وائل العشري يكتب عن ذباب القانون وذباب الأدب

“يبدو أن القانون كقانون ليس له أبداً أن تصدر عنه أي قصة.”

جاك ديريدا، أمام القانون

يدخل أحمد ناجي أحمد حجازي، الذات القانونية، بصحبة أحمد ناجي، الكاتب، وبسام، الراوي الرئيسي لـ “استخدام الحياة”، والرواية أيضاً (تحديداً فصل واحد منها)، إلى متاهة القانون. لقد خدش، أو خدشوا جميعاً، “الحياء العام”، هكذا يخبرنا من يمثّل القانون.

“سخر . . . أنامله،” تقول النيابة في قرار إحالته إلى المحاكمة “لنشر مادة كتابية نفث فيها شهوة فانية ولذة زائلة وأجر عقله وقلمه لتوجه خبيث حمل انتهاكاً لحرمة الآداب العامة وحسن الأخلاق والأغراء بالعهر خروجاً على عاطفة الحياء وهدماً للمثل المصطلح عليها فولدت [مَن؟ المادة الكتابية؟] سفاحاً مشاهد صورت اجتماع الجنسين جهرة وما لبث ينشر سموم قلمه برواية أو مقال في صفراء باليه حتى وقعت تحت يد القاصى قبل الدانى والقاصر قبل البالغ فأضحى كالذباب لا يرى إلا القاذورات والنجاسات فيسلط عليها الأضواء والكاميرات حتى عمت الفوضى وانتشرت النار في الهشيم وجاءت تحريات جهة البحث كخرزات نظم ينحدرن توافقاً على قيام المتهم بكتابة المقال وأحتوائه على الفاظ خادشة للحياء”

3
من رسومات أيمن الزرقانى في رواية استخدام الحياة لأحمد ناجى

لا يخبرنا قرار الإحالة بما فعل أحمد ناجي أحمد حجازي على وجه التحديد. إنه يشير فقط وعلينا أن نفهم. علينا أن نقطع طريقنا من مجاز إلى آخر، من محسن بديعي إلى آخر، من خطأ لغوي لآخر (كاتب هذا المقال ليس ضد الأخطاء بشكل خاص، لكن ربما من المهم أن نلاحظها حين تأتي من القانون وبيروقراطيته) حتى النهاية. علينا، ربما، أن يملأنا الإعجاب أيضاً بهذه اللغة “الجميلة” التي تُدين شخصاً تحول إلى ذبابة.

يبدو قرار الإحالة مثل تدريب مدرسي متحمس على كتابة مقال. وكما يحدث في الحالات الشبيهة، يجد الكاتب لذة لا تفنى، وسعادة لا تزول من مخزون لا نهائي، معدّ سلفاً، من قائمة مجازات يُعاد تدويرها باستمرار، مرة بعد مرة بعد مرة، من موضوع تعبير إلى آخر، ولهذا فهي مضمونة التأثير. عليها خاتم ما، ربما للدولة، أو لمؤسساتها التعليمية، أو ربما هو ختم المجازات العامة. أجازته سلطة ما، وضمنت تأثيراً مُحدَّداً على متلقيها، تأثيراً يمكن أن يكون مادة لسؤال مدرسي عن مواطن الجمال، عن صورتين ممتدتين متضادتين: شخص تحول إلى ذبابة تنشر الفوضى وتشعل النار في مقابل خرزات نظم ينحدرن توافقاً على إعلان حقيقة قانونية مطلقة. هكذا يعكس نص الإحالة إحساساً عمومياً منضبطاً بالجمال (لا يرى أخطائه بكل تأكيد) وبلاغة عمومية لا تأتي بالضرورة من معرفة عن قرب بكتب أو تراث كتابة معين، بل هو “الحس السليم” للغة كما يُدرَّس، كما يُلقَّن في مدارس الدولة، حيث مجازات تعكس خيالاً محدوداً، ومفرغة من المعنى (هل أثار الفصل الروائي الفوضى فعلاً؟ هل رأها أي قاص أو دان؟ هل تدنى مؤشر الحياء في المجتمع المصري بعد أن نشر ناجي فصله؟) يُلقى بها في أذن من عليه أن يقدّر جمالها، من تدرب جيداً على ذلك.

“الذبابة” في قرار الإحالة، وهو المجاز الذي يمكننا أن نفترض أنه يلخص رؤية النيابة، محددة تماماً، واضحة المعنى مسبقاً. لا يحتاج المرء إلى التفكير كثيراً في معناها. هذا هو الحس السليم على أي حال. الذبابة مصدر ضيق. تثير القرف. تحمل المرض وتنشره. الحضارة، هكذا يبدو الأمر، تعتمد على نفي الذبابة، وهو ما قد يعني أيضاً نفي القاذورات والنجاسات والخراء (بالمناسبة، هل يحاسب القانون على استخدام كلمة الخراء؟ ما هي الكلمة الأكثر صداقةً للقانون، الكلمة التي يجيزها، ولا يراها تخدش؟ الهراء؟ ) بكلمات أخرى، إن قبلنا أراء بنيامين وكونديرا، في هذا الشأن، فنفي الذبابة هو لحظة ميلاد الكيتش.

أسلوبياً، نص قرار الإحالة بأكمله نموذج مثالي لكتابة الكيتش، إن أخذنا في اعتبارنا تعريف فالتر بنيامين للكيتش بأنه “لا شيء سوى فن متوفر للاستهلاك بدرجة مائة في المائة، مطلقاً ولحظياً، تحديداً داخل الأشكال المكرسة للتعبير [التي يعرفها ويقدرها “القاصي قبل الداني،” على سبيل المثال،] ولهذا، يقف الكيتش والفن في تضاد لا يقبل التوفيق” (مشروع البواكي، ٣٥٩) أما عن التصورات المسبقة التي تجعل لغة هذا القرار على ما هي عليه، والتي تمنحه مفاهيمه المسبقة عن الحياة، والسلوك القويم، والحياء العام، والسعادة المعقمة الطاهرة الخالية من “القاذورات والنجاسات” فينطبق عليها تعريف ميلان كونديرا للكيتش على أنه المثال الجمالي (وقد نضيف الحياتي) “الذي يُنكر فيه الخراء ويتصرف الجميع كما لو كان لا يوجد.” (كائن لا تُحتمل خفته) يستخدم كونديرا “الخراء” كمجاز بطبيعة الحال، للإشارة إلى كل ما قد يثير وجوده، في طباع بعض البشر، في أجسادهم، كعضو بين أعضائهم، في رغباتهم، وفي طرق حياتهم قلق البعض الآخر، كل ما قد يؤدي إلى قلق حاد يصل لنفي وجود مصدر القلق من الأساس، ويؤدي أما إلى تجاهل وجوده (لا يجب تسمية الأعضاء الخاصة! ) أو إلى معاملته كشذوذ عن قاعدة أو عادة يجب عقابه.

من المهم أن نلاحظ هنا أنه لا توجد مشكلة جوهرية في وجود الكيتش في ذاته، كنظرة للفن أو للحياة، ذلك أنه توجد على أي حال أنواع مختلفة، وأحياناً متضادة، من الكيتش. فكما هو الحال في كل مجاز، لا يعني “الخراء” شيئاً واحداً لكل الناس. تظهر المشكلة حين نضطر إلى التعامل مع ما يطلق عليه كونديرا “الكيتش الشمولي” ويعرّفه كما يلي:

حين أقول “شمولياً،” ما أعنيه هو أن كل شيء يهدد الكيتش يتعين نفيه من الحياة: كل تبدي للفردية (إذ الانحراف عن المجموع هي بصقة في عين الأخوة المبتسمة)؛ كل شك (لأن كل من يبدأ في الشك في التفاصيل سوف ينتهي به الحال إلى الشك في الحياة ذاتها)؛ كل سخرية (لأنه في عالم الكيتش كل شيء يجب أخذه بجدية تامة).

2007439
ما خدشه ناجي هو هذا التصور المدرسي عن اللغة والجمال والسعادة، وذلك الكيتش الشمولي المسلح بسطوة القانون، مثلما خدش تصوراً معيناً للحياء العام في قلب ذلك الكيتش الشمولي. لكن ما هو ذلك الحياء العام الذي يرفع من شأنه الأب والقانون وكل من ينوب عنهما؟ ما معناه؟ من يقرّر معناه؟ هل يحاول القانون حتى أن يُسمِّي أفعال خدش الحياء؟ هل يقارب الدقة ويعدّدها؟ وهل يكمن عدم الحياء في التسمية، في اللغة؟ هل يرتبط الأمر بالفعل ذاته أم باللغة المستخدمة في وصف الفعل؟ هل الأمر أنه في الفصل (أو المقال!) الذي يُحاكَّم يُعطِي بسام (الشخص الخيالي، الراوي غير القانوني، الذي لا يعرفه القانون) أكثر مما ينبغي من التفاصيل، أنه أكثر دقة مما يجب أن يكون، أم أنه يأتي أفعالاً تثير القلق لأنها تفسد هناء الحياة في كيتش الصفاء، أفعالاً لا تتصف بالحياء، وبالتالي يشجع آخرين على إتيانها؟ ما الجاذبية المفترضة لأفعال يفترض القانون ذاته أنها تسبب ألماً للقارئ، تخدش شيئاً جوهرياً في تكوينه السليم النقي؟ ألا يجب أن يكون تأثيرها هو النفور؟ ألا يجب أن تثير تلك الأفعال غثيان كل قارئ؟ ألا يجب أن يتألم أنفه وتصله رائحة سيئة، فيرفضها؟ أليست السعادة على أي حال هي تجنب الألم؟ أم هل يفترض القانون أن كل من يأتي تحت سيطرته يميل، بالطبيعة البشرية، نحو الانحراف؟ وما هو “الانحراف” إن كان القانون يفترض تحديداً أن كل ذات تخضع له منحرفة مسبقاً وتحتاج إلى حماية، تستوجب أن يضعها القانون تحت نظرته؟ هل يحمي القانون ذواته من أنفسهم؟

في ذلك الفصل الذي نشر الفوضى وأشعل النار في الهشيم، ينزل بسام على المرأة التي يقابلها في شقتها. يقترب بأنفه من أعضاءها الخاصة، من تلك الأجزاء التي يهتم بها القانون كثيراً. يقترب بشفتيه ولسانه منها، وبأنفه أيضاً، من أجزاء تصدر عنها مخلفات الجسد، مما يجب أن نبتعد جميعاً عنه، وننكره. يشم منها ما يهدّد الحضارة، ما يتعين أن يكون مكروهاً. يأخذ هيئة الحيوان الجاثي، على أربع ربما، ويبتعد عن القانون. هل ما يجده القانون إشكالياً هو أن بسام فعل ذلك أم وصفه، تحديداً أنه وصفه بألفاظ صريحة؟ هل كان الأمر ليختلف إن استخدم لغة أخرى، إن استخدم مجازات مدرسية، تقترح ولا تصرح؟ ماذا عن: “وتحركت نفسي بالشهوة فأعطيتها الجنس الفموي؟” أم هل سيروق للمحقق أكثر إن قال: “ثم استولى الشر على نفسي، فارتشفت رحيقها الأنثوي، فتحركت داخلي شهوة فانية، وأسكرتني لذة زائلة، فصرنا حيوانين أو أدنى، ومت، في نهاية المطاف، لأن هذا الرحيق، عزيزي القارئ، ليس سوى سماً؟” هل سيخدش مثل هذا القول حياء شخص ما، هل سيتحول بسام، لا إلى ذبابة، بل لنحلة مخلفاتها عسل؟ (بالمناسبة، أحد المجازات الكيتشية الساحرة حقاً تصف ما اقترب منه بسام، وحدد اسمه، بـ”الوردة” أو “الزهرة”).

كيف نواجه مثل هذه المتاهة التي تُدخلنا فيها بيروقراطية القانون؟ أو كيف نحاول أن نخرج منها؟

في مواجهة القانون وتجاوزاته ومحاكماته المتكررة لأعمال إبداعية، ثمة إغراء براجماتي في أن نضع الأمر بأكمله في زاوية “محاكمة الخيال”، الافتراض المبدئي هنا هو أن القانون، على عكس الأدب، يخلو من الخيال ولا يفهمه، ولهذا لا يستطيع أو ليس من حقه أن يفرض قواعده على ما يأتي عن نشاط بشري (يوصف، إعلاءً لقدره، بـ”الإبداعي”) ليس بمقدور القانون، بسبب طبيعته، أن يتفهمه.

لكن هل يخلو القانون من خيال حقاً؟ من أين يأتي إذن إن كان كذلك؟ وكيف له أن يعبّر عن نفسه؟ هل له قصة أو تاريخ يمكن أن يُحكى؟ وماذا عن لغته، بل وماذا عن المجازات التي يستخدمها لوضع أوامره ونواهيه، “خدش الحياء العام” على سبيل المثال في مادة القانون التي يُحاكم بمقتضاها أحمد ناجي أحمد حجازي؟ ما معنى الخدش هنا، في القانون وفي الأدب؟ وما الذي يمكن أن يُخدش؟ الجلد، الزجاج، القانون، الحياء، المرآة مجاز الفن؟ أي مجازات يمكن أن تُخدش؟ وهل يمكن أن يفكّر القانون في لذة الخدش، في ارتباط ما محتمل، قد يحدث، بين اللذة والخدش؟ أي فكرة يحملها القانون عن اللذة وتاريخيتها والقانون الأخلاقي كما يتحدث عنه فرويد على سبيل المثال؟ وما هو “الحياء” سوى إن كان خيالاً، مفهوماً تاريخياً يتكون في سياق معين وتاريخ محدَّد. نفس الأسئلة من الممكن طرحها بخصوص مفهوم العام/العمومية. ما الذي يمكن أن يوصف بالعمومية؟ من يقرر ذلك؟ من يقيس النسبة؟ أي جماعة متخيلة، طبقية أو مهنية أو عمرية، تنطبق على معاييرها مفهوم “العام”؟

ياسر عبد الحافظ: نجيب محفوظ ليس أفضل من أحمد ناجي

لاثنين الماضي، انعقدت داخل البرلمان اللجنة التشريعية لمناقشة مشروع قانون بتعديل المادة الخاصة بخدش الحياء داخل قطاع النشر. الاقتراح تقدم به النائبان: أحمد سعيد ونادية هنري، للمناقشة، وقد سقط المشروع برفض 21 عضوا، في مقابل موافقة ستة. لم يكن أحد ربما ليسمع عن الجلسة، أو ربما مر ما توصلت إليه في ضجة أقل لولا أن المناقشات دارت بصورة دراماتيكية أوصلتها للصحافة تحت عنوان: نائب يطالب بحبس نجيب محفوظ.

المادة التي طالب النائبان بتغييرها هي تلك التي يقضي الروائي أحمد ناجي بناء عليها سنتين حبسا كعقوبة على نشر فصل من روايته “استخدام الحياة” في جريدة “أخبار الأدب”. والمادة سيئة الذكر رقمها 178 من قانون العقوبات المصري رقم 58 لسنة 1937 وتنص على: “يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنتين وبغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه ولا تزيد على عشرة آلاف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من صنع أو حاز بقصد الاتجار أو اللصق أو العرض مطبوعات أو مخطوطات أو رسومات أو إعلانات أو صورا محفورة أو منقوشة أو رسومات يدوية أو فوتوغرافية أو إشارات رمزية أو غير ذلك من الأشياء أو الصور عامة إذا كانت منافية للآداب العامة”.

لم يكن مطلوبا داخل اللجنة التشريعية إلغاء المادة التي يمكن الاستناد إليها دوما في مطاردة الأدب والفن، كل ما اقترحه النائبان تعديل العقوبة من الحبس إلى الغرامة، بمعنى أن الفن سيظل مشكوكا في أمره إن كان ينافي الآداب أم لا، يمكن اتهامه في أي لحظة، لكن وفق التعديل المقترح فإن صاحبه على الأقل لن يخسر حريته، فقط سيدفع مالا مقابل جريمته.

الرعب

من المخيف بالفعل تأمل مناقشات اللجنة حول الموضوع والتي آلت في النهاية إلى بقاء تلك المادة على حالها، كتلة النواب المساندة لرأي الحكومة باستمرار عقوبة الحبس في قضايا النشر الخاصة بخدش الحياء، كان على مقدمتها الصحفي والنائب مصطفى بكري الذي شدد على أن هناك فروقا بين العمل الابتكاري والفعل الفاضح، و”إما أن نحافظ على المجتمع وقيمه، وإما أن نفرط في ثوابتنا”. بكري هنا يؤكد على الخطاب القديم والذي اعتدنا سماعه طوال عقود، خطاب العموميات الذي لا تفهم منه شيئا، خطاب القيم والثوابت الذي يقرر وحده ما هو فن وما هو إباحي، وفق نظرته ومعرفته. ورغم أننا كنا نعتبر النقطة التي توقف عندها أصحاب هذا الخطاب قديمة للغاية، لكنها تبدو الآن، وفي مقابل قناعات جديدة كشف عنها نواب آخرون في تلك الجلسة، رؤية ما بعد حداثية.

النائب سمير رمضان مثلا استند في رفضه إلى أن التعديل سيسمح هكذا بالإباحية، وأنه بهذا الشكل يمكن نشر صور عارية لأى امرأة، بل ومن الممكن تصوير عمل خادش للحياء بزعم أنه إبداع.

هنا خلط بين الفن و”البورنو”، ومن الصعب شرح الاختلافات بين النوعين لمن لا يدركها، هل من المتصور أصلا أن نائبا لا يعرف كيف يميز بينهما! لكن المصيبة أنها لم تكن رؤية فردية تخص رمضان، فقد وجدت صدى لدى البعض للدرجة التي دفعت أحمد سعيد، أحد النائبين اللذين تقدما بمشروع التعديل، للدفاع عن نفسه: “احترم كل الآراء، ولكن يصعب علي أن يقال إني مقدم مشروع قانون يتيح الإباحية”.

المساواة.. في حق الحبس

أثناء المناقشة جاء ذكر نجيب محفوظ، سعيد بينما يدافع عن مقترحه تساءل عن معايير خدش الحياء: هل محفوظ كان يخدش الحياء في “السكرية”، و”قصر الشوق”؟

الرد المنطقي الرسمي الوظيفي المعتاد كان سيقول إن الفارق كبير بين إبداع أديب عالمي مثل محفوظ وبين أعمال أخرى لا فن فيها وتسعى لهدم الثوابت، لكن أحد النواب فاجأ اللجنة ومصر كلها برده أن أعمال نجيب محفوظ خادشة للحياء وأنه كان يستلزم معاقبته أثناء حياته.

اسمه أبو المعاطي مصطفى، لكن هذا ليس مهما لأن لقبه سيتحول إلى: النائب الذي أراد سجن نجيب محفوظ، مستندا إلى دفوعات غرائبية حيث يرى أن إلغاء الحبس في قضايا النشر يهدر مبدأ المساواة بين المواطنين بمنح فئة امتياز عدم الحبس عند خدشهم للحياء، يقصد المبدعين بالطبع، لا ميزة للفن بالنسبة لأبو المعاطي، ووفقا لكلامه فلو كان محفوظ حيا لكان من المفترض أن يكون رهن التحقيق. صحيح.. ما الذي يمنح محفوظ الظن بأنه أفضل من أي آخر مرتكب لجريمة الخدش؟!

الروائي النائب يوسف القعيد علق، في تصريحات صحفية، قائلا أن هذا النائب لا يستحق الرد عليه، ومن المؤكد أنه لم يقرأ لنجيب محفوظ تماما، وإنه، أي القعيد، يرفض بشدة أن يتم تناول اسم الأديب العالمي بالسلب داخل البرلمان.

n820754936_733870_2482
نجيب محفوظ بجوار تمثال مجهول له

والحقيقة أنه لا يمكن الاتفاق مع تصريح القعيد، كلام أبو المعاطي يستمد قوته من كونه أحد نواب الشعب، ورفض القعيد الإساءة لمحفوظ جاء متأخرا جدا، ما الذي يضمن الآن ألا يتقدم أحدهم ببلاغ إلى النيابة يطالب فيه بسحب أعمال محفوظ ومصادرتها لأنها خدشت حياءه، وأنه كاد يصاب بأزمة قلبية عندما قرأ “قصر الشوق”، تماما مثلما قال المواطن صاحب الثوابت في بلاغه عما أصابه عندما قرأ رواية أحمد ناجي.

أهلا بالجميع في قاعة المحكمة

الجلسة التي تحولت إلى فضيحة بما تعنيه الكلمة انتهت بسؤال حاسم لأبو المعاطي: هل يعنى الإبداع أن أقوم بتصوير حالة جماع كامل على الشاشة، وأقوم بإذاعتها؟ النائبة نادية هنري المشاركة في تقديم مشروع اقتراح التعديل لم تجد ردا إلا: “يا نهار اسود…هتودونا في داهية”. وللأسف هو كذلك.

هذه الجلسة التي تستحق التأريخ عن جدارة أتت مباشرة بعد يوم واحد من رفض الاستشكال الذي طالب بوقف حبس أحمد ناجي مستندا إلى مجموعة من الأسباب أهمها، أن “الحكم كان به العديد من الإشكاليات منها أنه تعامل مع الفصل المنشور من رواية “استخدام الحياة” على أنه مقال، في تجاهل واضح للفرق بين الرواية والمقالة، الرواية محض خيال، ليست لها صلة بالواقع”.

كما أوضح الاستشكال أن: “تراثنا الأدبي والثقافي مليء بالعديد من الروايات بهذا النمط، رواية ألف ليلة وليلة تمت مصادرتها في منتصف الثمانينيات، تحت زعم أنها خادشة للحياء، ولكن في عام 1986 حكم رئيس محكمة شمال القاهرة بإلغاء الحكم والإفراج عن الرواية التي كانت تحاكم بنفس المادة 178 من قانون العقوبات التي يحاكم بها أحمد الآن وإعادة نشرها باعتبارها عمل أدبي. وفرقت ما بين القصد الجنائي والقصد الأدبي، فلا يوجد قصد لدى الكاتب عند تخيل عوالم روايته خدش الحياء أو قصد جنائي لإثارة الغرائز الجنسية، ولكن له قصد أدبي في تقديم رواية خيالية، ولكنها لا تعبر عن الواقع”.

هذه الحجج التي ساقتها هيئة دفاع ناجي عنه يبدو أنه من الضروري الآن تقديمها أيضا لبعض نواب البرلمان، وتوزيعها على نطاق واسع مجتمعيا، مع قائمة قراءة لإدراك معنى مصطلح “فن” لأنه بخلاف هذا فنحن على وشك أن نشهد واحدة من أكثر المراحل الهزلية المسجلة في المسيرة الإنسانية بجر تاريخ الفن المصري كله جنبا إلى حاضره إلى قاعات المحاكم.

—- —

نشرت في موقع مراسلون: 30 نوفمبر 2016

http://www.correspondents.org/ar/node…

ريشار جاكمون: أحمد ناجى استخدام الحياة والزومبي

ما إحساسك عندما تعلم أن مؤلف الرواية التي قرأتها واستمتعت بها على مدار الأيام القليلة الماضية حُكم عليه بالحبس عامين لخدش الحياء العام؟ تقول ها هو اسم آخر يضاف إلى القائمة. فهناك آلاف المواطنين أمثاله ملقى بهم في السجن، يتعرضون إلى شتى الانتهاكات، بلا محاكمة عادلة ولا حتى محاكمة صورية -بعضهم محبوس لارتدائه تي شيرت، وبعض آخر للتظاهر ضد القانون الذي يحرمه من حقه في التظاهر، وغيرهم الكثيرون محبوسين لأنهم تواجدوا في المكان الخطأ بالوقت الخطأ.

لقد أمضيت الأسبوعين الماضيين حزنًا على جوليو ريجيني. تحاول مع أصدقائك وزملائك الإيطاليين والمصريين وغيرهم التكهن بأسباب قتله وعواقبه، وتفكر في مسؤوليتك الشخصية تجاه طلابك. تتذكر زميلك عاطف بطرس، واحد من أفضل وأشجع الباحثين المصريين الذين قابلتهم خلال السنوات القليلة الأخيرة، وقد مُنع من دخول بلده وأُرسل ليعود إلى ألمانيا في اليوم السابق لوصولك مطار القاهرة آخر مرة. ما العمل؟ ما الذي يمكنك فعله هنا في فرنسا سوى أن تنفث عن غضبك على فيسبوك وتوقع على العريضة المعتادة؟

إلا أنك ما تلبث أن تتذكر أنك قد قرأت “استخدام الحياة” لا بغرض الترفيه فقط وإنما أيضًا لأنك قد كرست معظم حياتك المهنية لدراسة وترجمة الأدب المصري، وأن ذلك يلقي على عاتقك مسؤولية من نوعٍ خاص. تتذكر قصة بيير رابحي عن الطائر الطنان. قد لا يكون اسم بيير رابحي معروفًا للقارئ المصري، لكنه واحد من أكثر المفكرين المؤثرين في مجال البيئة في فرنسا. حدثنا رابحي عن هذه الأسطورة من تراث الأمريكيين الأصليين:

ذات يوم كان هناك حريق هائل في الغابة. شعر جميع الحيوانات بالذعر وقلة الحيلة وهم يشاهدون الكارثة. خاف الجميع عدا الطائر الطنان، الذي أخذ يطير ذهابًا وإيابًا ما بين الحريق وبركة مياه، ليلقي في كل مرة بضع قطرات مياه على اللهب. انزعج حيوان المدرع العجوز من هذا الحماس المثير للشفقة وصاح به: “كف عن هذه الحماقة! لن تطفئ الحريق ببضع قطرات من المياه تلقي بها واحدة تلو الأخرى!”، رد عليه الطائر الطنان قائلًا: “أعلم هذا، لكني أقوم بدوري.”

لحسن الحظ يبدأ العديد من الناس من حولك في التحرك، وبعد بضع ساعات تجد نفسك حلقة في سلسلة التضامن التي تمكنك من القيام بدورك بأفضل طريقة ممكنة. تتصل بك إحدى معارفك القدامى، والتي تعمل حاليًا مع الجامعة الدولية لحقوق الإنسان (IFHR). تسألك إن كنت ترغب في التوقيع على بيان أعدته الجامعة وترجمة الفصل المُجرَّم من الرواية باللغة الفرنسية. هذا أقل ما يمكنك فعله. تبعث الفصل إلى زميلك فريدريك لاجرانج وتعود إلى العمل على الرواية.

تعد الترجمة أقرب ما يكون إلى “القراءة المتمعنة”، ولذلك فهي على الأرجح أضمن طريقة لاختبار جودة النص. ومع ترجمة السطور الأولى تشعر أن نص أحمد ناجي يجتاز الاختبار بنجاح. أمامك كل ما تقدره في النص الأدبي: المباشرة والسخرية والصدق. ومن ضمن ما تجده علاقة الحب والكراهية مع القاهرة، والتي تربطك بها والعديد من المصريين من كل الأعمار. تستمتع بقدرته على تسمية الأشياء بمسمياتها، ويزيد ذلك من إعجابك به. إنه دليل آخر على حداثة الرواية العربية. فقد حاربت أجيال من الكتاب العرب لأكثر من قرن من أجل حرية التعبير عن أنفسهم، كيفما يحبون، وكما هم. تتذكر النص الاستهلالي في رواية “تلك الرائحة” (1966) حيث اقتبس صنع الله إبراهيم قول جيمس جويس: “أنا نتاج هذا الجنس وهذه الحياة. ولسوف أعبّر عن نفسي كما أنا.” ناجي ابن بار لهذا التاريخ.

في نهاية الفصل وفي منتصف المشهد الجنسي الذي يُزعم أنه قد أزعج قارئ “أخبار الأدب” وجعله يقيم الدنيا ويقعدها، تمر بفعل لم تشهده قط في آلاف صفحات الأدب العربي الذي قرأته: “رهزتها.” وكما هو معتاد في تلك الحالات تظن للوهلة الأولى أنه خطأ مطبعي، لكنك تجد أنه تفسير غير معقول. تعود إلى المرجع المقدس: النسخة الإنجليزية من قاموس هانس فير العربي الألماني. القاموس لا يضم الجذر. تزداد فضولًا. كاتب معاصر يستخدم جذرًا نادرًا لدرجة أن هانس فير لم يقر به، لا بد وأنه قارئ جيد للتراث العربي -وهي نقطة أخرى تحسب لناجي. تبحث على موقع لسان العرب على الإنترنت من خلال محرك الباحث العربي وتجد الكلمة:

الرهز: الحركة. وقد رهزها المباضع يهرزها رهزا ورهزانا فاهترزت: وهو تحركهما جميعًا عند الإِيلاج من الرجل والمرأَة.

مذهل! هذا واحد من الأسباب التي جعلتك تقع في غرام هذه اللغة منذ أكثر من 30 عامًا، وما زال تأثيره فعالًا. ما زال هناك مجال لاكتشاف فعل عربي كلاسيكي من كلمة واحدة ذي معنى دلالي دقيق لا تجد له نظيرًا في اللغة الفرنسية، ويأتي ذلك في سياق رواية نشرت قبل بضعة أشهر. وأي معنى هذا: “تحركهما جميعًا عند الإِيلاج من الرجل والمرأَة” -ونلاحظ أن لسان العرب يغفل الفروق النوعية بين الرجل والمرأة.

تتأمل الأمر لفترة لا يستهان بها، بينما تبحث عن فعل فرنسي من كلمة واحدة ينقل المعنى نفسه، ويكون وقع كل الكلمات التي تجدها فجًا بالطبع، بالمقارنة مع هذا الفعل العربي الممعن في القدم على نحو ساحر، ولا تجد أي مقابل يوحي بمعناه الدقيق. هل فهم القارئ المنزعج المعنى الحقيقي لكلمة “رهزتها” قبل أن يغيب عن الوعي؟ هذا لا يهم. المهم هو أنه كان هناك وقت يكتب فيه الشعراء والكتاب وعلماء الدين وكثيرون غيرهم ممن يكتبون بالعربية مستخدمين كلمات كهذه. وقت لم يخجل فيه زملاؤهم الذي جمعوا معاجم العربية الفصحى من إدخال هذه الكلمات في معاجمهم مع ذكر المصادر والاشتقاقات والمعاني. كما تجد أيضًا جذر كلمة “نيك” (نكح) في لسان العرب، لكنك لا تجده في أي معجم عربي حديث.

وتلك واحدة من أغرب تأثيرات عصر النهضة العربية وأكثرها خفاءً. لم تكتف النخبة المثقفة في عصر النهضة باستيراد الحس القومي والرواية والعديد من المنتجات المادية والثقافية من أوروبا، بل استوردت أيضًا القيم الفيكتورية الدخيلة على الثقافة العربية وسعت إلى فرضها على المجتمعات، وحدث ذلك بمساعدة النموذج الإسلامي الوهابي الذي دعت إليه الدولة السعودية في عقود لاحقة.

لم تكف المجتمعات العربية قط عن رعاية شتى أنواع ومساحات مقاومة هذا الإخصاء الأخلاقي المفروض من قبل النخبة، علمانية كانت أم دينية. وقد يكون الأثر الأكثر عمقًا والأطول أجلًا لثورات عام 2011 نابعًا من زعزعتها لهذا النمط الأبوي والبطريركي والتطهري للهيمنة الاجتماعية وإحداثها صدع به. هذا أكثر ما يخيف السلطات الحالية، ولهذا السبب فعدوها الأول ليس “الإرهاب،” أيما كان معنى هذه الكلمة، بل هذا الشباب المتمرد الذي نزل إلى الشوارع في 2011، والذي ينتمي إليه ناجي وأقرانه، ويعبرون عنه.

تصادف أن تعرفي الأول على كتابات ناجي كان قد جاء قبل بضعة أيام من سفري إلى القاهرة في يناير الماضي، وكان ذلك من خلال نص قصير نشر في كتاب “Génération Tahrir” (“جيل التحرير”) الذي اشترك في كتابته مع بولين بوجنيه (صور) وعمار أبو بكر (رسوم)، ونشر في مارسيليا (عن دار لو بيك أون لير Le Bec en l’air). في هذا النص القوي تحت عنوان “وداعًا للشباب” يضع ناجي الشباب في مقابل “الزومبي.” قبل الثورة “كان الزومبي القدامى يحتلون كل المقاعد. كان هناك زومبي الجنرال، وزومبي الشيخ، وزومبي الرئيس، وزومبي رجل الأعمال، وزومبي الحزب الحاكم، وزومبي المعارضة، وزومبي الإسلام الوسطى، وزومبي الإسلام المتطرف. والخيارات التي يقدمها الزومبي للشباب هي أن يكونوا زومبي، ويغادروا مثالية الأحلام والأخلاق.” ثار الشباب، لكن الآن وبعد مرور خمس سنوات قرر الشيوخ والزومبي والجنرال “أن لا يتركوا للشباب حتى مساحات الواقع الافتراضي على الإنترنت. فُرضت الرقابة على الإنترنت، وجملة واحدة على تويتر قد تودي بك إلى السجن.”

وسأترككم مع خاتمة ناجي:

“هذا أوان التوثيق، الأرشفة، والحفظ. ثم لنودع الماضي والشباب. لنودع الأحزان، لنودع الأشباح. لنبحث في الداخل عن ثورة ومسار جديدين. الخطر الأكبر يكمن في الاستسلام للحنين، في الالتصاق بالمبادئ والأفكار القديمة، في تصور أن هناك لحظة ذهبية ونقية في الماضي يمكن استعادتها. الخطر الأعظم هو تقديس الصورة. أي من هذه الخيارات، حتى لو شملت أشكالاً أخرى من التقديس، كالثورة أو الشهداء أو القيم العليا للأيديولوجيا، كفيل بتحويلك لزومبي دون أن تشعر.”

عبد الله غنيم: نبؤة القاهرة في رواية “استخدام الحياة” و “عطار

كان يمكن للإسكندرية، استكمالًا لدورها تحت الحكم الروماني، أن تظل عاصمة لمصر حتى بعد الحكم الإسلامي، فقد خطَّط عمرو بن العاص للإبقاء عليها عاصمة لولايته بعد غزوها في 641 ميلاديًا، إلا أن خطابًا ورد من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب جاء فيه أن “لا تجعلوا بيني وبينكم ماء، فمتى أردت أن أركب راحلتي حتى أقدم عليكم قدمت”، فغيّر عمرو خطته ليعود من شمال غرب النيل لشرقه، وينشئ مدينة الفسطاط، بجوار حصن بابليون – حي مصر القديمة حاليًا، وهو النواة الأولى لما سيعرف بالقاهرة في ما بعد.

بعد أكثر من 300 عامًا من وجود العرب المسلمين في مصر، توالت عليها فيها أربع دول، نشأت القاهرة. في الأول جاء قائد بأصول أوروبية، وبولاء للمعز لدين الله الفاطمي، اسمه جوهر الصقلي بجيش قوامه 100 ألف جندي، فرض به سيطرته على “مدينة مصر”، بحسب اسمها القديم، دون حرب، ومن الليلة الأولى لوصوله وضع الأساس للمدينة الجديدة “المنصورية”، وضمَّ بها المدن القديمة؛ الفسطاط والعسكر وما تبقى من القطائع، وبنى الجامع الأزهر.

بعد أربعة أعوام كانت المدينة مستعدة لاستقبال الخليفة الفاطمي، الذي انتقل بعائلته ورفات آبائه ودولته من المنصورية –جوار القيروان- إلى منصورية مصر، ليسميها القاهرة، التي تقهر الدنيا. وكانت تلك بداية الدور السياسي التاريخي للقاهرة، فبعدما كانت ولاية تابعة صارت مركزًا لإدارة جديدة للخلافة الإسلامية، تناطح سطوة الخلافة العباسية في بغداد على زعامة الدولة الإسلامية. ومنذ تأسيسها اتسعت القاهرة، حتى صارت القاهرة الكبرى المعروفة حاليًا.

نبوءة الجحيم

تصلح مدينة القاهرة لاستضافة فعاليات عديدة للجحيم، الجحيم اليومي الحالي الممثل في الانتقال بين نقطتين عبر كوبري أكتوبر مثلًا، أو في قاهرة 455 هجريًا، كما يرسمها الكاتب محمد ربيع في روايته “عطارد”، الصادرة عن “دار التنوير”، حيث صخر الخزرجي الشاب ابن الموت، الذي يموت ويُبعث في عام 455، لينذر الناس أنهم في الجحيم خالدين، أنهم “ما كانوا وما عاشوا، أنهم عاشوا على الأمل ولا أمل”. جحيم يضم الحشد المرعوب المسيّر كالموتى يوم الحشر؛ يصرخون أن “اللهم اقبضني”، رجل يلطم وآخر يصرخ أنه يلد، ويرى الواقفون المولود يشبه الكلب، قبل أن يعوي الجميع فيما يشبه الصراخ ولا يدرون أنهم يعوون. تنطق جثة صخر: “أنتم ميتون، كلنا ميتون” ليسأله أحد الواقفين: “كيف متنا ونحن نقف أمامك؟” فيرد أن “كلنا نقف في الجحيم”، كانوا يمشون في شوارع القاهرة الفاطمية، في عهد المستنصر بالله، تحديدًا قبل الشدة المستنصرية التي ضربت القاهرة بعامين، كأنها إرهاصة لما قبل الجحيم الذي ستعيشه القاهرة لسبعة أعوام، وسيقضي على أكثر من نصف السكان، مع مجاعة يأكل فيه الناس الكلاب، تتخللها أعمال السلب والنهب وعموم الفوضى. واشتدت تلك المجاعة حتى لم يجد الناس شيئًا يأكلونه، فأكلوا الميتة والبغال والحمير، وبيع رغيف الخبز الواحد بخمسين دينارًا. وتكونت فرق اصطياد البشر بغرض أكلهم، في جحيم سيغير خريطة القاهرة للأبد.

كان النيل في فيضانه يغطي اليابسة من حوله، وتصل المياه لحدود المنصورية، فأنشأ جوهر الصقلي، ضمن ما أنشأ، قنطرة سُميّت بـ”المقسي”، تقع عند الأزبكية حاليًا، وبعد نحو 300 عام سيتوقف النيل عن الجريان وتنحسر ماؤه لسبع سنوات عجاف، في ما عُرف بـ”الشدة المستنصرية”، وستجف المقسي وينبت بها الزهر والشجر حول البرك لتسمى بـ”بستان المقسي”، ثم “بركة بطن البقرة”، وفي عهد المماليك سيأتي أمير اسمه أزبك ليمهِّدها ويُجري إليها الماء من النيل ويسميها “بركة الأزبكية”. يصعد ويهبط نجم حي الأزبكية، مع المماليك ثم الفرنسيين، ثم يصير مع الخديو إسماعيل حيًا أوروبي العمارة في قلب القاهرة، تسكنه الطبقات العليا من المجتمع، حتى تأتي حركة الضباط في 1952، ويتحول معها الحي وتتغير علاماته، ليصبح مسرح حديقة الأزبكية هو المسرح القومي، وتتحول العتبة الخضراء إلى سوق لكل شيء.

في هذا الميدان سيجلس النقيب أحمد عطارد، في قبة سماوية تحملها أربعة تماثيل أعلى مبنى تيرينج الشهير، سيصطاد الناس من حوله، بموضع يتيح له قتل الناس. ببندقية قنصه وصناديق من الذخيرة سيقتل المارة عبر ميدان العتبة وميدان الأوبرا وكوبري الأزهر. سيقتل كل من يقع تحت منظار بندقيته، البائع والمشتري، السيدة والشابة. سيضع أسماء لضحاياه. سيظن نفسه ملاكًا وشيطانًا يخلص الناس من عذابات جحيمهم، أو يرسلهم لجحيم جديد.

يحدث هذا في قاهرة عام 2025. أصبح ميدان العتبة مسرحًا لقتل عشوائي، لم يتبق من تمثال إبراهيم باشا المميز لميدان الأوبرا غير ثلاث قوائم لحصانه، بعدما نُشرت رأسه وسُرقت أجزاؤه الواحد تلو الآخر. بعد غزو مصر تحت أقدام وتحليق طيران نحو نصف مليون فرد من جيش فرسان مالطا، تتحول القاهرة لديستوبيا حقيقية؛ تخلو جزيرة الزمالك من السكان، في حين تظل القاهرة الغربية -مدينة الجيزة غربي النيل- “محررة وتحت سيطرة المصريين تمامًا”، رغم تعرض بعض مبانيها للهدم بسبب القصف. تصور الرواية تعرض معالم القاهرة في بداية الاحتلال عام 2023 للقصف والتدمير والانهيار التام، وتشمل مبنى جامعة الدول العربية والبنوك والفنادق ودار الأوبرا والوزارات.

في القاهرة المحتلة من فرسان مالطة، وتحديدًا في شرفة برج القاهرة، يصف العقيد أحمد عطارد القاهرة كما يراها بعيني قناص؛ مبنى ماسبيرو رجل بمؤخرة ضخمة وردفين هائلين، وصدر وجذع نحيلين، ومبنى الخارجية رجل أوروبي طويل القامة بعمامة شرقية، ركام فندق هيلتون النيل الذي تهدم مع بداية الاحتلال هو سائح أمريكي سكران سقط ولا يدري شيئًا مما حوله.

رسم ربيع عالم روايته بدقة بالغة. في قاهرة عام 2025 تهدمت الأبنية التقليدية في العاصمة المصرية، في جحيم متخيل/متوقع إذا ما تعرضت مصر لاحتلال بلا مقاومة كما في فصول 2025 في “عطارد”؛ انتحار الناس في الشوارع قفزًا من الجسور والأسطح، القتل والسرقة والاغتصاب، خاصة بعد رحيل فرسان مالطا المحتلين بلا سبب، تقنين الدعارة وتعاطي الناس لمخدر جديد يُصنع من الحشرات اسمه “الكربون”. هذا حفل يأس لا نهائي، القاتل القناص فيه يخلِّص الناس، بقناع بوذا الذي لا يعرف القنص بغيره، وفعل القتل يصير مقدسًا على نحو ما. وحين يتوقف عن القتل، سيبحث الناس عنه، سيهتفون “أين ذهبت؟ عد واضرب”. إنّهم في الجحيم، والموت ينقلهم إما إلى الجنة أو إلى جحيم جديد لا يذكرون فيه جحيمهم السابق.

نبوءة بحر الرمال

هذه قاهرة لا تقهر الدنيا، بل تقهر نفسها وتشهد نهايتها، أو بالأحرى نهاياتها التاريخية، وقد تأتي النهاية على يد جيش محتل، لا خطط استعمارية لديه، أو بكارثة بيئية، تحيل الأخضر للأصفر الصحراوي، كما في رواية “استخدام الحياة- دار التنوير” للكاتب أحمد ناجي، فيما يُعرف بـ”تسونامي الصحراء”، الذي تغرق فيه القاهرة المحدودة ما بين المعادي والجيزة ومدينة نصر وشبرا تحت أطنان من الرمال، وشلالات الرمال المنسابة من كباري المدينة. خليط من الرياح الساخنة والعواصف والرطوبة يدوم لأكثر من أسبوعين بلا انقطاع، تتبعه عدة زلازل وهزات أرضية، ثم زلزال عظيم وتشققات أرضية تبتلع شوارع كاملة وتغير وجه المدينة المألوف كما تغير مجرى النيل، وبدلًا من خلو جزيرة الزمالك من السكان في “عطارد” محمد ربيع، فهي تختفي بالكامل هنا، تتهدم الأهرامات وتتحول لكومات من الأحجار. كل ما يميز الوجه الحضاري والتاريخي للقاهرة ينتهي متحولًا لصحراء، القاهرة الفاطمية والخديوية تصبح خرائب باستمرار العواصف الترابية، وتنتقل العاصمة للقاهرة الجديدة.

كل هذا يحدث في قاهرة مستقبلية، في زمن وسط بين أزمنة الرواية الثلاثة، والتي تدور بكاملها عن القاهرة، ويعلِن خلالها بطل الرواية “بسام بهجت” سخطه تجاه القاهرة الكبرى، زمن يحوي وصفًا للقاهرة الكبرى المعاصرة، بزحامها وسكانها وعمارتها العشوائية، الطريق الدائري والمجتمع المتاخم له، أكوام الزبالة ومزارع الخنازير.

بالتزامن مع لقاءاته العملية كباحث ومعد للأفلام التسجيلية يحضِّر بهجت أفلامًا عن عمارة القاهرة ويتورّط مع “جمعية معماريي المدن”، جماعة سرية أزلية التكوين، تدين بالمعرفة وتبحث في عمارة المدن حول العالم، وتهتم بالقاهرة “أم المدن” بحسب وصف إحدى عضواتها. في هذه الرحلة يتبدى بحث الكاتب في تاريخ عمارة القاهرة.

يحكي إيهاب حسن، أحد الأعضاء البارزين بجمعية معماريي المدن قصة أسطورية، عن قوم من جماعة قابيل ابن آدم، أول من اخترع الزراعة والقتل، وهما أول خطوتين في تأسيس المدينة، أن قافلة من سبعين راكبًا على رأسها نقراوس الجبار بن مصراييم بن مركاييم بن دوابيل بن مرباب بن آدم ظلت سائرة، حتى وصلت للنيل فأعجبها فيضه، واستقرت إلى جواره ومنحوها اسم التلميذ “مصراييم” فصارت مصر. صنعت حضارتها ومدنها، وتبدلت عواصمها عبر التاريخ حتى صارت القاهرة، بكل دورها السياسي والتاريخي في الماضي، أو تغيراتها الجغرافية والديموغرافية المعاصرة، مقالب الزبالة والزحام والتكدس فيها، مركزيتها واستقبالها للملايين يوميًا، فضلًا عن الملايين من سكانها، بعقدهم الاجتماعي الذي يفرض عليهم مزيدًا من الضغط والرقابة المتبادلين بين أفرادهم، وإيذاء بعضهم بعضًا لمجرد أن أحدًا يستطيع ذلك.

حلول أزمة القاهرة كمدينة تأتي على حساب مركزيتها، علاجها يأتي عن طريق التخلص منها. تطرح بابريكا، إحدى عضوات جمعية معماريي المدن، علاجًا للواقع الكابوسي للقاهرة وعشوائيتها وزحامها، هو تحويل مجرى النيل بعيدًا عنها، أي سحب الميزة الأهم لها، وهكذا تذوي المدينة وتفقد رونقها، وتقل كثافتها السكانية لصالح مدن عمرانية جديدة، ما يتيح الوقت والفرصة لعلاج قلب المدينة القديمة، أو اعتباره منتجعًا تاريخيًا مفتوحًا.

تأتي العاصفة “تسونامي الصحراء” متبوعة بالزلازل والتشققات الأرضية، يتحول مجرى النيل، تذوي المدينة لصالح مدينة جديدة. وكما تغيرت القاهرة تغير العالم، وخضع لحكم تحالف اقتصادي يضم 99 شركة، تتحكم بها بابريكا المهيمنة على شركة “معمار”. يتحكم التحالف في كل شي، من الزراعة لصناعة الأدوية والأسلحة والتحكم بشبكة إنترنت عالمية. أصبحت مدينة أكتوبر الجديدة تطل على النيل وعلى بحر رمال برتقالية تمتد وتحمل العديد من المراكب الشراعية المعتمدة في حركتها على حركة الرياح ومد وجذر الرمال. تبتلع رمال ناعمة السيارات وتحمل السفن. تضم مشهدًا سورياليًا كما في لوحة سلفادور دالي “إصرار الذاكرة”، صحراء ممتدة وساعات متدلية ستعرف باسم “صحراء دالي”. لا قاهرة في المستقبل، فقط رمال وصحراء ومعمار جديد، ههنا في المستقبل قاهرة سيريالية يقود فيها القرود المناطيد في بحر الصحراء.

هنا القاهرة، مدينة صالحة للجحيم المتجدد ما بين العصور، مدينة سيريالية ولا تزال تحتمل فرص أكثر للسيريالية وسيناريوهات النهاية، ماتت وولدت مرات عدة وتبشر بنهايات وميلادات أكثر، كما تبدو في كتابة روائيين شابين صدر عملاهما عنها عام 2014، أي بعد ثلاثة أعوام من الثورة، وفي مطلع فترة حكم يعتبرها كثيرون هي الأسوأ في تاريخها.

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ