الموسيقي: حصار في المسرح وهروب للانترنت

نشرت في مجلة هيابتيا 2014

نانسى منير موسيقية وعازفة من أبرز أعمالها مؤخراً توزيعها لأغاني ألبوم دينا الوديدى الأخير “تدور وترجع”. إلي جانب ذلك فالوجه الخفي لنانسي هو عضويتها لفريق “ماسكار” ثلاث فتيات يغنين موسيقي الروك والميتال بالعربية والانجليزية من خلف أقنعة لا تظهر وجوههن ظهرن مرة واحدة في فيلم “ميكرفون” للمخرج أحمد عبد الله.

أحيي ويحيي فريق ماسكار عشرات الحفلات في الخارج، ومن الغريب أن هذا الفريق يحظى بتقدير على المستوى الأوروبي والخارجي بينما هنا لا يعرفه أحد. والسبب أنهم لا يجدون مكاناً يمكنهم تقديم موسيقاهم فيه.

في كل مرة يكون عضوات الفريق على وشك الاتفاق مع مكان لإحياء حفل لهم، يسألهم السؤال الذي يصيبهم بالاختناق والضيق :”هتغنوا ميتال؟”. حالياً لا يغنى عضوات الفريق الكثير من أغانى الميتال، لكن مجرد ظهور السؤال يجعلهن ينسحبون لأنهن يشعرن بالضغط الثقيل لتلك الرقابة الجاهلة.

بعد ثورتين وربما انقلابين، فموسيقي الميتال تظل هي الموسيقي الملعونة المنبوذة من المشهد المصري. في منتصف التسعينات تم إلقاء القبض على مجموعة من الشباب من محبي الاستماع لموسيقي الميتال واستغلت القضية إعلامياً تحت عنوان “عبدة الشيطان”. تم تسليط الضوء على ملابس الشباب وقصات شعرهم، والغموض واللون الأسود المميز لثقافة وموسيقي الميتال لرسم صورة شيطانية للشباب، والتنكيل والتشهير بهم، ثم تم نبذ موسيقي الميتال. وطوال هذه السنوات حتي الآن لم تظهر تلك الموسيقي وفرقها على أي من مسارح الدولة، وفي كل مرة يتم تقديمها على أحد المسارح الخاصة تتم مراجعة فقرات الحفل وكلمات الأغانى من قبل المنظمين وهناك تحذيرات وتوجيهات لرفض أغانى معينة، بل يصل الأمر إلي مطالبة بعض الفرق بعدم استخدام بعد التكنيكات الموسيقية والصوتية كالعواء أثناء الغناء أو طبقات الصوت الوحشية.

مؤخراً في حديث مع نانسي أخبرتني أنهن يفكرن في حفلة أونلاين، سيجتمع الثلاثة في أحد منازلهن، يفتحن كاميرا الكمبيوتر وفي بث حي على الانترنت سيقدمن الحفلة التي طالما تمنين تقديمها للجمهور في مصر.

نحن نحاصر أكثر فأكثر، والعالم الافتراضي أصبح هو العالم الواقعي، حتي الحفلات في هذا الوادي الضيق والبلاد المختطفة لم يعد من مكان لها إلا الانترنت، نخسر الأراض يوماً بعد يوم لأسباب متعددة لا تتعلق فقط بالسلطة العسكرية بل تتداخل معها أسباب أخري متنوعة.

***

تهتم الحكومة مؤخراً بمكافحة التحرش بسبب توجيهات المشير السيسي غالباً، أو بسبب أن الأمر تحول لشهرة عالمية ترتبط باسم مصر. المهم أن كل أسبوع هناك مهرجانات واحتفالات ومارثون بالدراجات تحت العنوان السابق. أحد هذه المظاهر الدعائية مهرجان موسيقي ضد التحرش أعلنت دار الأوبرا عن استضافته في مسارحها.

كان من المقرر أن يجمع المهرجان بين عدد من فرق الموسيقي البديلة منهم مسار إجباري وفرق شبابية آخري، إلي جانب حضور خاص للسادات، وعمرو حاحا. في سابقة تعد الأولي من نوعها لدخول موسيقي المهرجانات لحرم دار الأوبرا. لكن مع الإعلان عن التظاهرة بدأ جمهور الأوبرا وجمهور الفرق الأخرى في إبداء اعتراضهم على مشاركة السادات وحاحا. والسبب لأنهم يرون أن موسيقي الفرق المستقلة تقدم فن هادف قيم، بينما المهرجان ابتذال للموسيقي والفن. طالت التعليقات موسيقي المهرجانات وجمهورها أيضاً واحتوت على إشارات تحقيريه وطبقية حول كيف أن جمهور موسيقي المهرجان غير مؤهل لدخول الأوبرا.

لكن السادات ومجموعته كان ردهم في بيان منشور على صفحتهم، بأنهم يعتذرون عن الغناء في الأوبرا أو في تلك الأماكن حتي لا يضايقوا أحد.

***

سواء كنت مغنى مهرجانات، أو مغني ميتال فالبحث عن مسرح أو فضاء للغناء يظل عملية تطلب الكثير من الصراعات، والحيل والتنازلات كل هذا من أجل رفع الصوت بالموسيقي.

يحتاج المغني في مصر أولاً إلي ترتيب أمورها مع نقابة الفنون الموسيقية. وهذا الترتيب يأتي من خلال أما أن يكون عضواً، وأما أن يكون لديه وسيلة لرشوة مسئولي النقابة الذي يزورون الأماكن الثقافية والمسرحية ويفرضون على شباب الموسيقيين والمغنيين الذي أحياناً ما يقدمون تجاربهم الأولي “أتاوات” ليسمحوا لهم بالعزف والغناء. الحصول على عضوية النقابة مسألة معقدة أيضاً فهناك ثلاثتصنيفات أما أن تغني بالعربي الشرقي أو الغناء الأجنبي، أو “مونولوجست” ويخضع المتقدم لعضوية النقابة لتحديد وتصنيف ما يقدمه تحت تصنيف من الثلاثة. لكن ولا تصنيف من هذه التصنيفات يشمل الراب أو الموسيقي الإلكترونية. تعيش النقابة في زمن الديناصورات ويعيش المغنيون في زمن المستقبل. وفي الفجوة الزمنية بين الاثنين يقع الجمهور الذي يبحث عن مكان له يستمع فيها لما يفضله ما يطربه وما يحركه. لكنه يجد المسارح والفضاءات الثقافية التي بنيت بأمواله ليست ملكه أبداً.

مسارح الدولة وقاعاته لا يوجد قوانين ولوائح ثابتة تديرها، كمان أنه يتم تخصيصها بشكل تلقائي للفرق التابعة لوزارة الثقافة والدولة. وتلك الفرق بدورها فمفروض عليها أن تقدم وتعكس ما تفهمه الدولة عن الموسيقي والعروض الفنية. والنتيجة نشهدها في مسارح الدولة المختلفة حيث عشرات الفرق كل مهمتها إعادة تقديم وغناء أغانى أم كلثوم تحت دعوى أن هذه هي الموسيقي العربية. أو ارتداء ملابس ذات طابع فلكلوري وتقديم العروض التي تكرر تقديم الصور النمطية حول الهوية والوطن وتاريخه.

المسارح الخاصة والأماكن الثقافية الأخيرة تتم معاملتها معاملها الكباريهات والأماكن الترفيهيه وخلال العقد الأخير أغلقت عشرات المسارح الخاصة بسبب زيادة الضرائب المفروضة عليها. أما المسارح الأخرى ذات الطبع الثقافي فلديها قائمة طويلة من المحاذير والتوجيهات المفروضة عليها. مسارح الساقية على سبيل المثال هناك قطاع كامل من الفنانين ممنوع من الغناء عليه. وقبل صعود أي فنان إلي المسرح تعرض عليه قائمة بالممنوعات والمحاذير التي تشمل الغناء السياسي، والألفاظ التي يصنفونها كألفاظ خارجة. بل والأغرب يفرضون غرامات على الفنانين في حالة استخدامهم لبعض الكلمات. مغنى الراب “ام.سي. أمين” على سبيل المثال تعرض ذات مرة لخصم جزء من أجرها نتيجة أن جمهور الحفلة كان يردد كلمة “أحه” كجزء من أحدى أغنياته.

وسط هذه تخسر الموسيقي والغناء المصرية مساحات من أرض الواقع، تنسحب الموسيقي الحياة إلي واقع افتراضي على الانترنت. ربما لهذا تنمو مؤخراً الموسيقي الالكترونية على مستويات وتجارب متعددة بداية من فنانى المهرجانات وحتي توجه الكثير من المغنيين الشباب إلي الموسيقي الالكترونية حيث تختفي المساحات من أرض الواقع وتتم مصادرتها ولا يبقي غير ضجيج الذبذبات الإلكترونية

إسقاط تهمة خدش الحياء وإعادة المحاكمة في قضية #محاكمة_الخيال

صباح الخير وورد الوردوش على الجميع،

أصدرت محكمة النقض اليوم حكمها اليوم حيث قبلت الطعن شكلاً وموضوعاً. وبالتالى أسقطت حكم محكمة الاستئناف الذي قضي بمعاقبتى بالسجن عامين بتهمة خدش الحياء العام. وبذلك أصبح ذلك الحكم لاغياً وسقطت عنى جميع التهم. كما قضت محكمة النقض بإعادة المحاكمة أمام دائرة أخري، لنبدأ جولة أخري من التحقيقات والمحاكمات التي بدأت في 2014.

حكم اليوم هو انتصار صغير لكل المؤمنين بحرية الرأى والتعبير، يأتى في ظروف وأوقات عصيبة ليسمح لنا بالتقاط النفس، شهيق وزفير عميق وربما احتفال صغير بما حققتموه أنتم.

أدين بهذا الانتصار الصغير لكل شخص شارك في حملة #ضد_محاكمة_الخيال بأى جهد ممكن، سواء كان ضغطة زر على الكمبيوتر أو الموبيل، أو كتابة أو دعم أو صور أو فيديو. ولأخوة الأدب والمؤمنين بحرية الخيال، وحق التجربة والخطأ. وإلى جانب الأفراد فهناك منظمات المجتمع المدنى المصرية التي تكافح للبقاء والدفاع عن حقوقنا الدستورية والإنسانية، بداية من المبادرة المصرية، نقابة الصحفيين، واتحاد الكتاب. ولمنظمات الأدب والمجتمع المدنى التي دعمتنا بمقدار ما تستطيع وعلى رأسها نادى القلم الدولى، ونادى القلم الأمريكى والبريطانى. الشكر دائماً موصول لفريق الدفاع الذين تطوعوا بوقتهم وجهدهم للعمل على هذه القضية الطويلة والمليئة بالمفاجآت غير المتوقعة، وغير السعيدة أحياناً. الأساتذة ناصر أمين، نجاد البرعى، خالد على، ياسمين حسام الدين، محمد عيسي، والعزيز محمود عثمان وفريق عمل “افتى”.

ننتظر صدور حيثيات حكم محكمة النقض، والتى تظل الملجأ الأخير المتاح أمام كل المظلومين، والرقيب على التزام الأحكام القضائية بصحيح الدستور والقانون.

WhatsApp Image 2017-05-21 at 16.21.25
الصورة اليوم بعد معرفتى الحكم، في زيارة لقصر عائشة فهمى (مجمع الفنون) بالزمالك

وظيفة الضباع القديمة في مصر الجديدة

نشرت في مجلة هيباتيا عام 2014

نشرت جريدة الأخبار يوم 12 أغسطس 1976 خبراً في باب “أخبار الناس” يقول أن منظمة الشباب بالاتحاد الاشتراكي توزع منشورات على أعضائها تهاجم فيها أحمد عدوية وتتهمه بالإسفاف. أبناء منظمة الشباب في الاتحاد الاشتراكي هم بعد ذلك أبناء النوادي الناصرية في الثمانيات وهم أولاد مؤسسي الاتحاد الاشتراكي في الستينات في سلسلة والدها مات بداء النقرس ووالداتها مشير ميت أو مات منتحراً بعد ما عرف بنكسة يوليو.

الهجوم على أحمد عدوية كان هو الظاهرة الصحفية والإعلامية الأبرز طوال عقد السبعينات والثمانيات، وهو هجوم مستمر رغم أن عدوية كان ممنوعاً من الظهور في الإذاعة أو التلفزيون، ورغم هذا فلطالما هاجم الكتاب والصحفيين من أبناء الاتحاد الاشتراكي عدوية وطالبوا بمنعه من بيع الشرائط، هم ذات الكتاب الذين سيطروا في هذا الزمن ويسيطرون في زماننا على الصحافة والاعلام ولطالما طالبواً  بمنع عدوية من الغناء في الكباريهات وصالات الفنادق، ووصل الأمر في 1985 إلي قبض رجال شرطة الآداب على عدوية بتهمة غناء كلمات مخلة بالآداب.

n903460533_3648218_4996
أحمد عدوية صورة من التسعينات

يفترض البعض خصوصاً في أوروبا والدول المتقدمة أن الصحفيين والكتاب والعاملين في مجال المهن الإبداعية هم خط الدفاع الأول عن حرية الرأي والتعبير، وفي الغالب هم كذلك ما عدا في مصر حيث يكون هؤلاء الاعلاميون هم أول من يطلب فرض الرقابة على الإعلام ومحاصرته وإيقاف إعلاميين زملاء لهم عن العمل. تكشف حكاية عدوية وصراعه المرير من أجل مساحة للغناء في مقابل هذه النخبة السياسية والثقافية، كيف أن مثل هذه السلوكيات كالفرح بإيقاف برنامج باسم يوسف أو يسري فودة، أو حتي قرار نقيب الصحفيين الأخير بمنع علاء عبدالفتاح من دخول النقابة بسبب آراء وكلمات لم تعجبه.

مثل هذه الممارسات لا ترتبط فقط بالظرف السياسي، وليست وسيلة قذرة يستخدمها بعضهم في الخلافات السياسية. بل هي جزء من تركيبة شريحة عريضة من إعلامي وصحفيي مصر، وهى نتيجة لعملية تخليق للضباع البشرية المشوهه بدأت مع تأميم ثورة يوليو للصحافة وبسط نفوذها على المجال العام والخاص.

** *

يتجسد وجود السلطة من خلال السيطرة على مجال الحواس الخمس، وتمارس نفوذها في هذا المجال من خلال خلق طبقة من الجنود الاوفياء يحملون درجة مثقف. يكتسبون قيمة وجودهم من حراستهم للفلكلور وسلطتهم المعنوية في تحديد ما هي الهوية وما هي ثقافتها، ما يقع داخلها وما يأتي من خارجها. مشروع زكريا الحجاوى وثروت عكاشة في الستينات كان تجسيد مباشر وواضح لهذه الاستراتيجية، حيث عمل الاثنان علي خلق قاعدة عريضة لما سيعرف بالتراث الشعبي، وتحويل المغنيين والفنانين الشعبيين إلي موظفين في الدولة. وبالتالي تصبح الدولة هي المحتكر للتراث والفلكلور، وحينما يظهر أحمد عدوية كصوت للمدينة (تربي وعاش دائماً في حى المعادى) يصبح من الصعب وضعه في جاليري الدولة كممثل لأى فلكلور منطقي. مثال واضح للخارج المنفلت تحق عليه اللعنة والحصار، ليصنع أسطورته الخاصة اعتماداً على التكنولوجيا الجديدة وقتها (شريط الكاسيت).

الآن وبينما تستعيد السلطة العسكرية نفوذها تعود مرة آخري للتمدد في هذا المجال. وتصبح لقاءات السيسي مع الإعلاميين والفنانين المختارين طقس شهري لخلق ضباع جديدة يعيدون أحياء أدوار الضباع القديمة ويساهمون في بناء مصر الجديدة.

أن يدافع أحد الضباع عن التقييد على زملاء صحفيين وإعلاميين له، أو فرض الرقابة على الآخرين تحت دعاوى محاربة الإرهاب، ليس مجرد موقف منحاز أو موالاة للسلطة. بل دفاع عن وجوده هو ذاته كجزء من هذه السلطة وأحد ضباعها. وفرض الرقابة هو وسيلته التي يهمش من خلالها أي خطاب آخر بحيث يسود خطابه، ويتحول فنه في حالة كونه فناناً إلي فنان معبر عن هوية الوطن كمرآة تعكس فقط تصورات السلطة عن ذاتها المتضخمة “اللى قد الدنيا”.

يظهر هذا بوضوح بالكيفية التي يتم بها الاحتفاء ببعض الضباع بعد رحيلهم ووفاتهم، نشاهد كيف في جنازات أحمد رجب أو مصطفي حسين تظهر كل فروع وتنوعات السلطة في مصر من مؤسسة الرئاسة والمؤسسات العسكرية وحتي المؤسسات المدنية، يرثون زميل حقيقي مخلص لهم، وأستاذ نتعلم من مسيرته.

** *

في شهر سبتمبر الماضي نشرت جريدة المصري اليوم قصيدة بعنوان “المجلس.. قصيدة مباشرة جداً” لعبد الرحمن الأبنودى، القصيدة المباشرة لا يكتفي فيها الشاعر بإعلان موقفه السياسي المنحاز للسيسي فقط، بل يمتد في هجاء طويل لجيل الشباب الضال ويدافع عن نفسه أمامهم بأن كلامهم على الانترنت تخاريف، أما هو فلوجوده مؤسس، لكن الأهم ما احتوته القصيدة من هجاء ضد التمويل الأجنبي، والصف الخامس في الوطن الذي يتم تمويله لنشره التخريف ضد محبوبه السيسي على الانترنت.

بعد أيام قليلة من نشر قصيدة الأبنودي، صدر التعديل الجديد في قانون العقوبات وملخصه عقوبة الحبس لأي فرد أو جماعة تتلقي أي تمويل لعمل أي شيء داخل الأراضي المصرية. في خطوة تستهدف بشكل واضح خنق المجتمع المدني ومحاصرة المنظمات خصوصاً الحقوقية لتضييق الخناق عليها. في الوقت ذاته فالسلطة التي تصدر مثل هذا القانون تعيش على التسول حرفياً لا مجازاً وفي ذات اليوم الذي صدر فيها هذا التعديل كان السيسي في نيويورك يسأل أين الأباتشي التي هي جزء من المعونة.

هل مثلاً كانت قصيدة الأبنودي هي ما أوحي للسلطة السياسية في مصر بإجراء هذا التعديل؟ أم أن الأبنودى -حاشا وماشا- تلقي توجيهات وخطوط عريضة لقصيدته السياسية المباشرة من رأس ما هناك على طريقة بيانات الاتحاد الاشتراكي التي كانت بعدها تظهر مقالات الكتاب المهاجمة لعدوية؟

47815_412270438863031_623163926_n

يستريح البعض لاستخدام تعبيرات العمالة ووصف الضباع بالمخبرين. لكن الضباع بطبيعتها لا تعيش إلا على الجيفة لذلك فعلاقتها مع المفترسات ليست علاقة “تعريض” بل هي علاقة نفعية تصنع التكامل الضروري في الحلقة الغذائية. وبقليل من تهذيب المجاز والقياس بين ضباع الغابة والضباع “المتسابة” يمكننا فهم طبيعة العلاقة بين الابنودى والكتاب والفنانين والصحفيين مع السلطة والنظام الذي يتشكل حالياً.

بدون شعراء كالابنودى وإعلاميين كأحمد موسي وأخوته المدافعين عن تقييد حرية الرأي والتعبير تفقد السلطة صوتها ووجودها في المجال العام، وهم في هذا المجال ليسوا صوت للسلطة بل هم السلطة ذاتها. لهذا لا تندهش حينما يصب موسي غضبه في حلقات من برنامجه على قيادات في الداخلية لا بسبب تجاوزها سلطاتها في حق المواطنين بل بسبب تقصيرها بما يؤثر على مشروع تسيد الضباع والسلطة الجديدة.

** *

المسألة ليست قمع للأصوات المعارضة، بل تأكد أن هذه المجالات تحت سيطرة السلطة، احتواء المواطن في حضن السلطة. هيفاء وهبي في فيلم “حلاوة روح” أو برامج الرقص على قناة القاهرة والناس، ليست أصوات معارضة. كذلك عدوية لم يكن مشروع سياسي معارض. لكن ما يجب أن تشاهده أو تسمعه هو اختصاص الضباع، وظيفتهم أن يحددوا للدولة والمجتمع ما يجب وما لا يجب، ما هو فن راقي ومحترم، وما هو اسفاف ومبتذل.

بعد صنع معيار التقييم تلك يوزعون الغنائم على بعضهم البعض، ويضيف كل واحد لأسطورة الأخر ويدعمه، وأحمد موسي الذي بدأ مساره المهنى مراسلاً في وزارة الداخلية سيصبح العام القادم  الإعلامي الكبير، وبعده الإعلامي القدير وحينها ستتوسع سلطته لتحديد ما هو الإعلام الوطنى الهادف وما هو الاعلام المسف. حتي يصبح بعمله الإعلام رمز ومعبر عن الهوية المصرية، مثلما أصبح مصطفي حسين رمزاً وطنياً وقبلها كان الحال مع صلاح جاهين.

يبدأ الضباع في الالتهام من الأطراف، ومن القضايا التي يعرفون أنها قد لا تلقي تأييد مجتمعي واسع. فيصبح عدوية هو مغنى الكباريهات والكباريهات أماكن الفسق والفجور، وعدوية مغنى الفسق والفجور. مثلما يصرح مساعد وزير الداخلية بأن الغرض من الرقابة على الانترنت هو محاربة ازدراء الأديان والشذوذ الجنسي والأخطار التي قد تهدد قيم المجتمع وثوابته.

الضباع تخلق المجتمع من خلال خلق هوية جمعية يتم مدحها والمبالغ في تعظيمها ليصبح الشعب المصري أعظم شعوب العالم، لكن الشعب المصري العظيم لا يحتوى على الاخوان ولا تجار الدين ولا الممولين ولا معارضي السيسي. شعب متخيل لا يوجد إلا في ذهن الضبع. بعد خلقه يتم وضع سمات لهوية هذه الشعب قيم ومبادئ. حينها يتم اختراع الأخلاق. ومن الخلاق تصاغ القوانين ثم ينصب الضبع المحكمة ويقف عليها قاضياً.

تسير الأمور على مايرام، ثم تظهر التكنولوجيا. وأينما وجدت السلطة وجدت الرقابة. وبالتكنولوجيا يوسع الناس والأفراد مدى حواسهم وقدرتهم على صنع عوالم خفية أحياناً أو تسير في مسارات بديلة خارج نطاق أوهام وعوالم الضباع.

المستقبل على طريقة السبكى

يمكن تصور المستقبل على طريقة السبكي، يصعد الآلهة الأمريكان إلي جبال الأولمب، يتخلون عن المنطقة ويقلصون من ميزانيتهم العسكرية الموجهة لهذه المنطقة. ينوعون في مصادر الطاقة ويتخلون شيئاً فشيئاً عن البترول. من خلف الأطلسي سيخلق الآلهة الأمريكان بشر أنصاف آلهه، سيمنحونهم أجزاء من طاقتهم. كأن الأله يوزع قدراته، فيجعل من هذا إله للإعلام، إله لكأس العالم ودوريات الكرة الأوروبية، إله لطائرات الأف 16، إله للارهاب، وآخر للمقاومة، وثالث للإسلام الوسطى.

الفن ككمين يُنصب في جُنح الليل

يستشهد بسام الباروني في مقدمة الكتاب/ المشروع “خمسة عشر سبيلاً إلى تعدى باديو” بمقولة الفنان والكاتب الأوروغوانى لويس كامنتزر التى يعرف فيها “النظام” بأنه “يترسخ في إطار القوانين والمراسيم والبروتوكالات، أو يظهر ببساطة كتعسف السلطة”.

يصلح هذا التعريف لفتح الكثير من النقاشات في المجال السياسي حول معنى الشعار الشهير “الشعب يريد إسقاط النظام” وهل سقط النظام بالفعل؟

 لكن في الكتاب الذي صدر مؤخراً عن منتدى الإسكندرية للفنون المعاصرة يأخذنا بسام البارونى من تعريف “كامنتزر” إلى طرح تساؤلات آخري حول نظام إنتاج الفن المعاصر وذلك بصحبة فيلسوف فرنسي وخمسة عشر فناناً عربياً ومقال نقدى لسهيل مالك.

من الصعب تصنيف كتاب “خمسة عشر سبيلاً إلى تعدى باديو” حيث يقع الكتاب بين مجالات عدة تبدأ من الفلسفة وتنتهي بالفن. يتكون الكتاب بشكل أساسي من مقدمة لبسام البارونى، ثم ترجمة عربية أعدها خالد حديد للأطروحات الخمسة عشر الفيلسوف الفرنسي آلان باديو عن الفن المعاصر مع ترجمة محاضرة باديو التى قدم فيها تلك الأطروحات للمرة الأولى عام 2003 ثم دراسة لسهيل مالك عن الأطروحات. بعد ذلك دعى بسام البارونى خمسة عشر فناناً ليقدم كل منهم عمل فنى يشتبك مع أطروحة أو أكثر من أطروحات باديو. ليخرج الكتاب مزيجاً بين مجالات متعددة ومحققاً لوصية باديو نفسه الذي يري أنه “من واجب الفلسفة أن تصوغ فكرها قدر الإمكان قريباً من موقف اللا-فلسفة”.

059-01-8159

ابن سارتر ولاكان

حينما زار آلان باديو فلسطين عام 2009 قدم نفسه للجمهور العربي قائلاً: “ بداية، أنا ابن مستعمر أقام في المغرب لكنه سرعان ما عرف حقيقة الاستعمار وأهدافه اللاإنسانية وناضل ضده وابعد لفرنسا ثم ناضل ضد الاحتلال النازي لفرنسا، وكان من أصدقاء المهدي بن بركة. لذا فأنا من عائلة مناضلة، ولدت في المغرب وعشت فيها 5 سنوات. ساعدت الجزائريين في ثورتهم وأنا شاب ( لذا فأنا ارهابي ) .. درست الفلسفة في جامعة باريس واليوم ادرسها في سويسرا.”

هذا التعريف الموجز يصلح كمفتاح لفهم السيرة الذاتية لباديو المولود في الرباط بالمغرب عام 1937. لكن المشروع الفكرى والفلسفي لباديو يتسع إلى ما هو أبعد من المجال السياسي. ففي مراحل دراسته للفلسفة كان باديو  موزعاً ما بين الصراع البارز وسط أعوام الستينات تحت تسمية “الوجودية” من جهة، و”البنيوية من جهة آخري.

ورغم التعارض الظاهرى بين الاتجاهين إلا أن باديو يأخذ من الاتجاهين ما يصفه بأنه المهمة الأبرز للفلسفة وهى منح الشجاعة. فمن الوجودية تحتفظ فكر وأطروحات باديو بالحد الأدنى من البطولة الوجودية ومن البنيوية يتمسك باديو بأطروحات لاكان والذي رغم رؤيته المتشائمة والذاتية يراه باديو يحتفظ دائماً بشيء لا يقبل للانحلال كتمسكه بعبارة “لا تتنازل عن رغباتك”.

شكلت كتابات باديو منذ نهاية السبعينات وحتى اليوم ما صار يعرف بالتيار الفلسفي المعادى لما بعد الحداثة في قائمة تضم أسماء كأنتونيو نيجري و اجامبيون وسولافيك جيجك.

لذا فالفيلسوف الذي يكتب كتب بعناوين مثل “مفهوم النموذج” أو “نظرية الذات” لا يجد غضاضة في أن تمر سنوات طويلة دون أن يكتب فيها كتاباً فلسفياً وحداً أو يصدر كتاب في الهجاء السياسي مثل كتابه “معنى ساركوزى”. فالنشاط الفلسفي عند باديو على حد تصريحه في مقابله صحفية هو “سعى المرء لإعطاء شيء من الشجاعة للجميع. فحتى الفيلسوف الأكثر خيبةً وتخيباً منذور لهذا الغرض: إذ يمكن استبطان الخيبة ورفعها إلى مستوى المثال عند البعض”. ومن هناك يأتي انفتاح باديو بشكل خاص على المجالات الفنية المختلفة ومنها “الفن المعاصر”.

نظام الفن المعاصر

في محاضرته التى ألقاها للمرة الأولى بمركز الرسم في نيويورك عام 2003 وحملت عنوان “خمسة عشرة أطروحة عن الفن المعاصر”. يوضح باديو من الأطروحة الأولى حتى الأطروحة الثامنة الحدود والمعالم التى يتصف بها الفن الذي يمكن وصفه بأنه فن معاصر. ويشرح بوضوح صفاته العامة والبروتوكالات الراسخة التى يلتزم بها ليحصل على لقب “معاصر”.zizek-and-badiou

من الأطروحة التاسعة وحتى الأطروحة الخامسة عشر يعرف ويحدد باديو ما يسميه “بالفن اللا-إمبيريالى”. وفي هذا التعريف يتكأ باديو على مفهوم الإمبراطورية لأنتونيو نيجري كنظام حاكم لواقعنا السياسي والاقتصادي، ويحاول باديو وضع مجموعة من القيم والأطروحات التى من خلالها يمكن للفن المعاصر أن يعمل بشكل حر خارج قواعد الإمبراطورية وأن يكون في موضع مُضَاد لقواعده أو على حد تعبيره في الأطروحة الثانية عشر “ينبغي للفن اللا-امبيرالى أن يكون متماسكاً كشرح حسابي، مفاجئاً ككمين يُنصب في جُنح الليل، وسامياً كنجمة”.

سبل لتعدى الإمبراطورية وباديو

في دراسته عن الأطروحات الخمسة عشر والتي تحمل عنوان “الأشكال بين الفن والكونية: شرح توجيهي لـ “الأطروحات الخمس عشرة عن الفن المعاصر” لألان باديو يوجز سهيل مالك في المقدمة رؤية باديو قائلاً: “يهبط الفيلسوف علينا من السماء –أو من باريس، أو مايو 1968، كل ذلك سواء لدى هؤلاء- ويُخبرنا بالتالى:

-الفن يكون حقيقياً عندما يُنتج ذاتية لا متناهية عبر مجال الحواس.

-الإمبراطورية هى السيطرة على ماهية وكيفية العالم، على كل ما هو ممكن، من خلال النظام الرأسمالى وسلطة الدولة.

-يمكن للفن أن يتحدى الإمبراطورية، أو حتى أن يكسر نفوذها، حين يكون معنياً بالحقيقة (أو، في صورة معاكسة، الفن المعاصر يخضع للإمبراطورية”.

مثلما هناك إغراء للوقوع تحت سيطرة الإمبراطورية فهناك إغراء آخر في الوقوع تحت أفكار وأطروحات باديو. ومن هنا تأتى أهمية ذلك الكتاب/ المشروع الفنى. فلا يقدم منتدى الإسكندرية للفنون أطروحات باديو بصفتها مانفيستو أو جهد تنويري يسقط علينا من أعلى بل يفتح المجال أمام خمسة عشر فناناً من أجيال مختلفة للاشتباك مع أطروحات باديو ومعارضتها في بعض الحالات.

لذا فقراءة الكتاب والإطلاع على أعمال الفنانين المشاركين في المشروع هى دعوة لإعادة التفكير في مكانة الفن الآن في ظل التغيرات والتحولات التى تشهدها الإمبراطورية والتغييرات الشكلية التى يمر بها “النظام” الضابط للمجال السياسي والاجتماعى في مصر.

لذا نشاهد في الكتاب الفنان محمد علام ينشر حواراً متخيلاً على صفحته على الفيسبوك بينه وبين آلان باديو حول أطروحته الخامسة عشر. ونفس الأسلوب تتبعه عريب طوقان حيث تقدم عملها “ماركسية على عشاء تلفزيونى” بحوار تخيلي مع باديو، أما منى مرزوق في عملها “حاملات اللعنة” تقف منى في المسافة الفاصلة بين صراع الإمبراطورية والفن، حيث داخل الصراع على حد تعبير منى تصنع أشياء مثير للاهتمام”.

معظم الأعمال أتت محاولة الاشتباك مع باديو بشكل أو آخر، لكن في المنتصف يقف عمل عادل السيوى بشكل ما من أطروحات باديو ومن اليقين الدائم لمصاحب للتعريفات “الفن هو..” أو “الفن ليس” في بورتريه عصام محفوظ حيث الصورة معكوسة لحلاق يقص شعره أحدهم. إلى جانب مشاركات لكل من؛ محمد عبد الكريم، دعاء على،  حمدى عطية، بسام البارونى، حازم المستكاوى،  محمود خالد، حسن خان، باسم مجدى، ستانس،  أكرم زعتري، طارق زكن.

ننشر هنا أطروحات باديو الخمسة عشر بترجمة خالد حديد البديعة والدقيقة آملين. لا تقديماً فقط لباديو وأطروحاته بل احتفاء بتجربة نشر متميز تمثل إضافة نوعية للمكتبة العربية.

———————— —

نشرت في أخبار الأدب في 2012

إيمان مرسال: عن البوليس وشَعْر المواطنين

في ليلة عيد الفِطر سنة ١٩٩٥، أوقف البوليس على كوبري مدينة المنصورة طالباً جامعيّاً كان في طريقه لقضاء العيد مع أسرته. سألوه عن إثبات الشخصيّة، أعطاهم بطاقته، وضعوه في عربة الشرطة لعدّة ساعات واصلوا فيها توقيف العابرين والتأكد من هويّاتهم. في الفجر، تركوه يمضي ولكن بعد أن أعلن ضابط الدوريّة رأيه في طول شعْره: “ما قصّتش شعْرك ليه قبل العيد ياله، انت خول ولا إيه؟” في القاهرة، في نفس الليلة، أوقف ضابط بوليس فناناً تشكيليّاً شاباً وسأله عن وجهته وأوراقه، أمسك بالبطاقة الشخصيّة وقبل أن ينظر فيها قال له: “انت فاكر نفسك مين وليه حالق لي راسك كابوريا؟”. لا توجد مادة في القانون المصريّ تتناول الطول القانونيّ الصحيح لشعْر الرجل. مع ذلك، يعبّر رجال البوليس، يد الدولة القويّة، عن ذوقهم الشخصيّ في قصّات الشعْر وفي الرجولة وفي شكل المواطن الصالح. إنهم محميّون بقانون الطوارئ والذي يعني بشكل كبير غياب ما يمكن أن نسميه “القانون”.

لابد أنني حكيت لأحمد ناجي هذه القصّة وتأثيرها الكبير عليّ في التسعينيّات. لقد هزّتني معرفتي الوثيقة ببطليها أكثر من حوادث منع الكتب والأفلام والصحف خلال تلك الفترة. بدت أكثر رعباً من قضيّة الحسبة الشهيرة ضد نصر حامد أبو زيد والتي انتهت بإعلان إحدى المحاكم المصريّة أنه “مُرتدّ”. طبقاً لفهمي وقتها، محاكمة أبي زيد كانت نتاج وجود بعض قوانين العصور الوسطى في يد نظام يدعي أنه ليس من العصور الوسطى، نظام عسكريّ يدعي العلمانيّة، مسلم متديّن، بوليسيّ، أخلاقي، عائلي، بيروقراطي، فاسد، ويستخدم تلك القوانين في لعبة الصراع والنفاق والتواطؤ مع فئاته الداخليّة ومع الإسلاميين حسب الطلب. مع ذلك، بدت عشوائيّة هذا النظام المهلهل أكثر رعباً في تقييمه لقصّات الشعْر. كيف يصبح مواطنٌ ما مهدداً لمجرد تحركه في الفضاء العام للمدينة بسبب شعره فقط؟ دعني أقول أنني كنتُ وقتها خائفة كمواطنة أكثر من خوفي كمثقفة.

المثقفون أيضاً مواطنون

لقد رأى أنطونيو جرامشي منذ عقود، أن المثقفين ليسوا طبقة اجتماعيّة مستقلّة؛ فهم أنواع وفئات مختلفة، يرتبط كل منهم بأصوله الطبقيّة، تعليمه، ما يتبناه من أيديولوجيا ومصالح. يمكن أن نضيف الكثير لهذه القائمة؛ مثلاً الفرديّة، والتوجّه الجنسيّ، وحتى الاختيارات اللغويّة والفنيّة. ولكن قبل وبعد كل هذا، يرتبط المثقف في تاريخنا العربيّ الحديث بكوارث الصورة الشخصيّة وانعكاساتها. لقد تكوّن مفهوم ما عن تفوّق مثقفي القرن العشرين في ثقافتنا باعتبارهم مختصّين بصناعة الأفكار في مجتمعات تعاني من الأُميّة، وبكونهم قادة معارضة الاحتلال والديكتاتوريّات وطرفاً في الصراع الطبقيّ وفي النقاش حول التخلّف المجتمعي، وإضافة لتميّزهم بسبب كل ما سبق، ظلوا الجماعة القادرة على “التعبير” عن مصالحها حتى لو كان صوتهم يأتي في أغلب الأحيان من داخل المنظومة التي يعارضونها.

هناك من لم يقبل بهذه الصورة في المشهد الثقافي العربي طوال القرن العشرين، كتّاب وسينمائيون وفنانون يمكن رسم سلالتهم في سياق آخر. ولكن صورة المثقف كصوت وممثّل لجماعة أكبر منه وكضمير لأمته أو طبقته لم يتم التنكيل بها لأسباب شتى إلا في تسعينيّات القرن الماضي على يد جيل لم يشارك في صناعة المشاريع القومية الكبرى ولا المشاريع الثقافية الكبرى التي دعمت خطاباتها. حاول أن تتخيّل كاتباً في عشرينياته ينظر بغرابة لمثقف قوميّ كبير وهو يدافع باستماتة عن حرية التعبير في قضايا مرفوعة ضد فيلم “المهاجر” في منتصف التسعينيّات أو بعد ذلك رواية “وليمة لأعشاب البحر”، أو  أزمة “الروايات الثلاث” بينما يدافع بنفس الاستماتة عن صدام حسين أو القذافي، ويطالب بأقصى عقاب على بعض الاسلاميين في محاكمات هزليّة أو على علي سالم بدعوى التطبيع.. إلخ. في الحقيقة، في كل مرة كانت تندلع فيها نيران التضامن العارم مع حريّة تعبير أحد المثقفين، كانت مشاعري لا تخلو من اختلاط التضامن المبدئيّ بالتوتر والسخريّة، وربما القنوط. مثل آخرين لاحقين منهم أحمد ناجي نفسه، لا أستطيع أن أنسى أن معظم مثقفينا لا يتضامنون بنفس الحماس عندما يأتي الأمر لحقوق الإنسان بشكل عام، كأن التضامن مع حريّة التعبير هو الأسهل والأكثر أماناً من غيره. أتخيّل الآن أن ناجي سيضحك من بعض المتضامنين معه بينما ما زالوا يبررون مشاهد القتل وسجن المعارضين السياسيين وتجاوزات الشرطة وينفون وجود حالات اختفاء قسريّ في عهد السيسي.

15157014_1852249128343889_4596390642218850267_o

شروط التضامن مع حريّة التعبير

هناك تضامن كبير مع حريّة أحمد ناجي في الكتابة، والخيال، واستخدام اللّغة. هناك على الأقل جملة يلتف حولها كثيرون تقول: “لا يجب أن يذهب الكلام للمحاكم”. أنا لا أكتب هذه المقالة من أجل تأكيد هذه البديهة، لم يكن ناجي ليفعل ذلك لو كان مكاني، هكذا أعرفه وأشعر بحزن غامر لأنه في السجن بينما أنا أكتب.

في نفس الوقت، قرأنا بعض الآراء -في سياق الحكم على الكاتب بالسجن-  ويجب أن نقف أمامها، دعني أُلخصها لك في النقاط التالية: تكتل المثقفين حول قضية كهذه مدعاة للسخريّة حيث أنهم معزولون وبلا تأثير. رواية “استخدام الحياة” ليست جيدة وخالية من “الإبداع” الذي يستحق التضامن. أخبار الأدب التي نشرت الفصل سبب المحاكمة تصدر بأموال دافعي الضرائب ولم تحترم الميثاق اللغوي أو الأخلاقي للمجتمع وهي تُعبّر فقط عن آراء محرريها. تحتوي الرواية على “بذاءة” والبذاءة أيضاً نوع من العنف الذي لا يستطيع إقامة حوار مع المجتمع. بالطبع، قوبلت هذه الآراء برفض وسخرية من بعض المتضامنين مع ناجي وأنا منهم.

هذا التضامن اللافت وهذه الآراء التي تشكك في أسبابه وجدواه ودلالته تطرح بعض الأسئلة: هل من شروط التضامن أن يكون صاحب الحق له تأثير على المجتمع؟ هل هناك شروط للتضامن مع قضيّة محدّدة تخصّ حريّة التعبير؟ هل يُشترط في الدفاع عن حريّة أحد أن نتفق مع ما يقوله، مع كيفيّة قوله؟ هل يجب أن ننادي بالتخلص من أي هامش تسمح به مؤسسات الدولة الثقافيّة لتناسب تصورنا عن أخلاق دافع الضرائب؟ أليس أحمد ناجي وبعض قرائه من دافعي الضرائب أيضاً؟ ما هو كنه هذا المجتمع الذي تنجح رواية في إقامة حوار معه أو تفشل بسبب بذاءتها، وكيف تعلّم الكاتب وهو أحد أفراد هذا المجتمع النقيّ – البذاءة؟

الجماعة الثقافيّة ليست جيشاً ولا يجب أن تكون

دعنا نتذكر أن الجماعة الثقافيّة ليست جيشاً، وأنه لا مجال لمطالبة أفرادها بالاتحاد خلف حرب ما. دعنا أيضاً نعترف أننا كأفراد لا تعترينا نفس الدرجة من الغضب كلما تم الاعتداء على حرية آخرين من نفس الجماعة الثقافيّة – ربما لأسباب قيميّة أو إيديولوجية أو شخصيّة – وأن هذا ليس مأزقاً أخلاقيّاً بالضرورة ما دمنا لا نبرر ولا نقبل بأي شكل من الأشكال الاعتداء على حرياتهم لهذه الأسباب.

إنني أسأل نفسي قبل الآخرين إذا كان غضبي الشديد من سجن ناجي له علاقة باهتمامي بكتابته، بانتمائي لها، بفهمي لعالمها. وإجابتي هي: نعم!

لقد فتحت مدوّنة  أحمد ناجي“بيسو” منذ بدايتها ٢٠٠٥ مع مدوّنات أخرى باباً واسعاً للغة حيّة خارج تعليبات الأنواع الأدبية والصحف الورقيّة والرقابة. إنه منذ البداية لا يقدّم نفسه ككاتب تنويريّ أو كمثقف يريد كسر تابوهات المجتمع؛ إنه في الحقيقة لا يخاطب وحشاً افتراضيّاً يسمونه المجتمع. لقد أدهشني استغراق ناجي من وقت لآخر في متابعات تناسب مزاجه وأسئلته، مثل مقالاته عن المهرجانات، أو السعوديّة، أو القاهرة، ودراسته الهامة عن الجرافيتي “يحيا الفن الزائل” في ٢٠١١.

295389_540137946024580_408280608_n (1)
صورة ثلاثية من اليمين لليسار: نائل الطوخى، أحمد ناجى، محمد ربيع في مدخل دار ميريت في مقرها القديم بشارع قصر النيل

بالنسبة لي، يمثل أحمد ناجي مع نائل الطوخي ومحمد ربيع وأحمد شافعي وآخرين من كُتّاب الأجيال الأحدث أهم ما يحدث في الكتابة المصريّة الآن. أُضيف إلى هذا التحيّز للكتابة، الامتنان لوجود مثل هؤلاء الأشخاص حولنا، بحواراتهم ولغتهم وطزاجتهم ونديّتهم والاقتراحات التي يقدمونها لنا كقراء أو كمهتمين بالكتابة. الأكثر من ذلك، أنهم ربما يمثلون الجيل الأول الذي لديه هذه الحرية في اللعب الحقيقيّ باللغة والتخييل السرديّ دون رغبة في صدم أحد أو في بطولة طليعيّة، دون خوف أو قلق من صورة المثقف التي نشأنا تحت وطأتها وفقدنا الكثير من الوقت والطاقة في رفضها. نعم يجب أن نرفض أي اعتداء على حريّة التعبير، ولكن يجب أن نتصالح مع حقيقة أن هذا الغضب يستمد طاقة أكبر عندما يتم الاعتداء على ما نستمتع به وندعمه ونظن أنه يخصّنا.

صدمة القارئ وصدمة المجتمع

إذا كان لدى نص ما قدرة على الصدم، فإنه لا يصدم إلا قارئه. إنه قارئ فرد يجلس على الحافة بين مجتمع لا يقرأ وبين النصّ الذي أمامه. يشعر القارئ بالصدمة كنتاج للعلاقات الدلاليّة في النصّ وليس داخل المجتمع. قد يسبق المجتمع في لغته ما يمكن أن يُكتب. أنت تسمع كلمة “كُس” كل يوم في شوارع القاهرة ومع ذلك تظل صادمة عندما تقرأها في “استخدام الحياة”. لماذا؟

يقول ميشيل ريفاتير الذي فكر في هذا الأمر لأسباب أخرى إن الصدمة التي تسببها العلاقات النصيّة ليست نتاج كسر العادات والتقاليد المجتمعيّة ولا محاكاتها، إنها قد تأتي من التقليد الساخر، من توسيع الدلالة أو تضخيمها، من صناعة خلل داخل السرد يجعل أكثر المفردات عاديّة تشبه النتوءات وتورط القارئ في لعبة التبديل والإحلال. التبديل اللغوي هو لعبة الكاتب ومادته.

ما يسميه ريفاتير بـ “الفضيحة اللغويّة” يكون له صدم مستمر حتى في أكثر المجتمعات تحرراً، ذلك أنها نتاج النصّ وليس نتاج الذوق العام. دليل ريفاتير على ذلك بديهيّ للغاية، لو كانت الفضيحة اللغويّة في نص ما هي نتاج اختلافها عن أخلاق المجتمع، لفقد هذا النصّ قدرته على الصدم، بصمته، بمجرد تغيّر هذه الأخلاق، وهذا ما لم يحدث مع مئات النصوص من “نشيد الإنشاد” وحتى “أناشيد مالدورور” للوتريامون. هذا يجعلني أفكر أن هؤلاء الذين يظنون أن الفضيحة اللغويّة بذاءة، أو أن الصدم هو نتاج مخالفة عادات المجتمع أو محاكاتها، هم نفسهم الذين يصدقون أن على المثقف أن يحافظ على صورته القديمة للأبد، أو أنه يسعى لحوار مع مجتمع مفترض ليس موجوداً إلا في أذهانهم.

أصدق القارئ الذي تسارعت دقات قلبه عندما قرأ الفصل الخامس من “استخدام الحياة” في أخبار الأدب، بل ويمكنني أن أحكي له كيف حدث لي ذلك عندما قرأت “تلك الرائحة” وأنا طالبة في الثانوي، وكيف شعرتُ بنفس الصدمة وأنا أقرأ جورج باتاي بعد ذلك بسنوات. الصدم أحد ملامح القراءة المُنتجة. تبدأ الكارثة عندما يظن هذا القارئ الفرد أن ما يخدشه يخدش أخلاق المجتمع الذي لم يقرأ ولم يكن ينوي أن يقرأ الرواية، ويقوم بتنصيب نفسه ممثلاً لهذا المجتمع فيرفع دعوى قضائيّة، ثم يقوم القاضي بقراءة الرواية نيابة عن المجتمع فيقرر أن يعاقب كاتبها. بمعنى آخر، لا توجد مشكلة في تصوّر ضابط بوليس ما، كمواطن، عن طول الشعْر المناسب للرجولة الحقيقية، ولكن تحدث الكارثة عندما يعاقب مواطنين مثله مستخدماً سلطته وغياب القانون في ذلك. لسنا في حوار مع رافع الدعوة ضد ناجي ولا القاضي الذي يحمى المجتمع منه ولا ضباط البوليس. نحن في حوار شئنا أم أبينا مع من تشغلهم الكتابة والقراءة ثم يتحدثون عن وجود شروط للتضامن مع الحريّات.

خالد منصور يكتب: ستازي وفرويد وورطة مصر

في الجزء الأول من هذه المقالة ذهبت إلى أن الإجراءات الصارمة التي تتخذها الدولة المصرية ضد السلوك «الهدّام» من وجهة نظرها لا تأتي فحسب من مجرد رغبة سلطوية في السيطرة على المجتمع، بل إنها تضرب جذورها في حالة من التيه الجمعي، وفي إرث من الحداثة الكولونيالية يرمي إلى التشبث بالوضع القائم والماضي المتخيَّل.

وعليه فإن معاملة «الآخر» ترتبط جوهريًا بالتصور عن الذات، ما يجعل الحط من شأن الأقليات أو إنزال العقاب عليها وعلى من يختلفون في طريقة لبسهم أو تعبيرهم عن أنفسهم ضرورة لتقدير الذات. واعتبار الاختلاف خطرًا يؤدي إلى تبنِّي موقف متناقض، يكون فيه الاختلاف موضع اشمئزاز، وفي الوقت نفسه تذكرة بعجز الذات. فكأن النخب المصرية ـ من ساسة وقضاة وصحفيين وشرطة ـ في دفاعها عن الماضي الديني والثقافي والسياسي «المجيد» تذكِّر نفسها بدونيتها المادية الراهنة من خلال ممارستها الاستعلائية لتفوقها المفترض.

لقد حذر سيجموند فرويد في كتابه «الوجيز في التحليل النفسي» An Outline of Psychoanalysis (الصادر سنة 1939) من تحطم المجتمع في حالة «المقاومة الفاشلة للعالم الخارجي إذا ما تغيَّر هذا العالم على نحو لا يمكن أن تتعامل معه تكيفات السلالة (المجتمع) التعامل المناسب».

وبالتالي لا تعكس الضراوة المتزايدة للموقف السلبي من حرية التعبير في مصر خلال السنوات الأخيرة مجرد رغبة النخبة الحاكمة في السيطرة الاجتماعية، لكنها نتيجة أيضًا لخطر تتصوره ذات وطنية بطريركية أُضفي عليها طابع رومانتيكي وأعيد تغليفها في أوائل سنوات مصر ما بعد الكولونيالية، لا سيما في خمسينيات القرن الماضي. لقد أنتجت عقود التدهور الثقافي والاجتماعي الاقتصادي ـ لا سيما منذ هزيمة 1967 المخزية ـ ذاتًا مصرية نمطية ممزقة بين قومية مؤمنة بصوابها وتحظى برعاية الدولة وأيديولوجيات إسلاموية وواقعًا من الفشل والمهانة. ويمكن تتبع أصول هذا وصولًا إلى أول اشتباك حاد، وقد يوصف بالعنف أيضًا، بين المجتمع والحداثة عندما غزا الجيش الفرنسي بقيادة نابليون البلد سنة 1799. فمنذ ذلك الحين بات الجدل يحيط بكثير من الأعراف والتقاليد ـ لا سيما في ما يتعلق بالسياسة والدين والجنس.

ولقد وجهت ثورة 2011 ضربة أساسية للأعراف الاجتماعية البطريركية المحافظة، وهنا يكمن سر الجهود الرامية إلى تصوير يناير 2011 بوصفها مؤامرة من «الآخرين» –الأجانب الدخلاء الخونة لا المصريين الوطنيين حقًا، والرجوع من خلال القمع إلى الوضع الذي يُفترض أنه كان مستقرًا وقائمًا من قبل.

ولنا في قضية الكاتب أحمد ناجي مثالًا على ذلك. فناجي في السجن بسبب «مشاهد جنسية سافرة» في روايته، وفصل منها نشر في أسبوعية أدبية قاهرية. لماذا ترى محكمة مصرية في نشر عمل خيالي في إصدار محدود الانتشار ـ مهما يكن فاحشًا أو مسيئًا ـ خطرًا على الأخلاق العامة في بلد يتجاوز تعداد سكانه 90 مليونًا، وتقدر الأمية فيه بـ 26 %؟

15157014_1852249128343889_4596390642218850267_o

قال ناجي ذات مرة «إنهم [أي النيابة] يمثلون حرسًا لأخلاق المجتمع وفضائله، لا للقوانين الحامية للحريات. وقد ساء هذا الوضع منذ تولي عبد الفتاح السيسي الرئاسة، فقد جاء إلى السلطة من خلال تحالف بين مؤسسات الدولة ـ كالقضاء ـ وهم يشتركون معًا في تولي مسؤولية حراسة مكتسباتهم. فالسيسي يراعي مصالحه، بينما يكرس القضاء نفسه لحراسة الأخلاق وتعليمنا الفضائل».

انتهت محكمة الاستئناف التي حكمت على ناجي (بعد تبرئته في محكمة الدرجة الأولى)إلى أن غاية القانون هي حماية الأخلاق العامة والدين والوطنية والأسرة. وذهب القاضي إلى أن كتابة ناجي تقوض المجتمع ذاته، وتتجاهل قيم المجتمع وحدوده الأخلاقية وتحرض على الفسق. ودعا القاضي البرلمان إلى تغليظ عقوبة السجن على هذه الجرائم«لأن نشر الرذيلة سعيًا إلى تدمير قيم المجتمع وقواعده الأخلاقية مسألة خطيرة تستوجب عقابًا صارمًا». ومضى ينتقد كل من يرون أن القواعد الأخلاقية نسبية متغيرة.وقال إن من العار أن يُترك «مصير أمتنا تحت رحمة من يتعاملون معه باستخفاف واستهتار كمن يلعبون الورق». وانتهى إلى أنه «تسقط الحرية التي جلبت لنا الفساد وضياع الأخلاق والتحلل الأخلاقي بعد الأحداث التي أحاقت بمصرنا الحبيبة» ـ في إشارة إلى ثورة 2011 التي تشيع الإشارة إليها بوصفها «الأحداث» بين من يرونها مؤامرة غايتها الاضطرابات، وليست دعوة إلى الحرية والعدالة الاجتماعية.

لو لم تتخذ الدولة إجراءات صارمة ضد حرية التعبير، لاعتبر ذلك إقرارًا باستحالة عودة الماضي المتخيَّل، وخطوة باتجاه الامتثال لواقع جديد غير محدد بدقة. لذلك فإن حالة مصر العصابية الراهنة تهدف فيها الذاتان الجوهريتان اللتان تروج لهما النخب الدينية والنيوليبرالية للحفاظ على الوضع القائم تحت حماية رحيمة من الدكتاتور الأب. فيكون أي تحد لهذا النظام هو بمثابة تحد لصورة الزعيم الأب.

ومن هنا تكون حرية التعبير أكثر تهديدًا حينما لا تأتي محل القديم بواقع جديد كل الجدة، بل تسائل المقدس، وتفتح إمكانيات جديدة أمام الراشد/ة للاختيار وتحمل مسؤولية اختياره/ها. وهي كذلك رفض للموقف المحافظ المنافق الذي يستعمل من خلاله الحرس المجتمعي شفرة أخلاقية لقمع الاحتجاج العام، في حين تتعرض هذه الشفرة الأخلاقية في الأماكن شبه العامة للانتهاك المنتظم وعلى نحو أكثر تغلغلًا، كما يحدث في الفساد الاقتصادي، والتعذيب في السجون، والحصانة وزوال سيادة القانون.

ما يهدد الأفراد واضح تمامًا في نظر مؤسسات الدولة، مثلما يتبيّن من وثائق وزارة أمن الدولة في ألمانية الشرقية [ستازي] في متحفها ببرلين الشرقية السابقة. وليس غريبًا أن تكون ستازي قد تولت تدريب جهاز أمن الدولة المصري الوليد في أواسط الخمسينيات وظلت تدعمه عشرين عامًا. ولا يخفى على أحد مدى الضعف المتزايد والفشل المتعمق الذي تعاني منه المؤسسات البطريركية (الدينية والسياسية والاجتماعية) في ضمان الهيمنة على الأسرة والمؤسسات التقليدية والمجتمع الكبير. والوسيلة الوحيدة للتغطية على هذا الفشل هي استحضار شفرة اجتماعية وأخلاقية مفترضة.

13690762_10157246753905374_5716287999243797975_n

يرفض أغلب المصريين الاعتراف علنًا بما تتغاضي عنه أغلبيتنا أو تقبل به سرًا، وهو أن نظامنا الأخلاقي أصبح مختلًا تمامًا. فالفجوة المتسعة بين الواقع والرغبات والشفرات المجتمعية لم تترك مجالًا كبيرًا للحلول الوسطى. ونتيجة لذلك، يتجاهل الأثرياء والمتنفذون الأخلاق العامة داخل مجتمعاتهم المغلقة وأنديتهم، بينما يزداد رفض الفقراء لها في الممارسة.

إن المصري المحافظ الغاضب النمطي الآن فريسة للتفكير التآمري المريض في الأجندات والتأثيرات الأجنبية، أو ما يعرف بـ«قوى الشر» في الخطاب الرئاسي. ولكي تخرج مصر من هذا المستنقع، لا بد من إصلاحات سياسية ومؤسسية عميقة، وكذلك لا بد من إنهاء السيطرة المطلقة للنخبة الحاكمة. وسيستغرق ذلك وقتًا، لأن المغالاة في الوطنية والبطريركية هما جزء لا يتجزأ من الدفاع عن مصالح مادية واختلالات سيكولوجية.

لقد أشعلت ثورة 2011 الأمل مجددًا في أن تبدأ الدولة والمجتمع مرحلة تحول، لكننا كنا ساذجين وغافلين عن أعماق وتعقيدات الفساد المادي والمعنوي في المجتمع الأوسع. ولو كانت النخبة والمؤسسات الحاكمة هي مصدر الشر الوحيد، دون المرض الأعمق الكامن في الذات الوطنية المتشظية المضللة في حالة من الإحساس الدائم بأنها ضحية، لكانت المهمة أسهل.

__________

*هذه المقالة مأخوذة من «حرية التعبير في مصر: كيف يهدد الشعر الطويل والقمصان الوردية والروايات وفيديوهات الهواة وفيسبوك النظام العام والأخلاق في مصر» “Freedom of Expression in Egypt: How Long Hair, Pink Shirts, Novels, Amateur Videos and Facebook Threaten Public Order and Morality” وهي مقالة أطول للكاتب نشرت في عدد سبتمبر 2016 من The International Journal of Applied Psychoanalytic Studies الجزء 13 عدد 3.

ترجمة: أحمد شافعي. نشرت أولاً على مدى مصر

السنيورة

نشرت القضة في مجموعة لغز المهرجان المشطور التى نشرت مؤخراً عن دار ميريت للنشر والتوزيع

كنتُ شغوفًا بكُسها، كشغفي بالانترنت. أو ربما كنتُ معلقًا بين الاثنين، ورأسي في المنتصف.

أقول رأسي لا قلبي لأن هذه ليست قصة عاطفية أو إيروتيكية أو بورنوجرافية، لذلك لا أريد أن أجنح للمبالغات. بالطبع لديّ شغف عام بالكُس، لكن كُسها بشكل خاص، كان شغفي الأهم.  راقبتُه طوال سنوات علاقتنا عن كثب وملاحظة، فكرتُ أكثر من مرة أن أقوم بتصويره، لكن خفتُ من ردة فعلها، فاحتفظتُ بالرغبة سرية مكبوتة كرغبات أخرى، حتى انتهى الأمر بالخسارة التامة.

لايزال ماثلاً في ذهني، والفضل يعود إلى الأيام والليالي، التي قضيتها مفتونًا بتقلباته وتحولاته المختلفة. عرفتُه نائمًا مضموم الشفتين، وسجلتُ بدقة كيف ينفتح كشمس تنبثق من خلف الجبال على شاطيء نويبع.

رأيتُ كيف يُضخ الدم إلى شفتي كُسها عند الاستثارة فتتمددان ويتحولان من اللون الزهري إلى الوردي، ثم إلى الأحمر. شاهدتُ آثار المداعبة بالأصابع عليه، وباللسان، وكيف يتحول إلى عاصفة شمسية ذات لون أكثر اشتعالًا عن بقية الكرة الشمسية الصغيرة أثناء وبعد النيك. كان تشممي لرائحته أمرًا محببًا للنفس، وكانت الرائحة تتبدل على حسب مزاجها ومزاجه. أحيانًا حينما كنت استيقظ قبلها كنت أهرع إلى دورة المياه، أفرّش أسناني برائحة الفلوريد وأعود لأتسلل بين فخذيها لتكون رائحته أول ما أشمه. تذوقته في كل الأوضاع، وتابعتُ تغير طعمه مع كل درجة ترتفع فيها نحو الإثارة، وشجرة السعادة تتدلى علينا كما أوراق الجوافة. لو غميتُ عيني وتذوقته بين سبعة أكساس مختلفة لعرفته بطرف لساني، شيء ما صار مرتبطًا بينه وبين بقية حواسي.

لم يكن كُسها هو المثير لجنوني فقط، بل كل فتحاتها، كثيرًا ما كنتُ أطلب منها أن ترقد على بطنها. اتصنع إجراء نوع من المساج لها، وأتعجل النزول بيدي إلى أسفل، أوسّع بين ردفيها وأبدأ في تشممهما وتمشية لساني بينهما. أتخيل ثبات المشهد والزمن لساعات طويلة تمتد إلى أيام وصوت جريس سليك يأتي من الخلفية ينساب متغلغلًا كنفس هادئ من الحشيش يأكل الدماغ بطيئًا، ها أنت تذوب والأرنب الأبيض ينتظرك على مدخل الحفرة، تتذكر حارس البناية الآن، كيف كانت البداية إذن؟

في أحد الكوابيس كنتُ واقفًا متجمدًا على ضفة النهر بينما مجموعة ضخمة من الكلاب تنبح بوحشية وهي تقترب مني، ولم يكن الخوف من الكلاب بقدر ما كان المأزق هو الجسد المتخشب، الذي فقد القدرة على الحركة دفعة واحدة. ركب العناد بعد ذلك ودلدل رجليه. كان هناك القليل من الصراخ والكثير من الدموع، وانفطر القلب أكثر من مرة، بدا كما لو أن السعادة تتبدد. كنا على ما يبدو قد شربنا سعادة بعضنا البعض.

انقطعت علاقتنا لفترة عملتُ فيها كمسئول مبيعات في إحدى شركات خدمات المحمول. اشتريتُ سيارة من البنك وتفرغتُ لحياة جديدة ناجحة وتعرفتُ على شبكات اجتماعية جديدة وتعلمتُ الرقص وأصبتُ في حادث سيارة، وحينما استيقظتُ في المستشفى بكسر في الذراع الأيسر وخدوش في الوجه، قررتُ أننى لا أريد هذا. وفي تلك الليلة حلمتُ بأنني أغطس في مياه البحر الأحمر وفقدتُ الأكسجين ولم يكن من مصدر للتنفس أمامي سوى كُسها فهرعتُ نحوها لالتقاط أنفاسي. استيقظتُ من الكابوس شاعرًا بالبرد، رغم أننا كنا في الصيف. لففتُ سيجارة حشيش، ثم اتصلتُ بها وقلتُ:”هل فكرتي في أن تطبخي الحشيش بنفسك؟“.

قالت إنها أتت بدافع الفضول، ابتسمتْ وجلسنا على طاولة صغيرة، فككتُ ورقة بانجو ناشف أحضرتها، وبدأتُ في تنقيته بصبر، ثم أحضرتُ وعاء بلاستيك، وضعتُ قطعة قماش بلاستيك فوق الوعاء وأحضرتُ مصفاة شاي، بدأتُ بفرك أوراق البانجو في المصفاة وهى تدخن سيجارة وتحتسي قهوتها. كان الكلام عالقًا في الغرفة، تقطعه هي بعبارات تستحثني على الكلام، كنتُ خائفًا من جملة خاطئة تفسد المشهد أو تجعل الوقت يمضي منتهيًا أسرع مما أردتُ. صفيتُ الأوراق المفروكة في المصفاة وتحتها قطعة الشاش مشدودة فوق الوعاء، وضعتُ ما تبقي في المصفاة جانبًا وبدأتُ في دعك ما سقط من المصفاة على قطعة الشاش.

وإيه كمان؟، سألتني وهي تستحثني على التحدث أكثر، لكن الهواء كان في حنجرتي ضئيلًا وروحي منقبضة في قلبي.

بدأتُ في شرح الخطوات التي أقوم بها لها، أوضحتُ أن الغرض الآن هو تنقيه البانجو من الشوائب حتى نصل لزهرة الزهرة. أزحتُ قطعة القماش، كانت البودرة الخضراء مترسبة في قاع الوعاء البلاستيكى. أحضرتُ الحنة، وأنا أقول: “في العادة يجعلون نسبة الحنة إلى البانجو 2:1، لكننا سنحاول جعلها 3:1 “.

قمتُ بتصفية الحنة بنفس الطريقة، ثم خلطتُ البانجو مع الحنة وأعدتُ تصفيتهما مرة أخرى.

وبعدين.. وإيه كمان؟، مرة أخرى طرحتْ السؤال.

في سينا مثلا مش بيحطوا حنة، علشان كدا بيطلع لونه أخضر أو مصفر فاتح، كمان في سينا مش بيحطوا عسل أسود. في المغرب ولبنان بيجففوا الورق ويكبسوه، الزرعة هناك فيها الراتنج أعلى ومش بيحتاج إضافات صمغية“.

قمتُ من على الطاولة وعدتُ وفي يدي وعاء عسل أسود، أكملتُ وأنا أشرح لها: “معظم الطبخات اللي في مصر بالإضافة للكيميا والبنج، مش بيحطوا عسل أسود وبيفضلوا اللبان الدكر. احنا بنحتاج العسل علشان نعجن الحنة مع الحشيش وتطلع الحتة متماسكة. بدون العسل أو اللبان الدكر عمر ما حتة الحشيش هتطلع متماسكة معاك ولا هتعرفي تفرديها وتعملي منها دبوس لو عايزة“.

وانت معندكش لبان دكر؟

اللبان الدكر ريحته بتبقى ظاهرة أوي، وبيخلى حتة الحشيش حامية وبتضرب في النافوخ على طول، وكمان لو لفيتها في سيجارة هتطلع معاك روكيتس“.

ابتسمتُ وأشرتُ إلى حرق صغير في التيشيرت الذي ترتديه، وأكملتُ: “واحنا مش عايزين روكيتستانى يا آ كوكو، مش عايزين ألم ولا وجع أكثر من الموجود“.

تكونت في قاع الوعاء البلاستيكي ذي اللون البرتقالي عجينة طرية، تناولت موس حلاقة من على الطاولة، وأخذتُ أجمع به العجينة من قاع الوعاء، ثو وضعتها على ورق سلوفان  وأخذت أُشكلها، أغلقتُ السولفان عليها بحرص، ثم قطعتُ ورقة فويلفضية لامعة ولففتها حول السولفان. نظرتُ لوجهها، كانت أشعة الشمس القادمة من نافذة البلكونة تنتشر في الصالة وتنير وجهها فيظهر صافيًا، شعرتُ برغبة جارفة في تقبيل شفتيها.

ابتسمتْ وقالت:

-“ها.. وبعدين؟

ناولتها ورقة الفويل، وأنا أجاوبها:

-“تعرفي تحطي دي في الفرن، على نار هادية..”

تناولتها واتجهتْ إلى المطبخ. ظللت جالسًا مكاني أحدق في الكرسي الفارغ الذي غادرتْه. تذكرتُ حلمًا رأيتني فيه معلقًا في مطار أجنبي مع حقائب ثقيلة في مدينة لا أعرفها، في انتظار طائرة ستأتى غدًا، ثم تحضر هي بسيارة حمراء موديل الثمانينات. أتاني صوتها:

–        أنت بتولع الفرن بإيه؟

دخلتُ إلى المطبخ. كانتْ منحنية تحاول التفاهم مع الفرن، تقدمتُ نحوها واحتضنتها من الخلف.

قررنا المحافظة على الأمر كسر صغير، على ألا يغير من الوضع القائم، ما هو الوضع القائم؟ كنتُ أغطس في البحر الأحمر حينما انقطع حبل الأكسجين فجأة.

طلبتْ هي في المرة الثانية أن تقوم بالعملية بنفسها، بدأتْ في القراءة عن طرق التصنيع المختلفة والأشكال، التي يتخذها الحشيش وعمليات معالجات النباتات والحشائش. في البداية كنا نقوم بتدخين ما نطبخه سويًا.

ثم ذات مرة عرضتْ عليّ عرضًا لا أستطيع رفضه. كنّا في انتظار تسوية عجينة الحشيش في الفرن حينما قالتْ كمن يقص حكاية عن زيارة والدته: “أنا امبارح رحت عملت ليزر شيلت كل الشعر اللي هنا، وأشارتْ إلى ما بين فخذيها.

أثناء علاقتنا كانت تفضل قص الشعر فقط، ولم أكن قد رأيته بدون حتى الزغب الخفيف المحيط به من قبل. كأنما عرفتْ أين سرحتُ بخيالي، باغتتني بالعرض:

أنا بفكر نبيع. مش دا انتاجنا الخاص“. عرضتْ الأمر بصيغة شراكة تجارية سرية، أساسها الصداقة والمنفعة والاستمتاع بمتعة الطبخ، التي تحولتْ معها إلى طقوس هرمونية معقدة. اختتمتْ العرض بعبارتها، التي تؤكد بها كل اتفاقنا:

–        لكن هذا لن يغير من وضعنا القائم.

كانتْ تختفي لأسابيع لا ترد فيها على اتصالاتي، ولا تحكي لي عما تفعله، وحينما كنّا نلتقي صدفة في مكان عام تصافحني مادة يدها بيننا لتحرمني حتى من قبلة الصداقة أمام من يعرفونا، بل ذات مرة كانت تبيع إلى أحدهم صباع حشيشمما طبخناه معًا وتحكي أسطورة عن الديلر الشبح، الذى تتعامل معه ولديه أنواع متعددة من الاستفات، وأنا ملتزم الصمت، بل وأتصنع الاندهاش.

رسمتْ في البداية أسطورة الشبح، ثم اعترفتْ لدوائر من المقربين بأنها من تطبخ الحشيش ولديها خلطتها الخاصة، عند تلك النقطة بدأتْ في استخدام مكبس معدنى طلبتْ نقش كلمة Siniora عليه. كانتْ تكبس به العجينة، وبدأتْ أسطورة السنيورة في التشكل.  

في الخارج عرفت باسم سنيورة الحشيش. أما بيتي، الذي كان مقر الطبخة فقد تحول إلى معبد تتجلى فيه كإلهة من شوارع المدينة. تنفذ الطلب الوحيد، الذي اشترطتُه لحظة إغلاق الباب خلفها، تخلع الجزء الأسفل من ملابسها. ثم تجلس على الكنبة، أو على الأرض – لم تفضل أبدًا الطاولة الصغيرةتفتح ساقيها وتبدأ في إعداد الطبخة. أظل حولها أدخن أو اختار الموسيقي وعيوني معلقة فقط بكُسها المنتوف الخالي من الشعر، مضيئًا كشمس صغيرة. “الوضع على ما هو عليههش جدًا وقابل للانكسار وردود الأفعال المدفوعة بتفاصيل الماضي والخسائر السابقة. أحيانًا كنتُ أظن أن الوضع على ما هو عليهليس حقيقيًا مائة في المائة. ربما هو وهم أو بنته تخيلات ولًّدَها الفقد والوحشة، وحتى لا أفقد لذة اللحظة، لا أقترب أو أحاول لمسها. أكتفي فقط بقواعد الشراكة السرية التي فرضتها، ونسبتها الأكبر في حصة ما هو مباع.

عرفتُ أنها لم تعد تذهبْ إلى العمل بانتظام وتفكر في تركه وتأسيس مشروعها الخاص، لكنها لم تفصح لي ما هو. بدأتْ في تحسين مستوى جودة المنتجات التي تقدمها ورفع سعرها، وخلق تمايز وأسماء لبلاطات الحشيش التي تنتجها، استغللتُ البلكونة وحجرة المكتب وبدأتُ في زراعة النباتات بنفسي. قادتنى توجيهاتها حول كيفية الرعاية، كلما كانت الأوراق طازجة يساهم هذا في زيادة جودة الحشيش في النهاية، كما أن معالجة الأوراق الطازجة في الخلاط والكبس يجعلها قادرة على استخراج جرامات صغيرة من زيت الحشيش تبيعه بأسعار أعلى.

كانتْ تكبر وتتطور، حياة جديدة تنفتح أمامها، أو بالأحرى ديانة جديدة تشرق على الإنسانية من المعبد، الذي نصبته في الشقة لكُسها المنتوف. وكنتُ أنا العجوز، الذي يبحث عن خرافة دينية يؤمن بها في نهاية حياته لتمنحه قدرًا من الطمأنينة.

ثم اختفتْ.

لم يصلنى رد منها إلا بعدها بثلاثة شهور، وكانت هذه أطول مرة تغيب عن المعبد منذ بدأنا شراكتنا. كانت الرسالة مختصرة وحاسمة. لا داع لأن نلتقي مرة أخرى، نحن نأكل أرواح بعضنا البعض“.

حاولتُ العودة إلى ما كنتُ فلم أعرف ما هو. فقررتُ استكشاف الحاضر، كان العالم قد تغير تمامًا من حولي. بدأتُ في الخروج واستعادة العلاقات القديمة واكتساب خبرات وآلام جديدة، لكن في الوقت نفسه حافظتُ على رعاية النباتات. لم أطبخ الحشيش مرة أخرى. بدأتُ أسمع في الدوائر المقربة عن نوع جديد من المخدرات يحمل اسم السنيورة“. كان الانتشار كبيرًا ورغم أن الشكل والرائحة مشابهين للحشيش إلا أن التأثير كان مختلفًا.

ناره هادئة، لا يسبب أي حرقان أو آلام في الحلق حتى مع شربه بطريقة الخابور السكندري أو الدبوس. كما تميز السنيورةبكثافة زيته ورائحته النفاذة التي تعلق باليد، كان يتسلل ببطء، وإلى جانب تأثيرات الحشيش العادية، يسبب حالة من البهجة والسعادة وفيضان في المشاعر غريب من نوعه، كأنما يطلق كل ما هو مكبوت ويجعل كل الماضي ضحكة، ينزع الألم عن الحاضر، ويضفي ضحكة بين الأصدقاء، وقبلات وحبًا طاهرًا سعيدًا على الجميع.

جربته أول مرة واندهشتُ من تأثيره، فاشتريتُ قطعة منه وأحضرتها للمنزل. حاولتُ استعادة كل تفاصيل طريقتها، كانت لديها إضافات وخلطات مختلفة في كل مرة كانت تجرب شيئًا جديدًا، كأنما كانتْ في مرحلة شراكتنا تتدرب من أجل صناعة أفضل طبخاتها، وجدتْ أنواعًا متعددة من الحنة والعسل الأسود، وأنواعًا مختلفة من الأسمدة. كان لديها جدول منتظم تنبهني فيه لتوقيت وضعها بالتربة. تبدت حماقتي كاملة حينما اكتشفتُ أنني أعرف القليل عن تفاصيل خلطتها. كنتُ طوال مراحل الطبخ أركز أكثر مع الموسيقي أو ساقيها وكُسها المنتوف، وانتظر اللحظة، التي ستقوم فيها للمطبخ لوضع العجينة في الفرن حتى أشاهد ردفيها يتحركان كما الكواكب وهى تدندن: “ماشية السنيورة.. كدا كدا، وتغيب في الممر نحو المطبخ. كنتُ ضائعًا في بهائها، أبحث عن غفرانها وانتظر وأعد ضحكاتها مع كل لحظة نلتقي فيها. وكانتْ مع كل طبخة تجعلني أتذوق أول سيجارة، وتسألني رأيي، ثم تدونْ ملاحظات صغيرة في دفتر صغير عليه صورة أفيش فيلم “Kill Bill”.

نشرت الجرائد صفحات خاصة عما أسمته مخدر السنيورة، وخطورته على الاقتصاد والصحة وأنه يدمر خلايا المخ. بدأ الكثيرون يواجهون صعوبة في الحصول على السنيورة، وقدرتُ أنها تخوض حربًا مع تجار المخدرات الآخرين وشبكات المصالح التي تتحكم في تجارة المخدرات في البلاد. كانت تتوسع في توزيعها، والأساطير تسبق حشيش السنيورة“. قال أحدهم بعد ثالث نفس من السيجارة: “السنيورة جاءتْ لتنقذ العالم“.

تصنعتُ القوة، ومارستُ ضغوطًا كبيرة لأجل النسيان، لكن في كل مرة كنتُ أحاول مغادرة المعبد المتهدم، حيث أعيش وأزور بشرًا آخرين. كان الحديث يتحول إلي السنيورة، من تكون؟ وما هو سر الحشيش الذي تصنعه. أحيانًا يصيبني حزن عميق، فأجلس في المنزل أعتني بالنباتات وأشاهد أفلامًا أمريكية في التلفاز. ثم ذات يوم رأيتُ في الحلم كأن الماضي يفرض نفسه على لحظة الحاضر. كنّا نعيش مع بعضنا البعض. قبل السنيورة وقبل أن يركب العناد الرأس ويدلدل الرجلين. كنتُ نائمًا في الحلم وأتتْ هي واحتضنتني من ظهري، وشعرتُ كما لو أن السعادة كانت هنا دائمًا أمام العينين. لكن كان لابد من رحلة الآلام الطويلة. وفي الحلم كان لدينا كلب ضخم، رغم أنني وهي لم نكن نحب الكلاب.

استيقظتُ من الحلم، وأخذتُ أبكي في صمت شاعرًا بحموضة تخرج من بطني لحلقي، حينما رن التليفون وظهر اسمها على الشاشة. شهور طويلة قد مضت دون أي اتصال منها، كتمتُ دموعي وسيطرتُ على تنفسي، قبل أن أرد في صوت محايد:

ألو.. ازيك  أ كوكو؟

في حسم وعجالة، كما أصبحتْ جميع مداخلاتها، طلبتْ أن نلتقي. حددتْ هي الموعد وقالتْ سوف آتي لزيارتك، لكن لا تخبر أحدًا، حياتي الآن تغيرتْ، وختمتْ الحديث: “لن يغير هذا من الوضع القائم“.

حينما دخلتْ المنزل لم أعرف هل تغيرتْ، أم بسبب طول مدة غيابها بدت لي مختلفة، وإن كان لطلتها الحضور الذي يجعلني ابتسم بلا سبب، جلستْ على الطاولة، أخذنا نتحدث في أمور عابرة، ثم أخرجتُ قطعة حشيش متبقية لديّ وبدأتُ في فركها، سألتني وهى مبتسمة: “دي أنت اللي طابخها؟، هززتُ رأسي وجاوبتها:”لا دي حشيش السنيورة.. يا سنيورة“.

وضعتْ قدميها على الطاولة أمامي، حول قدمها اليسرى كان هناك خلخال رقيق وشفاف. سلسلة فضية رفيعة تلتف حول ساقها الرخامية، بشرتها تلمع في منطقة ما تحت الضوء. من السلسلة تتدلى كرات صغيرة تشكل الكواكب التسعة، كل كرة مُفرغة وداخلها كوكب أصغر، بحيث إذا سارت تهتز مُصدرة صوتًا كأصوات أجراس سرمدية.

ناولتها السيجارة ملفوفة. قصتْ عليّ تفاصيل من عالمها الجديد. معظم الوقت تعيش بجوار البحر الأحمر، تتنقل من العين السخنة إلى الجونة وسفاجا وحتى مرسى علم. تزور القاهرة على فترات متباعدة لإنجاز بعض البيزنسعلى حد تعبيرها. البيزنس كان عددًا من الشراكات مع ديلرات وتجار حشيش بنظام الفرنشايز“. تشرف بنفسها على الخلطة، وتعيش على عائداتها. لكن الأمور مؤخرًا لا تسير على مايرام. السوق ليس سهلًا والمنافسة شرسة، ولكي تحصل على حماية من الشرطة لا بد أن تقدم لهم بعض القرابين. أمام الرأي العام يجب أن تعلن الشرطة عن القبض على شخص أو شبكة من مروجي مخدر السنيورة، أخبرتني أنها تفكر في السفر إلى خارج البلاد لبعض الوقت حتى تهدأ الأجواء، لكنها لو غادرتْ السوق في الوقت الحالي، فلا مجال للعودة مرة أخرى.

سألتني: “وأنت.. عامل إيه؟

–        وحشتيني، أنا عايزك.

جاوبتها وانهمر شلال طويل من الاعترافات، كان الأمر بمثابة إعلان استسلام كامل. بلا سبب مفهوم حتى الآن، أخذتُ أحكي لها ذكرى قديمة عن مرة منذ سنوات كنا نسبح فيها على شاطئ نويبع، وأخذنا نتأمل الشعب ونطارد أسماكًا ملونة. مددتُ يدي إلى إحداها فجرحني شوكها، كانت ترتدي مايوه قطعتين بلون وردي، شعرها كان أطول قليلًا، المياه تجعله يلتصق بجسدها.

أخذتُ أقص عليها أوصاف السمكة بينما هي اقتربتْ مني وضمتني، تسارعتُ أنفاسي وأنا أعانقها. نبضات قلبي، كما لو كانت تخرج من سماعات تضخّمها، وأنفاسي تتسارع، بينما هي تضمني وتزيح ملابسي عني، وهى تردد كلمة واحدة: “بس.. بس، كأنما تهدهد طفلًا صغيرًا.

تعرينا وكانت دموعنا تختلط بالقبلات والعسل واللعاب. العظام تطقطق تحت ضغط الأحضان والعناق، والروح في الحلقوم. مارسنا الحب بحزن. كنتُ أرغب فقط أن أظل داخلها، بلا حراك، كمن يرغب في ثبات الزمن المستحيل. احتضنا بعضنا البعض بعد نصف نشوة لدقائق، ثم قامتْ وبدأتْ في ارتداء ملابسها، وهي تلقي جملًا مبعثرة مفادها الوداع.

ظللتُ ليومين في ذات الموضع الذي تركتني فيه عند مغادرتها للمنزل. شعرتُ أن كل الطاقة والرغبة في الحياة داخلي قد انتهت. أخيرًا استطعت النهوض، أخذت حمامًا بالماء البارد، ثم خرجتُ وبدأت في جمع كل أوراق النباتات المزروعة في البلكون وفي الغرفة، أخرجتُ العدة، وضعتُ أغنية لأم كلثوم، وأخذتُ أطبخ كل الحشيش الموجود في المنزل، وضعت العجينة في الفرن، ثم أجريتُ اتصالًا بمخبر شرطة. أخرجتُ المكبس المنقوش عليه اسم السنيورة وأخذتُ أكبس به بلاطات الحشيش، ثم رصصتها على الطاولة.

جلست أدخنُ، وأنا أحلم بأسوار طويلة ومكان قذر، لا مساحة فيه للأحلام ولا الرجاء.

سؤال عام 2016 هل السيرالية المصرية فرنسية أم عربية؟

نشرت في أخبار الأدب في يناير 2016

فجأة امتلأت الصفحات الثقافية المصرية بالمقالات التى تشيد وتثنى على ميراث الحركة السيرالية المصرية، بل وتؤكد على مصريتها وضرورة الاعتراف بهذا الميراث. مُبادرة لطيفة وإن أتت مُتأخرة ستين عاماً، وربما تكتمل لطافتها إذا أثمرت أى نوع من الاهتمام من جانب وزارة الثقافة المصرية بهذه الحركة وتراثها الذي كانت الوزارة أول من عمل على تهميشه ونبذة، بل ولدت  وزارة الثقافة المصرية في عهد الضباط الأحرار لأسباب كثيرة منها محاربة  استئصال تراث وأفكار الحركة السيرالية وتشريد مبدعيها وطمس تاريخهم، وهو ما نجحت الوزارة في فعله على مدار نصف قرن. فلم تكن السيرالية أبداً بالحركة الوطنية، دافع مبدعوها عن حرية الفرد وعن مفهوم عالمى للمواطنة، وحذروا من الفاشية التى هى ابنة المشاعر الفياضة للوطنية والدولة القومية، وكانوا كذلك جزء من المناخ المتنوع لغوياً وثقافياً وايدلوجياً التى عاشته مصر قبل يوليو 52، والذي لم يعد له مكان بعد ذلك في دولة الضباط الأحرار.

joyce-mansour-avec-andrc3a9-breton-circa-1960-dans-l-c3aele-de-la-citc3a9
جويس منصور وأندرية بريتون في باريس 1960

هذا الاهتمام بالسيرالية هذا العام هو نتاج للسباق والتنافس الذي انطلق بين مركز بامبيدو في باريس، وبينالي الشارقة في الامارات. حيث يتنافس الاثنان على تقدم تراث حركة السيرالية المصرية. المعرض الأول ينظمه سام بردويلي ويفتتح في سبتمبر القادم بمركز بامبيدو الثقافي بالعاصمة الفرنسية. وقد قضي بردويلي أكثر من ثلاث سنوات مع فريق من الباحثين لجمع تراث فنانى وكتاب وشعراء الحركة الموزع بين مصر وأوروبا.

المعرض الذي سعتبر الأضخم لم يكن بالامكان تنظيمه دون عرض لوحات رواد الحركة السيرالية والتى يقبع جزء كبير منها في مخازن وزارة الثقافية يعانى الاهمال والضياع. لهذا ففي نوفمبر الماضي زار وفد فرنسي وزير الثقافة حلمى النمنم والأخير وافق ببساطة وتلقائية شديدة على سفر الأعمال بصحبة المرممين وأطقم موظفي الوزارة دون أى مقابل مادى، أو اتفاق يفرض الشراكة المصرية أو الأقل يضمن إقامة المعرض في مصر.

 بعد العرض في باريس، يطوف معرض السيراليون المصريون أكثر من مدينة أوروبية دون أن يأتى للقاهرة. وستعود أعمالهم لتدخل مخازن الوزارة ويغطيها النسيان بينما ينسى الجميع صور الوزير مع الوفد الفرنسي واحتفاءه بالحركة والفن السيرالي.

** *

انتهت السيرالية مع صعود دولة يوليو، وفي مناخ فاشي أسست فيه الدولة وزارة الثقافة لم تنظر الوزارة بأى نوع من التقدير لأعمال السيراليين. أحد الحكايات التى توضح العلاقة التاريخية بين وزارة الثقافة والحركة السيرالية هى حكاية الفنان رمسيس يونان الذي أمام التضيق على المجال العام الذي مارسته دولة يوليو تقدم في أحد السنوات لنيل منحة التفرغ من قبل الوزارة. لجنة التحكيم التى كانت تضم عباس العقاد وأم كلثوم رأت أن أعمال رمسيس يونان التي كانت تعرض في أشهر قاعات العرض في باريس منذ الأربعينات ليست أعمال فنية، بل أن أم كلثوم قالت له أنه لا يجيد الرسم. وتمكن رمسيس يونان في النهاية من الحصول على المنحة كمترجم متقدماً بمشروع ترجمة لكتاب.

حينما توفيت بولا حنين حفيدة أحمد شوقي وزوجة جورج حنين، عرض الورثة التبرع بمكتبة جورج حنين في بداية الألفية لصالح الوزارة لكن لم يتلقوا أى رد، فتبرعوا بالمكتبة لصالح المركز الثقافي الفرنسي في المنيرة حيث تقبع مكتبة مؤسسة الحركة في مقر المركز بالمنيرة حتي الآن.

مع الاهتمام العالمى باعادة تقديم السيرالية المصرية هذا العام، لم يتعد موقف وزارة الثقافة ومساهمتها سوى التقاط الصور التذكارية مع المسئولين الفرنسيين والاماراتيين الذي اتوا لعقد الاتفاقيات مع الوزارة.

** *

لكن وكالعادة انقذنا الرز. مؤسسة الشارقة التى تشق طريقها لتصبح أهم المؤسسات الفنية المعنية بالفن الحديث والمعاصر في المنطقة لا ينافسها حالياً سوى متحف الفن العربي الحديث في قطر، قررت الدخول إلي معترك البحث عن تراث السيرالية المصرية، واختارات لهذه المهمة السودانى د.صلاح محمد حسن مدير معهد دراسات الحداثة المقارنة بجامعة كورنيل بأمريكا. والذي يعمل على إعداد وتجهيز معرض بعنوان “حين يصبح الفن حرية، السرياليون المصريون” والمقرر إقامته في مطلع عام 2017 في الشارقة، على أن يعرض جزء منه بعد ذلك في مصر.

الشارقة أيضاً وحينما حاولت تنظيم مؤتمر بحثي حول تاريخ الحركة السيرالية المصرية في نوفمبر الماضي، اتجهت للجامعة الأمريكية التى استضافت المؤتمر على مدار ثلاثة أيام.

لكن لماذا تهتم مؤسسة ثقافية إماراتية بإعادة الاعتبار لحركة فنية مصرية. الاجابة كانت في كلمة حور القاسمى مدير مؤسسة الشارقة للفنون التى أوضحت أن المؤتمر والمعرض جزء من مشروع ضخم تطلقها الشارقة لتوثيق الحركات الفنية العربية، وذلك كما أوضحت حور في كلمتها في نوفمبر الماضي بمؤتمر القاهرة: “كي نستطيع صياغة تصور لمستقبل أكثر غنى في منجزه الإبداعي وفي طاقته التعبيرية، مستقبل نتشارك جميعاً في رسم ملامحه، وفي إغناء وتعميق محتواه الإنساني، خارج المفاهيم والانتماءات الضيقة.”

** *

بالطبع لا مجال للانتماءات الجديدة في سوق الفن الذي تؤسسة دبي والدوحة الآن. فنظراً لصغر ومحدودية الأرشيف التاريخي والفني لهذه الدولة وحداثة مشاريع التنوير والحداثة فيها تسعى إلي تحويل متاحفها ومشاريعها الفنية إلي مستودعات تعكس أحياناً صورة افتراضية عن هوية عربية متخيلة، وأحياناً تتشبث بعالمية غير محددة المعالم.

في هذا الاطار وفي عالم السوق الحر ومادام حجا –وزارة الثقافة- ليس مهتماً بلحم ثوره فالافضل توجيه الثور لمن يعرف قيمته ويستطيع رعايته.

يتم تفريغ المتاحف المغلقة ومخازن الوزارة من كنوزها وتعرض للعالم في باريس ودبي والدوحة، والتراث المصري لا يجد مكاناً له في مصر، والوزير سعيد وفخور بالتقاط الصور مع الوفود الأجنبية، بينما الثقافة المصرية وتاريخها إلي ثور ونقطة صراع بين ممولين الثقافية الفرنسيين الذين يرغبون في نسبة تاريخ الحركة إلي الحقبة الاستعمارية الفرنسية وانجازاتها، وأخوة عرب يريدون نزعها من انتمائاتها الضيقة إلي فضاء عروبي مبتدع يغطون به على الثقب الاسود في هويتهم القومية. وفي هذا كله تقوم الوزارة فقط بدور أمين المخازن والسمسار الذي يوفر لصناع الفعاليات الثقافية العالمية والعربية الفرصة لاخراج هذا التراث من مصر وعرضه .

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ