تونس أو السعودية. معارك الراب التى تقام في أماكن مهجورة خوفاً من مداهمات الشرطة، تقام في لبنان في الساحات العامة وسط حضور بالمئات متنوع من الجنسين.

بينما انطلقت ثورات الربيع العربي في مصر وتونس في وقت متزامن من عام 2011، فلا شيء يعكس التفاوت الكبير بين مسار كلا البلدين سوى وضع الراب وموسيقي الهيب هوب في البلدين. فمغنى الراب الذين كانوا منبوذين في عام 2011 في تونس ومطاردين من الشرطة أصبحوا يحتلون المرتبة الأولى على مواقع توزيع الموسيقي في تونس ودول المغرب العربي، هم نجوم يظهرون باستمرار في التلفاز، جزء من إقتصاد الانتاج الفنى، وأسسوا لقواعد متينة لثقافة واقتصاد الراب.

المغرب كانت الأكثر احتفالاً بالراب منذ ظهوره في التسعينات، وقبل حتى إنتشار الانترنت ظهرت من مدينة سلا فرق الراب التى تغنى بالفرنسية، وفي بداية الألفية ظهر الرابر المغربي الذي عرف باسم “عود الليل”. فتحت الإذاعات للراب المغربي، وساهم الانترنت في إتساع دائرته. وعلى عكس بقية الأنظمة العربية التى سعت لمحارب الراب فالنظام المغربي افسح مجالاً على منصة الفنانون الرسمية للدولة للراب المغربي. الملك شخصياً عبر عن رضاه وكرم عدد من مغنى الراب بأوسمة ملكية تقديراً لتميزهم وجهودهم الفنية أبرزهم مغنى الراب المغربي “مسلم”.

maxresdefault
بوستر لمسلم مغنى الراب المغربي

جنة الملك المغربي لا تتسع للجميع، فقد دعم النظام المغربي تيار محدد من الراب المغربي، ومغنى الراب الشاطر هو من استغل هذه الفجوة التى سمح بها الملك ليتحول من مغنى راب الشباب إلى راب القصور. فمسلم الذي بدأ مشواره وهو ينتقد الأوضاع الطبقية والفروقات بين سكان القصور وسكان القبور في المغرب “المغرب غابة بسور/ ومور السور كاينة بحور/ تطفي فيها النور/ تحفروا فيها قبور/ قبل السور كاينة قصور/ فيها زهور/ فيها عطور/ فيها الحور/ تسكب في الكيسان خمور”. تحول لأغانى تنتقد الأحزاب السياسية، الديموقراطية، الانتخابات، والارهاب. وحينما انطلقت مؤخراً في المغرب حملة شعبية لمقاطعة السلع الغالية كالحليب وبعض المنتجات الغذائية، رفض الاشتراك في الحملة أو مهاجمة احتكار الشركات وسجل فيديو يقول فيه ما معناه “أنا رجل المهام الصعبة، لا يمكن أن اتورط في معارك المقاطعة، بل انتظر معركة أعمق وأشرس”.

المعارك الأشرس يقوده من السجون مغنيوا الراب المغربي من السجون، مثل “الحاقد”  الذي سجن لمدة عام بسبب المحتوى السياسي لأغانيه، وهناك مستر كريزى ذو السبعة عشر عاما الذي سجن لمدة ثلاثة شهور في سجن القاصرين بسبب محتوى أغانيه حيث تم اتهامه بإهانة مؤسسات الدولة والتحريض على تناول المخدرات.

لكن بعيداً عن الجدل السياسي والصدام مع السلطة، فالراب المغربي والتونسي ينمو اقتصاديا بثبات، ومعه تتسع قاعدة الجمهور وتجبر صناعة الموسيقي والترفيه على إتاحة مجال له في المشهد.   وينجح الكثير منهم في الحصول على تقدير السلطة والجمهور. فمسلم مغنى الراب المغربي حصل من ملك المغرب على وسام المكافأة الوطنية من درجة فارس، وأغانى كلاى من تونس يتجاوز عدد مرات استماعها عشرات الملايين سواء على موقع يوتيوب أو منصة أنغامى، أما في لبنان فحفلات الراب جزء من إيقاع المدينة، وعلى عكس مؤسسات الانتاج الثقافي المستقلة التى تنبذ الراب في مصر فمؤسسات تمويل ودعم الانتاج الفنى والموسيقي في بيروت تحتضن أعمال معنى الراب المصري الذين يجدون صعوبة في المنافسة مع ملكات السيلكون اللواتى يتصدرن المشهد الفنى في لبنان. أما مغنى الراب في مصر فليس لهم إلا الساوند كلاود أو التسول أمام عتبات وكالات الاعلان.

مهما كان تمرد مغنى ومؤدى الراب، فقواعد الإنتاج الفنى والشروط الاقتصادية لسوق الموسيقي تفرض قيمها على محتوى ما يغنيه. لذا فبينما زاب ثروت يغنى أغنية مدعومة من المعونة الأمريكية، صندوق مكافحة الهجرة غير الشرعية، السفارة النرويجية، ومنظمة اليونسيف عن الهجرة غير الشرعية –لا أعرف ما هى علاقة اليونسيف بالهجرة- ويردد فيها منشورات الدعاية الحكومية قائلاً: “يا فارس دا انتحار/ ازاى لنفسك تبرر/ أهوال هتعديها ازاى في مركب صيد”. نجد كلاي من تونس تحتل أغنيته المرتبة الأولى بعدد مرات مشاهدة واستماع تتجاوز الـ 15 مليون مشاهدة على يوتيوب فقط وبلا دعم أو تمويل من أى جهة حكومية يرد على أكاذيب زاب ثروت قائلاً: “ماشى نعوض عمرى اللى خسرته في بلادى/ ماشى نجيب اليورو ونفرح أخواتى…./ نمشى لبلاد الروم هايم/ وحدى في الغربة نعيش/ خليت لأمى حيرانة/ اتفكرت ولاد حموتى/ أهلى وأحبابي وجيرانى/ وحشة ما تفارق نومتى

لا أكاذيب في الراب التونسي، ولا داعى لتلبس خطاب السلطة وترديد جمل من نوع “بكرة هيبقي أحسن” على طريقة أسفلت، وأحمد مكى، وزاب ثروت. بل إيقاعات موسيقية أصيلة وكلمات قوية لا تخشي التعبير الحر. وقاعدة إنتاج تنمو بازدياد كل يوم وبينما لا تتجاوز أرقام أغنيات الراب المصري الآلاف، والملايين إذا كانت مدعومة من قبل شركات الإعلانات، فالراب التونسي والمغرب تتعدى عشرات الملايين بل بعضها مثل أعمال بلطى تتجاوز مئات الملاين. لا مجال أيضاً للمقارنة بين مستوى التسجيلات الرديء أو المتواضع لأغانى الراب المصري، ومستوى التسجيل والإنتاج الفنى بل وحتى إخراج الفيديو كيب لأغانى الراب المغربي. وإن كان الملاحظ أن سر النجاح الجماهيري للراب المغاربي يعتمد على المزيج ظهر في السنوات الأخيرة بين الراب والغناء الشعبي التونسي، وهو الخط الذي كان قد بدأه أم.سي أمين من مصر مع مغنى المهرجانات، لكن بينما لم تعد الساحة المصرية تتحمل الخطاب السياسي المعارض لأمين، فبلطى من تونس ما يظل يغنى /نعيش في سيستم يحكموه ولاد المتحايلة”.  

ينحشر مغنى الراب المصري خلاف الساوند كلاود، أما الراب المغربي فيحتلون اليوتيوب بمعدل انتاج شبه شهري، يندر أن تمر ثلاثة شهور دون أن نجد فيديو كليب لفنان راب من تونسي، والأجيال تتوالى سريعاً، فكلاي وبلطى حومانى الذين شكلوا رواد الراب التونسي بعد الثورة يواجهون الآن منافسة قوية من أجيال آخري مثل كاسترو وعلاء A.L.A تغنى على إيقاعات التراب، وتهاجم موسيقي وكلمات الأجيال السابقة باعتبارها ناعمة.

أما لبنان فنظراً لأن المنافسة في سوق الإنتاج الفنى شرسة بطبعها وسط نانسي عجرم وراغب علامة، فمغنى الراب في لبنان نجحوا في أن يقدموا أنفسهم كفنانين مستقلين ويصبحوا جزء من الساحة الفنية التى تصف نفسها بالفن المستقل بينما تعيش على دعم مؤسسات الإنتاج الأوروبي. وهذا الأمر أنتج حالة نادرة في غرابتها. فبينما لا نجد المهرجانات الثقافية في مصر أو بيروت توجه الدعوة لمغنى راب مصريين أو مغاربة، فالراب اللبنانى والسوري من الراس إلي بوكلثوم يحتلون تلك التظاهرات، بأغانى وكلمات مناسبة للخطاب الثقافي وخطاب الصوابية السياسية الذي تدعمه تلك المؤسسات.

الراب السعودى مساجين الأمس مليونيرات اليوم

من لبنان للقاهرة لتونس لطنجة، رغم تباين المستويات من عام لعام تبعاً للأحداث السياسية والمتغيرات الاقتصادية، لكن السمات المشتركة  تجمع الراب في تلك البلدان. أما قصة الراب في السعودية والخليج العربي فهى فريدة في تطورها.

أولاً لدينا ثوابت تحكم الراب الخليجى، لن نجد أغانى سياسية في الراب الخليجى، ليس هناك حكام أو محكومين لا يوجد كذلك أغانى وطنية بالمعنى المفهوم في بقية البلدان العربية حيث البلاد الجميلة التى يحكمها اللصوص والقتلة كما في الراب المصري أو المغربي. أيضاً لا وجود لأغانى الصوابية السياسية في الراب الخليجى فلا حديث بالطبع عن الهجرة غير الشرعية، أو حقوق المرأة وغيرها من الموضوعات التى يتلقي مغنوا الراب من سوريا أو لبنان عليها الدعم.

يطوف الراب السعودى في مجرة كونية خاصة به، وحالياً يعتبر مغنوا الراب السعودى من الفنانين الأثرياء الجدد الذين أصبحوا جزء من منظومة الانتاج الفنى والموسيقي الثرية مادياً وفنياً. لكن من خمسة عشر سنة لم يكن المشهد كذلك. في بداية الألفية كان مشهد موسيقي الهيب هوب في الخليج من أعنف المشاهد والساحات الفنية.

نهض الراب الخليجى والسعودى على الهجاء. مهما سمعت من أغانى عنيفة في الراب المصري أو المغربي، فحتى الآن لم أسمع شخصياً أغانى في عنف ما قدمه مغنوا الراب السعودى في بداية الألفية تحديداً عبادى، وكلاش، ومجموعة وكر العصفور.

الهجاء في الراب السعودى والخليجى لا يعتمد على السباب وقوة المغنى في السيطرة على الإيقاع فقط، بل ينحدر إلي العنصرية والطائفية بأريحية.

في سنوات ما قبل الـ2010 يمكن أن نصف الراب السعودى بأنه الراب الأكثر عنصرية، فالمغنى لا يكتف بمهاجمة المغنى الآخر بل يهاجم عائلته وقبيلته، وجنسيته وأهله. وحتى إذا لم يجد مغنى الراب مغنى ينافسه فهو يخصص ألبومها لمهاجمة فئة من فئات المجتمع أو جنسية من الجنسيات التى لا تعجبه.

في 2009 مثلاً أشعلت مجموعة وكر العصفور حرباً إعلامية بين مصر والسعودية خرجت من ساحة منتديات الراب إلي قنوات التلفزيون في أغنيتهم نورت مصر، وهو الأمر الذي استدعى رداً من مغنى الراب المصري لكن أبداً لم تكن الردود المصرية في قوة الإهانة، كما أن مغنى الراب المصريين المحترفين لم يتورطوا في تلك المعركة، بينما خرج كبار مغنى الراب السعودى من هذا العالم، عالم الهجاء على طريقة الشاعر العربي القديم “وَنَشْرَبُ إِنْ وَرَدْنَا المَاءَ صَفْـواً. وَيَشْـرَبُ غَيْرُنَا كَدِراً .”.

حالة كلاش نجم الراب السعودى الأكثر دلالة على رحلة الراب السعودى، فقد بدأ كلاش من العالم السفلي لمنتديات الانترنت حيث كانت أغانيه تنتشر على المنتديات ومن خلال تقنية “البلوتوث” على أجهزة الموبيل. شكل كلاش مع رابر سعودى آخر هو “عبادى” ثنائياً شهيراً في سنوات 2004 و 2005. أغانيهم هاجمت وسبت كل الجنسيات الخليجية طوائف وعائلات متنوعة من المجتمع السعودى وحينما ملوا لم يجدوا فئة فقد بدأوا في مهاجمة بعضهم البعض والتنافس بأغانى الراب في التنكيل ببعضهم البعض.

اختيار الهجاء أو “الديث” بلغة عالم الراب هو اختيار يحمل قدراً من الذكاء في بيئة قبلية كالمجتمع الخليجى. فيحنما تهاجم فلان، أنت تشعل معركة وفلان سيضطر للرد وحينما يرد فلان سيهاجمك أنت وقبيلتك وجنسيتك، بالتالي ستكسب أهلك في صفك بصفتك ممثل لهم ومطالب بالرد عنهم، وهكذا كلما اشتعلت المعارك كلما انتشرت الأغانى أكثر.

بالرغم من ابتعاد مغنى الراب السعودى عن الغناء السياسي أو انتقاد الأوضاع الاجتماعية أو السياسية، لكن الهجاء والسباب جر الكثير من النقد المجتمعي على مجتمع الراب السري. في عام 2007 ألقت الشرطة السعودية القبض على كلاش نجم الراب السعودى، ووجهت له تهم السب والشتم والاستهزاء بفئات المجتمع وحكم عليه بحكم مخفف 3 أشهر سجن بعد التعاطف معه حينما تبين أن سنه وقتها 18 عاماً.

بعد خروجه من السجن ابتعد كلاش عن عالم الهجاء و”الديث”. وعلى ما يبدو قرر أن يحول غنائه الراب إلي مهنة لا كهواية يمارسها تحت اسم مستعار، بدأ كلاش يشارك في الفرق المسرحية السعودية ويقدم معها عروضاً في المولات والمسارح السعودية. شارك أيضاً في المسابقات المحلية التى تقام للراب في قطر والامارات، بدأ يظهر في البرامج التلفزيونية ويقدم الأغانى في المسلسلات الخليجة الشبابية. حتى ألتقطه صانع مجد الراب السعودى والخليجى قصى، وضمه ليصبح واحداً من مغنى شركته المعروفة بأساطير جدة أو “جدة ليجنيد”.

قصي خضر هو نجم الراب السعودى والعربي الأول لا بقدراته الغنائية، أو موهبته الموسيقية بل بسبب حاسته الفنية وملكة الانتاج الموسيقي لديه والوعى الذي يحركه بأهمية أن يقوم الفن على قاعدة اقتصادية تدعم وجوده وتدعم فنانيه، خصوصاً إذا كان فن مهاجر من الغرب إلي الشرق كالراب والهيب هوب.

في نهاية التسعينات كان قصي يكمل دراسته في الولايات المتحدة الأمريكية، جذبته  موسيقي الراب والهيب هوب في الساحل الشرقي، حيث تعرف على عدد من منتجى الموسيقي البارزين بعضهم أصبحوا شركاء له في المسيرة بعد ذلك مثل فريديرك. لكن مع بداية الألفية عاد قصي إلي جدة بعدما درس إدارة الأعمال في أمريكا. عاد  بطموح أكبر من أن يغنى الراب أو ينشر على الانترنت بعض أغانى الهيب هوب باسمه.

أسس قصي مجموعة “أساطير جدة” والتى تحولت إلي مظلة تجمع تحتها عشرات الأسماء من عالم الراب السعودى، لتصبح أهم وأعرق شركة إنتاج في المنطقة متخصصة في إنتاج موسيقي الهيب هوب العربية. رغم بداية غنائه بالإنجليزية لكن تحول قصي إلي الغناء بالعربية جامعاً بين اللغتين العربية والانجليزية. سعي قصي إلي التعاون مع فنانين آخرين من أنواع موسيقية مختلفة، انفتح على عالم الموسيقي التجارية. وفي سنوات تصدر واجهة المشهد الفنى السعودى والخليجي كصوت رخيم يستطيع أداء الميلودى راب كما يصفه جيمى هود، ومن الموسيقي انطلق إلي عالم التلفزيون ليقدم على مدى سنوات برنامج “أراب جوت تالنت”، ليمثل وجوده في البرنامج الدعم الخفي لكل المواهب التى تتقدم لغناء الراب والهيب هوب.

طموح قصي لا يقف عند المحيط السعودى والخليجى، فقصي أيضاً أحد العناصر الفاعلة في مجموعة “أرابيان نايتز” وقدم معهم ومع أم.سي أمين عدد من التجارب الغنائية. لدى قصي هذا الطموح الفنى الذي يدفعه إلي اكتشاف كل الأماكن غير المتوقعة. في 2015 فاجئ جمهور برنامج “اراب جوت تلانت” الأعلى مشاهدة باعتلاء المسرح بصحبة السادات وفيفتى مغنى المهرجانات مقدماً أغنية أم الدنيا في مزيج بين موسيقي الراب والمهرجانات.

لدى قصي هذا الحضور اللطيف والودود سواء أمام الكاميرا أو خلفه، وهذا الحضور جعله قادراً على فتح أسواق جديدة لموسيقي الهيب هو والراب العربي والخليجى. وبينما يعانى الراب في مصر من غياب المظلة الانتاجية وحصار الرقابة، وراب وهيب هوب الشام محصوراً في عالم الموسيقي والثقافة البديلة، فراب الخليج والسعودية خلال سنوات قليلة نجح في احتلال المشهد وكل يوم تحمله له الريح المزيد من الخيرات. فمؤخراً مع التغييرات الشكلية التى أقرها ولى العهد محمد بن سلمان تم السماح لهيئة الترفية بافتتاح دور العرض السينمائي كذلك إقامة الحفلات الموسيقية والغنائية، وبسرعة نجح شباب الراب السعودى في إعتلاء المسرح وأصبحوا نجوم حفلات هيئة الترفية ووجه بارز من وجوه السعودية الجديدة. السعودية التى تقود فيها النساء السيارات بينما يقبض على النشاطات النسويات وتوجه لهن تهمة خيانة الوطن، السعودية التى تعتمد نظام الكفيل لكن تسوق للعالم مشروع أرض النيوم كأرض ومدينة الروباتات. السعودية التى تخوض حروباً على أكثر من جبهة بينما الجيل الجديد من مغنى الراب يغنون فيها “في بدايتى طفران/ أخبي ريالى واقعد جعان/ عالحديدة دا من زمان/… بديت بريال وصرت مليونير”.

السقف منخفضاً بكل تأكيد في راب السعودية، لكن الصناعة والبنية الاقتصادية قوية تجعل الأرض مناسبة لنمو الهيب هوب العربي، المدون ومقدم البرامج الإذاعية “بيغ هاس” المتخصص في موسيقي الهيب هوب مثلاً يقدم أهم برنامج إذاعى عربي عن الهيب هوب من داخل السعودية. قصي طموحه يتجاوز جدة ومستمر في اجتذاب فنانين ومغنين عرب وانتاج المشاريع والمغامرات الجريئة معهم. المشهد يموج بالثراء والتنوع، لكن لا مساحة له على الشاشات أو المسارح ليأخذ الهيب هوب العربي مساحته التى يستحقها.

 

الشك باليقين -3 – سلسلة هزلية غير مكتملة

استيقظت على حذاء جلدى متسخ يهزنى. وصوت أجش يقول بتهكم “اصحى أنت فاكر نفسك نايم عند حماتك”. بذلت مجهوداً في السيطرة على انفعالي حتى لا يظهر الامتعاض على وجهى ثم اعتدلت على الفرشة جالساً. كان “منمون” في لباس مدنى، خاطبنى:

-قوم.. زيارة.

أخذنى من الزنزانة إلي قاعة الاستقبال في القسم حيث وجدت عطيات وصديق البار. ما أن رأتنى حتى وقفت وهى تغالب دموعها. عانقتها ثم صافحت صديق البار. أفهمنى أنه استطاع من خلال أحد معارفه ورشوة بسيطة تدبير تلك الزيارة المبكرة في غير مواعد الزيارة الرسمية في القسم والتى تكون في المساء. قال أن المحامى طمأنه. صحيح أن العقوبة هى الحبس التأديبي مدة غير معلومة كما تقتضى قواعد الحبس التأديبي لكن مثلما يعنى هذا أن المدة قد تصل لثلاثين شهر فقد تكون أيضاً ثلاث أسابيع كما ينص الحد الأدنى للعقوبة التأديبية غير المعلومة.

في القانون الامبراطوري الحبس التأديبي يختلف عن الحبس العقابي، فالأخير يكون بسبب جنحة أو جريمة محددة الأركان يستحق المدان عقوبة محددة لها. أما الحبس التأديبي فيكون لخروج الجانى عن روح القانون أو الناموس الامبراطوري أو تقاليد المجتمع أو العرف الدينى وتقرير ذلك متروك لروح القاضي. ولأن الغرض منه تأديب الروح لا عقاب الكينونة أو الجسد على فعل مادى تم ارتكابه فالحبس يكون منزوع الأمل بحيث لا يعرف المدان متى سيخرج ليغرق داخل ذاته ويراجع حياته منتظراً رحمة روح النظام الذي تعدى على روحه وهيبته. لكن المحامى مطمئن فمازال أمامنا درجتين للتقاضي وهو واثق من البراءة أو تخفيف الحكم أو إيقاف تنفيذه في درجات التقاضي القادمة. صحيح أن الاجراءات قد تستغرق أسابيع لكن من يدري ربما تنتهى مدة الحبس قبل حتى أن تبدأ إجراءات الدرجة الثانية من التقاضي.

لاحظت عطيات وجومى وأنا استمع لسرد صديق الحانة. وضعت كفها على يدى وهمست “متقلقش أنا كلمت مجدى بيه، ووعد أنك هتقضي المدة في سجن كويس، كل شئ سيكون على ما يرام، كل شئ سيمر سريعاً” أطبقت على يدها بكفي يديا الاثنين “لا تقلقى أنا بخير”.

أشارت عطيات إلي الحقيبة القابعة أسفل قدميها. قليل من الطعام، غيارات داخلية، كتاب لتزجية الوقت عن “إيزيس وعبادتها” كنت اقرأ فيه وتركته بجوار الفراش، سألتنى عما احتاجه، ولم أهتم إلا بطلب أقلام للكتابة، ووصفت لها مكان الأوراق وأين تجدها وأن تقوم بتصوير نسخة منها وإحضارها إلي. لوت شفتيها المكتزتين لكن لم تعترض ثم تلفتت حولها “وهل سيسمحون بدخولها” سألت. ضغطت على كفها “سنتصرف” جاوبتها.

فتحت الحقيبة وأخرجت لفافة منها “طيب كُل معايا، أنا عملت لك أكتر حاجة بتحبها سندوتشات كبدة ومسقعة”. عزمت على بسندوتش ثم على صديق البار.

بينما نتناول الطعام، دخل ضابط إلي القاعة بصحبة اثنين أصغر سناً منه، نظر نحونا ثم خاطب أحد الضباط بصوت عالى “مين دول، وليه قاعدين هنا؟” التفت الضابط الشاب حوله، فهرول ميمون نحوه وانحنى على أذنه هامساً بينما أكمل الضابط الكبير طريقه نحو غرفة كتب عليها “غرفة الأحراز” تبعه الضابطين الشابيين والميمون، ثم تعالى صوت الضابط الكبير من داخل الغرفة “مفيش الكلام دا، الزيارة في ميعاد الزيارة بس”. توتر صديق البار وبدا كمن يعتذر بلا كلام. خرج الضابط وهو يشعل سيجارته، بينما هرول الميمون نحونا وقد فهم صديق البار فقام واقفاً مستأذناً في الانصراف.

خرج الثلاثة من القاعة؛ صديق البار والميمون وعطيات بصحبتهما تتهادى بجسدها الملفوف في ثوب طويل أخضر ملتصق بجسدها مظهراً حدود ملابسهما الداخلية على كفلها الكبير الرجراج. شمس الظهيرة كانت تغرق الساحة الخارجية للقسم، ويسقط ضوئها عابراً باب قاعة الاستقبال مشكلاً مستطيل كبير المساحة على الأرض وقف فيه الضابط متابعاً خروجهم من باب القسم الخارجي أو للدقة خروج مؤخرة عطيات التى لطالما لفتت الأنظار. هز سيجارته بين أصابعه فسقط رمادها على الأرض، استدار برأسه نحوى “زوجتك؟”

لا مهرب ولا يمكن لمسجون أن يتحاشي سؤال سجانه. أول الدروس كما أن الحقيقة ليس ضرورياً أن تجلب المنفعة. نعيش مع بعض منذ سنوات لكن أبداً لم يكن الزواج بالمطروح، وعطيات لم تكن تجد للأمر داعى وأنا بعد تجربتى الوحيدة المشؤمة لم أجد في الأمر أى إغراء لتكراره. مع هذا أجبت الضابط على سؤال:

-نعم حضرتك.

* * *

اعتمد الجهاز الشرطى في تركيبة قبل العصر الامبراطوري على ثلاث فئات رئيسية، الضباط برتبهم الجمهورية المختلفة ويتخرجون من كلية الشرطة بعد دراسة لمدة أربعة أعوام، ثم أمناء الشرطة وهم من الفئات التى لم تكمل تعليمها الثانوى لأسباب مختلفة سواء لضعف قدراتهم العقلية والثقافية أو لظروفهم الاجتماعية أو الاقتصادية حيث يلتحقون بمعهد لإعداد الأمناء لمدة 18 شهر ثم يتم إلحاقهم للعمل كمعاونين للضباط. والفئة الثالثة هم العساكر المجندين الذين يتم اختيارهم من المجندين اجبارياً في الجيش حينما كان التجنيد إجباري في زمن الجمهورية حيث يعملون بدون أجر تقريباً في آخر السلم الوظيفي بجهاز الشرطة.

وحيث أن الأمناء كانوا يقيمون بغالبية العمل تقريباً دون أى تقدير معنوى لجهودهم وبفارق كبير في العائد المادى بينهم وبين الضباط، بل وحتى لم يكن مسموحاً لهم بالعلاج في ذات المستشفيات التى كان يعالج فيها ضباط الشرطة أو حمل السلاح في غير أوقات العمل إلي جانب العشرات من أوجه التمييز والتميز المختلفة، فقد استغل الأمناء فترة السيولة والاضطرابات التى سبقت التحول الامبراطوري، وأخذوا يضغطون من أجل الحصول على الكثير من الامتيازات والمساواة مع الضباط. ومع قيام الامبراطورية وبدأ الاصلاحات الأساسية النظامية تقرر لانهاء هذا التنافس وانعدام السماواة بين الأمناء والضباط حل معهد أمناء الشرطة وتحويل الأمناء لضباط صف. ليقتصر تركيب الجهاز الشرطى على فئتين؛ الضباط والعساكر المجندون.

 العساكر لا يمكن الاعتماد عليهم لأنهم مجندون لفترات زمنية محددة، وغالباً لا يتقنون القراءة والكتابة. والأهم أن الضباط لم يشعروا أنهم ضباط بلا أمناء يصدرون لهم الأوامر ويعتمدون عليهم ويشكلون نافذة تعامل بينهم وبين المدنيين. هنا برز “المنمون” كوسيط مدنى محسوب على السلطة القانونية لا الشرطية.

برزت الحاجة إلي الميمون في كل الجهاز الاداري للامبراطورية لا الشرطي فقط. فكان الحل في افتتاح “الجبلاية الإدارية العليا” وهى معهد بفروع منتشرة على طول وعرض الإمبراطورية. الدراسة فيه لمدة تسع شهور. تحصل بعدها على شهادة معتمدة من إدارة الجبلاية العليا التابعة للمشروع الامبراطوري لتأهيل الشباب. ثم تتقدم لدفع عربون لأى مكتب حكومى يحتاج لميمون، لتحصل على كارنيه “ميمون” معتمد من تلك الوزارة أو الإدارة الحكومية أنك ميمون رسمى تابع لا منتمى لها، وأحياناً تمنع بعض الادارات الحكومية والامبراطوية مع الكارنية طيلسان ترتديه وقت الخدمة حتى يسهل تميزك عن المواطنيين المدنيين والموظفيين الامبراطوريين. بعض الهيئات تمنح “الميامين” التابعين لها زى رسمى وتجبرهم على ارتدائه أو الالتزام بألوان وقواعد تفصيلية ولونية في الملابس. لا يتقاضي الميمون أى أجر رسمي من الهيئة التابع لها فهو ليس موظف وليس لديه مواعيد عمل رسمية، بالتالي فلا يحمل الجهاز الإداري للدولة وميزانيتها أى أعباء إضافية. بل يحصل على أجره بشكل مباشر من المواطنين المتعاملين مع الهيئة.

لنفرض أنك دخلت إلى مكتب إداري ما من مكاتب الإدارة الحكومية الإمبراطورية سواء كانت هيئة عليا أو سفلي  أمنية أو اجتماعية أو خدمية، وذلك لإنجاز معاملة رسمية ما من أى نوع. لنفرض أن هذه المعاملة تطلب منك المرور على ثلاث مكاتب حكومية وإضاعة يوم كامل وربما أكثر من وقتك، هنا يظهر لك الميمون يتقاضى أجره/ إكراميته وينجز لك المعاملة. هكذا قلص ظهور الميمون الوقت الذي تستهلكه البيروقراطية الإدارية، وقضي على الرشاوى والفساد من خلال تقنينه، وكل هذا بدون تحميل الموازنة العامة أعباء مالية إضافية التزاماً بقرارات وشروط صناديق النقد ومعابد الدولار ومؤسسات التمويل والتصنيف الائتمانى الدولية

 

9a5fa0a9a32f970ca10ebf1697de7632
لوحة استشراقية تعود لزمن الاحتلال الفرنسي للجزائر للفنان Horace Vernet

 

The bourgeoisie, real estate & nation-building, or how the Egyptian & Middle Eastern art markets operat

In 1989, Egyptian billionaire businessman Nassef Sawiris walked in to a trade fair at the Marriott Hotel in Cairo. Various luxury goods were exhibited alongside high-end furniture and expensive antiques. An exhibition of works by important artists of the period occupied one corner. The portraitist and still-life painter Sabry Ragheb was the most prominent member of that group. The exhibition organizers, Shahira Idris and Ghada Shahbandar, were venturing their first steps into the world of collecting, buying, and selling art; Ragheb had loaned them one of his favorite paintings as a gesture of appreciation.

Sawiris fell in love with the work, a still-life of a red rose, and as with any love at first sight, the world was no longer the same. He asked to buy the painting. Shahbandar and Idris responded that the work was not for sale, but Sawiris insisted. At his urging, Shahabandar contacted Ragheb, who was angered by the request and refused. Still, Sawiris persisted. In response, the artist demanded a then unheard of sum for the work, equivalent to three times the standard market price: LE 10,000. Sawris’s response was quick and decisive: “Agreed.”

The sale set a new benchmark. According to Shahbandar, Ragheb’s painting represented the most expensive painting sold at the time by a contemporary Egyptian artist. In this period the market was in flux and prices, which previously had settled in the hundreds of Egyptian pounds, reached into the thousands. Urban sprawl led to the establishment of new satellite cities outside of Cairo. Saddam Hussein’s invasion of Kuwait in 1990 edged the last remnants of an ideal of Arab unity toward collapse. Maps were changing, and the Arab art market was taking its first shaky steps.

The world before 1989

In the 1950s and 1960s, the state nationalized artistic life in Egypt; the cultural administration was restructured and most significant artistic initiatives and cultural spaces operated under state supervision. In the 1980s, only a handful of private galleries were operating in Cairo. Prior to the sale of Ragheb’s work in 1989, says Shahbandar, the maximum amount paid for a painting was no more than LE 3000. According to her, the Safar Khan Gallery and Tareq al-Marsafi’s Arabesque Gallery represented the most prominent art spaces at the time. The audience for art was limited primarily to a short list of names of collectors who confined their purchases to the works of already prominent, well-established artists. Nevertheless, economic liberalization policies were already having an effect and art’s relationship to the market was beginning to change, witnessing a gradual increase in prices and the emergence of a broader public interest in the arts.

In this period, the state largely withdrew from the cultural sphere. In partnership with her friend Shahira Idris, Shahbandar invested her energies in interior design and dealing antiques and paintings. The two also began visiting art shows and meeting with artists. At the time, many contemporary artists in Cairo had work spaces in Wikalat al-Ghoury, a caravanserai constructed in the early 16th century, or in one of the several other historic buildings the state had restored and lent to artists as studios. Visiting such places helped Shahbandar develop a wide network with artists of all generations.

Despite its many flaws, the state system worked well in many ways, and was comprehensive, providing artists with an overarching framework of support. In addition to offering studio spaces, the state sponsored galleries and ran an acquisitions committee, as well as juries that awarded prizes to artists. In the 1980s, however, Egypt was transitioning to a free market system, efforts were made to “re-organize” the public sector, and state spending was cut from all sides. As international corporations entered the Egyptian market, private exhibitions were held at Cairo’s five-star hotels for the country’s new economic elite. It was at these shows that Shahbandar and Idris displayed works by contemporary artists for the first time. Their exhibitions attracted the attention of a segment of the public, and the two branched out, organizing shows lasting just over a week in private residences, often in the empty apartment of an acquaintance. Their clientele grew as a result, as did the circle of artists they worked with.

Shahbandar and Idris exhibited works by artists who had come to prominence after 1952 including Salah Taher, Hussein Bicar, Gazbia Sirry, Maurice Farid and Nagy Basilios, as well as younger artists active in the period, some of whom went on to pursue high profile careers such as Samir Fouad, while others, such as Huda Khaled and Fatima Rifaat, remained relatively obscure. Other artists, such as Hassan Soliman, refused to work with the duo because he objected to exhibiting in makeshift gallery spaces. He did, however, recommend artist-colleagues with whom he thought Shahbandar and Idris might be interested in collaborating.

Shahbandar was active in the art world from 1986 through the mid-1990s, making a name for herself as one of the scene’s most prominent figures. Nevertheless, the material returns were  modest, and she was unable to lease a place permanently and transform it into a fully equipped gallery. She continued to work on her own and began receiving various requests for consultancy services. The influx of international corporations to Egypt introduced new work habits and marketing strategies. These companies recognized art’s ability to serve as a foil for the identity of the company or corporation and as a long-term investment. The international corporations that had recently begun operating in Egypt, approached Shahbandar for assistance in selecting art for their offices. She chose works and arranged them in the local headquarters of several large companies including those of American Express and Carpet City. On occasion, she was asked to work on a smaller scale: for example, acquiring paintings for the office of a company executive or installing works on a single floor.

In 1990, Stefania Angarano arrived on an exploratory visit to found Mashrabia Gallery in downtown Cairo. Previously, she had worked at a number of Italian galleries specializing in contemporary art. Angarano recalls how, when she arrived in Cairo, some galleries were displaying and selling paintings paired with couches and other pieces of furniture. Her primary aim in coming to Cairo was to establish a space that presented art as an integrated whole, rather than as an element of interior design chosen to match the drapes.

Art enters the free market

The factors contributing to the transformation of the art market in the late 1980s were not limited to the entrance of international corporations. In this period, the government expanded construction projects and support for the capital’s new satellite cities, resulting in significant growth in the real-estate market, especially to the west and east of Cairo, with the construction of 6th of October City and areas around Nasr City and the Fifth Settlement. Within the city’s existing bounds, villas were being torn down to make way for apartment buildings, while on the margins, opulent mansions sprang up. An economic elite that had emerged on the back of the open-market, or infitah, policies introduced by President Anwar Sadat in the 1970s took to buying art as a means of generating (and flaunting) class distinctions; hanging original paintings and works of art in the home became a marker of social exclusivity. This was a period of great extravagance.

At the same time, many works by leading artists of the early 20th century, which had previously remained out of sight, became available during this period, including sculptures by Mahmoud Moukhtar and paintings by Mahmoud Said: perhaps the most celebrated of the “pioneer-generation” artists credited with founding a modern Egyptian art movement. In an emerging market lacking sufficient legislation and institutional oversight, counterfeits proliferated. Soon, Shahbandar found that in addition to her role as art dealer she was also compelled to act as an investigator: examining the authenticity of each painting. She tells the story of one incident in which she was asked to appraise a painting by Hussein Bicar. When she brought the painting to the artist for verification, he smiled slowly and told her that it was a good painting, but it wasn’t his; someone had imitated his style.

Nude with the Golden Bracelets and The Reciter

This hothouse climate in the art market tended to foster the sale of certain kinds of works over others. The depiction of nudity represented one of the primary factors informing the kinds of works circulating in the market after 1989. Sultan al-Qassemi, chairman of Barjeel Securities and founder of the Barjeel Art Foundation, recalls that images of nude paintings by Mahmoud Said published in an auction house catalog of the period were censored. At the same time Karim Francis, director of the Karim Francis Gallery in downtown Cairo, defends this approach, which he frames as a response to laws in Arab countries regulating the display of nudity rather than any rules imposed by the auction houses themselves. Shahbandar, for her part, believes that the moral basis for an assessment of the value of a work of art or the tepid reception of paintings of nudes can be attributed to the predominance of specific social values.

محمود سعيد
لوحة لمحمود سعيد

In the early 1990s, Shahbandar exhibited a painting by Said, which was priced at less than LE 100,000. The Institut du Monde Arabe in Paris had turned down the work — titled Nude with Gold Bracelets (1946) — preferring, instead, she reports, to purchase and display Said’s The Reciter (date unconfirmed). Representatives of the Institut claimed that the painting of the pious reciter of the Quran was more representative of Egyptian art than a painting of a nude, dark-skinned woman. According to Shahbandar, “In the 1980s and at the beginning of the 1990s, a general social climate prevailed that rejected paintings of nudes. This was not just due to the spread of Islamism; it involved all sectors of society.” Sitting in her home, Shahbandar gestures toward a painting by Sabry Ragheb depicting a girl applying makeup in front of a mirror and wearing a short, black nightdress. The painting had been purchased by a woman from a middle class, Coptic family. A few days later, the client returned, asking to exchange the work because her daughter would not tolerate having a painting of a nude in the home. What Shahbandar describes as mutable social mores came to inform the practices of cultural institutions, such as the Institut du Monde Arabe, that played a prominent role on the international stage and sought to influence perceptions of Arab identity abroad. The same values came into play in even the most basic forms of social organization, such as the family. Shahbandar tells of how she would use her own exhibition space to display nude paintings by Georges Sabbagh from private family collections because the children of the owners refused to display the works and approached her for help in selling them.

Others, such as Mohamed Talaat, the director of Misr Gallery in Cairo’s upscale neighborhood of Zamalek, believe that those social values that discouraged the exhibition of nudity have since changed. In 2012, for example, Misr Gallery exhibited various works created by Nadine Hammam over the course of the period following the January 25 revolution of 2011. The exhibition, titled Tank Girl, was composed of acrylic paintings representing the eponymous female nude who confronts the viewer from atop a tank with her legs spread, transforming the barrel of the gun into a larger than life size phallus. An explanatory booklet accompanying the exhibition framed the work in the following terms:

Through her work, which she has titled Tank Girl, the artist sets out to reconfigure stereotypes and established beliefs. Simulating this reformulation a combination of power inversions, a woman controls one of the most vicious war machines, the tank, as a symbol suggesting ‘woman’s’ ability to impose her power and prevail in the battle to assert their existence.

The booklet closes with a paragraph that explains: “Through her treatment of these complex symbols, the artist hopes to locate a more active role for modern women in the political and social scene. Here, Tank Girl represents every Egyptian woman.” According to Talaat, those collectors with an interest in buying art today are attracted to the more contemporary works in various media and don’t have a problem works that contain nudity or even erotic content, such as works in the Eros collection by el-Dessouki Fahmi, a portion of which was also shown at Misr Gallery.

New adventurers

Until the mid-1990s, there were no clear laws on the art market for setting prices and confirming the authenticity of works of art. An ethical code existed, but no supervisory body. Artists set their prices and the galleries exhibited their works, earning a percentage on sale. Some of the artists active in the 1980s harbored misgivings about this system and asked galleries to purchase their works instead of handing them over directly for consignment. At the same time, artists were not immune to questionable behavior, and cutting out the middleman by selling work at a lower price than that advertised in the gallery constituted one of the worst possible violations of the ethical code yet, apart from the latter, Egypt has no laws in place regulating the art market.

A case brought against the Aida Ayoub Gallery in 2005 (Case 2238/3) laid bare some of the flaws in Egypt’s art market. Aida Ayoub began working in the art world in the early 1990s, and sold her clients dozens of paintings forged by the late artist Yousri Hassan. After opening her gallery, Ayoub quickly established a broad network in Egypt’s art world and was awarded the honorary title “patron of the arts” by the Minister of Culture. The forgeries were only discovered when May Zaid, one of Ayoub’s clients, tried to insure some of the paintings she had purchased, only to discover the deceit. Due to the absence of Egyptian laws penalizing art forgery, the courts dealt with the case as an act of fraud.

The uptick in activity in the Egyptian art market stemmed from the drive among the new upper middle class to acquire artwork. Some of these individuals were encouraged to enter the market based on a business approach that relied on a logic of quick gains. Until the mid-1990s, most owners of private galleries in Egypt were women whose interest in art had prompted their entry into the field; the need to make a profit proved a secondary consideration. Sherwet Shafie represented another prominent art world figure. Shafie had opened the Safar Khan Gallery after leaving her position as a program presenter on Egyptian television in the 1960s. While Safar Khan Gallery still operates today, Shahbandar stopped working in the field in the mid-1990s due, she claims, to the type of clients who were beginning to take an interest in art. She recalls standing with the artist on the occasion of the opening of an exhibition she had organized, when they overheard a client saying she wanted to buy a painting because the colors matched her living room interior. The artist was insulted and pleaded with her not to sell the painting to that client. In 2005, Shahbandar would found Shayfeencom (We are watching you), a movement that aimed to uncover the corruption and electoral fraud of the Mubarak regime. She would later become one of the most prominent names in political activism, especially after the 2011 revolution.

Shahbandar withdrew from the field just as the new adventurers were entering. At the time, Karim Francis was embarking on a journey of self-discovery which took him from working in the import/export business to tourism, and, finally, to art. Francis devoted three years to reading about art and familiarizing himself with artists and various artistic practices before opening his own gallery. He held his first show in 1995 in an apartment he owns on Sherifein Street in downtown Cairo. The group exhibition, titled Identity, included works by artists such as Mohamed Abla, as well as literary works, displaying manuscripts belonging to the celebrated novelist Sonallah Ibrahim.

Sitting in his gallery, surrounded by sculptures by Sobhy Guirguis, Francis recalls his beginnings:

When I started working in the art world, most buyers were receptive to works by the older, well-established names. Quite simply, each buyer felt in touch with the artists of their generation. However, motivated by my own passion, I wanted to put new names and new ideas in art out there that had not yet been seen in the market. I held a series of group shows titled New Talents to introduce artists whose work was being shown for the first time, as well as to show artistic modes and experimentation that went beyond paintings hanging on a wall, including installation artworks and video art.

This spirit of innovation and embrace of the unfamiliar would come to define the direction of the art scene in the late-1990s and early 2000s. Francis, alongside other gallerists active in the period and espousing similar ambitions, helped provide a platform for the emergence of a number of artists who are often referred to collectively as “the 90s generation.”

The joy of the sale

In the 1990s, state financial policies continued to liberalize so as to integrate Egypt into the new world market, and Egypt signed many partnership agreements with the European Union. These agreements included articles explicitly referencing cultural cooperation; a number of foreign cultural institutions became active in Egypt. Initially, these institutions were viewed with a great deal of suspicion, and were boycotted by art critics: most prominently Osama Afifi, who understood the activities of foreign cultural and arts organizations to represent a form of interference with Egypt’s natural course and part of a larger plan to destabilize Egyptian national identity. From the Ford Foundation to the Townhouse gallery (to borrow Afifi’s examples), the arts organizations that played an important role in supporting contemporary artistic practices were subjected to attacks of treason and suspicion, to the extent that art critic Sobhi el-Sharoni described the role of these organizations as malicious in his book Encyclopedia of Egyptian Fine Arts in the Twentieth Century.

This model of arts organization does not rely on selling art but, rather, approaches art within a developmental framework, operating according to different economic rules. Despite various drawbacks, this approach proved to be an effective stimulus for contemporary art practices and provided young artists with the space to branch out and experiment with installation and video art. These media are difficult to sell, and works in this vein have not been well-received historically by government arts institutions; the 1990s generation of artists was marginalized and alienated from official institutions that continued to show and display art that was considered more representative of “Egyptian identity.”

In the midst of this struggle and the changes taking place in the art world, Karim Francis was attempting to create a third model, closer to that espoused by Stefania Angarano, the director of Mashrabia Gallery, who refused to work with artists teaching in arts academies or exhibit the paintings of deceased artists, preferring to focus instead on contemporary Egyptian art. Francis declined the opportunity to convert the gallery into an establishment that relied on outside funding and preferred to pursue his own path. He made this choice not because he believed that accepting funding would make him a “traitor,” as per the widespread accusations against institutions that relied on these sources, but for other reasons, which Francis enumerates as follows:

جاذبية سري

First, I’m not convinced by the idea of organizations that fund the arts. Personally, if I was given money, I wouldn’t work and struggle so hard to show and sell art. Also, the issue of “selling” in itself is the job of a gallery owner, not only for the sake of material gain but also because it lends the work an added sense of value. I feel a real joy when I sell a work of art. Second, the work model of funding organizations turns the artist and the gallery owner into employees who receive monthly funds. Selling art grants you a greater freedom. Third, working with these organizations is demanding, there is a lot of paperwork, routine procedures, and funding applications to fill out that contain questions that are, in my opinion, meaningless, yet you’re forced to answer them and say what the funders want to hear, or to clothe what you’re doing in their concepts and development terms. In a private gallery all you need is a license and commercial registration.

At the same time, Francis does accept funding from these organizations for the work of certain artists, especially for costly video art which cannot be sold afterwards.

The Karim Francis Gallery was one of the first places that opened its doors to the 1990s generation, many members of whom have now become internationally celebrated artists and whose works can sell for hundreds of thousands of pounds. Francis mentions that, in the 1990s, he showed a work of Ghada Amer priced at LE5,000, and no one was interested in buying it. Now the same work sells for US$165,000. He laughs, remembering the surprise on the faces of gallery visitors when they encountered works of installation art: “There were very few sales. So I thought, why don’t we open things up to new experiments and practices? The visitors did not understand what was going on and I was showing these experiments and works in an attempt to understand and absorb and to create a dialog around these new ideas.”

In this period, Karim Francis Gallery, Mashrabia Gallery and Townhouse played a vital role in posing alternatives and new paths for art practice. In 2000, the three locations collaborated to put on the Nitaq Festival; a second festival was held the following year and was designed to correspond with the launch of the Cairo Biennale. Negar Azimi  (a former employee of the Townhouse) describes this event in an article as: “the most palpable sign that the Egyptian art scene as we knew it had been shaken up.” According to Azimi, the festival was significant for:

the view it provided as to the tendencies of a new generation of artists working within idioms that defied prevailing notions of contemporaneity. Engineered to start on the very day of the 2001 Cairo Biennale’s opening, the second Nitaq in particular served as an ‘off’ version in every sense of the term. While the Biennale was characterized by a reliance on tradition both in concept and curation, Nitaq would prove most unconventional, shaking up stagnant conceptions surrounding the use of space, medium and the potential for dematerialization of the art object. Like true post-modernists, the preferred avenue of expression for the artists at Nitaq was multi-media installation executed with conceptualist tendencies. A number of the Nitaq artists, Lara Baladi, Amina Mansour, Hassan Khan, Wael Shawky and Mona Marzouk among them, have since gone on to exhibit widely internationally.

The event would come to represent a landmark in the history of contemporary art in Egypt: signaling the entrance of a new coterie of artists and institutions, and, with them, new practices and understandings of art.  At the same time, the market horizons for this work were expanding.

Auctioneers in the cities of the desert and bourgeois gold

In a recent interview, Sultan al-Qassemi noted the absence of a healthy demand for Egyptian art in the 1990s: “There was art, even in the 90s, but there wasn’t a market for art in Egypt, and there was a near total absence of Egyptian art outside of Egypt. Collectors of Egyptian art could be counted on one hand, most prominently Mohammed Said Al-Farsi, the mayor of Jeddah, and the emir of Qatar, Hassan bin Mohamed Al Thani.” Nevertheless, with the beginning of a new century, cities in the Gulf were rapidly acquiring international status, and the skyscrapers rising in Doha competed with those of Dubai. The entrance of auction houses at this particular moment would have a significant effect on the market for works from Egypt and the region.

Francis relates that at the start of the new millennium, he began to receive invitations and friendly advice to go to Dubai, where the art market was already strong and expanding as a result of the rapid growth of the real estate market. After ten years of involvement in the art world, he had made a name for himself both locally and internationally. During this period, Francis met a European interior designer working in Dubai and she began working with him in selecting art for her projects. In 2005, he was visited by members of a delegation from Christie’s auction house who sought to familiarize themselves with Egyptian and Arab art and art markets. Francis accompanied them to a number of studios, including those of the prominent artists Adel el-Siwi, Mohamed Abla, and Adam Henein. The auctioneers were undertaking their first exploratory visits of the Arab art market by visiting a number of Arab cities in preparation for the inauguration of branches in Dubai and the wider Gulf region.

In a 2012 study of the Middle Eastern art market, The Rise of the Middle Eastern Art Market Since 2006, author Taymour Grahne quotes Philipp Hoffmann, executive director of the Fine Art Fund Group, as setting the total value of the Middle Eastern art market at US$10 billion; this value was expected to triple in coming years. By the end of 2005, Christie’s had opened its first branch in the Middle East. Sotheby’s and Bonhams followed suite. The establishment of these auction houses had a transformative effect on the status of Arab art. Qassemi describes some of these changes:

These houses employed art scholars and experts to study and appraise Egyptian art and did reports to verify the proposed numbers. Sometimes, we’d hear about works selling for outrageous amounts but we had no way to verify these numbers; the houses worked to verify them. The auction houses reduced the number of fakes threatening the Arab art market, due to the passing off and sale of art forgeries without verifying their authenticity or history. The houses produced authenticated catalogs of Egyptian artists. There is a catalogue raisonné documenting all of the works of Mahmoud Said, Ramses Younan, and other greats, which became essential references for their work.”

When I asked Syrian artist Youssef Abdelke recently why people in Dubai, the Gulf and Cairo buy art at these prices, he replied, “everything the bourgeoisie touches turns to gold” — attributing the statement to Karl Marx. If auction houses aim primarily to generate more and more “gold,” a law governing the art market must first be established for pricing works of art. In a market where opinions and critical judgments are up for debate, the auction is one of the few institutions that leaves the task of determining the price of a work of art to the free market. On this basis, the work of a particular artist is assigned a monetary value that becomes, as Mohamed Talaat says, a reference point for future sales.

At the same time, Talaat explains that the art market and its main site of exchange in the Gulf-based auction houses possess blind spots which leave them open to manipulation. He tells of how some galleries might offer the works of young artists they represent to auction houses, only to turn around and purchase the same works for a high price at auction through an agent. As a result, the value of an artist’s work increases and art collectors are encouraged to seek them out. After prices have multiplied, the gallery re-exhibits and resells the artist’s work. However, Qassemi takes a different view regarding the manipulation of auction bidding to increase the price of an artist’s work: “This might have occurred at the beginning, but now it would be difficult for such a thing to happen because the market is very narrow, and if a gallery did such a thing it would be discovered immediately, because the market is small and we all know what’s out there.”

While warning against the misuse of the auction system, Talaat also complains of national biases perpetuated by gallerists in the region, claiming:

Iranian businessmen and millionaires mostly reside in Dubai, therefore, they buy works by Iranian artists, who have come to represent a large portion of the art market shared by Arab art. And the Iranians aren’t satisfied with just acquiring art; they also support projects promoting Iranian art in Dubai and the Arab countries. Galleries in Syria and Lebanon also have a clear bias against Egyptian art, to the degree that the director of a Syrian gallery announced a while ago in an interview that the only artists on the market are Syrian artists. On the other hand, there are galleries in Egypt that do not coordinate with each other at all.

Francis holds a different opinion, stating that he has held shows for Egyptian artists in Lebanon and Syria. He adds, “galleries might collaborate on a given project, but we can’t work together or coordinate with each other because, frankly, we’re competitors in the same market.” Whether at the auction house or in the gallery, the value assigned to works of art is often determined by a system that rewards the self-interest of those with a profit to make from the sale of work.

Ultimately, the market is supported by art collectors who invest heavily in particular names, acquiring the works of these artists with the goal of building savings and investing in property, as a painting that is worth “ten” today might reach a hundred in a few years. Such individuals seek to protect the market and enforce the rules governing it, so as to guard the value of their investments. The collapse of the market or any fundamental change in the laws of appraisal and pricing that regulating it, translates into a loss in the assets of art collectors and a collapse of their investments.

Modern art in the museum

Outside interest in acquiring modern Egyptian art originated in the 1960s, as students from Gulf states moved to Egypt to pursue advanced education or for various other reasons, and were exposed to the works of modern and contemporary artists. As Qassemi recounts, there were four major art collectors in the Arab Gulf as early as the 1980s. The most significant of these belonged to Mohammed Said al-Farsi, the mayor of Jeddah, and owner of the largest collection of works by modern Egyptian artists. The private art collection of Qatar’s Sheikh Hassan Al Thani would serve as the seed of Mathaf: Arab Museum of Modern Art. Currently, he claims, the Museum of Egyptian Modern Art still possesses the largest collection of modern and contemporary art in the region comprised of some 12,000 pieces. At the same time, the museum operates within an extremely limited annual budget of LE 2 million. While the National Public Museum of Modern and Contemporary Art, Algiers (MAMA) stands in second place with a collection of some 8,000 works, Doha’s Mathaf: Arab Museum of Modern Art is quickly closing in from behind.

نادين همام

Talaat graduated from Cairo’s College of Fine Arts in 1999. In addition to his work as an artist, he took an interest in organizing exhibitions. In 2005, he was appointed director of the Arts Palace at the Cairo Opera House, where he worked with the artist Mohsen Shaalan who was serving at the time as the head of the Fine Arts Sector in the Ministry of Culture. Talaat relates that in the period in which he served as director of the Arts Palace there was something of a boom in the art market in that a new breed of collector interested in young artists appeared on the scene and new Arab markets opened up, while state institutions continued to lag behind.

Gradually, however, the state began opening its doors to the so-called 1990s generation, which had been excluded from exhibiting their work at national venues in the years prior. This move represented a point of contention for artists of previous generations. The latter understood the works of these artists as alienated from the national identity of Egyptian art. In other instances, younger artists were accused of crossing red lines. Thus, for example, a number of artists and art critics demanded that Khaled Hafez and Wael Shawky be investigated for tatbia, or normalization of relations with Israel, as well as insulting national values.

The state’s newfound interest in these artists stemmed, in part, from the esteem their works enjoyed abroad, and was fueled by an attempt to recover its original position of influence in the arts sphere. Galleries such as the Townhouse served as international authorities on contemporary Egyptian art and were called upon regularly to nominate artists to participate in  initiatives outside of Egypt: a role historically monopolized by the Ministry of Culture. However, despite breakthroughs and attempts at change initiated by Shaalan, the Fine Arts Sector’s performance in this regard was limited by its restricted budget, and continued to weaken after 2010, Talaat claims. Eventually, Talaat grew discouraged with the rejection of many of his project proposals. His experience in the state arts’ administration qualified him to pursue work as an art consultant: developing collections for a number of real estate and tourism companies. He also launched plans to open his own space.

While the Egyptian government sector was scaling down its involvement in the arts, Gulf-state governments, and, in particular, Abu Dhabi, Dubai and Qatar, were becoming increasingly active players in the field and initiating construction on various museum projects. Yet, in doing so, they have pursued distinct aims and cultivated varying approaches. Thus, each state in the region pursues a different policy in acquiring art. According to Qassemi:

In the UAE, the government purchases and acquires works of art through a museums authority, which has a board of specialists who study paintings and determine what to purchase. There are regulations governing acquisitions, and certain museums don’t buy art from auction houses. In Qatar, the decision to purchase a work is instantaneous and is made quickly depending upon the market and what is on offer. Qatar also buys from auction houses. The most significant purchase it made at an auction was the painting Les Chadoufs by Mahmoudd Said, which sold for more than US$2.4 million.

Likewise, in a study titled Re-Inventing the Museum in Abu Dhabi and Qatar?, Laura Damême explains how these particular governments have used museums to achieve various objectives. In both Abu Dhabi and Qatar, the number of foreign workers and residents in 2010-2011 stood at over 80 percent of the total population. In Abu Dhabi, Damême claims, the government uses museums to present itself as a global capital offering international-brand museums such as the Guggenheim Abu Dhabi and Louvre Abu Dhabi. Meanwhile, in choosing to build the Museum of Islamic Art and Mathaf, Qatar approaches museums as a means of asserting the cultural specificity and Muslim-Arab identity of its citizens, which account for no more than 15 percent of the total population.

Qassemi adds another possible explanation for the considerable investments made by Gulf countries in the art market: Building museums carries a clear political message. The erection of important new centers of cultural and artistic preservation and display projects an image of these governments as capable of meeting the needs of their citizens, in addition to bolstering the terms of national and cultural identity.

The art market in the Arab world: At the intersection of real estate and oil money

Wealth in the Middle East is concentrated primarily within two markets: real estate and oil. Those familiar with the contemporary history of the arts and the art market in the region can see clearly how the money pouring in from these sources has played a key role in shaping and altering the market. The relationship of art to real estate originated in an understanding of art as an element of interior design. The separation of art from interior design required gallery owners to take significant risks on less conventional works of art. Art’s autonomy from the realm of décor also relied on the subsequent development of a greater appreciation amongst many buyers for the immaterial, as well as the material value of art. With the expansion of the real estate market and urban sprawl in the satellite cities popping up outside of Cairo, the interest of the Egyptian economic elite in acquiring works of art steadily increased. Art, and the acquisition of art, became important markers of social status amongst the upper and upper middle classes.

The relationship of art to real estate became salient again when art was taken up as a vehicle for re-branding the city of Dubai. In the past decade, art has played a central role in the formulation of the image of Gulf countries, which compete to acquire art collections in a race to establish museums that reflect a progressive image of these states, while also converting art into material assets, or a form of investment and savings.

However, despite the surge occasioned by this outside interest in the Egyptian art market, exhibition halls in Cairo have tended to privilege modern art over work by contemporary artists. Moreover, local cultural and social mores inform the processes of selling and appraising art. Works with sexual, religious or politically sensitive content are particularly likely to be excluded from the market. Nevertheless, the market’s relative upswing is related to the appearance of young art collectors who no longer possess the same inhibitions as their predecessors and who are more receptive to purchasing contemporary works of art that reflect some of the spirit of the present moment.

فيكتور داندو.. شاهد قبل الحذف

تنفجر الألفة والإثارة في وجهك عند اللقاء الأول بأعمال فيكتور داندو. الألفة لأنك تعرف هذا العلم المحترق، لأنك شاهدت تلك الصور عشرات المرات سابقًا. فهي تنهمر عليك باستمرار من الانترنت، والتلفزيون، وحملات البروباجندا السياسية المختلفة.

أما الاثارة فمنبعها كثافة الرموز التي يقدمها فيكتور في لوحاته معزولة عن سياقها المعتاد. العلم الامريكي الذي يحترق في لوحات فيكتور شاهدناه كثيرا في نشرات الأخبار يحترق وسط المظاهرات. لكن حينما يحترق العلم معزولاً في لوحة فيكتور نشعر بالالفة مع المشهد والإثارة الناتجة عن رمزية حرق العلم. لكن لا نعثر علي الرسالة. لا رسائل دعائية في لوحات فيكتور، اللهم إلا عبارته الساخرة “الإنترنت يكذب” التي تتكرر في لوحات معرضنا، وربما رسائل آخري متروك أمر اكتشافها لك.

ألف ليلة وليلة- من أعمال فيكتور

 تتوهم في البداية إن اللوحة تخاطبك، ففي وقت تزداد بنية الفنون المعاصرة تعقيداً وإغالاً في الغموض والضبابية. هاهو فنان يقدم لنا صور ورموز معروفة، فهذه أعلام دول نعرفها، وتلك شخصيات سياسية نراها في نشرات الأخبار، وهذه صور أيقونية يتكرر بثها في الجدل الإعلامى العالمى. لكن بعد الإثارة والألفة مع لوحات فيكتور تأتى الحيرة. تميل الأرض تحت قدميك، وتدور عينيك في أرجاء اللوحة بحثاً عن مفاتيح تفسر وتشرح.

 الصور والرموز معروفة لكنها في لوحات فيكتور تأتى معزولة، وخالية من أى انحيازات، بحيث نشعر بالحيرة أين يقف الفنان ولوحته في هذا الجدل السياسي وأين نقف أنا. يتركنا فيكتور دون إجابة أبداً، ولهذا نظل نعود باستمرار إلى تأمل أعمال فيكتور، مرة تأملاً في جماليات التقنية واللون، ومرة بحثاً عن الرسالة الخافية، الكذبة التي يحذرنا منها.

يعلم فيكتور إن زائر معرضه، ربما يقف الآن يقلب في موبايلة بينما يتجول في المعرض. ويرفض فيكتور إن تكون أعماله مجرد صور في هذا السياق، بل يمارس الخداع الفنى ليتسلل داخل اللغة البصرية لإنسان الإنترنت المعاصر ليتلاعب بالصور وينتج منها قيم جديدة تثير الألفة وتدفع المتلقي من تأمل لوحته فقط  إلى تأمل كافة الصور التي يشاهدها ويتعرض لها ليل نهار.

الانترنت، صور الأخبار، شاهد قبل الحذف، الشرق والغرب، البروبجندا السياسية، الأيقونات البصرية للدول القومية.. مثل هذه الأفكار تشغل معظم أعمال فيكتور. لكن على عكس التيار السائد في الفن المفاهيمي، اختار فيكتور وسيط تقليدى للتعبير عن هذه الأفكار وهو اللوحة الزيتية.

في سلسلة أعماله “الإنترنت يكذب” وحد فيكتور التكنيك المستخدم في معظم اللوحات، فهى لوحات زيتية أفقية، اختيار الزيت لا اكريلك هو اختيار مفاهيمى قبل أن يكون اختيار تقنى، فالزيت ينتمى إلي تقنيات الرسم القديمة. وبينما يسود استخدام الأكريلك يعود فيكتور إلي التوال والزيت، ليصنع مفارقة جديرة بالتأمل وهى تقديم مشاهد يومية من الأخبار بلوحات زيتية يستغرق رسم اللوحة الواحدة أياماً. وذلك

لأن الرسم بالزيت يتطلب انتظار جفاف الطبقة اللونية حتى يمكن أن يضع الفنان فوقها طبقة آخري، لتكون النتيجة هالة من القدسية تضيفها اللوحة الزيتية على الصورة ذات الطبيعة الخبرية السريعة. وأخيراً يموضع فيكتور لوحته بشكل أفقي، لتتشابه في أبعادها مع  شاشة اللاب توب أو أغلفة المجلات ليصنع خيط من الألفة مع عين المتلقي وذاكرته البصرية التي ستربط تلقائياً بين اللوحة وأغلفة المجلات والشاشات، المصدر الأول للصور لدى إنسان العالم المعاصر. لكن أمام لوحات الزيت والعزلة التي يفرضها فيكتور على الرموز التي يختارها تظهر المسافة الشاسعة بين اللوحة والمعنى السياسي للرمز.

 يدرك فيكتور أيضاً المعانى المتعارضة للرموز خصوصاً بين الشرق والغرب. فداندو المولود في بولندا عام 1983 درس الفنون الجميلة في بولندا ومصر، وعاش وعرض أعماله في عدد من العواصم العربية والغربية، لذا فحينما يعرض لوحة يتداخل فيها علم بولندا مع علم السعودية يدرك أن استقبال المشاهد البولندى لتلقي اللوحة سيختلف عن المشاهد العربي، وحينما يضعنا في مواجهة بورتريه للبابا وتحته عبارة “الإنترنت يكذب” يجعلنا نسقط في دائرة مُتنوعة من التأويلات، وهى متعة أخرى تضاف إلى متعة تأمل لوحات فيكتور، فاللوحة واحدة لكن قراءتها تتنوع وتتعارض مع بعضها البعض على حسب موقعك في الملعب العالمى للأحداث.

يوقظ العمل الفني لدى فيكتور الشك.

لا تغمض عينيك، بل افتح عقلك واترك نفسك لدوامة الصور واللوحات التي يقدمها فيكتور داندو في هذا المعرض، وإذا كان فيكتور يصر إن الإنترنت يكذب، فتذكر إن الحقيقية ليست قصراً مشيداً وسط حديقة من الورود، بل ربما تختبأ في ضربة فرشاة على سطح قماش اللوحة.

الشك باليقين -2- سلسلة هزلية غير مكتملة

في عربة ترحيلات من الصفيح، وبأيدى مكبلة بقيود حديدية صنعت في تايلند نقلت مع ثُلة من المساجين إلي قسم الشرطة في منطقة رملة البواكى. وقفنا في طابور العد والتمام لدى وصولنا القسم. أتى ضابط برتبة كبيرة نظر إلي حذائي وبدلتى التى بدت متابينة بجوار غيري من مساجين يغطيهم التراب وملابسهم عليها آثار العرق وبهدلة الحجز. تناول الضابط أورواقي ونظر فيها ثم إلي أمين الشرطة الذي يصحبنا، ثم وقع على الأوراق وبلا داعى للصراخ رفع صوته، دخلهم يلا يابنى مش عايزين دوشة وزحمة هنا.

فك “منمون” الأغلال الحديدية من يدى وقادنى نحو الزنازين. فح بجوار أذنى أثناء سيرنا هامساً، كامل بيه شكلك محترم وابن ناس والقسم عندنا عيال مجرمة ومبرشمة لكن كلمت لك الضابط يحطك في أودة عندنا للمرضي والعواجيز والموظفين والناس المحترمة زى حضرتك. فهمت إشارته وجاوبته، تسلم في عينى ياباشا تيجى الزبارة بكرة وهزبطك.

-أنا مش جاى بكرة.

أخرجت من جيبي ورقة واحدة فئة الألف جنيه هى كل ما كان معى حيث تركت محفظتى مع عطيات قبل ترحيلنا من المحكمة. قلت له، كل اللى معايا تاخد مائتين وتجيب الباقي. تناولها من يدى وهو يفتح لى باب الزنزانة ويقول، أفكها وأجى لك.

ثم أغلق باب الزنزانة خلفي. لم يأتى ثانية بالطبع.

* * *

أنا أكون في زنزانة في حى رملة البواكى، صدفة أم إشارة على الطريق. قبل أيام من المحاكمة كنت غارقاً في تاريخ هذا الحى الواقع على ضفاف النهر. باب المدينة الشمالي في قرون سابقة وموقع الميناء النهري القديم. من هنا دخلت الجيوش منتصرة، وخرجت غير آسفة. عبرت القوافل في طريقها للشرق. حملت البضائع على السفن في طريقها للشمال. دخل الرسل والسفراء القادمين من بلاد الشمال باردة متهيبين من رائحة المدينة النافذة. بركت الجمال في انتظار الأحمال والسلع. وأمام مبنى القسم كانت الأروقة المعمدة التى تحتوى البواكى تحتضن الأسواق ويصطنع التجار من أقواسها خانات ومحال تعرض فيها خيرات ثروات الشرق والغرب. أرض القسم الذي أنزل فيه سجيناً الآن من سبع قرون كانت قصر الدرك ومقر المحتسب. مجلس المحتسبين يزنون السلع، يفتشون السفن، يطلعون على هويات المسافرين ويسجنون المشتبه فيه، يمارسون دوراً قديماً يعود إلي آلاف السنة الخيالية حيث قبض أجدادهم على أخو النبي يوسف بتهمة السرقة قبل خروجه مع أخوته من ميناء بري آخر.

لا تزال البواكى الحجرية صامدة في الخارج، وأجزاء كاملة من الأروقة المعمدة تنتصب وعلى جدرانها أثار السباخ والهباب وتلوث مئات السنين. زرتها قبل أيام لمعايشة أشباح روايتى التاريخة الجديدة التى أعمل عليها. لكن فخر أسواق العالم تبدد. والبواكى صارت ورش لتصليح السيارات وأعمال النجارة البدائية وتشكيل الحديد. لكن مقر الدرك هدم أكثر من مرة حتى صار واقع حاله ودخلته اليوم سجيناً.

مع حلول المساء افترشت بطانية وسخة تفوح رائحة العطن منها. لم يكن معى في الزنزانة غير عجوزين، ولم نتبادل طوال النهار إلا كلمات بسيطة. عزم أحدهم عليا بسجارة لكن اعتذرت.

غير مدخن.

خفت أن يري موقفي تكبراً. فقبلت رشفة من الشاى الذي ادخله له السجان في زجاجة بلاستيكة انكمشت بفعل حرارة المياة داخلها.

ثلاثة أمتار في خمسة مساحة الزنزانة، جدار في الركن يحتوى على حفرة وصنبور مياة مشكلاً ما يفترض أنه حيز الحمام. باب حديد، نافذة بقضبان وشبكة حديدية صدءة، يمكن من خلالها أن تلمح قمم أشجار المستشفي العتيق المجاور للقسم. في سقف الغرفة مصباح أقرب لزاوية الحمام، وتكيف معطل محاط بقفص معدنى حتى لا تطاوله أيدى المساجين فتخربه أو تكسر أجزاء منه.

حاولت النوم دون جدوي. انتبهت لفراغ معدتى لم أكل طوال اليوم، لكن رغم ذلك لم أشعر بالجوع. انتبانى الحنق لاستسلامى واستهانتى رغم وجود عشرات الأمثلة المشابهة لحالتى لاقت ذات المصير. كيف لم أتعظ وظللت واثقاً من حصانتى الوهمية وأنى لن ألاقي ذات المصير.

هونت الأمر على نفسي بأنى على الأقل في السجن لست مقتولاً، ولا مطعوناً بسكين في الرقبة مثل الكاتب اللص المأفون الذي كانت سرقته لحياتى دافعاً لاكتشاف صوتى، وامتهان الكتابة. الكتابة التى قادتنى لهنا وابعدتنى عن حضن عطيات، في زنزانة بصحبة عجائز لا يتوقفون عن تدخين السجائر الرخيصة. لكنى ما خسرت السبيلا، ولست بنادم حتى لو لم أعرف خطيئتى.

خلعت جاكيت البدلة. طبقته ووضعته أسفل رأسي كوسادة، لكن النوم لم يأت بل حضرت أمى وحياتى معها. حنانها وعيونها الخضراء. تمنيت لو أنام لأحلم بها لكنى حتى لو غفوت أعرف أنها لن تزورنى.

غفوت فيما يشبه خلسات الكري. حينما استيقظت كان نسيم بارد منعش يدخل من النافذة مجدداً هواء الغرفة. ارتفع صوت غناء كروان. الفجر يقترب وأصوات يقظة الطيور وغنائها ورفرفة الأجنحة تزداد. تماماً كالغناء الذي كنت أسمعه صغيراً في بيتنا بجزيرة الروضة في وسط مجري النهر. كانت ماما تستيقظ في مثل هذا الوقت كأنما الكروان والعندليب وطيور الأشجار النهرية تغنى لها، وفي طريقها للوضوء إلي الحمام ترد ماما على الطيور وهى تبسمل وتسبح وتشكر، وأعرف أنها في تمتماتها تدعو لى.

تنهدت بصوت عالي مغالباً صعود الدمع لعينى. فات أوان الندم، وخفف من ألمه غناء الكروان الآخذ في التصاعد ككورال موسيقي يرد بعضه على بعضه. استدرت مستلقياً على جانبي الأيمن وبينما ادخل لأرض النوم أتانى صوت الغناء البعيد من التكية واضحاً بلغة لم يعد أحد يغنى بها في هذه البلاد “بلبلي خون دلى جورد/ وكلى حاصل كرد”.

غفوت عند شروق الشمس من جديد.

 

سوق العقارات والبرجوازية: تحولات سوق الفن العربي في ربع قرن

في عام 1989 دخل رجل الأعمال والملياردير المصري نصيف ساويرس إلي أحد المعارض التجارية المقامة في فندق الماريوت، ضم المعرض عدداً من السلع الفاخرة إلي جانب الأثاث
‎والتحف. في زاوية من المعرض كانت شهيرة إدريس وغادة شهبندر يحتلان مكاناً يبيعان فيه عدداً من اللوحات والأعمال الفنية لأسماء مهمة في مجال التصوير ذلك الوقت. صبري راغب كان الاسم الأبرز في تلك المجموعة. وكانت السيدتان تخوضان خطواتهما الأولي في مجال جمع وتجارة اللوحات، وتقديراً لدورهما منحهما صبري راغب واحدة من لوحاته المفضلة علي سبيل العرض لا البيع إلي جانب لوحتين يمكن بيعهما.

‎كانت لوحة صبري راغب طبيعة صامتة لزهرة حمراء. وكما الحب من النظرة الأولي الذي يكون العالم بعدها مختلفا عن العالم قبلها، وقع نصيف ساويرس في حب اللوحة. وطلب شراءها. حاولت غادة وشهيرة اقناعه بأن اللوحة ليست للبيع، لكن نصيف تمسك بطلبه. وأمام إلحاحه اتصلت غادة بصبري الذي انفعل وانزعج من طلبها وأخبرها بأن اللوحة ليست للبيع، لكن ساويرس أصر علي طلبه بشراء اللوحة، فقرر صبري راغب طلب رقم ضخم يساوي ثلاث أضعاف الأسعار المعتادة في السوق. بثقة قال صبري راغب:

‎-عشرة آلاف جنيه.

وبسرعة وحسم كان رد نصيف:

‎-موافق.

‎لتصبح لوحة راغب أغلي لوحة تباع لفنان مصري معاصر وعلي قيد الحياة وقتها حسبما تؤكد غادة شهبندر، في فترة كان السوق يتحرك فيها والأسعار التي كانت لا تتجاوز المئات أصبحت تصل إلي الآلاف. والتمدد العمراني ينتشر لخارج القاهرة ليؤسس مدناً جديد. وغزو صدام حسين الكويت يدفع ما تبقي من مشروع الوحدة العربية الايدلوجيا للانهيار. كانت الخرائط تتغير، وسوق الفن العربي يولد مُتعثراً.


‎عالم ما قبل 1989

 

‎مع تأميم الحياة الثقافية والفنية في الستينات في مصر خضعت الفعاليات الفنية والمساحات الثقافية إلي الاشراف والتنظيم من قبل الدولة. في الثمانينيات إلي جانب قاعات الدولة كان عدد الجاليرهات الفنية في القاهرة بسيطا، والسعر الأقصي لما يمكن أن تباع به لوحة لا يتجاوز ثلاثة آلاف جنيه. تتذكر غادة شهبندر الأسماء البارزة في السوق ذلك الوقت جاليري سفر خان، طارق المرصفي جاليري أرابيسك. وجمهور الفن يقتصر علي قائمة محدودة من الأسماء التي حتي في حالة اهتمامها وشرائها لأعمال فنية فستكون لفنانين من الأسماء الكبيرة والتي حققت وأثبتت وجودها.

‎في هذه المرحلة حيث الانسحاب الكبير لأجهزة الدولة من المجال الثقافي والفني، كانت غادة شهبندر مع صديقتها شهيرة إدريس تستثمر مهارتها وذائقتها في الديكور في الاتجار في عدد من التحف والتابلوهات الفنية. بدأ الاثنان أيضاً في زيارة المعارض الفنية والتعرف علي الفنانين. وقتها كان قطاعا كبيرا من الفنانين المعاصرين يمتلك استديوهات في وكالة الغوري أو عدد من البيوت الأثرية التي رممتها الدولة ومنحتها لهم كاستديوهات فنية. بالتالي فزيارة مثل هذه الأماكن منح غادة شبكة واسعة من العلاقات مع فنانين من مختلف الأجيال.كان لدي الدولة نظام متكامل صحيح يشوبه الكثير من العيوب لكنه يعمل ويقدم مظلة لدعم الفنانين، فالدولة توفر الاستديوهات للفنانين للعمل، وتمتلك الجاليرهات التي تعرض فيها الأعمال الفنية، وتدير لجنة المقتنيات التي تشتري الأعمال ولجان آخري توزع الجوائز علي الفنانين.

إقتصاديا كانت مصر تستكمل خطوات التحول إلي نظام السوق الحر، يتم تخصيص المؤسسات الحكومية وبيعها، وبالتالي تتقلص ميزانياتها في كل نواحي الانفاق الخدمي ومنها بالطبع الانفاق الثقافي. يُفتح السوق المصري أكثر فأكثر أمام الشركات العالمية. ولجمهور النخبة الاقتصادية الجديدة كانت تقام معارض خاصة في فنادق الخمس نجوم. وفي هذه المعارض بدأت غادة شهبندر للمرة الأولي في عرض لوحات لفنانين معاصرين.

جذبت عروض غادة وشهيرة انتباه قطاع من الجمهور، فتوسعت أنشطة الاثنين لتمتد لإقامة معارض خاصة. وقتها كانا يستغلان وجود شقة خالية عند أحد معارفهما، لإقامة معرض قد يستمر لأسبوع وبضعة أيام. بتوالي المعارض التي كانت تقيمها غادة توسعت دائرة عملائها، وتوسعت كذلك دائرة الفنانين الذين تتعامل معهم.

 

 قائمة الفنانين الذين عرضت لهم غادة ضمت صلاح طاهر، بيكار، سمير فؤاد، جاذبية سري، ناجي باسيلوس. إلي جانب فنانين شباب وقتها، بعضهم استمر وبعضهم غادر كهدي خالد، فاطمة رفعت، وموريس فريد. البعض الآخر كحسن سليمان رفض أن يعرض معهم لأنهم كانوا يعرضون في شقق مؤجرة وليس جاليرهات مجهزة لكنه أعطاهم في الوقت ذاته أسماء لفنانين زملائهم قد يتحمسون للعمل معهم.
‎صنعت غادة شهبندر أسمها كأحد الأسماء البارزة في سوق الفن وقتها. لكن عائدات الفن المادية لم تكن بالقدر الكبير لذا فلم يكن بإمكانها تأجير مكان بشكل مستمر وتحويلها لجاليري. فضلت العمل بشكل حر. وبدأت في تلقي عروض نوعية مختلفة. فالشركات العالمية التي بدأت في ممارسة نشاطها في مصر بدأت في الاستعانة بغادة لاختيار لوحات فنية لوضعها في مقاراتها أو بعض المكاتب كانت تسعي لتكوين مجموعتها الخاصة للفنانين.

‎صممت واختارت غادة اللوحات التي كانت تعلق في مقر عدد من الشركات الكبري وقتها أبرزها “أمريكان اكسبريس”، “كاربت سيتي”. أحياناً كان يطلب منها مهمات بسيطة كاختيار اللوحات في مكتب مدير الشركة أو في دور كامل.

في الوقت ذاته وصلت “ستيفاني” إلي القاهرة عام 1990، في زيارة استكشافية لتأسس جاليري مشربية في وسط البلد، عملت “ستيفاني” قبل قدومها في عدد من الجاليرهات في إيطاليا المتخصصة في الفن المعاصر. وكان طموحها الأساسي تأسيس جاليري يقدم الفن كحالة مكتملة وليس كديكور يتماشي مع الأثاث.

تتذكر ستيفاني كيف حينما وصلت القاهرة كانت بعض الجاليرهات تعرض اللوحات وتبيعها مع الكنب وقطع الأثاث بحيث تتماشي اللوحة مع الكرسي المباع.

الفن يدخل السوق الحر


عملت غادة في سوق الفن من 1986 وحتي منتصف التسعينات، وهي تؤكد أن فترة نهاية الثمانيات تحديداً شهدت اتساعا وتغييرات طفيفة في سوق الفن، ارتفاع في الأسعار واتساع في شريحة الجمهور المهتم، تعود هذه القفزة الطفيفة إلي عدة أسباب:

‎-في نهاية الثمانينات وسعت الحكومة من خططها الانشائية ودعمها للمدن الجديدة، نتيجة لهذا حدث توسع كبير في سوق العقارات خصوصاً في غرب القاهرة وشرقها مع إنشاء مدينة 6أكتوبر ومناطق امتداد مدينة نصر والتجمع الخامس. عادت من جديد لتظهر البيوت الواسعة والفيلات والقصور الفخمة والباذخة.
‎-النخبة الاقتصادية الجديدة اتخذت من الفن وسيلة للتباهي وصنع التميز الطبقي، وبالتالي فتعليق أعمال ولوحات فنية أصلية في المنزل إشارة علي خصوصية اجتماعية. حيث تميزت هذه الفترة بالبزخ الشديد.

-المؤسسات الاقتصادية العالمية والغربية التي بدأت بالعمل في السوق المصري نقلت تقاليد غربية جديدة في العمل وفي السلوكيات التسويقية. منها الفن كعنصر جمالي وتسويقي يعكس هوية الشركة أو المؤسسة الاقتصادية، ومنها التعامل مع الفن كاستثمارات طويلة المدي ويمكن حفظ المدخرات فيه.
‎شهدت هذه الفترة ظهور الكثير من الأعمال القديمة للرواد التي كانت مخفية منها تماثيل لمختار ولوحات لمحمود سعيد. وفي سوق جديد بلا قوانين أو مؤسسات ضابطة انتشر التزوير. ووجدت غادة أنه إلي جانب دورها تقوم بدور المحقق خلف كل لوحة.


‎تتذكر أن أحدهم طلب منها تسعير لوحة لحسين بيكار، فذهبت بها إلي الفنان الذي ابتسم بهدوء وأخبرها أن اللوحة جيدة لكنها ليست له، بل أحدهم يقلد أسلوبه.


‎المقرئ والأساور الذهبية

 

يحكي سلطان القاسمي مدير شركة “باراجيل”   أنه ذات مرة أقامت واحدة من الصالات مزاداً علي عدد من اللوحات من ضمنها لوحات لمحمود سعيد، وفي الكاتلوج الذي تم توزيعه علي رواد المزاد احتوي علي لوحات عارية لمحمود سعيد تم تغطيتها ببوستر. كريم فرانسيس مدير جاليري كريم فرانسيس يدافع عن الصالات بأنها تفعل ذلك نتيجة لقوانين البلاد العربية وليس بسبب قوانين تفرضها الصالات نفسها.
‎لكن غادة شهبندر تري أن التقييم الأخلاقي للفن أو ضعف الاقبال علي اللوحات العارية منبعه الأساسي قيم اجتماعية تتغير أحياناً بتغير العصر والمناخ. في أوائل التسعينيات عرضت لوحة ذات الأساور الذهبية لمحمود سعيد عليها بمبلغ لا يتجاوز المائة ألف جنيه، ومعهد العالم العربي في باريس رفضها وفضل شراء وعرض لوحة المقرئ لأنه رأي أنها تمثل الفن أكثر من لوحة عارية لسيدة سمراء.

‎”في الثمانينيات وبداية التسعينات كان هناك مناخ اجتماعي عام يرفض اللوحات العارية، ولم يكن الأمر بسبب المد الإسلامي فقط بل يشمل المجتمع بمختلف طوائفه.” تشير غادة ونحن جالسون في بيتها إلي لوحة لصبري راغب تظهر فتاة تتزين أمام المرأة ترتدي قميص نوم أسود قصير. اللوحة اشترتها سيدة من عائلة قبطية برجوازية ثم طلبت تبديلها بعد أيام لأن ابنتها لن تقبل لوحة عارية في المنزل. ولهذا فما تصفه غادة شهبندر بالقيم الاجتماعية المتغيرة يتغلغل ليعبر عن نفسه في ممارسات مؤسسات ثقافية ذات طابع دبلوماسي كمعهد العالم العربي تسعي لتقديم تصورات عن الذات في أرض الآخر، ذات القيم ستمارس حتي علي أكثر أشكال التنظيم الاجتماعي الأساسية (الأسرة). تحكي غادة عن عائلات كانت تعرض عليها لوحات لجورج الصباغ لأن الأبناء يرفضون وجود لوحات عارية في المنزل.

‎في 2012 يعرض في جاليري مصر لنادين همام أعمال متنوعة أنجزت علي طوال الفترة التي تلت ثورة 25 يناير تحمل اسم ” Tank Girl” (فتاة الدبابة). والكتيب التعريفي المصاحب للمعرض سيخبرنا “ينطلق صوت الفنانة من خلال عملها الفني الذي حرصت علي تسميته “فتاة الدبابة” معتمدة علي إعادة التركيب في الأنماط والأنساق. تحاكي في هذه الإعادة توليفة من تحولات القوة. تجلس فيها المرأة مسيطرة علي واحدة من أشرس آلات الحرب: الدبابة كرمز في إشارة منها إلي قدرة المرأة علي فرض قوتها وانتصارها في معركة إثبات الوجود”. سيختتم الكتيب بفقرة بيانية: “تأمل الفنانة من خلال تعاملها مع هذه الرموز المعقدة إيجاد دور أكثر فاعلية للمرأة المعاصرة في المشهد السياسي والاجتماعي. فتاة الدبابة تمثل هنا كل امرأة مصرية”. وفي لوحات من الأكريليك تواجهنا فتاة الدبابة بتكونات أنثوية الطابع في أوضاع استعراضية وقد تطبعت فوق أجسادهن والمساحات التي تملأ الفراغ جرزان أحياناً أو كلمات بالانجليزية شكلت بالواقيات الذكرية. محمد طلعت مدير جاليري مصر سيعلق أن تلك القيم الاجتماعية تغيرت الآن. بالعكس الجمهور الجديد المقبل علي شراء الفن ينجذب أكثر إلي الأعمال الأكثر معاصرة والتي تستخدم وسائط متعددة وليس لديه مشكلة مع اللوحات والأعمال التي تحتوي علي عري أو حتي تتخذ من الجسد أو الإيروتيكيا موضوعاً لها كما في مجموعة “إيروس” لدسوقي فهمي والتي عرض جزء منها في جاليري مصر أيضاً.


‎مغامرون جدد

 

حتي منتصف التسعينات لم تكن هناك قوانين واضحة لسوق الفن يتم علي أساسها تحديد الأسعار والتأكد من صحة الأعمال، لكن كان هناك كود أخلاقي لا توجد جهة تراقبه. الفنانون هم من يضعون أسعار أعمالهم الفنية والجاليرهات تعرض وتتقاضي نسبة مقابل الأعمال المبيعة. بعض الفنانين في الثمانينيات كان ينظرون بريبة إلي الجاليرهات ويطلبون من الجاليري شراء أعمالهم. سواء ما يمكن أن يحدث من انتهاك لهذا الكود الاخلاقي أن يعرض فنان لوحة له في جاليري ويبيع لوحة من ذات المجموعة بسعر أقل من المعروض في الجاليري.

‎بخلاف الأكواد والقيم الأخلاقية لا توجد منظومة قانونية في مصر خاصة بسوق الفن، وعلي سبيل المثال ففي 2005 حينما ظهرت قضية جاليري عايدة أيوب والتي كانت تبيع لوحات مزورة لزبائنها بصفتها أعمالا أصلية لرواد الحركة الفنية تعاملت معها المحاكم المصرية كقضية نصب واحتيال، فلا توجد مواد في القانون المصري تعاقب علي عمليات تزوير اللوحات الفنية.

قضية عايدة أيوب ذاتها تكشف جانبا من الخلل المحيط بسوق الفن في مصر، فقد بدأت في العمل في سوق الفن بداية من التسعينات وباعت لزبائنها عشرات اللوحات التي كان يقوم بتزويرها الفنان الراحل يسري حسن وكونت عايدة شبكة من العلاقات الثقافية الواسعة منحت بسببا لقب “راعية الفن” من قبل وزير الثقافة وهو لقب شرفي تمنحه الوزارة وتم سحبه منها بعد إدانتها في القضية 2238 3 لسنه 2006. ولم يتم اكتشاف أمر التزوير إلا حينما حاولت مي زيد إحدي زبائن عايدة التأمين علي بعض اللوحات التي اشترتها منها فاكتشفت بالمصادفة أن كل ما اشترته منها مزور.

‎الحراك الذي شهده سوق الفن المصري كان منبعه تدافع النخبة البرجوازية الجديدة إلي اقتناء الأعمال الفنية، بعضهم تشجع تعلي دخول السوق بذات المنطق التجاري المعتمد علي الكسب السريع، لكن البعض كان ينسحب كغادة شهبندر التي توقفت عن العمل في مجال سوق الفن في منتصف التسعينات والسبب كما تقول كان نوعية الزبائن التي بدأت تهتم بالفن. في أحد المعارض التي كانت تنظمها تحكي غادة أنها كانت تقف مع الفنانة صاحبة المعرض حينما سمعت زبونة تقول أنها ترغب في شراء اللوحة لأن ألوانها تتماشي مع لون الصالون عندها، شعرت الفنانة بالاهانة ورجت غادة ألا تبيع اللوحة لتلك الزبونة.

‎أصحاب الجاليرهات الخاصة حتي ذلك الوقت معظمهم كانوا من السيدات، ودخلن السوق بدافع الاهتمام بالفن أولاً ولتحقيق الربح المادي ثانياً. فإلي جانب غادة كان هناك شيرويت الشافعي صاحبة جاليري “سفر خان” والتي بدأت نشاطها ببرنامج في التلفزيون المصري كانت تقدمه في الستينات، ثم افتتحت جاليري سفر خان حيث تحولت إلي العمل في سوق الفن بعد توقف نشاطها الإعلامي في التلفزيون.
‎بينما لا يزال جاليري سفر خان مستمرا في العمل حتي الآن، فغادة شهبندر لم تستطع الاستمرار في السوق لأكثر من عشر سنوات لأنها سئمت من التعامل مع الزبائن وطريقة تعاملهم مع الفن والفنانين وبعد عشر سنوات ستؤسس غادة لحركة شايفنكم لكشف الفساد وعمليات التزوير الانتخابية التي كان يقوم بها نظام مبارك وستصبح غادة من أبرز الأسماء الناشطة سياسياً خصوصاً بعد ثورة 25 يناير.

انسحبت غادة من السوق بينما كان هناك مغامرون جدد يدخلون. كريم فرانسيس كان وقتها في بداية التسعينات في رحلة بحث عن الذات تنقل في عمله بين مجال الاستيراد والتصدير ثم السياحة وأخيراً بدأ يهتم بالفن. خصص كريم ثلاث سنوات يقرأ فيها عن الفن ويتعرف علي الفنانين والممارسات الفنية المختلفة. ثم قرر كريم فرانسيس خوض المغامرة وافتتاح الجاليري الخاص به.

‎في شقة يملكها بشارع الشريفين في منطقة وسط البلد أقام كريم فرانسيس عام 1995 معرضه الأول والذي اتخذ من الهوية عنوانا له. كان معرضا جماعيا لعدد من الفنانين منهم محمد عبلة اتسع ليشمل أعمالا أدبية حيث عرضت خلالها مخطوطات للروائي صنع الله إبراهيم.

‎بينما نجلس وسط منحوتات صبحي جرجس يتذكر كريم فرانسيس البدايات قائلاً: “حينما بدأت العمل في سوق الفن، كان معظم المشترين يقبلون علي أعمال الرواد القدامي، المسألة بسيطة كل مشتر يشعر بتماس مع الفنانين الذين ينتمون لجيله، لكن بدافع شغفي الخاص أردت تقديم أسماء جديدة وأفكار جديدة في الفن لم تكن معروضة بعد في السوق، أقمت سلسلة معارض جماعية بعنوان المواهب الجديدة سعينا إلي تقديم أسماء تعرض لأول مرة وتجارب وأنواع فنية خارج حتي نطاق لوحة الحامل بل تمتد لتشمل الأعمال المركبة والفيديو آرت “.


‎فرحة البيع

 

‎تغيرت السياسية المصرية لتصبح أكثر انفتاحاً وسعياً للاندماج في السوق العالمي الجديد في التسعينات، ووقعت مصر علي الكثير من اتفاقيات الشراكة بينها وبين الاتحاد الأوروبي وشملت هذه الاتفاقيات بنودا واضحة علي التعاون الثقافي. بدأت عدد من المؤسسات الثقافية الأجنبية العمل في مصر حيث نظر لها في البداية بالكثير من التشكك، وقاطعها نقاد الفن علي الساحة أبرزهم أسامة عفيفي الذي اعتبر ممارسات المؤسسات الثقافية والفنية الأجنبية دخيلة علي مسيرة الحركة المصرية وتأتي في إطار خطة لزعزعة الهوية الوطنية المصرية. ومن فورد حتي جاليري التاون هاوس ستتعرض المؤسسات الفنية التي لعبت دوراً هاماً في دعم الممارسات الفنية المعاصرة لهجمات من التخوين والتشكيك وصلت إلي حد وصف الناقد الفني صبحي الشاروني دور هذه المؤسسات بالخبيث في كتابه ” موسوعة الفنون الجميلة المصرية.. في القرن العشرين”.

‎تعمل المؤسسات الفنية بقواعد إقتصادية مختلفة فنظراً لأنها مؤسسات غير ربحية فلا يمكنها بيع الأعمال الفنية، وهذا النمط الذي لا يعتمد علي بيع الفن بل استخدامه ضمن إطار خطط التنمية سمح بانتعاش الممارسات الفنية المعاصرة ومنح الفنانين الشباب مساحات للتوسع والتجريب في الأعمال المركبة والفيديو آرت وهي الأعمال التي يصعب بيعها للجمهور العادي وأحياناً لا يمكن بيعها. هي أيضاً ذات الممارسات التي لم تلق ترحيبا من المؤسسات الفنية الحكومية وتعرض جيل التسعينات من الفنانين للتهميش والنبذ من قبل المؤسسات الرسمية التي تمسكت بعرض وتقديم الفن الذي يمثل الهوية المصرية من وجهة نظرها.
‎وسط هذا الصراع والتغييرات الفنية كان كريم فرانسيس يحاول خلق نمط ثالث، أقرب ما يكون إلي نمط عمل “ستيفاني” مدير جاليري مشربية التي رفضت التعامل مع الفن الأكاديمي أو عرض لوحات لفنانين راحلين وفضلت التركيز علي الفن المصري المعاصر. رفض كريم تحويل الجاليري إلي مؤسسة فنية تعتمد علي التمويل وفضل الاستمرار في مغامراته، رفض كريم للتمويل لم يكن بداعي التخوين بل لعدة أسباب آخري يعددها قائلاً:

‎-” أولاً: لست مقتنعا بمسألة تمويل المؤسسات الفنية، أنا شخصياً لو منحتني المال فلن أعمل ولن أجتهد لعرض الأعمال وتسويقها. أيضاً مسألة “البيع” في حد ذاتها مهمة للفنان ولي كصاحب جاليري ليس فقط للربح المادي بل أيضاً لأنها تمنح العمل قيمة معنوية. هناك فرحة حقيقية تتملكني عند النجاح في بيع عمل”.

‎-“ثانيا: يحول نمط العمل في المؤسسات المدعومة الفنان وصاحب الجاليري إلي موظفين يتلقون تمويلا شهريا، أما البيع فيمنحك مساحة حرية أكبر.”

‎-“ثالثا: العمل مع هذه المؤسسات يتطلب الكثير من الأوراق والخطوات الروتينية وملء استمارات طلبات تلقي التمويل التي تحتوي علي أسئلة في رأيي ليس لها أي معني لكنك مضطر للإجابة عليها وتقديم ما تريده المؤسسات الداعمة، أو تغليف ما تريده بأفكارهم ومفاهيمهم التنموية. بينما في الجاليري الخاص كل ما تحتاجه الحصول علي رخصة وسجل تجاري.


‎لكن يقبل كريم تمويل تلك المؤسسات لعمل بعض الفنانين خصوصاً أعمال الفيديو آرت المكلفة والتي لا يمكن بعد ذلك تسليعها وبيعها.

‎كان جاليري كريم فرانسيس من أوائل الأماكن التي فتحت أبوابها لجيل التسعينات من الفنانين الذين أصبحوا الآن نجوما تباع أعمالهم بمئات الآلاف. يتذكر فرانسيس أنه عرض في التسعينات عملا لغادة عامر كان مطروحاً للبيع بخمسة آلاف جنيه ولم يهتم أحد بشرائه الآن نفس العمل تم بيعه ب165 ألف دولار أمريكي.

‎فتح كريم الجاليري لمغامرات جديدة، يضحك متذكراً الدهشة التي كانت تعلو وجه زوار الجاليري حينما يشاهدون عملا مركبا ويقول: “كان البيع قليلاً جداً ولذلك فكرت لماذا إذن لا ننفتح علي تجارب وممارسات جديدة. كان الزوار لا يفهمون ما يحدث وكنت أعرض لهذه التجارب والأعمال في محاولة للفهم والاستيعاب وخلق حوار حول هذه التوجهات الجديدة”.

‎لعب جاليري كريم فرانسيس وجاليري مشربية بالتعاون مع التاون هاوس دوراً حيوياً في طرح بدائل ومسارات جديدة للحراك الفني، وتعاون الثلاث أماكن في سنة 2000 علي إقامة مهرجان “نطاق” الفني الذي أقيم بالتوازي مع بينالي القاهرة. وهو الحدث الذي تصفه نيجار عظيمي في مقال لها: “العلامة الأكثر وضوحا لمشهد الفن المصري الذي اهتز و ما عاد كما عهدناه هي بفعل مهرجان النطاق.”

‎تفصل عظيمي أسباب تميز المهرجان قائلة: ” قدم نطاق عرضا لميول الفنانين من الجيل الجديد الذين يشتغلون بأدوات تعبير تتحدي أفكار المعاصرة السائدة. هُندس للبدء في نفس يوم الإفتتاح لبينالي القاهرة 2001 و بهذا يكون مهرجان النطاق الثاني بالذات قد أدي دوره الإنحرافيا بكل معني الكلمة. بينما أختص بينالي القاهرة بإعتماده علي التقاليد في المفهوم و التنسيق، أثبت مهرجان النطاق إنه غير عادي علي الإطلاق، مُغيرا المفاهيم الراكدة التي تحيط بإستعمال الفضاء و المواد، و إمكانية أن يُجردّ جسم العمل الفني من المادية البحتة. ك ما بعد حداثيينا حقيقيين، كانت الوسيلة المفضلة لفناني النطاق هي العمل الإنشائي المتعدد الوسائط و المواد الذي أنجز بميول مفاهيمية .و منذ ذلك الحين انطلق عدد من فناني النطاق، من بينهم لارا بلدي، أمينة منصور، حسن خان، وائل شوقي، و مني مرزوق، للعرض علي نحو عالمي واسع.”


‎رجال المزادات في مدن الصحراء

‎في حوار معه عبر اسكايب يقول سلطان القاسمي: “حتي التسعينات كان هناك أعمال فنية، لكن لم يكن هناك سوق للفن في مصر، وكان هناك شبه غياب كامل للأعمال الفنية المصرية في الخارج. عدد المقتنين للأعمال الفنية المصرية لم يكن يتجاوز أصابع اليد الواحدة أبرزهم محمد سعيد الفارسي حاكم مدينة جدة والأمير القطري حسن بن محمد آل ثاني.”

‎مع بداية القرن الجديد كانت المدن الجديدة في الخليج العربي تتحول إلي مدينة عالمية وناطحات السحاب في الدوحة تتسابق نحو الأعلي مع ناطحات السحاب في دبي. يروي كريم فرانسيس أنه منذ بداية الألفية بدأ في تلقي دعوات ونصائح من أصدقاء له بضرورة السفر إلي دبي حيث أن هناك سوقا للفن ينمو بقوة نتيجة للنمو المتسارع لسوق العقارات. تعرف كريم في هذه الفترة علي مهندسة ديكور أوروبية تعمل في دبي، حيث اعتادت التعاون معه لاختيار أعمال فنية تستخدمها في التصميم الداخلي للمشاريع التي تتولاها.
‎بعد عشر سنوات من العمل في سوق الفن كان كريم فرانسيس قد صنع اسماً بارزاً عالمياً ومحلياً، وذات يوم في 2005 وجد وفدا من صالة كريستي للمزادات يزوره ضمن جولة استكشافية للتعرف علي الفن المصري والعربي وسوقه. سحبهم كريم فرانسيس إلي عدد من استديوهات الفنانين منهم عدل السيوي، محمد عبلة، وآدم حنين. كان رجال صالات المزادات يقومون بجولات الاستطلاع الأولي لسوق الفن العربي عبر زيارة عدد من المدن والعواصم الأوروبية تمهيداً لافتتاح أفرع لها في دبي والمنطقة الخليجية. وفي دراسة Taymour Grahne المنشورة عام 2012 عن سوق الفن في الشرق الأوسط والتي تحمل تThe Rise of the Middle Eastern Art Market Since 2006 Å، سينقل عن فيليب هوفمان Philipp Hoffmann المدير التنفيذي لمؤسسة تFine Art Fund قوله أن القيمة الإجمالية لسوق الفن في الشرق الأوسط تبلغ 10 مليارات دولار أمريكي، ومن المتوقع أن يتضاعف الرقم ثلاث مرات خلال السنوات القادمة.

‎قبل نهاية 2005 افتتحت صالة مزادات كريستي فرعها الأول في الشرق الأوسط تلتها صالة مزادات Sothebyصs وBonhamصs. غيرت صالات المزادات الكثير من وضع الفن العربي يرصد سلطان القاسمي هذه التغيرات قائلاً:

‎”-وظفت هذه الصالات باحثين ومتخصصين في الفن  لدراسة الفن المصري وتقييمه ووضعت تقارير للتحقق من الأرقام المطروحة. أحياناً كنا نسمع عن أعمال بيعت بأرقام خرافية لكن لم يكن لدينا أي طريقة للتحقق من صحة هذه الأرقام، ولذلك فقد عملت الصالات علي التحقق من تلك الأرقام.

‎-قلصت صالات المزادات من التزوير الذي كان يهدد سوق الفن العربي، حيث كانت اللوحات والأعمال المزورة وتمرر وتباع دون التحقق من مدي صحتها وتاريخها.

‎-انتجت الصالات كاتولوجات موثقة للفنانين المصريين فأصبح هناك “كتالوج روزانه يوثق لكل أعمال محمود سعيد ورمسيس يونان وغيرهما من الرواد لتكون مرجعا أساسيا لأعمالهم.”


‎ذهب البرجوازية

حينما سألت الفنان السوري يوسف عبدلكي “لماذا يشتري الناس في دبي وفي الخليج وفي القاهرة الأعمال الفنية بهذه الأسعار؟” كان رده هو الاستعانة بكارل ماركس وواحدة من عباراته حينما قال أن كل ما تلمسه البرجوازية يصير ذهباً. وصالات المزادات تعمل بشكل أساسي لجني المزيد والمزيد من الذهب. وبالتالي فيجب أولاً انشاء قانون لسوق الفن علي أساسه يتم تسعير أعمال الفنان. وفي سوق تتضارب فيه الاقوال والاحكام النقدية يأتي المزاد كأحد الممارسات التي تترك للسوق الحر مهمة تحديد سعر العمل. وعلي هذا الأساس يحصل الفنان علي رقم يتحول كما يقول محمد طلعت مدير جاليري مصر إلي مرجع علي أساسه يبيع الفنان أعماله التالية.

‎السوق يدعم أيضاً بالبرجوازية والأغنياء ومقتني الفن الذين يضعون استثمارات ضخمة في أسماء بعينها ويقتنون أعمالهم بمنطق حفظ الأموال واستثمارها، فاللوحة التي تبلغ عشرة اليوم يمكن أن تصبح بمائة بعد بضعة أعوام. وبالتالي يسعي هؤلاء علي الحفاظ علي السوق وقوانينه وفق أسس واضحة لحركته لكي يحافظوا علي قيمة استثماراتهم، فانهيار السوق أو أي تغيير جذري في قوانين التقييم والتسعير التي تحكمه يعني انخفاض مدخرات مقتني الفن وانهيار استثماراتهم.

لكن طلعت يوضح أن سوق الفن وبورصته الأساسية في مزادات الخليج يحتوي علي مساحات خلفية مفتوحة للتلاعب. يحكي طلعت كيف تقوم بعض الجاليرهات أحياناً بطرح أعمال لفنانين شباب متعاقدين معهم في المزادات ثم يقومون بشرائها مرة آخري من وسيط في المزاد بأسعار مرتفعة. وبالتالي ترتفع أسعار الفنان فيبدأ مقتنو الفنون بالبحث عن أعماله التي يقوم الجاليري بإعادة عرضها وبيعها بعدما يكون سعرها قد ارتفع اضعاف ما كانت عليه.

يشكو طلعت أيضاً من الانحيازات القومية داخل السوق قائلاً: “رجال الأعمال والمليونيرات الإيرانيون معظمهم يقيمون في دبي، لذلك يقبلون علي شراء الأعمال الفنية الإيرانية التي أصبحت تمثل جزءا كبيرا من سوق الفن تشاركه فيه الاعمال العربية، ولا يكتفي الإيرانيون بالشراء فقط بل يدعمون مشاريع فنية لترويج الفن الإيراني في دبي والدول العربية، أيضاً الجاليرهات الشامية في سوريا ولبنان لديها تكتل واضح في مواجهة الفن المصري حتي أن مدير واحد من الجاليرهات السورية أعلن منذ فترة في حديث صحفي بأنه لا يوجد في السوق الآن غير الفنانين السوريين. في المقابل في الجاليرهات في مصر لا تقوم بأي تنسيق فيما بينها.”

‎كريم فرانسيس يختلف مع الرأي السابق حيث يقول أنه شخصيا سبق واقام معارض لفنانين مصريين في لبنان وسوريا، ويضيف كريم “الجاليرهات يمكن ان تتعاون فيما بينها علي مشروع ما، لكن لا يمكن أن نتعاون او ننسق مع بعضنا البعض لأننا ببساطة متنافسون داخل سوق واحد.” أما عمليات التلاعب وطرح فنانين في المزاد من أجل رفع اسعارهم، فيري سلطان القاسمي أن هذا الامر كان يمكن أن يحدث في البدايات لكن الآن من الصعب أن تحدث مثل هذه العمليات لأن السوق ضيق جداً وإذا قام أحد الجالريهات بهذه اللعبة فسوف يكشف فوراً.لأن السوق صغير وكلنا نعرف ما فيه.”


‎الفن الحديث في المتحف

‎تخرج محمد طلعت من كلية الفنون الجميلة عام 1999، وإلي جانب عمله كفنان اهتم طلعت بعملية تنظيم وإدارة المعارض حيث أصبح مديراً لقصر الفنون في الأوبرا عام 2005 حيث عمل مع الفنان محسن شعلان الذي كان وقتها رئيساً لقطاع الفنون التشكيلية التابع لوزارة الثقافة. يري طلعت أن الفترة التي تولي فيها إدارة قصر الفنون شهدت ما يشبه الانفجار في سوق الفن حيث ظهر نوعية جديدة من مقتني الفنون الشباب، وفتحت أسواق جديدة علي المستوي العربي. بينما كانت أجهزة الدولة لا تزال متأخرة خطوة.
‎شهدت فترة تولي طلعت فتح أبواب الدولة لأسماء من جيل فناني التسعينات، تم استثناؤها لسنوات من العرض في قاعات الدولة كلارا بلدي، بسام الباروني، وائل شوقي، وحسن خان. وقد شهد دخول هذه الأسماء إلي قاعات عرض الدولة صراعاً بينهم وبين التيارات القديمة التي رأت في أعمال هؤلاء الشباب ابتعاداً عن الهوية الوطنية للفن المصري وتجاوزاً لخطوط حمراء وصلت إلي مطالبة عدد من الفنانين ونقاد الفن التشكيلي بالتحقيق مع خالد حافظ ووائل شوقي بتهمة التطبيع واهانة القيم الوطنية.

‎جزء من الاهتمام الحكومي بهؤلاء الفنانين كانت نتيجة للتقدير الذي حظيت به أعمالهم في الخارج، ومحاولة من قطاع الفنون التشكيلية للتنافس مع الجاليرهات المستقلة كالتاون هاوس التي أصبحت مرجعية يستعان بها دولياً لترشيح الفنانين للمشاركة في الفعاليات الغنية الدولية وهو الدور الذي كانت تحتكره أجهزة وزارة الثقافة. لكن رغم الانفتاح ومحاولات التغيير التي حاول محسن شعلان إحداثها في أداء قطاع الفنون التشكيلية كان أداء القطاع محصوراً بسقف الميزانية المنخفض.

‎لكن منذ منتصف 2010 كما يقول طلعت بدأ أداء قطاع الفنون التشكيلية يصاب بالترهل وهو نفسه بدأ يصاب بالإحباط نتيجة رفض الكثير من المشاريع التي كان يقدمها. خبرة طلعت أهلته ليصبح استشاريا لعدد من الشركات العقارية والسياحية حيث كان مسئولا عن اختيار وتكوين المجموعات الفنية لتلك الشركات، وبدأ هو نفسه يستعد لافتتاح جاليري خاص به هو جاليري مصر. وبينما ينسحب القطاع الحكومي المصري من المجال الفني ويقلص أنشطته، تنشط الحكومات الخليجية خصوصاً في الإمارات وقطر في المجال الفني وتتوسع في إنشاء مشاريع المتاحف المختلفة.

‎توضح Laura Damême في ورقتها البحثية “Re-Inventing the Museum in Abu Dhabi and Qatar?” كيف استخدمت الحكومات الخليجية المتاحف لأغراض مختلفة، ففي كلا البلدين تزيد نسبة العمالة والسكان الأجانب عن 90٪. لكن في الإمارات استخدمت الحكومة المتاحف لتقديم هوية عالمية عن البلد لا تشعر المواطنين الأجانب بالاغتراب وتوفر لهم روابط مع الثقافات التي يأتون منها لهذا اختارت أبو ظبي التعاون مع متاحف عالمية لفتح أفرع أو نسخ مصغرة منها كمتحف اللوفر أو المتروبوليان. بينما قطر والتي مرت بتغييرات سياسية واجتماعية جذرية في العقد الأخير تحاول من خلال المتاحف التأكيد علي الخصوصية الثقافية والهوية الإسلامية والعربية للمواطنين القطريين الذين لا يتجاوز عددهم 10٪ من إجمالي السكان. لهذا كان خيار قطر انشاء المتحف الإسلامي، ثم المتحف العربي للفن الحديث.
‎يضيف سلطان القاسمي سبباً آخر للاستثمارات الضخمة التي تضخها الدول الخليجية في سوق الفن، فانشاء المتاحف يحمل رسائل سياسية واضحة تساهم في عكس صورة خارجية عن حكومات تلك الدول كحكومات قادرة علي تلبية احتياجات مواطنيها، وإضافة أبعاد قومية وثقافية لهوية تلك الدول.
‎الاهتمام الخليجي بالفن العربي الحديث بدأ منذ الستينات مع الطلبة العرب الذين عاشوا في مصر للدراسة أو أغراض مختلفة، وكما يوضح سلطان القاسمي فحتي الثمانينيات كان هناك أربع مقتنين للفنون في الخليج العربي، أهمها حاكم جدة محمد سعيد الفارسي صاحب المجموعة الأكبر لأعمال رواد لفن المصري. ومن قطر الشيخ حسن آل ثاني الذي كانت مجموعته الفنية الخاصة النواة الأولي للمتحف العربي للفن الحديث.
‎يتبع كلا البلدين سياسية مختلفة في عملية شراء الأعمال حيث يقول سلطان القاسمي: “في الإمارات الحكومة تشتري وتقتني الأعمال الفنية من خلال هيئة المتاحف، حيث توجد لجنة من المتخصصين تقوم بدراسة اللوحات وتحديد ما يجب شراؤه. هناك لوائح تنظم عملية الشراء فبعض المتاحف لا تشتري الأعمال من المزادات. أما في قطر فقرار الشراء لحظي ويتم اتخاذه بشكل سريع حسب حركة السوق وما هو معروض، كما تشتري قطر من المزادات وأبرز اللوحات التي اشترتها من المزاد كانت لوحة الشادوف لمحمود سعيد التي بيعت بأكثر من 2.4 مليون دولار.

‎الآن يقول سلطان القاسمي أن المتحف المصري لا يزال صاحب المجموعة الفنية الأكبر حيث تبلغ مجموعته 12 ألف قطعة، وفي المركز الثاني يأتي متحف الفن الجزائري ب8 آلاف قطعة، لكن متحف قطر والذي ضم لمقتنياته مؤخراً لوحة الشادوف لمحمود يقترب سريعاً لينافس المتحف الجزائري علي المرتبة الثانية. أما المتحف المصري فيتحرك ضمن ميزانية محدودة جداً تبلغ 2 مليون جنيه سنوياً.


‎ مال العقارات والبترول

‎تتجسد الثروة في الشرق الأوسط في سوقين أساسيين، العقارات والبترول. والمتابع لتاريخ حركة الفن التشكيلي وحراك سوق الفن في الشرق الأوسط يري بوضوح كيف تلعب الأموال المتدفقة من كلا المصدرين دورا أساسيا في تشكيل وتغيير ما نعرفه عن سوق الفن.

‎بدأت علاقة الفن بالعقارات كجزء من عملية الديكور، واحتاج الأمر لمغامرات من أصحاب الجاليرهات الفنية للتمكن من فصل الفن عن الديكور، وتطور وعي المشترين بعد فترة لإدراك القيمة المعنوية والمادية للأعمال الفنية. فأصبح الفن واقتنائه جزءاً من عملية التظاهر الاجتماعي للطبقات البرجوازية. ومع توسع حركة العقارات والتمدد العمراني في المدن الجديدة خارج القاهرة، تزايد الاهتمام باقتناء الأعمال الفنية لدي النخبة الاقتصادية المصرية.

‎برزت علاقة الفن بالعقارات مرة أخري في الدبي لإعادة تسويق المدينة معمارياً وجمالياً كسوق مفتوح للفن والأعمال الفنية. وفي العقد الأخير يلعب الفن دوراً محورياً في صياغة الصورة الخارجية للدول الخليجية تحديداً قطر والإمارات، حيث يتنافس الاثنان علي اقتناء المجموعات الفنية في سباق لتأسيس متاحف حديثة تعكس صورة تقدمية عن تلك الدول وتحول الفن إلي أصول مادية لاستثمار وحفظ المال.
‎لكن رغم الانتعاشة التي أحدثها الاهتمام الخليجي في سوق الفن، فالصالات لا تهتم كثيراً بالفنانين المعاصرين، والوصول إليها صعب. كما تخضع عمليات البيع والتقييم للأعمال الفنية لشروط واعتبارات تتعلق بالثقافات المحلية في تلك الدول أهمها ابتعاد الفن عن الموضوعات الجنسية والدينية والخطوط الحمراء السياسية.

‎في مصر أيضاً يشهد السوق انتعاشة نسبية، تتعلق بظهور مقتنين شباب للفنون ليس لديهم المحاذير القديمة، ومقبلين أكثر علي شراء الأعمال المعاصرة التي تحمل قدرا من روح اللحظة الحالية.

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ