خلف الحبتور، الملياردير الاماراتى، نشر منذ أيام بوست حذرنا فيه -كتر خيره – من أن إسرائيل كيان توسعي استعماري، وأن ما صرّح به نتنياهو عن إسرائيل الكبرى وخريطتها التي تمتد حتى المدينة المنورة جنوبًا ومدينة رشيد غربًا (مش عارف ليه لم يضموا إسكندرية للخريطة، مع إن إسكندرية كان فيها يهود من سنة 600 قبل الميلاد، لكن هذا حديث آخر عن البطالمة والصهاينة). ليس حلم عقائدي، بل مشروع حي يحدث أمام أعيننا
ثم ختم سلسلة بوستاته الحماسية علشان يحذرنا أو يبشرنا (على حسب موقعك في المدرجات) من أن السلام لا يتحقق بالكلام، وأن إسرائيل تتحرك دبلوماسيًا وعسكريًا لتحقيق هذا الهدف وتلك الخريطة…كتر خيره من موقعه كشريك وحليف شخصي للمشروع التوراتي الصهيونى سرب لنا معلومات هامة.
التصريح ده عمل رد فعل مزدوج ومتناقض: الصحافة المصرية احتفت وعضعضت فيه اما عن جهل او استعباط او تعريص عادى، بينما الحسابات واللجان السعودية عملت هجمة لجانى على الراجل واعتبرت تصريحه تطاولًا على الجيش السعودي. وده طبعًا لأن الحبتور عنده تاريخ طويل مع السعودية وجيشها.
أثناء حرب اليمن، لم يتردّد الحبتور في انتقاد ما اعتبره ضعفًا وتخاذلًا من الجيش السعودي في مواجهاته مع الحوثيين. دعا إلى تشديد القصف، وأعلن بلا مواربة أن الضحايا المدنيين لا يُحسب لهم حساب، فهي ـ في نظره ـ مجرد “أضرار جانبية” لأي حرب. في تلك الفترة، كانت السعودية والإمارات قد دمّرتا أكثر من ألف مدرسة في اليمن، وفي إحدى الغارات قُتل ستون طفلًا يمنيًا تحت القصف السعودي.
وصل الأمر أن الحبتور اعترض علنًا وقتها على أن الجيش والخارجية السعودية اعتذروا عن مذبحة وقصف مدنيين وأطفال!
وقال إن موقف الجيش السعودي ضعيف. فطبعًا تصريحه وفرحته بخريطة إسرائيل الكبرى السعوديون على طول فهموها إنه بيلقح عليهم كلام وعلى جيشهم وعلى عدم قدرتهم على حماية المدينة المنورة.
بالمناسبة: فيها بعثات أثرية فرنسية–سعودية شغالة في السعودية من 2014 للبحث والتنقيب عن الآثار اليهودية، في دجل علمى لخدمة اللخرافة التوراتية عن المملكة اليهودية الكبرى في الحجاز. بل مؤخراً خصص جهاز الهسبرة على ما يبدو قسم خاص ومدونين ومؤثرين موجه لتغذية وتنشيط هذه الرواية، أطرفهم واحد إسرائيلي من كام سنة راح أتصور مع مجموعة سعوديين هناك، ونشر الصورة وكتب تحتها حاجة فيما معناه “أخيراً زرت ورث جدي بن سبأ”.
بس برضه لكل مقام حديث في وقت آخر.
نرجع لموضوعنا، نلاحظ أن الحبتور اللى من سنة كان بيشتم حماس، فجأة آخر كام أسبوع يعمل بوستات من نوع، إسرائيل دول استعمارية نحتاج لمشروع عربي ومتقمص يوسف وهبي في اسكندرية ليه، وهو بيقول اورشليم يا قاتلة الأنبياء..
لكن الحقائق على الأرض وفي السماء، أن الحبتور دا أول حد فتح مكتب اقتصادي في إسرائيل بعد التطبيع، بل وشركاته هي اللي سيرت أول خطوط طيران من الإمارات لإسرائيل. وبعد ما اليمنيين ضربوا ميناء إيلات، شركات الحبتور هي اللي عملت الجسر البري اللي بقي ياخد البضائع الذاهبة لإسرائيل من موانئ الإمارات وينقلها برًا لإسرائيل.
كمان الحبتور شريك لشلومي فوغل ووقعوا عقود وشركات استراتيجية في 2020. فوغل دا خنزير كبير علاقته بنتنايهو زى علاقة حسين سالم بمبارك زمان، مستثمر في مستوطنات، وشركات شحن بحري وموانيء، والاهم من كام سنة راح عمل صندوق استثماري ولم مليارات من رجال اعمال خليجين بحجة ان الفلوس داه شغلها لكم في قطاع التكنولوجيا الإسرائيلي، وبعدين الحرب قامت، وامك في العشة ولا طارت… والشركات دى خربت، وحاليا بتنقل برا اسرائيل، بس انشاء الله كلها كام شهر ويروح يلم منهم ويدفعوا له تانى..
الراجل دا بالذات معلق في دماغى لانى فاكر وقتها صورته هو والحبتور، ووقتها الحبتور طلع تصريح تاريخى هيفضل يجري وراه للابد:
“أتطلع إلى هذا اليوم منذ فترة طويلة جدًا. لطالما اعتبرت أن الإماراتيين والإسرائيليين يملكون قواسم مشتركة كثيرة. فالشعبان الإماراتي والإسرائيلي موجهان نحو الأعمال، ويعتمدان على المواهب البشرية والطموح أكثر من الموارد الطبيعية لبناء اقتصاد قوي قائم على الابتكار”.
ليه بقى الكلام الطويل ده كله؟
لأن الحقيقة عندي وجهة نظر أخرى في تصريح حبتور بن طحنون ده، وإن البوستات ليست تحذيرًا بل تبشيرًا وتصفيقًا. والناس دى سعيدة ومتعاونة وشايف دا حاجة جميلة جدا وفي مصلحتها.
فيه يقظة بطيئة ومتأخرة في السعودية في موضوع إسرائيل، لكن زي أي حاجة في السعودية: بطيئة، خجولة، وغير دائمة. وساعة الجد النظام السعودي مش هيكون قصاده غير الدفع وتقديم تنازلات لأمريكا وإسرائيل، أو إنه يناور ويدي تنازلات ومشاركة في الثروة والسلطة مع الشعب السعودي، علشان يقدر يقف قصاد اللى جاى، فربنا يعينهم ويعنا ساعة اللحظة الحاسمة..
أما الإمارات، فالمشروع الذي بدأ منذ حوالى خمسين عاما كحلم بوحدة سياسية واقتصادية لكل امارات الساحل العربي تقوم على التعاون والتكافوء، فتحول آخر عقدين إلي شوية هياكل مالية متركزة في دبي وابوظبي، ومعاهم كام انفلونسرز وحسين الجسمى (أجمل حاجة في الإمارات). بينما تضاءل بشكل مسبق نفوذ وقوة الامارات الأصغر. لدرجة أن مؤخرا بعد ما تحرش السفير الإسرائيلي بسيدات اماراتيات بغض النظر عن نسبهم واسم عائلتهم، لم يحدث اى رد فعل، ولم يتحدث أحد وينتقد ما يدور الا الشيخة جواهر زوجة حاكم الشارقة، وكأن البلد بح خلاص، حتى رجالها خايفين يتكلموا فيتداروا وراء امهاتهم، وأنا هنا لا أعاير أو أقلل من أحد كلنا مسحوقين تحت شبشب الاستبداد.
كل ما سبق يحدث واليوم، ترامب بيجتمع بزيلنسكى وقادة أوروبا، علشان يقنعهم يتنازلوا عن ارضهم لصالح بوتين. يعنى أمريكا ترامب، بتضغط على حليفها العقائدى والتاريخى والاستراتيجي علشان يتنازل عن أرضه.
ودا بعد ما الحليف دا (أوكرانيا) من شهر مضى للأمريكان اتفاقية تنازل بها عن حق إدارة كل ثرواته المعدنية، ومع ذلك عادى أمريكا ترامب رمتهم للدب الروسي…
فهل يظن، أو يعتقد مستشاري أصحاب السمو الملكى الذين تعلموا في جامعات كندا ووجورج تاون وكنجز كولدج. أن أمريكا اللى بترمى المواطن المسيحى الأوروبي الأبيض لبوتين ياكله، لما نتنياهو -اللى بكل تقدير اثبت انه اقوى سياسي شافته المنطقة والعالم آخر نصف قرن- يطلع يقول الخريطة دى بتاعتى والتوراة وربنا معايا، واذا كانت السعودية مش ناوية تطبع والخلايجة مش عايزين يدفعوا لنا حق حمايتهم من الخطر الايرانى فانا عايز حق ناشف في تبوك ولا نيوم ولا حتى آبار ومصافي المنطقة الشرقية وهخش اخدها حالا، هل لو صحى طلب كدا، أمريكا ترامب هتقول لأ؟ وتقف معاك انت يا جربوع يا أبو شبشب، ياللى وزير دفاع أمريكا الحالي كاتب كتاب بيقول فيه ان كل العرب والمسلمين حيوانات ولا يمكن تطبيق حقوق الانسان وقواعد الحرب العادية عليهم …
أمريكا دى، ترامب دا اللى انت عمال تدفع له هيشترك انت ويسيب بيبي نتنياهو !!
فيه ناس في السعودية بدأت تفوق شوية بس متأخر وكمان مزنوقين ومترددين، لكن الامارات شافت خطة زى دى حاجة روعة، كيف لأ ، وماذا اقول بعد الحبتور اللى قال
احنا مش عرب أصلا احنا اماراتيين واحنا وإسرائيل زى بعض سوا سوا في الهوا الهوا، على أساسه ان كدا ممكن ينجو وحتى لو لما ينجو ايه يعنى اللى ممكن يحصل، يلم كل مواطنين ابوظبي ودبي في طيارة ويطلع بيهم على اى مستعمرة بتاعتهم زى مستعمرة راس الحكمة في مصر او مستعمراتهم في جنوب فرنسا.
ومعاه الفلوس والصناديق الاستثمارية والخيمة تتنصب في اى ارض
إحنا مهزومين، وفي حالة تفكك للوعي والذاكرة الجماعية. لكن لسه لم نصل للقاع. القاع هيكون أول ما تحصل نكسة هزيمة وانكسار وتحول جيوسياسي يتم باعمال عسكرية: قلم على القفا أو الراس جامد أوي.
كل تغيير سياسي وهوياتى كبير شهدته مصر كان قبله حدث عسكري دفع المصريون ثمنه من لحمهم ودمهم:
300 ألف مصري في الحرب العالمية الأولى اللي اخترت فيها مصر تحارب ضد الخلافة العثمانية → ثمرتها سؤال الهوية وإعادة تعريف مصر للمصريين، ورؤية المصريين لنفسهم خارج مشروع الخلافة، وما كان من امر ثورة 1919.
هزيمة 1948 → ثمرتها إعادة تعريف مصر كمركب مسلم–مسيحي فقط، مع سحق وتهميش للطبقات الحاكمة اللي كان فيها مكونات أجنبية سواء كشركاء لهم أو متحالفين، أو للدقة تحالف النظام السياسي والاقتصادي الذي قاد للهزيمة.
هزيمة 1967 → ثمرتها الاتجاه أقصى اليمين: وصلنا بعدها لاضافة الإسلام في الدستور، وفجأة بقي عندنا كيانات سياسية كهنوتية زى الازهر والكنيسة والرقابة الإدارية.
في كل مرحلة من دول، سقطت الدولة المصرية وتغيرت بنيتها، وتم بناء دولة جديدة. في كل مرحلة تم إعادة ابتكار مفهوم الشعب المصري من جديد. لا شيء باقٍ:
لا الدول
ولا الهويات الجماعية للشعوب.
الأفراد المستسلمين لليأس أو أوهام الكبتاغون ليسوا إلا صرخة في البرية.. الثورة مستمرة.. جسدى حريتى..
ذاكرة عاطفية ربما تحفظها أغنية أو بيت شعر.
يجب أن نتخيل الغد اليوم.
أن نطرح معاني جديدة لمعنى الهوية، لمعنى “نا” … لا يمكن أن نقول “نا” عرب ونصطف بجوار الحبتور والغندور وايجيبت.
الـ”نا” التي أتحدث بها، أخاطب بها هؤلاء الذين لا يزالون يقرؤون مقالات على الإنترنت وبوستات طويلة ولا يكتفون بالعناوين. هؤلاء الذين يستيقظون صباحًا فيجدون أنفسهم مجبولين على المقاومة، على القراءة للفهم.
شركائي في الغضب واليأس، المصابون بالملل من خطابات المقاومة والممانعة، ومن عبثية خطابات السلام وانتظار السمنة من طيز النملة الإسرائيلية أو الغربية. لهؤلاء أسأل وأسأل نفسي:
هل يمكن أن نُحلّم بعربي جديد؟
عربي لا ينهض فقط على عدائه للمكون التركي–العثماني مثل عروبة الحرب العالمية الثانية، ولا على العداء للمشروع الصهيوني مثل العروبة التي وُلدت بعد 48، بل عربي في عداء مع الاثنين: مع المشروع الصهيوني والمشروع الإقطاعي لعائلات الساحل الخليجي.





