وداعاً للشباب

رأيت الوحش لأول مرة في 2005، في وسط القاهرة أمام سلم نقابة الصحفيين حيث تجمع عشرات من الشباب والفتيات للهتاف “كفاية”. خرج الوحش من سيارات الشرطة بملابس عسكرية، وأحياناً متنكراً بملابس مدنية، ضرب المتظاهرين، سحل الشباب، وفي الشوارع قامت قوات الأمن بتعرية المتظاهرات وهتك عرضهن. وقتها كانت الصدمة الكبيرة، وتخيلنا أن هذا أقصى ما يمكن أن يفعله الوحش بنا، تخيلنا أن الكثير من الحب وتشجيع الآخرين على الانضمام لنا كفيل بأن يكبر جبهتنا من بضع مئات إلى مئات الآلاف وربما الملايين، وأن هذا كفيل بالقضاء على الوحش. هكذا كانت سذاجة الشباب وغروره بنقاء القلب وصدق المشاعر. وأنا، بدافع الاشمئزاز من خطابات الحماسة والمواجهة، كنت أنصرف عن كل معركة يظهر فيها الوحش.

Génération Tahrir
فوتوغرافيا: بولين

قابلت السذاجة وصدق المشاعر قبل ذلك بخمس سنوات. كنت طالباً في المدرسة الثانوية، وفي عام 2000 شاركت في مظاهرة طلابية تضامناً مع انتفاضة الأقصى التي اشتعلت بعد زيارة المدان بارتكاب جرائم حرب ورئيس وزراء إسرائيل بعد ذلك “آرييل شارون” إلى المسجد الأقصى، واغتيال القوات الإسرائيلية للطفل محمد الدرة وهو في أحضان والده. كان المدرسون في المدرسة يشجعوننا، دون أن يشاركوا، على السير في مجموعات صغيرة غاضبة تهتف بالحرية لفلسطين، وتتوعد بعدم نسيان حق “الدرة”. وسمح لنا الأمن بفتح أبواب المدارس لنسير في مجموعات أكبر في شوارع مدينة “المنصورة” حيث قضيت مراهقتي. تملكت الأطفال وطلبة المدارس حولى نشوة وحماس ناتج عن انتزاع حق الصراخ وامتلاك الحرية في الشارع للمرة الأولى. وحينما كانت تختلط مجموعات الطلبة كانوا يبتسمون في بلاهة ويحيون بعضهم البعض ويتعانقون في أداء مسرحي مبالغ في افتعاله. مدارس الذكور، في المنصورة، مثلما في معظم أرجاء مصر، مُنفصلة عن مدارس الإناث، وكان من المدهش في المظاهرة مشاهدة كيف يختلط الجنسان من المراهقين للمرة الأولى في سياق آخر غير سياق انتظار الطلبة الذكور أمام مدارس الفتيات للتحرش أو الاصطياد أو المغامرات العاطفية. لكن الزحام، وضرورات الموقف بما تفرضه من زعيق وانفعالات، وتضخم ذوات أفراد بؤساء يحلمون بقيادة الهتاف، كل هذا جعلنى منفصلاً ذهنياً عن الجماعة رغم أنى كنت جزءاً منها.

بعدها بخمس سنوات وأنا أغادر المرحلة الجامعية، سأتعلم أن نظام مبارك كان يترك المظاهرات المعادية لإسرائيل، بل ويدعمها ويقودها أحياناً. لتصور الكاميرات الجموع الغاضبة وهى تحرق علم إسرائيل، ثم يشير مبارك لآلهة الإغريق في جبال أوسلو أو سهول واشنطن ويقول: “أنا هنا للسيطرة على هؤلاء الوحوش حتى لا يحرقوا كل شيء.” وحينما خرجت المظاهرات ضد مبارك كان الأمن يحاصرها، ولأنهم لم يكونوا وحوشاً بعد، فقد كان مبارك لا يزال يسعى لتحويلهم لوحوش من خلال محاصرة المظاهرات القليلة وتعرية السيدات والتعدي الجنسي على الشباب المشاركين فيها، ولكنهم بدلاً من أن يصبحوا وحوشاً فضلوا منطق الهزيمة والانتقام وتقمص حالة الضحية.

شعرت بسأم دائم، وبسخافة كل المسرحيات المعروضة والتي نُستدعي للمشاركة فيها، مسرحية للانتخابات، ومسرحية للرقابة على حرية العقيدة والجنس باسم الدين، ومسرحيات آخري تبتدع مفهوم الوطن وصورته وضرورة أن تحبه والكيفية التي يجب أن تحبه بها. كان هذا لا يناسبني، وعرفت بسبب الإنترنت آخرين غيرى لم يناسبهم الأمر، وفضّلنا صناعة أكاذيبنا الخاصة على الإنترنت، مساحة خارج رقابة السلطة ومغايرة لسأم وملل الآباء وأخلاقهم الراكدة. كانت مصر تمر بلحظات عظيمة. الجميع يتحدثون في التلفاز عن التحول الديمقراطي، وفي الزوايا المعتمة من عالمهم أخذنا نخلق مساحات صغيرة لنقيم فيها حفلاتنا ونعزف موسيقانا الممنوعة من البث في الإذاعات الرسمية والخاصة، لأنها لا تتحدث عن الحب والرموش والشوق والحنين. في واحدة من هذه الحفلات سيقترح علاء سيف أن ننشئ موقعاً إلكترونياً، هو نسخة من موقع الرئيس لكن بمحتوى ساخر ومضحك أقوم بكتابته. كانت هذه أنواع اللعب التي نمارسها، ندخل لقوقعتنا على الإنترنت، ونضحك على الملك العريان وحاشيته وعبيده الذين يمتدحون جمال ثوبه.

تعرفت على زوجتى الأولي في منتدى على الإنترنت لمحبي محمد منير. كنا مراهقين لا نتجاوز الثامنة عشر وقتها، وستمر عشرة سنوات تتخللها علاقة مضطربة أحياناً تشمل الزواج والطلاق ودورة حياة كاملة. أخرون بدأت دورة حياتهم من منتديات ومدونات للإخوان المسلمين، أو الاشتراكيين الثوريين، أو محبي فيتش أقدام النساء، أو جنود الشيخ أسامة بن لادن، أو منتدى “فتكات” لربات البيوت الشابات. عوضاً عن السأم المنبعث من لون صبغة الشعر السوداء لمبارك الذي لم يكن يتغير، كان الإنترنت يجمع الهائمين في أفلاك متقاربة، وهدير حديث وحوارات هذه المجموعات يتصاعد خافتاً. العجائز بأجهزة تقوية السمع وصفوا هذه الهمهمات بأصوات الشباب. نعتوا الشباب بالاغتراب، والعمالة، وقلة الأدب، ولم يتعاملوا معها بجدية أو ربما لم يفهموها رغم أنها كانت رسالة بسيطة..

“على الجثث القديمة أن تترك مكاناً للجثث الجديدة”.

الزومبي القدامى يحتلون كل المقاعد. كان هناك زومبي الجنرال، وزومبي الشيخ، وزومبي الرئيس، وزومبي رجل الأعمال، وزومبي الحزب الحاكم، وزومبي المعارضة، وزومبي الإسلام الوسطى، وزومبي الإسلام المتطرف. والخيارات التي يقدمها الزومبي للشباب هي أن يكونوا زومبي، ويغادروا مثالية الأحلام والأخلاق. كنا مضطرين أن نخالط الزومبي، ونبادلهم حديثهم، ونتودد لهم، ونمدحهم أحياناً حتى نأمن شرهم، نندس وسطهم بأطراف مجمدة، ننظر ولا نرى، بحد تعبير يوسف رخا بعد ذلك بسنوات في قصيدته الرائعة، وحينما نختلف معهم أو نرفض أن نأكل الجثث القديمة لمعاني الوطن والدين، يكون التعذيب والتهميش والحصار هو ما يواجهوننا به.

“عيشوا عيشة أهاليكو” يقول الزومبي. وعيشة أهلنا كما يصفها شادى عبد السلام في فيلم “المومياء” هي عيشة الضباع. تسير الفتاة وأكتافها محنية ورأسها للأرض، لا تلفتت يميناً أو يساراً، تتقبل المعاكسة والتحرش صامتة، وحينما ترفض الرضوخ للتحرشات الجماعية في قلب المدينة، يتهم الزومبي الضحية باجتذاب المجرم وإثارته. تخرج المظاهرات احتجاجاً على تعذيب الشرطة للمواطنين، ويُتهم المتظاهرون بإهانة الشرطة. كبرت المظاهرات ثم تحولت إلى المطالبة برحيل الزومبي وكبيرهم الذي علمهم صبغة الشعر. اجتمع الزومبي وخاطبوا الشباب قائلين: “اعتبره زى أبوك يا أخى.”

العواطف الجياشة وسهولة التأثر والانفعال العاطفي من سمات الشباب. ومثلما تكون العاطفة وقوداً للثورة، تدفع الدماء أحياناً في عروق الجموع الهائجة، فهى أيضاً تبعث الرحمة والعاطفة والشفقة. كانت تلك العواطف هى ما سيحول ما يلى الثورة إلى رحلة للبحث عن حق الشهداء والثأر، وستمنع الأبناء من قتل الأباء الزومبي.

في أكثر من صورة لبولين سنشاهد نقاشات محتدة بين فتيات وأمهات، وشباب وعجائز. في الصور لن يمكننا سماع ضجيج الصراخ والنقاش والاختلاف. لكن الصور توضح لنا مقدار السلطة التي امتلكها الآباء الزومبي، ومقدار العاطفة التي ظل هذا الجيل واقعاً تحت سطوتها.

عرفت شباباً وشابات ينزلون إلى الشارع يحرقون الإطارات ويتقدمون صفوف المواجهة ضد مجرمى الشرطة، لكن حينما يرن هاتفهم يهربون بحثاً عن مكان هادئ ليحدثوا منه أمهاتهم “أنا كويس وبعيد عن القلق”، ظناً أن التمرد واقع افتراضي يمكن خلقه داخل فقاعة بعيداً عن حياتهم الواقعية والعائلية. عرفت نشطاء في مجال حقوق المثليين جنسياً لديهم شجاعة إعلان ذلك في مجتمع كالمجتمع المصري، وخوض نقاشات ومجادلات أمام القضاة ووسط ضباط الشرطة، لكن ليس لديهم شجاعة إعلان ذلك أمام أمهاتهم أو آبائهم. صديقاتي اللواتى تلقى بعضهن رصاص الشرطة المطاطي بأجسادهن دون أن يسقط أصبعهن الأوسط المرفوع في وجه الشرطة، كن ينهرن من البكاء جراء ضغوط المجتمع والأسرة وصعوبة أن يخترن تصوراً لمستقبل حياتهن لا يشمل الزواج والإنجاب والاندماج في سياق دورة إنتاج الزومبي.

هذا الجبن وهذا التردد هما ما جعلا خيارات هذا الجيل دائماً تحاول إمساك العصا من المنتصف، ثم يأتي الآباء ليأخذوها كلها من أيديهم. صفقوا للاسلام الوسطى وصوتوا لمحمد مرسي، قال شباب الإسلاميين، الإسلام هوية ودين وسطى جميل يمكنه التعايش مع الديمقراطية، والعلمانية ليست من هويتنا الوطنية. ثم جاء الزومبي الكبار وقالوا: لا فرق بيننا وبين داعش، والقتلة في سوريا، نحن إخوة، سنقول عنهم مجاهدين وسنرسلكم للحرب معهم. وحينما صفق شباب النخبة المدنية للائتلاف المدنى بقيادة الجنرال العسكري، وقالوا: انظروا لعيون السيسي، إنها تشع حباً ودفئاً وسينقذ هذا الوطن ويبنى مصر دولة مدنية على الطريق نحول العلمانية، منع الجنرال الحديث أو الكلام ووضعهم داخل السجون، والباقي قتله حرقاً في الميادين أو على بوابات الاستاد.

الجنرال لم يكن ذكياً، لكن من خلفه وقف شيوخ الخليج، وكلاء الآلهة الإغريق في المنطقة. هؤلاء، مع الزومبي والجنرال، قرروا أن لا يتركوا للشباب حتى مساحات الواقع الافتراضي على الإنترنت. فُرضت الرقابة على الإنترنت، وجملة واحدة على تويتر قد تودى بك إلى السجن. ضخوا داخل الإنترنت ذاته عشرات ومئات الملايين، بحيث تحول لمول كبير، هم من يتحكمون فيما يعرض فيه من خلال شركات وفرق “السوشيال ميديا” التي أصبحت تصنع الآن الموضوعات الرائجة على الإنترنت. وهكذا، فحينما تظهر قصة تعذيب جديدة من داخل السجون المصرية، تختفى تحت التكرار وضغط بث الأخبار حول الأشكال الجديدة التي يمكن لمؤخرة كيم كاردشيان أن تأخذها.

شعرت منذ أسابيع بآلام خفيفة لكن مستمرة في خصيتى اليسرى، وحينما زرت الطبيب أخبرنى أني أعانى من دوالى الخصية، ويجب ألا أقف لفترات طويلة وأن أقتصد في ممارسة الجنس، ولا أعرضه لفترات انتصاب طويلة، وحينما سألته عن السبب في كل ذلك قال الجملة ببساطة دون أن يرفع عينيه عن أوراقه: “غالباً أسباب وراثية وعامل الزمن”.

لا فترات انتصاب طويلة لهذا الجيل بعد اليوم، مشتتون هم اليوم في الأرض. البعض في السجون، والبعض منفيون، والبعض يستعدون للغرق أمام سواحل أوروبا المتوسطية، وآخرون يبحثون عن طريق للخروج من الجحيم نحو جنة الله الموعودة عن طريق صناعة سلم نحو الله من الرؤوس المقطوعة. أما من بقوا فقد نجحوا في انتزاع بعض الأماكن من الجثث القديمة، ويمارسون الآن دورهم كزومبي، يظهرون في التلفاز كممثلين للشباب، يلتقطون السيلفي مع كبار الجنرالات الزومبي وكبار الشيوخ الزومبي، ويتنافسون على التقاط الفتات الذي يلقيه الأمير أو الشيخ الخليجي عليهم من وقت للآخر.

هذا أوان التوثيق، الأرشفة، والحفظ. ثم لنودع الماضي والشباب. لنودع الأحزان، لنودع الأشباح. لنبحث في الداخل عن ثورة ومسار جديدين. الخطر الأكبر يكمن في الاستسلام للحنين، في الالتصاق بالمبادئ والأفكار القديمة، في تصور أن هناك لحظة ذهبية ونقية في الماضي يمكن استعادتها. الخطر الأعظم هو تقديس الصورة. أي من هذه الخيارات، حتى لو شملت أشكالاً أخرى من التقديس، كالثورة أو الشهداء أو القيم العليا للأيديولوجيا، كفيل بتحويلك لزومبي دون أن تشعر.

—————————————–

*نُشر هذا النص بالفرنسية كمقدمة لكتاب فوتوغرافيا صدر مؤخراً للمصورة البلجيكية بولين بوني بعنوان “جيل التحرير“، تتبعت فيه، على مدار خمس سنوات، حكايات متنوعة لمجموعات من الفنانين والسياسيين أثناء سنوات الثورة.

د.خالد فهمى: عن أحمد ناجى

نُشر على “فيسبوك” في ١٤ ديسمبر ٢٠١٥ تعقيبا على مقال كان قد كتبه حسن عبد الموجود في “مبتدأ” حول قضية أحمد ناجي

أنا متابع لهذه القضية عن قرب، ومتعاطف جداً مع ناجى ومعكم جميعاً، وأتفق معك على أن “شر البلية ما يضحك”. لكن لى تحفظ صغير يتعلق بتوصيفك لـ”المجتمعات الراقية”. أنا أعيش فى أحد تلك المجتمعات، وأعترف أن فيه قدراً كبيراً من الرقى، ولكنى أدرك جيداً أن مبدأ حرية الرأى فيه مهدد دائماً وأبداً، هناك ضمانات كثيرة، بالتأكيد، من نصوص قانونية، ومبادئ دستورية، ومؤسسات راسخة. لكن هناك أيضاً من يتربص بهذا المبدأ، مبدأ حرية الرأى، تارة باسم الدفاع عن الوطن ضد الإرهاب، وتارة باسم الحفاظ على تماسك المجتمع.

12208364_10156182734265414_7271227328139111475_n

ولكن فى مقابل هذه الآراء المحافظة، هناك دائما وأبداً من هم مستعدون للدفاع عن هذا المبدأ، إدراكا منهم أنه “أى المبدأ” مهدد، وأن الضمانات الدستورية والقانونية لا معنى لها إلا إذا كان هناك من هو مستعد لخوض معركة الدفاع عنها.

ولكى أكون أكثر وضوحاً، أنا لا أرى ما يحدث فى قضية ناجى استثناء، بل هى حالة دالة لهشاشة مبدأ حرية الرأى ولضرورة الدفاع عنه.

الاختلاف الذى أراه بيننا وبين “المجتمعات الراقية” هو أننا لم نخض بعد المعركة المبدئية حول حرية الرأى، بمعنى أننا وبالرغم من كثرة القضايا والحالات التى تعرض فيها هذا المبدأ للتهديد على مدار القرن الماضى، إلا أن أنصار هذا المبدأ ما برحوا يدافعون عن هذا المبدأ بشكل سجالى “مثل: القوى الظلامية فى مواجهة التنوير”، وليس بالاشتباك الموضوعى مع القضية.

ما يجب علينا عمله هو خوض المعركة بشكل جدى، يجب علينا أن نجد إجابات مقنعة للأسئلة التالية: لماذا يجب الدفاع عن حرية الرأى؟ هل الموضوع يتعلق بحقوق شخصية “حق الفنان / الكاتب / الصحفى فى أن يقول ما يريد”، أم أنه يتعلق بحق المجتمع فى المعرفة؟ ما الفائدة التى ستعود على المجتمع من السماح بحرية الرأى دون قيود؟ ألن يؤدى هذا إلى الفرقة والارتباك؟ أليس من الأفضل الحفاظ على مقومات الأمة/ الوطن/ المجتمع؟ لماذا نعرض الناس للأذى والضرر نتيجة السماح لبعض الكتاب/ الفنانين/ الصحافيين، بأن ينتجوا كلاماً أو أعمالاً فنية فيها ما يؤذى الجمهور ويجرح شعورهم؟ كل المجتمعات ترسم خطوطاً حمراء لما هو مسموح وما هو غير مسموح. أين يقع هذا الخط الأحمر فى حالاتنا المصرية؟ بمعنى: أين الفاصل بين المسموح والمحظور؟ وكيف يُرسم هذا الخط؟ ومن الذى يقوم بذلك؟

نحن أمام موجة محافظة عاتية تشابه الفاشية إلى حد كبير. ولكن وبغض النظر عن التشبيهات، فإننى أفضل النظر للحظة الحالية بأنها لحظة فرصة على قدر ما هى لحظة تحدٍ، فرصة لبلورة آرائنا وتوضيح أفكارنا عن الكثير من القضايا التى فجرتها الثورة. وأعتقد أن قضية حرية الرأى من أهم هذه القضايا وأخطرها.

وأعتقد أيضا أن قضية ناجى، بالرغم من العبثية التى قد تبدو بها، قضية دالة ومحورية وتضعنا أمام تحد حقيقى: كيف يمكن الاستفادة منها ليس للرد على النيابة بل الهجوم على الفكر الرجعى، الذى يمثله وينوب عنه بتقديم منطق متماسك ومتزن وواثق من نفسه عن أهمية مبدأ حرية الرأى وضرورة الدفاع عنه، دائماً وأبداً.

—- —

نقلاً عن موقع د.خالد فهمى: http://khaledfahmy.org/ar/2015/12/14/%D8%B9%D9%86-%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D9%86%D8%A7%D8%AC%D9%8A/

Egypt Art On Trial

Ahmed Naji, 31, is an Egyptian novelist and journalist born in Mansoura in 1985. He is the author of three books, Rogers (2007), Seven Lessons Learned from Ahmed Makky (2009), and The Use of Life (2014), as well as numerous blogs and other articles. He is also a journalist for Akhbar al-Adab, a state-funded literary magazine and frequently contributes to other newspapers and websites including Al-Modon and Al-Masry Al-Youm.  He has been a vocal critic of official corruption under the rule of Egyptian President Abdel Fattah al-Sisi.

13466158_1777854525783350_1957252542700108261_n

In August 2014, Akhbar al-Adab published an excerpt from his third book, The Use of Life, which had been previously approved by Egypt’s censorship authority. In the excerpt, the narrator smokes hashish, drinks alcohol with his friends, and enjoys a sexual relationship with a woman. Hani Saleh Tawfik, a 65-year-old Egyptian man, filed a case against Naji, alleging that reading the excerpt had caused him to experience heart palpitations, sickness, and a drop in blood pressure.

Prosecutors argued that Naji’s use of “vulgar” phrases and sexually explicit scenes constituted a “disease” destroying Egyptian social values. Naji and his lawyer argued that the words used in his novel were widely used in common conversation in Cairo and also in classical Arabic literature. Naji also said that the prosecutor was treating his fictional novel as if it were fact, threatening to add charges against Naji for “dealing with hashish” because the novel’s excerpt described drug usage. In December 2015, a lower court acquitted Naji. The prosecution appealed the case in February 2016 to a higher court, which found Naji guilty and sentenced him to two years in prison—the maximum sentence for the charges he faced. The editor-in-chief of Akhbar al-Adab, Tarek al-Taher, was also fined approximately $1,250 for publishing the excerpt.

The Egyptian Constitution, drafted in 2014, explicitly guarantees freedom of artistic and literary creation, freedom of thought and opinion, and freedom of the press. Article 67 forbids the jailing of artists and writers for publishing their work. However, Article 178 of the Penal Code, under which Naji was sentenced, criminalizes content that violates public morals. Naji’s lawyers submitted a motion to the Prosecutor-General arguing that the sentence against Naji should not be implemented since it violates the Egyptian Constitution, which was finally accepted in December 2016. His legal team has also appealed the verdict, and has asked that the case be retried altogether.

The crackdown on artists and writers in Egypt has intensified since President Sisi took power in 2014, including new restrictions on the press, arrests of writers, journalists, and activists, shuttering of theaters and art galleries, and violent suppression of peaceful dissent and public demonstrations. According to the Committee to Protect Journalists, as of December 1, 2016, Egypt ranks third in the world in its number of jailed journalists, behind only Turkey and China.

Egypt’s literary and political communities have expressed widespread support for Naji. Seven members of the committee that wrote the Egyptian Constitution published a statement in February 2016 condemning Naji’s sentencing as unconstitutional, arguing that the conviction contravenes Article 67 of the Constitution. Over 500 Egyptian writers and artists also signed a statement in February 2016 in solidarity with Naji, criticizing the government’s “multi-armed attack on a number of writers and journalists because of their opinions” and the “terrible and terrifying path taken by the regime.”

تدريس عمر بن أبي ربيعة في سجن الزراعة بطرة

مؤخراً فجأة تطفو أو تلمع ذكريات من فترة السجن، بعضها مؤلم والبعض الآخر اتذكره باندهاش الآن وكأنى اسأل هل هذا كان حقيقي؟ اليوم مثلاً ودون سبب واضح تذكرت “ع” ورفاقه وهم مجموعة من العساكر المتهربين من التجنيد معظمهم مساجين بأحكام تتراوح من سنة إلى ثلاث سنوات بسبب التهريب من التجنيد (سنة السجن العسكري 6 شهور). في أسابيعى الأولى في السجن كانوا هم أقرف رفاق لي. معظمهم من الصعيد ومن أسر فقيرة جداً ومتهربين من التجنيد لأن عندهم عائلات وأسر تحتاج لأن يعملوا ويصرفوا عليهم

المهم أنى بالاشتراك مع سجين آخر (كان ناظراً لواحدة من أكبر المدارس الحكومية) أسسنا ما يشبه الفصل لمساعدة “ع” وبعض من زملائه في المذاكرة والدراسة لامتحان محو الأمية. “ع” كان نفسه ياخد شهادة محو الأمية لأنها تعادل شهادة الابتدائية ولو أخد الابتدائية يقدر يقدم على رخصة قيادة ، وبالتالي تصبح أمامه فرصة للترقي اجتماعياً من سائق “توك توك” لسائق “ميكروباص”..

لكنى اليوم استيقظت متذكراً ذات يوم إصرار “ع” على أن نقرأ واشرح له ونحلل قصائد عمرو بن ابى ربيعه بعدما وجد في المكتبة كتاب مختارات من شعره

A solidarity message From Salman Roshdi

Salman Roshdi

Ahmad Salman Rushdie (AKA) Salman Rushdie one of my favorite writers, In the prison I was lucky to sneak 2 of his books ( Shame, Midnight’s Children) and read it there. It saved my mind, and helped to give me some lights in the dark days there..
Now, after I get out. I found that letter from my strong friend Salman

Richard Jacquemond: Ahmed Naji, the Use of Life and the zombies

How do you feel when you learn that the author of the novel you’ve been reading and enjoying for the past few days has just been given a two-year prison sentence for violating public morality? One more on the li10703791_563500500447774_1872834144255459015_nst, you say. Tens of thousands of his fellow citizens rot in jail, where they are being abused in all sorts of ways, without any due process or a parody of it — some for wearing a T-shirt, others for demonstrating against the law that deprives them of their right to demonstrate, many more for being in the wrong place at the wrong time.

You’ve just spent the last two weeks grieving for Giulio Regeni, speculating with Italian, Egyptian and other colleagues and friends about the causes and consequences of his murder, reflecting on your own responsibility toward your students. You remember your colleague Atef Botros, one of the finest and bravest Egyptian scholars you met in the past few years, banned from his own country and sent back to Germany, the day before you landed yourself at Cairo Airport the last time. What to do? What can you do, back here in France, except vent your anger on Facebook and sign the usual petition?

But then you remember that you were reading Istikhdam al-Hayah (The Use of Life), not only for the fun of it, but because you’ve dedicated most of your professional life to the study and the translation of Egyptian literature and that gives you a special responsibility. You remember Pierre Rabhi’s hummingbird. Pierre Rabhi’s name may not be familiar to the Egyptian reader, but he is one of the most influential thinkers in the French environmentalist sphere. He goes around telling this Native American legend:

One day, there was a huge forest fire. All the animals were terrified, helplessly watching the disaster. All but one tiny hummingbird, which kept flying back and forth between the fire and a pond, each time throwing a few drops on the flames. An old armadillo, annoyed by this pathetic agitation, cried out: “Don’t be a fool! You won’t put out the fire with those tiny drops of water one after another! — I know, replied the hummingbird, but I’m doing my bit.”

Fortunately, lots of people around you are in motion and after a few hours you find yourself part of this chain of solidarity where you’ll be able to do your own bit in the best possible way. An old acquaintance contacts you. She works now for the International Federation for Human Rights (IFHR) and asks you if you’re willing to sign a statement prepared by the IFHR and translate the novel’s incriminated chapter to French. That’s the least you can do. You share the chapter with your colleague Frédéric Lagrange and get back to the novel.

Translating is as close as one can get to “close reading” and as such, it is possibly the surest quality test you can submit a text to. You can feel from the first sentences you translate that Ahmed Naji’s text passes the test. Here is everything you appreciate in a literary text: Straightforwardness, irony, and sincerity. And also — among other things — there is this love-hate relationship with Cairo that you seem to share with so many Egyptians of all ages. You are amused by his ability to call a spade a spade, and you admire this about him. Here is another proof of the modernity of Arabic fiction. For more than a century, generations of Arab writers have fought for their right to express themselves — the way they want, the way they are. You remember the epigraph to Tilka al-Ra’iha (1966), when Sonallah Ibrahim quoted James Joyce: “This country and this life produced me. I shall express myself as I am.” Naji is a worthy son of this history.

By the end of the chapter, and in the middle of the sex scene that supposedly upset the Akhbar al-Adab reader who raised all this hell, you stumble upon a verb you’ve never seen before in the thousands of pages of Arabic fiction you’ve read: “rahaztu-ha.” As usual in such cases, you first think it’s a typo, but it does not make sense. You go back to your Bible: the English version of Hans Wehr’s Arabic-German dictionary. The root is not mentioned. This gets interesting. A modern writer who uses a root too rare to be accepted by Hans Wehr must be well read in the Arabic turath — another point for Naji. You go to your online Lisan al-‘Arab through the Baheth Arabic search engine and you find it:

.الرهز: الحركة. وقد رهزها المباضع يهرزها رهزا ورهزانا فاهترزت: وهو تحركها جميعا عند الإبلاج من الرجل والمرأة

Wow! This is one of the things that made you fall in love with this language more than 30 years ago, and it still works.  You can still discover, in the course of a novel published a few months ago, a single, classical Arabic verb that conveys such a precise meaning that you cannot find its equivalent in French. And what meaning: “To move, shake a woman during sexual intercourse” — mind you, Lisan al-‘Arab is not gender sensitive.

You spend a good chunk of time pondering, while looking for a single French verb that would carry the same meaning, and of course anything you can find sounds terribly vulgar compared to this beautifully archaic Arabic verb, and nothing you find conveys its precise meaning. Did our upset reader grasp the actual meaning of rahaztu-ha before fainting? It does not matter. What matters is that there was a time when the poets, writers, theologians, and many more who wrote in Arabic could write such words. And when their colleagues, who compiled the dictionaries of “pure Arabic” (al-‘arabiyya al-fusha), did not blush when they inserted them into their lexicons with their masader (word roots), derivations and meanings. You also find the root n/i/k  (to copulate; fuck) in Lisan al-‘Arab, but you won’t find it in any modern Arabic monolingual dictionary.

This is one of the strangest, one of the most hidden effects of the Nahda (the Arab Renaissance). The intellectual Renaissance elite imported from Europe not only nationalism, the novel and plenty of other material and cultural artifacts, but they also imported Victorian values that were alien to Arab culture and strove to impose them on its societies, with the help, a few decades later, of the Wahhabi Islamic model propagated by the Saudi state.

Arab societies never ceased to cultivate all sorts of forms and places of resistance to this moral castration imposed by their elites, whether secular or religious. Maybe the deepest and the most longstanding effect of the 2011 revolutions lies in that they have shaken and cracked this paternalist, patriarchal and puritan mode of social domination. This is what most frightens the current powers that be and this is why their first enemy is not “terrorism,” whatever that means, but this rebellious youth that took to the streets in 2011, to whom Naji and his peers belong and give voice.

As it happens, I first became acquainted with Naji’s writing a few days before travelling to Cairo, last January, through a short text published in Génération Tahrir, a book he co-authored with Pauline Beugnies (photos) and Ammar Abo Bakr (drawings), published in Marseille (Le Bec en l’air). In this powerful text titled “Farewell to the youth” (Wada’an lil-shabab), Naji juxtaposes the youth against “the zombies.” Before the revolution, “the old zombies were all around the place. There was the zombie-general, the zombie-sheikh, the zombie-businessman, the zombie-ruling party, the zombie-opposition, the zombie-moderate Islam, the zombie-extremist Islam. The only choice the zombies leave the youth is to become a zombie and to abandon the idealism of dreams and ethics.” The youth revolted, but now, five years later, “the sheikhs, the zombies and the president have decided to deny the youth even virtual space. Internet is submitted to censorship and even a single tweet can send you to jail.“

I let him conclude: “The time has come to archive, to record, to collect. Then, let us bid farewell to the past and to youth. Let us bid farewell to the ghosts, let us search from inside a new revolution, a new path. The worst danger would be to give way to nostalgia, to stick to old principles and ideas, to imagine that there exists a golden age, a moment in the past that can be recovered. The worst of all dangers would be to sacralise an image. For all of these choices, even if they lead you to other forms of worship — that of the revolution, the martyrs, the superior values of ideology — may transform you into a zombie without you being aware of it.”

Editor’s note: The translations of excerpts from Ahmed Naji’s Istikhdam al-Hayah are the author’s own.

ريشار جاكمون: أحمد ناجى استخدام الحياة والزومبي

ما إحساسك عندما تعلم أن مؤلف الرواية التي قرأتها واستمتعت بها على مدار الأيام القليلة الماضية حُكم عليه بالحبس عامين لخدش الحياء العام؟ تقول ها هو اسم آخر يضاف إلى القائمة. فهناك آلاف المواطنين أمثاله ملقى بهم في السجن، يتعرضون إلى شتى الانتهاكات، بلا محاكمة عادلة ولا حتى محاكمة صورية -بعضهم محبوس لارتدائه تي شيرت، وبعض آخر للتظاهر ضد القانون الذي يحرمه من حقه في التظاهر، وغيرهم الكثيرون محبوسين لأنهم تواجدوا في المكان الخطأ بالوقت الخطأ.

لقد أمضيت الأسبوعين الماضيين حزنًا على جوليو ريجيني. تحاول مع أصدقائك وزملائك الإيطاليين والمصريين وغيرهم التكهن بأسباب قتله وعواقبه، وتفكر في مسؤوليتك الشخصية تجاه طلابك. تتذكر زميلك عاطف بطرس، واحد من أفضل وأشجع الباحثين المصريين الذين قابلتهم خلال السنوات القليلة الأخيرة، وقد مُنع من دخول بلده وأُرسل ليعود إلى ألمانيا في اليوم السابق لوصولك مطار القاهرة آخر مرة. ما العمل؟ ما الذي يمكنك فعله هنا في فرنسا سوى أن تنفث عن غضبك على فيسبوك وتوقع على العريضة المعتادة؟

إلا أنك ما تلبث أن تتذكر أنك قد قرأت “استخدام الحياة” لا بغرض الترفيه فقط وإنما أيضًا لأنك قد كرست معظم حياتك المهنية لدراسة وترجمة الأدب المصري، وأن ذلك يلقي على عاتقك مسؤولية من نوعٍ خاص. تتذكر قصة بيير رابحي عن الطائر الطنان. قد لا يكون اسم بيير رابحي معروفًا للقارئ المصري، لكنه واحد من أكثر المفكرين المؤثرين في مجال البيئة في فرنسا. حدثنا رابحي عن هذه الأسطورة من تراث الأمريكيين الأصليين:

ذات يوم كان هناك حريق هائل في الغابة. شعر جميع الحيوانات بالذعر وقلة الحيلة وهم يشاهدون الكارثة. خاف الجميع عدا الطائر الطنان، الذي أخذ يطير ذهابًا وإيابًا ما بين الحريق وبركة مياه، ليلقي في كل مرة بضع قطرات مياه على اللهب. انزعج حيوان المدرع العجوز من هذا الحماس المثير للشفقة وصاح به: “كف عن هذه الحماقة! لن تطفئ الحريق ببضع قطرات من المياه تلقي بها واحدة تلو الأخرى!”، رد عليه الطائر الطنان قائلًا: “أعلم هذا، لكني أقوم بدوري.”

لحسن الحظ يبدأ العديد من الناس من حولك في التحرك، وبعد بضع ساعات تجد نفسك حلقة في سلسلة التضامن التي تمكنك من القيام بدورك بأفضل طريقة ممكنة. تتصل بك إحدى معارفك القدامى، والتي تعمل حاليًا مع الجامعة الدولية لحقوق الإنسان (IFHR). تسألك إن كنت ترغب في التوقيع على بيان أعدته الجامعة وترجمة الفصل المُجرَّم من الرواية باللغة الفرنسية. هذا أقل ما يمكنك فعله. تبعث الفصل إلى زميلك فريدريك لاجرانج وتعود إلى العمل على الرواية.

تعد الترجمة أقرب ما يكون إلى “القراءة المتمعنة”، ولذلك فهي على الأرجح أضمن طريقة لاختبار جودة النص. ومع ترجمة السطور الأولى تشعر أن نص أحمد ناجي يجتاز الاختبار بنجاح. أمامك كل ما تقدره في النص الأدبي: المباشرة والسخرية والصدق. ومن ضمن ما تجده علاقة الحب والكراهية مع القاهرة، والتي تربطك بها والعديد من المصريين من كل الأعمار. تستمتع بقدرته على تسمية الأشياء بمسمياتها، ويزيد ذلك من إعجابك به. إنه دليل آخر على حداثة الرواية العربية. فقد حاربت أجيال من الكتاب العرب لأكثر من قرن من أجل حرية التعبير عن أنفسهم، كيفما يحبون، وكما هم. تتذكر النص الاستهلالي في رواية “تلك الرائحة” (1966) حيث اقتبس صنع الله إبراهيم قول جيمس جويس: “أنا نتاج هذا الجنس وهذه الحياة. ولسوف أعبّر عن نفسي كما أنا.” ناجي ابن بار لهذا التاريخ.

في نهاية الفصل وفي منتصف المشهد الجنسي الذي يُزعم أنه قد أزعج قارئ “أخبار الأدب” وجعله يقيم الدنيا ويقعدها، تمر بفعل لم تشهده قط في آلاف صفحات الأدب العربي الذي قرأته: “رهزتها.” وكما هو معتاد في تلك الحالات تظن للوهلة الأولى أنه خطأ مطبعي، لكنك تجد أنه تفسير غير معقول. تعود إلى المرجع المقدس: النسخة الإنجليزية من قاموس هانس فير العربي الألماني. القاموس لا يضم الجذر. تزداد فضولًا. كاتب معاصر يستخدم جذرًا نادرًا لدرجة أن هانس فير لم يقر به، لا بد وأنه قارئ جيد للتراث العربي -وهي نقطة أخرى تحسب لناجي. تبحث على موقع لسان العرب على الإنترنت من خلال محرك الباحث العربي وتجد الكلمة:

الرهز: الحركة. وقد رهزها المباضع يهرزها رهزا ورهزانا فاهترزت: وهو تحركهما جميعًا عند الإِيلاج من الرجل والمرأَة.

مذهل! هذا واحد من الأسباب التي جعلتك تقع في غرام هذه اللغة منذ أكثر من 30 عامًا، وما زال تأثيره فعالًا. ما زال هناك مجال لاكتشاف فعل عربي كلاسيكي من كلمة واحدة ذي معنى دلالي دقيق لا تجد له نظيرًا في اللغة الفرنسية، ويأتي ذلك في سياق رواية نشرت قبل بضعة أشهر. وأي معنى هذا: “تحركهما جميعًا عند الإِيلاج من الرجل والمرأَة” -ونلاحظ أن لسان العرب يغفل الفروق النوعية بين الرجل والمرأة.

تتأمل الأمر لفترة لا يستهان بها، بينما تبحث عن فعل فرنسي من كلمة واحدة ينقل المعنى نفسه، ويكون وقع كل الكلمات التي تجدها فجًا بالطبع، بالمقارنة مع هذا الفعل العربي الممعن في القدم على نحو ساحر، ولا تجد أي مقابل يوحي بمعناه الدقيق. هل فهم القارئ المنزعج المعنى الحقيقي لكلمة “رهزتها” قبل أن يغيب عن الوعي؟ هذا لا يهم. المهم هو أنه كان هناك وقت يكتب فيه الشعراء والكتاب وعلماء الدين وكثيرون غيرهم ممن يكتبون بالعربية مستخدمين كلمات كهذه. وقت لم يخجل فيه زملاؤهم الذي جمعوا معاجم العربية الفصحى من إدخال هذه الكلمات في معاجمهم مع ذكر المصادر والاشتقاقات والمعاني. كما تجد أيضًا جذر كلمة “نيك” (نكح) في لسان العرب، لكنك لا تجده في أي معجم عربي حديث.

وتلك واحدة من أغرب تأثيرات عصر النهضة العربية وأكثرها خفاءً. لم تكتف النخبة المثقفة في عصر النهضة باستيراد الحس القومي والرواية والعديد من المنتجات المادية والثقافية من أوروبا، بل استوردت أيضًا القيم الفيكتورية الدخيلة على الثقافة العربية وسعت إلى فرضها على المجتمعات، وحدث ذلك بمساعدة النموذج الإسلامي الوهابي الذي دعت إليه الدولة السعودية في عقود لاحقة.

لم تكف المجتمعات العربية قط عن رعاية شتى أنواع ومساحات مقاومة هذا الإخصاء الأخلاقي المفروض من قبل النخبة، علمانية كانت أم دينية. وقد يكون الأثر الأكثر عمقًا والأطول أجلًا لثورات عام 2011 نابعًا من زعزعتها لهذا النمط الأبوي والبطريركي والتطهري للهيمنة الاجتماعية وإحداثها صدع به. هذا أكثر ما يخيف السلطات الحالية، ولهذا السبب فعدوها الأول ليس “الإرهاب،” أيما كان معنى هذه الكلمة، بل هذا الشباب المتمرد الذي نزل إلى الشوارع في 2011، والذي ينتمي إليه ناجي وأقرانه، ويعبرون عنه.

تصادف أن تعرفي الأول على كتابات ناجي كان قد جاء قبل بضعة أيام من سفري إلى القاهرة في يناير الماضي، وكان ذلك من خلال نص قصير نشر في كتاب “Génération Tahrir” (“جيل التحرير”) الذي اشترك في كتابته مع بولين بوجنيه (صور) وعمار أبو بكر (رسوم)، ونشر في مارسيليا (عن دار لو بيك أون لير Le Bec en l’air). في هذا النص القوي تحت عنوان “وداعًا للشباب” يضع ناجي الشباب في مقابل “الزومبي.” قبل الثورة “كان الزومبي القدامى يحتلون كل المقاعد. كان هناك زومبي الجنرال، وزومبي الشيخ، وزومبي الرئيس، وزومبي رجل الأعمال، وزومبي الحزب الحاكم، وزومبي المعارضة، وزومبي الإسلام الوسطى، وزومبي الإسلام المتطرف. والخيارات التي يقدمها الزومبي للشباب هي أن يكونوا زومبي، ويغادروا مثالية الأحلام والأخلاق.” ثار الشباب، لكن الآن وبعد مرور خمس سنوات قرر الشيوخ والزومبي والجنرال “أن لا يتركوا للشباب حتى مساحات الواقع الافتراضي على الإنترنت. فُرضت الرقابة على الإنترنت، وجملة واحدة على تويتر قد تودي بك إلى السجن.”

وسأترككم مع خاتمة ناجي:

“هذا أوان التوثيق، الأرشفة، والحفظ. ثم لنودع الماضي والشباب. لنودع الأحزان، لنودع الأشباح. لنبحث في الداخل عن ثورة ومسار جديدين. الخطر الأكبر يكمن في الاستسلام للحنين، في الالتصاق بالمبادئ والأفكار القديمة، في تصور أن هناك لحظة ذهبية ونقية في الماضي يمكن استعادتها. الخطر الأعظم هو تقديس الصورة. أي من هذه الخيارات، حتى لو شملت أشكالاً أخرى من التقديس، كالثورة أو الشهداء أو القيم العليا للأيديولوجيا، كفيل بتحويلك لزومبي دون أن تشعر.”

عبد الله غنيم: نبؤة القاهرة في رواية “استخدام الحياة” و “عطار

كان يمكن للإسكندرية، استكمالًا لدورها تحت الحكم الروماني، أن تظل عاصمة لمصر حتى بعد الحكم الإسلامي، فقد خطَّط عمرو بن العاص للإبقاء عليها عاصمة لولايته بعد غزوها في 641 ميلاديًا، إلا أن خطابًا ورد من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب جاء فيه أن “لا تجعلوا بيني وبينكم ماء، فمتى أردت أن أركب راحلتي حتى أقدم عليكم قدمت”، فغيّر عمرو خطته ليعود من شمال غرب النيل لشرقه، وينشئ مدينة الفسطاط، بجوار حصن بابليون – حي مصر القديمة حاليًا، وهو النواة الأولى لما سيعرف بالقاهرة في ما بعد.

بعد أكثر من 300 عامًا من وجود العرب المسلمين في مصر، توالت عليها فيها أربع دول، نشأت القاهرة. في الأول جاء قائد بأصول أوروبية، وبولاء للمعز لدين الله الفاطمي، اسمه جوهر الصقلي بجيش قوامه 100 ألف جندي، فرض به سيطرته على “مدينة مصر”، بحسب اسمها القديم، دون حرب، ومن الليلة الأولى لوصوله وضع الأساس للمدينة الجديدة “المنصورية”، وضمَّ بها المدن القديمة؛ الفسطاط والعسكر وما تبقى من القطائع، وبنى الجامع الأزهر.

بعد أربعة أعوام كانت المدينة مستعدة لاستقبال الخليفة الفاطمي، الذي انتقل بعائلته ورفات آبائه ودولته من المنصورية –جوار القيروان- إلى منصورية مصر، ليسميها القاهرة، التي تقهر الدنيا. وكانت تلك بداية الدور السياسي التاريخي للقاهرة، فبعدما كانت ولاية تابعة صارت مركزًا لإدارة جديدة للخلافة الإسلامية، تناطح سطوة الخلافة العباسية في بغداد على زعامة الدولة الإسلامية. ومنذ تأسيسها اتسعت القاهرة، حتى صارت القاهرة الكبرى المعروفة حاليًا.

نبوءة الجحيم

تصلح مدينة القاهرة لاستضافة فعاليات عديدة للجحيم، الجحيم اليومي الحالي الممثل في الانتقال بين نقطتين عبر كوبري أكتوبر مثلًا، أو في قاهرة 455 هجريًا، كما يرسمها الكاتب محمد ربيع في روايته “عطارد”، الصادرة عن “دار التنوير”، حيث صخر الخزرجي الشاب ابن الموت، الذي يموت ويُبعث في عام 455، لينذر الناس أنهم في الجحيم خالدين، أنهم “ما كانوا وما عاشوا، أنهم عاشوا على الأمل ولا أمل”. جحيم يضم الحشد المرعوب المسيّر كالموتى يوم الحشر؛ يصرخون أن “اللهم اقبضني”، رجل يلطم وآخر يصرخ أنه يلد، ويرى الواقفون المولود يشبه الكلب، قبل أن يعوي الجميع فيما يشبه الصراخ ولا يدرون أنهم يعوون. تنطق جثة صخر: “أنتم ميتون، كلنا ميتون” ليسأله أحد الواقفين: “كيف متنا ونحن نقف أمامك؟” فيرد أن “كلنا نقف في الجحيم”، كانوا يمشون في شوارع القاهرة الفاطمية، في عهد المستنصر بالله، تحديدًا قبل الشدة المستنصرية التي ضربت القاهرة بعامين، كأنها إرهاصة لما قبل الجحيم الذي ستعيشه القاهرة لسبعة أعوام، وسيقضي على أكثر من نصف السكان، مع مجاعة يأكل فيه الناس الكلاب، تتخللها أعمال السلب والنهب وعموم الفوضى. واشتدت تلك المجاعة حتى لم يجد الناس شيئًا يأكلونه، فأكلوا الميتة والبغال والحمير، وبيع رغيف الخبز الواحد بخمسين دينارًا. وتكونت فرق اصطياد البشر بغرض أكلهم، في جحيم سيغير خريطة القاهرة للأبد.

كان النيل في فيضانه يغطي اليابسة من حوله، وتصل المياه لحدود المنصورية، فأنشأ جوهر الصقلي، ضمن ما أنشأ، قنطرة سُميّت بـ”المقسي”، تقع عند الأزبكية حاليًا، وبعد نحو 300 عام سيتوقف النيل عن الجريان وتنحسر ماؤه لسبع سنوات عجاف، في ما عُرف بـ”الشدة المستنصرية”، وستجف المقسي وينبت بها الزهر والشجر حول البرك لتسمى بـ”بستان المقسي”، ثم “بركة بطن البقرة”، وفي عهد المماليك سيأتي أمير اسمه أزبك ليمهِّدها ويُجري إليها الماء من النيل ويسميها “بركة الأزبكية”. يصعد ويهبط نجم حي الأزبكية، مع المماليك ثم الفرنسيين، ثم يصير مع الخديو إسماعيل حيًا أوروبي العمارة في قلب القاهرة، تسكنه الطبقات العليا من المجتمع، حتى تأتي حركة الضباط في 1952، ويتحول معها الحي وتتغير علاماته، ليصبح مسرح حديقة الأزبكية هو المسرح القومي، وتتحول العتبة الخضراء إلى سوق لكل شيء.

في هذا الميدان سيجلس النقيب أحمد عطارد، في قبة سماوية تحملها أربعة تماثيل أعلى مبنى تيرينج الشهير، سيصطاد الناس من حوله، بموضع يتيح له قتل الناس. ببندقية قنصه وصناديق من الذخيرة سيقتل المارة عبر ميدان العتبة وميدان الأوبرا وكوبري الأزهر. سيقتل كل من يقع تحت منظار بندقيته، البائع والمشتري، السيدة والشابة. سيضع أسماء لضحاياه. سيظن نفسه ملاكًا وشيطانًا يخلص الناس من عذابات جحيمهم، أو يرسلهم لجحيم جديد.

يحدث هذا في قاهرة عام 2025. أصبح ميدان العتبة مسرحًا لقتل عشوائي، لم يتبق من تمثال إبراهيم باشا المميز لميدان الأوبرا غير ثلاث قوائم لحصانه، بعدما نُشرت رأسه وسُرقت أجزاؤه الواحد تلو الآخر. بعد غزو مصر تحت أقدام وتحليق طيران نحو نصف مليون فرد من جيش فرسان مالطا، تتحول القاهرة لديستوبيا حقيقية؛ تخلو جزيرة الزمالك من السكان، في حين تظل القاهرة الغربية -مدينة الجيزة غربي النيل- “محررة وتحت سيطرة المصريين تمامًا”، رغم تعرض بعض مبانيها للهدم بسبب القصف. تصور الرواية تعرض معالم القاهرة في بداية الاحتلال عام 2023 للقصف والتدمير والانهيار التام، وتشمل مبنى جامعة الدول العربية والبنوك والفنادق ودار الأوبرا والوزارات.

في القاهرة المحتلة من فرسان مالطة، وتحديدًا في شرفة برج القاهرة، يصف العقيد أحمد عطارد القاهرة كما يراها بعيني قناص؛ مبنى ماسبيرو رجل بمؤخرة ضخمة وردفين هائلين، وصدر وجذع نحيلين، ومبنى الخارجية رجل أوروبي طويل القامة بعمامة شرقية، ركام فندق هيلتون النيل الذي تهدم مع بداية الاحتلال هو سائح أمريكي سكران سقط ولا يدري شيئًا مما حوله.

رسم ربيع عالم روايته بدقة بالغة. في قاهرة عام 2025 تهدمت الأبنية التقليدية في العاصمة المصرية، في جحيم متخيل/متوقع إذا ما تعرضت مصر لاحتلال بلا مقاومة كما في فصول 2025 في “عطارد”؛ انتحار الناس في الشوارع قفزًا من الجسور والأسطح، القتل والسرقة والاغتصاب، خاصة بعد رحيل فرسان مالطا المحتلين بلا سبب، تقنين الدعارة وتعاطي الناس لمخدر جديد يُصنع من الحشرات اسمه “الكربون”. هذا حفل يأس لا نهائي، القاتل القناص فيه يخلِّص الناس، بقناع بوذا الذي لا يعرف القنص بغيره، وفعل القتل يصير مقدسًا على نحو ما. وحين يتوقف عن القتل، سيبحث الناس عنه، سيهتفون “أين ذهبت؟ عد واضرب”. إنّهم في الجحيم، والموت ينقلهم إما إلى الجنة أو إلى جحيم جديد لا يذكرون فيه جحيمهم السابق.

نبوءة بحر الرمال

هذه قاهرة لا تقهر الدنيا، بل تقهر نفسها وتشهد نهايتها، أو بالأحرى نهاياتها التاريخية، وقد تأتي النهاية على يد جيش محتل، لا خطط استعمارية لديه، أو بكارثة بيئية، تحيل الأخضر للأصفر الصحراوي، كما في رواية “استخدام الحياة- دار التنوير” للكاتب أحمد ناجي، فيما يُعرف بـ”تسونامي الصحراء”، الذي تغرق فيه القاهرة المحدودة ما بين المعادي والجيزة ومدينة نصر وشبرا تحت أطنان من الرمال، وشلالات الرمال المنسابة من كباري المدينة. خليط من الرياح الساخنة والعواصف والرطوبة يدوم لأكثر من أسبوعين بلا انقطاع، تتبعه عدة زلازل وهزات أرضية، ثم زلزال عظيم وتشققات أرضية تبتلع شوارع كاملة وتغير وجه المدينة المألوف كما تغير مجرى النيل، وبدلًا من خلو جزيرة الزمالك من السكان في “عطارد” محمد ربيع، فهي تختفي بالكامل هنا، تتهدم الأهرامات وتتحول لكومات من الأحجار. كل ما يميز الوجه الحضاري والتاريخي للقاهرة ينتهي متحولًا لصحراء، القاهرة الفاطمية والخديوية تصبح خرائب باستمرار العواصف الترابية، وتنتقل العاصمة للقاهرة الجديدة.

كل هذا يحدث في قاهرة مستقبلية، في زمن وسط بين أزمنة الرواية الثلاثة، والتي تدور بكاملها عن القاهرة، ويعلِن خلالها بطل الرواية “بسام بهجت” سخطه تجاه القاهرة الكبرى، زمن يحوي وصفًا للقاهرة الكبرى المعاصرة، بزحامها وسكانها وعمارتها العشوائية، الطريق الدائري والمجتمع المتاخم له، أكوام الزبالة ومزارع الخنازير.

بالتزامن مع لقاءاته العملية كباحث ومعد للأفلام التسجيلية يحضِّر بهجت أفلامًا عن عمارة القاهرة ويتورّط مع “جمعية معماريي المدن”، جماعة سرية أزلية التكوين، تدين بالمعرفة وتبحث في عمارة المدن حول العالم، وتهتم بالقاهرة “أم المدن” بحسب وصف إحدى عضواتها. في هذه الرحلة يتبدى بحث الكاتب في تاريخ عمارة القاهرة.

يحكي إيهاب حسن، أحد الأعضاء البارزين بجمعية معماريي المدن قصة أسطورية، عن قوم من جماعة قابيل ابن آدم، أول من اخترع الزراعة والقتل، وهما أول خطوتين في تأسيس المدينة، أن قافلة من سبعين راكبًا على رأسها نقراوس الجبار بن مصراييم بن مركاييم بن دوابيل بن مرباب بن آدم ظلت سائرة، حتى وصلت للنيل فأعجبها فيضه، واستقرت إلى جواره ومنحوها اسم التلميذ “مصراييم” فصارت مصر. صنعت حضارتها ومدنها، وتبدلت عواصمها عبر التاريخ حتى صارت القاهرة، بكل دورها السياسي والتاريخي في الماضي، أو تغيراتها الجغرافية والديموغرافية المعاصرة، مقالب الزبالة والزحام والتكدس فيها، مركزيتها واستقبالها للملايين يوميًا، فضلًا عن الملايين من سكانها، بعقدهم الاجتماعي الذي يفرض عليهم مزيدًا من الضغط والرقابة المتبادلين بين أفرادهم، وإيذاء بعضهم بعضًا لمجرد أن أحدًا يستطيع ذلك.

حلول أزمة القاهرة كمدينة تأتي على حساب مركزيتها، علاجها يأتي عن طريق التخلص منها. تطرح بابريكا، إحدى عضوات جمعية معماريي المدن، علاجًا للواقع الكابوسي للقاهرة وعشوائيتها وزحامها، هو تحويل مجرى النيل بعيدًا عنها، أي سحب الميزة الأهم لها، وهكذا تذوي المدينة وتفقد رونقها، وتقل كثافتها السكانية لصالح مدن عمرانية جديدة، ما يتيح الوقت والفرصة لعلاج قلب المدينة القديمة، أو اعتباره منتجعًا تاريخيًا مفتوحًا.

تأتي العاصفة “تسونامي الصحراء” متبوعة بالزلازل والتشققات الأرضية، يتحول مجرى النيل، تذوي المدينة لصالح مدينة جديدة. وكما تغيرت القاهرة تغير العالم، وخضع لحكم تحالف اقتصادي يضم 99 شركة، تتحكم بها بابريكا المهيمنة على شركة “معمار”. يتحكم التحالف في كل شي، من الزراعة لصناعة الأدوية والأسلحة والتحكم بشبكة إنترنت عالمية. أصبحت مدينة أكتوبر الجديدة تطل على النيل وعلى بحر رمال برتقالية تمتد وتحمل العديد من المراكب الشراعية المعتمدة في حركتها على حركة الرياح ومد وجذر الرمال. تبتلع رمال ناعمة السيارات وتحمل السفن. تضم مشهدًا سورياليًا كما في لوحة سلفادور دالي “إصرار الذاكرة”، صحراء ممتدة وساعات متدلية ستعرف باسم “صحراء دالي”. لا قاهرة في المستقبل، فقط رمال وصحراء ومعمار جديد، ههنا في المستقبل قاهرة سيريالية يقود فيها القرود المناطيد في بحر الصحراء.

هنا القاهرة، مدينة صالحة للجحيم المتجدد ما بين العصور، مدينة سيريالية ولا تزال تحتمل فرص أكثر للسيريالية وسيناريوهات النهاية، ماتت وولدت مرات عدة وتبشر بنهايات وميلادات أكثر، كما تبدو في كتابة روائيين شابين صدر عملاهما عنها عام 2014، أي بعد ثلاثة أعوام من الثورة، وفي مطلع فترة حكم يعتبرها كثيرون هي الأسوأ في تاريخها.

شوق لصديق

أول يوم في السجن كمحاولة للتخفيف عنى أخذ الزملاء يعددون لى مزايا السجن الذي أنا فيه والزنزانة التى تشرفت بالنزول فيها، حيث تم وضعى في عنبر غالبيته من كبار موظفي الحكومة ورجال الأعمال وقضاة وضباط شرطة وجيش. كل عنبر في السجن طاقته الاستيعابية حوالى 60 سجين بإجمالى 9 عنابر في السجن. وعلى حد قول زميلى “كلنا هنا ناس محترمين خالص، والسجن هنا الادارة بتاعته محترمة” ولما عاين صمتى ووجه البوكر الذي كنت ارتديه في هذه الفترة أضاف “دا حتى علاء سيف هنا، في الأودة اللى قصادنا”.

بعد سنين فرقتنا فيه الطرق والمشاغل والاختيارات أعود مرة آخري لأصبح جار لعلاء. كانت المرة الأولى في 2006 حينما كنت أعيش في شارع فيصل يفصلنى عن علاء شارعين. وقتها كان منزل علاء ومنال بمثابة القاعدة لفنانين عابرين بالبلاد مبرمجين مغامرين مدونين ونشطاء سياسيين. كنت ازورهم باستمرار نمت صداقة فتحت لى الكثير من الأبواب، ثم جرت مياه كثيرة تحت النهر وفوقه وغادرت شارع فيصل وغادر علاء البلاد.

ثانى يوم في السجن دخل زميل يحمل في يده حقيبة بيضاء وضعها على مصلبي وهمس في أذنى “الشنطة دى من علاء، وانا اسمى **** ولو احتجت أى حاجة قول لى” احتوت الشنطة على تى-شيرت أبيض خرطوشة سجائر كليوبترا ومستلزمات تفصيلية آخري لبداية الحياة في السجن.

في اليوم الثالث توقفت أمام باب عنبر علاء ناديت عليه وكعادة عدمية واظبنا عليها منذ أكثر من عشر سنوات فنحن نتبادل التحية ممزوجة بالسخرية من بعضنا البعض. العصافير من المساجين الذين ينقلون الكلام وقفوا حولنا يستمعون لحديثي أنا وعلاء نتبادل السباب والسخرية دون أن يتمكنوا من فهم طبيعة الحوار. بعضها أخبرنى أن هناك مكتبة في السجن وأن الكتب التي فيها معقولة ويمكننى الاعتماد عليها حتى تأتى لى زيارة بعد 30 يوم ويحضرون لى كتب. سألته عن العناوين الموجودة في المكتبة ذكر بعض الترشيحات ثم قال “هناك أيضاً روايات لبهاء طاهر بس أنا خلاص معدتش بقدر استحمل الهراء بتاع الدولة القومية دا”.  فجأة انطلقت الصفارات في منتصف الحوار رأيت المخبرين والحراس يهرعون نحوى، يجذبونى بعيداً عن باب الزنزانة بحجة أن هذا ممنوع. بعدها بنصف ساعة تم استدعائي للضابط المسئول وابلاغي بأن ما حدث ممنوع وممنوع التواصل بينى وبين علاء.

قضينا حوالى 5 شهور في هذا الوضع الغريب يفصلنا جدار لكن غير مسموح لنا بالحديث أو تبادل الرسائل، بل تم تغيير جدول ونظام السجن بحيث لا يمكن أن ألتقي بعلاء حتى ولو على سبيل الصدفة. اذكر في يوم ما تم تأخير زيارتى وجعل أهلى ينتظرون أكثر من خمس ساعات حتى لا أزور أنا وعلاء في ذات الوقت. لم أفهم السبب وراء هذا الأمر، وفي السجن لا فائدة من محاولة الفهم فالتخمين هو الأساس أو كما تقول الحكمة الخالدة “السجن اتبنى على البرشام والكلام”.

فجأة ذات صباح طُلب منى وكل الزملاء في الغرفة جمع متعلقاتنا والانتقال للغرفة الآخري حيث علاء، وقفت في منتصف الغرفة حتى أتى أحد الحراس وقال أن مكانى سيكون فوق علاء وأن هذه التعليمات قد أتت من فوق.

المصالب/ الأسرة/ المرقد في سجن عنبر الزراعة حيث كنا مصالب أرضية ومصالب علوية وبالفعل كان مكانى فوق علاء. في الأيام الأولى وفي فراغ السجن الكالح وجدت أننى وعلاء نستعيد نفس خلافاتنا القديمة في مرحلة ما كنا نزعق في وجه بعضنا البعض لأنه وافق على التعديلات الدستورية في 2011. لكن بعد هذا وجدنا مواضيع أفضل للنقاش في أعداد مجلات Scientific American  و مجلة weird  وغيرها من المجلات التقنية والعلمية والتى كان بعضها يدخل لزميل امريكى مسجون معنا والبعض الآخر تمكن علاء من ادخاله. كنا نعرف أن هناك “عصافير” من الزملاء المساجين مخصصه  لنا لنقل أى أحاديث أو مؤامرات أو خطط انقلابية نخطط لها، وأحياناً كنت أشعر بالاشفاق عليهم. أحيانا كنا نقضي يوم طويل في جدال مستقبل العمل اليدوى في عصر الطباعة الثلاثية، وأحياناً آخري حول كيف تم تشكيل مفهوم الشرف والصورة المتخيلة عن مصر كدولة قومية في القرن التاسع عشر.

منذ خروجى أحياناً ما أتلقي السؤال بصيغ مختلفة؟ كيف هو علاء؟ ورغم الحياة المشتركة معه لخمسة شهور فالأمر يتطلب منى ثوانى من التلجلج حتى أرد ذات الإجابة في كل مرة: “يقاوم”.

أتذكر قلقه واضطرابه وعدم قدرته على النوم حينما اقترب موعد حكم المحكمة الدستورية في دستورية قانون التظاهر، كانت الآمال كبيرة. والأمل هو عذاب المسجون اليومى. إذا تملكك الأمل في السجن فلا نوم ولا أكل ولا دخان. يصبح الوقت أطول والقلق جمر مشتعل على الفراش. اتذكر الاحباط حينما صدر المحكمة الدستورية. الاحباط أكثر بعد كل زيارة حينما يخبرونه بأن محكمة النقض لم تحدد موعد لمحاكمته رغم أن هناك آخرون معه في ذات القضية تم تحديد موعد لنقضهم بل وبعضهم تم نظر نقضه.

الآن في أذنى أحياناً وأنا اقرأ في الليل وحيداً يخيل لى أنى استمع لصوت أقدامه. في آخر اربع شهور لنا معاً تم منع التريض عن كل عنابر السجن، لم يكن مسموحاً لأحد بالخروج من العنبر ولا رؤية الشمس. استسلمت لقدري وأخذت اراكم الدهون والنشويات ليل نهار بحثاً عن الدفء، بينما علاء كما يليق بزميل يسبقنى بسنوات وشهور واظب على وضع سماعات الردايو في أذنه والسير طوال الليل جيئاً وذهاباً لساعات بينما أنا في الفراش، أحاول الهروب من أحلامى في الخروج في الغرق في مربعات “السودوكو” أو قراءة كتاب.

طقسنا المفضل ووقتنا الاجتماعي كان يبدأ من الساعة الثالثة والنصف، فعلى إذاعة البرنامج الأوروبي تأتى ساعة من إذاعة بي.بي.سي نشرة أخبار بالانجليزية شكلت المصدر الأول للمعلومات لدينا، يستمع للنشرة ثم يأتى ليحكى لى الأخبار والتعليقات، بعدها نتصفح الجرائد وبين مقال وخبر نتبادل التعليقات نحاول أن نصنع من الغثاء والتفاهة التى نقرأها في الصحف شيئاً يبعث على الضحك، شيئاً نقاوم أو ننسحب به.

أشتاق الآن لعلاء أكثر من أى وقت مضي، وأكتب هذا دون أن أعلم هل يكون لقاءنا التالي في الخارج أم أعود مرة آخري له. أكتب هذا دون جدوى محاولاً صنع شيئاً من الأيام التي ضاعت في غثاء السجن شيئاً، لكن وكما هو واضح لاشئ واضح في هذه التدوينة الطويلة أكثر من شوق صديق لصديقه.

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ