من المستقبل البعيد تبدأ أحداث سلسلة القصص المصوَّرة، “القبّة الشمسية”، للفنان المصري محمد فهمي، المعروف باسم جنزير. مستقبلٌ
يصعب تعيين المسافة بينه وبين لحظتنا الراهنة؛ فالصفحةُ الأُولى من الجزء الأوّل تحمل إشارة إلى عام 949 بعد الطوفان. متى حدث الطوفان؟ ليس ذلك واضحاً. ربما حدث في زمننا، وربما يحدث غداً أو بعد ثلاثين عاماً، فنحن بالفعل في لحظة انتظار الطوفان والانهيار الكبير، مع ذوبان جليد القطبيَين وارتفاع مستوى مياه المحيطات.
لذلك، وعلى الرغم من طابعها المستقبلي، تُمسك السلسة بإيقاع لحظتنا، وبخوفنا من الغد المهدَّد بالفَناء، وبالواقع الذي دهسه حذاء اليأس، وبالأمنيات والأحلام بنهوض شعلة المقاومة بعد أن انطفأت في أيدينا. هذا هو جوهر The solar grid؛ وهو العنوان الإنكليزي الأصلي الذي تصدر به هذه السلسلة.
أثَر الثورة
برز اسمُ جنزير (1982) قبل ثورة يناير 2011، ضمن موجة من الفنّانين والمصمّمين الذين أعادوا صياغة المشهد البصري في مصر بعد عام 2000. تميّزت هذه الموجة بالاعتماد المكثّف على برامج التصميم الإلكتروني، وبالتأثُّر بتصميمات “البوب آرت” الغربية، والسعي لخلق تصوّرات لـ”بوب آرت” محلّي.
ترافَق ذلك مع صعود جيل من السياسيّين ورجال الأعمال، أبناء زمن ما بعد 11 أيلول/ سبتمبر، وتكاثُر المُولات التجارية، وظهور “الكافيهات” باعتبارها صيغةَ “بوب آرت” للمقهى. كان عالم الإنترنت يتطلّب إنتاج تصميمات وصور تعكس الخصوصية المحلّية، وتُناسب، في الوقت نفسه، العرضَ العالمي وذوق الفئات الجديدة.
في واحدٍ من معارضه المبكّرة قبل الثورة، قدّم جنزير سلسلة من البورتريهات لأبطال خارقين محلّيّين: عاملُ نظافة يمتلك قدرة خارقة على حمل أثقل الأوزان، أو “مكوجي” يتحوّل إلى رجل خارق. عُرضت تلك البورتريهات في مطعم فاخر يُطلّ على نيل الزمالك، لتُقدّم معادلاً بصريّاً يناسب الذائقة الجديدة، ويجعلها ترى واقعها المحلّي عبر “فلتر” الثقافة الأميركية.
بعد تنحّي حسني مبارك ببضعة أشهر، شاهد المارّة في الشارع الذي يقع فيه ذلك المطعم عملَ غرافيتي شهيراً لجنزير، يضمُّ بورتريهات لعدد من وزراء مبارك السابقين، الذين كانوا أحراراً وقتها، وقد كتب فوقها: “الشعب يريد محاكمة حبايب النظام”. احتفظَ الفنّانُ بالأسلوب التقني في رسم البورتريهات الذي طوّره في مشروع الأبطال الخارقين، وأضاف إليه طبقات جديدة بعد الثورة، ليظهر في سلسلة بورتريهات انتشرت على محطّات المترو، وهذه المرّة لشهداء ثورة يناير، وبجوار كلّ بورتريه اسم الشخص وعمره.
تتخيّل السلسلةُ عالماً مستقبلياً تتحقّق فيه المخاوف البيئية
يُجسّد الفارقُ بين العملين أثَر ثورة يناير عليه وعلى أعماله: حرّرت الثورةُ الفنّان مثلما حرّرت عشرات من فنّاني جيله من أَسْر قاعات الفنّ المغلقة، أو زاوية الديكور في المطعم الفاخر. لكنّ جنزير كان من أكثر الأسماء نشاطاً؛ إذ لم يتوقّف عن وضع بصمته في الشوارع، في تصميمات المطبوعات، في ملصقات صغيرة الحجم تُوزَّع في المظاهرات. تميّزَت أعماله بجرأة طرحها السياسي، وبعنف ثيمتها البصرية. أشهر هذه الأعمال – والذي تسبّب في إلقاء القبض عليه – هو “قناع الحرّية” (2012)، والذي لم يكن صادماً على مستوى رسالته السياسية فحسب، بل على مستوى طرحه الفنّي. كان غريباً عن معظم تصميمات الثورة، ويحمل ثيمات واضحة من عوالم السادومازوخية.
الخروج من مصر
خرج جنزير من مصر مع العودة العنيفة والملطّخة بالمذابح للحُكم العسكري. يقول إنّه لم يكن يتوقّع أن يطول غيابه عنها. أقصى تقدير كان أن يستمر لعامين، لكنّه تجاوز الآن عامه السادس. في البداية، طُلب منه، وبشكل صريح، أن يُعيد إنتاج ما كان يفعله في مصر ليُعرَض في نيويورك، لكنّ جنزير، بدلاً من ذلك، وضعَ النظام الأميركي هدفاً لمعرضه الأوّل في الولايات المتّحدة، حيث قدّم طرحاً نقدياً للنظام السياسي والحياة الأميركية.
سوق توزيع “يوتيوب” وغيره من المنصات ليس محدوداً بالحدود الجغرافية لمصر. أو محصوراً في السياق العربي فقط. فحين يرفع المغني الشاب أغنيته على “سبوتفاي” مثلاً أصبح في منافسة مع كل الفنانين في العالم، الذين يرفعون أعمالهم هناك.
أضف إلى ما سبق أن غزو برمجيات التوليف الموسيقي ليس مقصوراً على صناعة الموسيقى في مصر. بل غيمة غطت الإنتاج الموسيقي في العالم.
يستخدم صناع الموسيقى في مصر البرمجيات والأصوات نفسها التي يستخدمها صنّاع الموسيقى في البرازيل أو اليابان. فأصبحنا نعيش في عصر “التناسخ” لا “النسخ” كما في زمن “فالتر بنيامين”، الذي تحدث عن “ضياع هالة العمل الفني” بعد انفصاله عن زمان ومكان إنتاجه الأول، بسبب إمكانية نسخه آلياً بشكل غير محدود، وتلقيه في سياقات زمانية ومكانية مختلفة. في عصر “التناسخ” لا يقتصر ضياع “الهالة” على إمكانية نسخ العمل الفني الواحد بلا حدود. بل تبدو كل الأعمال الفنية على اختلافها أشبه بتكرار لنغمة وصوت واحد. وبالتالي فالانفصال عن الزمان والمكان لا يقتصر على لحظة التلقي. بل أيضاً لحظة إنتاج العمل الفني نفسها.
لم أر في الخوف دنساً أو ضعفاً، على عكس الشجاعة التي رأيتها غالباً مرادفاً للحماقة والذكورية. في المقابل يجعلك الخوف يقظاً، منتبهاً، في حالة تأمل باطنى تمكنك تدريجياً من بناء دفاعاتك النفسية. أتحدث عن الخوف المحدود، لا الرعب، لا الهلع، والفزع من تهديد واضح أو مباشر، بل ذلك الخوف الأليف الذي تطعمه أمهاتنا لنا مع حليبهن وحين تنمو أسنان المرء ويُفطم، ويصبح التحايل، والكذب، والتخفي مكونات النظام الغذائي الذي نحيا عليه. خوف يأتي متبوعاً بنصائح من قبيل «اسمع الكلام، امش جنب الحيط، ابعد عن المشاكل، لو بلطجى وقفك أعطه ما معك ولا تتعارك، اشرب كوبك كاملاً، الطعام الذي تتركه في طبقك سيجري وراءك يوم القيامة، إذا استمررت في ضرب العشاري ستفقد نظرك وتضعف ركبك، قول شكراً، قول الحمد لله، متحكيش في السياسة، البس فانلة تحت الهدوم» إلخ.. إلخ.. إلخ، ثم بخ! تصل لمراهقتك وتتعلم ضرورة البعد عن مسار ضابط المرور إذا صادفته في الشارع، وإخفاء هويتك عمن يحادثك، وألا تخوض في الدين مع أحد، وحين تصل إلى شبابك تجد تمرسك مع الخوف قد أكسبك القدرة على ممارسة الحياة كاملة بصحبته؛ الحب تمارسه مع حبيبتك وأنتم محاطون بمخاوف متعددة تبدأ من اقتحام الجيران عليكم البيت، أن يوقفكم ضابط شرطة في الشارع، أن ينقطع الكندوم، أن يأتى صاحبك إلى المنزل قبل أن تنتهوا، أن تعرف بنت خالتها بأمر علاقتكم، أن يراكم ابن عم أمها معاً، ومع ذلك تستمر قصص الحب العربية وتنمو. نتزوج وننجب وننفصل. حياة كاملة بصحبة الخوف، من نكون نحن لنرفض الخوف أو نتمرد عليه! نحن قوم نأكل الخوف بدل الكرواسون مع القهوة، ثم أن لدينا هذه الألسنة الطويلة الحادة الجارحة التي لا تتوقف عن الغلغلة عن شجاعتنا، وقوتنا وصلابتنا وفرادتنا، وكل هذه القيم العربية الجميلة عن التمرد والشجاعة والجرأة التي تلهج بها أغاني المهرجانات المصرية ومغنون يتحدثون عن قدرتهم على حمل السلاح وإنهاء أى معركة بينما يطاردهم نقيب مثل هاني شاكر مجبراً إياهم على بلع ألسنتهم في مواجهته والفلقسة بشجاعة منقطعة النظير، لأنهم مثلنا جميعاً تربوا على الخوف وأكلوه صغاراً.
الفقرة السابقة طويلة، ومليئة بالأفكار والصور المتناثرة، وأنا أعرف أن قواعد التحرير البليغ تقتضي تقسيمها وتكسيرها لجمل وفقرات أصغر، وحذف ما قد يشتت ذهن القارئ عن الفكرة الرئيسية. أقرأها وأشعر بخوف وصوت اصطكاك «اكتبي زي الناس، بلاش قلة أدب، حددي الفكرة، عبر بكلمات قليلة وجمل بليغة، اجعلي النص يسيراً لا عسيراً». في الغالب سأخضع لخوفي، لأنه هذه المرة خوف جديد، خوف فريد الطابع لم أختبره في حياتى السابقة، ليس خوفاً عربياً، ليس الخوف الذي سقته لى أمى ومجتمعى ودولتي، بل خوف كما النمل زحف دون أن أشعر به خلال السنوات الأخيرة منذ هجرتي إلى أمريكا، حتى أكل النمل كل ثقتي في ذاتي، وانقطع تواصلي بأناي «هل هذه كلمة صحيحة لغوياً؟ إذا لم تكن، فهل تفهمها؟ نعم أسألك أنت».
بحملة إعلانية ضخمة وأغنية شاعرية رومانسية تتحدث عن فرص الحياة، أعلنت مصر عن افتتاح مجمع سجون، قيل أنه الأكبر في مصر والشرق الأوسط، وقيل في مبالغة، ربما الأكبر في أفريقيا، ومن يدري ربما يكون السجن الأكبر في العالم.
في الإعلان الذي يُبث بكثافة في التلفزيونات، تظهر لقطات واسعة مصورة بالـ”درونز” لمجمع السجون من أعلى، تحيطه الحدائق الخضراء التي أصبحت مفقودة في الشوارع المصرية. وعبر لقطات متتابعة تشبه تلك التي تظهر في إعلانات المشاريع العقارية الفخمة، يظهر ما كأنه ديكور لسفينة فضائية أو فيلم من أفلام الخيال العلمي المستقبلية، وفيها أشخاص يفترض أنهم مساجين وهم يمارسون أنشطة غريبة جداً: يعملون في مزرعة دجاج، يجلسون في غرفة موسيقى، يقفون في غرفة حضانة أطفال، يطهون الطعام في مطبخ فاخر مليء بالمعدات الحديثة.
وفي مشهد بليغ يجلس المساجين في غرفة مَرسم، يظهر أحدهم وهو يلون صورة للرئيس عبد الفتاح السيسي كُتب تحتها “تحيا مصر”، كما تظهر لقطات لغرفة مستشفيات مجهزة بأرقى الأجهزة. وفي بداية ونهاية الفيديو، هناك تنويه لا يمكن معه سوى الاستهجان حتى القهقهة إذ يؤكد “أن جميع النزلاء تم تصويرهم بموافقتهم”
من الواضح أن فيه بعض المسئولين في دوائر صناعة القرار المصرية خصوصا اللى على صلة بملفات خارجية قدروا يقنعوا السيد الرئيس بضرورة زحزحة الامور قليلا ولو بالتظاهر بالجري في المكان. في محاولة لتحسين الصورة الخارجية للبلد واقناع الراعي الأمريكى يحبنا شوية أو يرد على التليفون زى ما بيرد على تليفونات اردوغان، وتميم قطر، واسرائيل
شفنا مؤخراً جلسات حوار واستراتيجيات حقوق انسان، بل لأول مرة منذ سنوات فتحت قنوات حوار شبه رسمية بين ناس قدمت نفسها كمبعثين وممثلي لاجهزة وجهات وشخصيات معارضة في الداخل والمنفي. عدد من منظمات المجتمع المدني أطلقت مبادرة السبع خطوات، والناس بتحاول على كذا اتجاه، وأى جهد يساهم في الافراج ولو عن شخص واحد من سجون السيسي أو تحسين ظروف سلخانات التعذيب ومقابر طرة فالناس مشكورة، وربنا يوفق الجميع.
لكن مع كل جولة مفاوضات أو انفتح افق حوار بنشوف تكرار في استراتيجيات الأجهزة، وبيدخلونا في نفس اللفة بتاعت ودنك منيين يا جحا، وعايز اتوقف شوية عند عدد الاستراتيجيات والتكنيكات المكررة دى، واللى بقت مملة وتفقع وكفاية سخافة بقي حقيقي:
-معلهش أصل انا مجنون، و25 يناير لسه بتحرق طيزى
وهى الاستراتيجة الأولى في اى اجتماع او حوار بالذات من بعد 2016. وهنا بتلاقي الضابط أو المسئول بيعلن صراحة من البداية أنه مجنون، أو يقول لك معلهش معانا ضباط أو أجهزة مجانين، وخايفين يغلطوا أو يتكرر اللى حصل في 25 يناير، وبتحركهم شهوة الانتقام. وبالتالى بيطلب مننا احترام جنونه وان معاه شهادة معاملة اطفال..
علاء ومنى صورة زى ما هو واضح متلطخة بالعلامة المائية لجرنان إبراهيم المعلم
التجلى الاوضح للتكنيك دا، لما تطرح أسماء محددة من ناس بتموت في السجن بلا قضايا أو محاكمات، فيكون الرد، لا معلهش مش هنطلع فلان علشان من حوالى 8 سنين كان ماشى في مظاهرة بتقول الداخلية قتلة، أو فلان لا، علشان ابوه الله يرحمه مرة رد على السيسي وحش ولبسه جامد في قضية كشوف العذرية من عشر سنين.
الموضوع دا بقي ماسخ جدا يا جماعة، بل وعيب. عيب لما ممثلين لأجهزة سيادية بل ممثلين للرئاسة يعملوا اجتماعات برا وجو وقصاد مسئولين أجانب ولما يتسألوا عن ملفات وأسماء محددة فيقولوا “معلهش أصل ضابط الامن الوطنى اللى ماسك ملف كذا عصبي شوية”. طيب أنتم جايين ليه طيب؟ واذا كان الخواجة هيصدق الكلام دا؟ هل متوقع أن أنا أو غيرى من المصريين نصدق أن سلطة مفتش مصلحة السجون أعلى من سلطة ضابط في جهاز المخابرات؟ وهل معقول مثلا أصدق، أن كل الأجهزة معندهاش مشكلة مع فلان، بس السيكوباتى التافه أبو شخة أحمد فكري ضابط السجون، أقوى من أجهزة الدولة ومحدش يقدر يتدخل في قراراته جو السجن؟ وليه الدولة تعند على نفسها وتتمسك بناس مش بيجى من وراهم غير الخساير زى أحمد فكري، وصل أن اسمه وتاريخ ميلاده بل وعنوانه بقي موجود في سجل انتهاكاته الموثقة عند كل منظمات حقوق الانسان الدولية… ايه مصدر ميتين قوة واحد مجنون زى فكرى خرا دا، مناسب السيسي مثلا، هل أعز مثلا من رؤساء الاركان واللواءات اللى السيسي لبسهم الجلابية لما غلطوا؟
وإذا كان حضراتكم كلكم حمائم سلام وأذكياء ونبهاء، هل معقول ترك المساحة دى كلها للضباط المجانين يمارسوا سلطاتهم بدون حساب وبدون أوامر زى ما بتدعوا؟ طيب ما كلنا اللى بندفع ثمن الأخطاء دى؟ يعنى مثلا بسبب كام ضابط جاهل ومجنون من كام سنة خطفوا ريجينى وعذبوه وقتلوه، شوف احنا دفعنا حتى الآن كام مليار رشاوى وصفقات سلاح علشان نسكت ايطاليا واوروبا، وشوف خسرنا الدعم الايطالى والاوروبي ومنظرنا دوليا، ودلوقتى قاعدين نعيط علشان مفيش حد واقف معانا في موضوع اثيوبيا… كل دا غلطة ضباط في جهازين معاهم شهادة معاملة أطفال، ومكانهم المناسب سيكورتى في جنينة مول مش شغالين في جهاز أمنى المفروض يعين ويساعد القيادة السياسية مش يخلق لها مشاكل ويحملها بأعباء.
-والله ما أنا، دى أختى منى في الجهاز الثانى
اللعبة المكررة، وهى أنك تسأل حد عن ملف معين فيقول لك مش تبعى تبع فلان في الجهاز الثانى. بل شخصيا أنا ومش هقول حد قال لي، بل اتقالت في وشى في اجتماعات مع ضباط في الأمن الوطنى ومع ناس بتشتغل في أجهزة سيادية فيما يخص قضيتى، كانوا يقولوا لى، لا احنا مفيش مشكلة معاك. بس فيه حد في المكتب الفنى للنائب العام موصي عليك، وكمان حد من الاربعة الكبار. دايما طبعا فيه الاربعة الكبار أو الستة العظماء، أو الخمسة المهمين.
التكنيك دا يا جماعة أولا مش بياكل خالص مع الناس برا. لأنه فاهمين كويس ان دا بلد عسكري ديكتاتورى السلطة فيه هرمية، وأن القرار النهائي والأعلى هو السيسي شخصيا، واللى هو شخص السلطة بالنسبة له ممارسة فعلية يومين، ولازم يتدخل في كل حاجة، لدرجة لون جدران المساكن اللى بتبنيها الدولة عايز هو اللى يختاره.
تصدير خرافة أن فيه صراع أجهزة، وأن الأجهزة دى ليها رأى وصوت مش بس غير مقنع لحد، لا كمان دى بيدى صورة عن الدولة أنها مترهلة مفككة مخترقة، ومحزن جدا أن الواحد يروح لقاءات واجتماعات مع أجانب وعرب، ويسمع مسئولين من دول عربية يتكلموا بفخر عن أجهزة سيادية مصرية بصفتها “تبعهم”.
-بكرة انشاء الله
ودى طبعا اقدم تكنيك في دولاب الدولة المصرية بتاع فوت علينا بكرة. أنا عارف أن فيه ناس فوق شايفين أن مفيش حاجة اتغيرت في العالم وأن عادى نكمل زى امبارح، والامريكان دول ناخدهم نفسحهم ونعمل حركات من نوع استراتيجية حقوق الانسان، بل وايه دا احنا ممكن نرجع المجلس القومى لحقوق الانسان، والمساجين نخرجهم من السجن بعدها بشهر نعمل قضية ونسجنها ثانى، وان خلينا كدا نجري في مكانا ثلاث سنين على ما الانتخابات تحصل وتجى ادارة جديدة.
ربنا يزيدهم فكاكة وفهلوة، بس الساعة بتدق تك تيك تك تيك. وإذا كانت القيادة السياسية والسيسي مبسوط انه كل ما يعوز يكلم الامريكان لازم يخلى ابن امبارح بنيت بتاع اسرائيل يتوسط له. فبنيت وإسرائيل مش هتنقذك في موضوع اثيوبيا. وفي وضعك الحالى أمريكا عمرها ما هتقف معاك مثلا ضد حبيب القلب اردوغان، وانت قيمتك الاقليمية وما تقدمه دوليا لا يساوى ربع ما فعلته دولة كقطر في ملف افغناستان.
الجهة الوحيدة اللى ممكن تقف معاك وتسندك وتستمد منها قوة، هو المصريين أنفسهم والشعب دا. سواء اللى في السجون أو المنفي أو محتجزهم ممنوعين من السفر. وطول ما رجلك على رقبة الناس ومش عارفه تتنفس مش هيفضل عندك غير المخبرين اللى بيقبضوا بالريال والدرهم اللى انت نفسك لا تثق فيهم وعارف انهم لا عندهم شرف ولا وطنية ولا ولاء، وهتفضل أنت شخصيا كل ملف محتاج واسطة ومحتاج الشيخ فلان يتوسط لك. انت بقيت بتبذل مجهود وتفرك علشان تاخد قرار بتصويت من الامم المتحدة او من الاتحاد الافريقي وحتى دا معدتش عارف تعرفه.
قصروا الطريق على نفسكم وعلينا، وبصوت شفيقة الاسكندرانية، يا حلو قول على طبعك وانا امشى عليه، وأنتم اللى في موقع قوة وكل الخيوط في ايديكم، وكل السلطة والفلوس معاكم، بس نتمنى تعرفوا عايزين تعملوا ايه مش هنقضيها بقية العمر نبنى كباري ونرمى اسمنت في الصحرا
فيه عندى دور برد عنيف وشديد آخر مرة شفت واحد زيه كان في 2018.
وسط الحمى والرعش والهذيان، افتكرت أن اول مرة سمعت فيها اسم افغنستان، كنت مثلا بتاع 8 سنين وبابا أخدنى معاه عند عزومة عاملها واحد صاحبه، العزومة كانت طبقات لا نهائية من الفطير المشلتت والعسل والجبنة والمش، وهناك كان فيه راجل اسمه الحاج عوض أو استاذ عوض. وفهمت من سياق الكلام أن الراجل كان شغال في الجهاد في افغناستان، والجهاد دا وقتها كان داخل في دماغى مع غزوة الخندق، وانه كان بيحفر ويحدف طوب على الكفار، وفعلا الراجل حكى لنا ازاى مثلا كان المجاهد منهم يمسك الطوبة ويقول باسم الله الشافي اللهم اذهب البرء والهرء ويحدف الطوبة تيجى في الهليوكبترا السوفيتى بوووم تدمرها.
فهمت كمان انه بعد ما خلص جهاد راح السعودية لكن اتمسك واتسجن هناك سنتين وبعدين الحمد لله رجع مصر معاه قرشين وخطط لبناء المستقبل، ومعاهم مستثمرين ومساهمين وجاى يعمل مشروع لافتتاح مدرسة اسلامية في آخر القعدة بابا قال لى انه هينقلنى من المدرسة اللى انا فيها لمدرسة ثانية، وفعلا بعدها بفترة انتقلت لمدرسة الهدى والنور الاسلامية واللى كان ناظرها الحاج عوض، اللى كان راجل مخيف ومجنون.
لقطة لسعاد حسنى من فيلم افغناستان لماذا
من المشاهد المرعبة في طفولتى مرة شفت الحاج عوض دا فقد اعصابه فمسك طفل من راسه خبطة في الحيطة فتح له راسه..احنا كأطفال كنا مرعبين، بس الكبار حتى المدرسين كانوا شايفين انه يا سلام طريقة ادارة صارمة، وحتى الان بالنسبة للمصريين المدير الكويس عندهم هو الشخص قليل الادب ابو لسان طويل وايد اطول، لكن دا مش موضوعنا المدرسة مكنش فيها حصة موسيقي، كان اسمها حصة اناشيد اسلامية، وفاكر ان في الاول كمان كان فيه طابور صباح لكن مكنش فيه تحية علم، وبعد شوية كان فيه مع تحية العلم هتاف كدا اللى هو الله حى عبده جاى كان فيه كمان حصص قرآن. لكن جنب دا كان فيه معمل علوم متقدم جدا، ومعمل كمبيوتر بل هناك كنت اول مرة سنة 1993 وانا يا دوب مثلا 8 سنين اعرف يعنى ايه كمبيوتر واستخدمه..
من شوية الصديق مصطفي بعتى لى صور لسعاد حسنى من فيلمها فتاة افغناستان، مسكينة سعاد حسنى، فضلت تشتغل عند المخابرات لحد ما قتلوها. لدرجة انهم في فترة مش عارفين يعملوا فيها ايه …. خلوها تمثل فيلم تعمل فيه فتاة من افغناستان، انا قريت وشفت مشاهد من الفيلم دا قبل كدا… تخيلت الحاج عوض بذقنة القصيرة وجسمه العظيم بيجاهد في الخندق في افغناستان، ووراه المشير ابو غزالة بزبه القصير ورجال مخابراته وسماسرته بينيك في الحاج عوض، وسعاد حسنى بتعمل ريمينج للاثنين…
هى دى افغناستان بالنسبة لى (اى حد ميعرفش يعنى ريمنج يبقي فلاح)
لكن من يتذكر وآفة حارتنا اصلا النسيان، دوقتى بشوف بوستات لشباب مصريين عاملين فيها جيل خمسة وعشرين يناير البريء ويتريقوا على الامريكان ويقول لك هيعملوا فيلم عن قصة حب مثلي بين جندى امريكى وواحد افغانى..يا ابنى دا الامريكان وهم رايحين كنا احنا راجعين، انزل بنفسك عند بقايا مزبلة حديقة الازبكية بالليل هتلاقي جمال الدين الافغانى بيضرب الاستروكس ويلحس الرصيف ويبيع فتحة طيزه بعشرين جنية.ياه كانت أيام، ألا ليت قومى يعلمون
بمناسبة صدورة طبعة جديدة عن دار نشر ومكتبة خان الجنوب ببرلين، أجريت مع موقع “جدلية” هذا الحوار القدير عن حرز مكمكم والغرور الأدبي والخفة التى تطفو بك لكن لا تفقدك عمقك المتوهم
جدلية (ج): في البداية، ما معنى “حرز مكمكم”؟
أحمد ناجي (أ. ن.): الحرز هو مفرد الأحراز، وهى في اللغة القانونية الأدلة التي تثبت الجريمة. مثلًا إذا ضُبط لص وبحوزته المسروقات، فهذا هو حرزه.
مكمكم صفة من الكمكمة، وهى في القاموس “الستر بالثياب”، وذكر لسان العربي “أن عمر، رضي الله عنه: رأَى جارية مُتَكَمْكِمة فسأَل عنها فقالوا: أَمةُ آل فلان، فضرَبها بالدِّرّة وقال: يا لَكْعاء أَتَشَبَّهِين بالحَرائر؟ أَرادوا مُتَكَمِّمة فضاعَفوا، وأَصله من الكُمَّة وهي القَلَنْسُوة فشبه قِناعها بها”.
وقد انحرف المعنى في العامية المصرية ليُطلَق على الشيء المستور المغطى حتى أصابه العفن أو العته، فمثلًا الثياب القديمة إن تُركت في الخزينة لسنوات دون تهوية يقال عليها “كمكمة”. وكانت أمي توصيني دائمًا بعدم ترك الملابس في الغسالة ونشرها فورًا حتى لا تصيبها “الكمكمة”.
أما في السجن، فيُطلَق لفظ “حرز” على المسجون “الشمال” – وأتمنى ألا تسألني يعني إيه شمال – أو المسجون “اللي مش سالك”. أما وصف “حرز مكمكم” فهو من أشد وأقسى المسبات المستخدمة في السجن، إذ شاهدت في مرة مسجونًا كا أن يفقد عينيه لأنه وصف مسجونًا آخر في خناقة بأنه حرز مكمكم. أن تصف مسجونًا بأنه حرز مكمكم، فهو يعني أنه ذات نفسه هو “الحرز”، هو دليل الاتهام، وهو السبب في سجن نفسه ومن معه، أما وصفه بالكمكمة فمعناه أنه سيظل في السجن للأبد، لأنه حرز مكمكم.
استخدام المصطلح كعنوان للكتاب نظرًا للتقاطعات المتعددة، والإشكاليات الإبستمولوجية التي يطرحها الكتاب. فهو كتاب عن الكتابة، التي هي دليل اتهامي/حرزي، لكنه أيضًا كذلك حرز خفيّ، أما لماذا هو بالحرز الخفي، فأدعوك لتقرأ الكتاب لتجد إجابة على تلك الأسئلة.
أحب أن أنوّه أيضًا أني استلهمت العنوان من أغنية الفنان رضا البحراوي “حديد” التي كتب كلماتها الشاعر محسن الشبراوي، وكذلك مهرجان “حرز مكمكم” للفنانين كاتي ونانا وشرارة، وهي من كلمات شاعر العامية الكبير “الجن والأسطورة”.
(ج): كيف تبلورت فكرة الكتاب وما الذي قادك نحو الموضوع؟
(أ. ن.): قادنى نحو المشروع السجن.
أما كيف تبلورت فكرة الكتاب، فلأنه حين راجعت معظم كتابات أدب السجون وجدتها تتحدث عن السجن السياسي، وتتكلم عن المعركة والنضال والتنظيمات السياسية والرفاقية، وأشكال المقاومة، وهو أمر بعيد تمامًا عن تجربتي كمسجون بتهمة مخالفة الآداب العامة ومصنّف مع مروجي الدعارة وبائعي الهوى والنصابين والمزورين والقضاة وضباط الشرطة والجيش الفاسدين.
كان هناك رغبة، لا في تسجيل التجربة أو الشهادة للتاريخ، بل لفهم كل ما حدث والحوار معه، لكي أتمكن من إعادة بناء ذات جديدة تهضم ما مضى وتعاشره وتعشره، وتستولد المستقبل من رحم الحاضر واللحظة الراهنة التي هي بغير تأكيد لحظة فارقة مثل كل لحظات حياتي.
(ج): ما هي الأفكار أو القصة الرئيسية التي يتضمنها الكتاب؟
(أ. ن.): مثل كل أعمالي وما أكتبه، فالفكرة الرئيسية ومحور العمل هو: الحب والصداقة.
(ج): ما هي التحديات التي جابهتك أثناء الكتابة؟
(أ. ن.): لا شيء إلا ما يواجهه كل كاتب؛ كيفية تدبير الوقت اللازم للكتابة، ضمن مشاغل الحياة وضغوط العمل والحاجة المادية، أتمنى يومًا أن أصبح مليونيرًا حتى أتخلص من هذه التحديات والضغوط، وأفرغ وقتي للطهو والكتابة وتعلم صناعة الكوكتيلات وأستثمر مليونًا في إنشاء جائزة أو منحة باسمي تمنح للكاتبات أو الكتاب للتغلب على مصاعب الحياة وتحديات الكتابة.
(ج): كيف كنت تكتب داخل السجن، وكيف تعامل السجناء مع هذا الأمر؟
(أ. ن.): بالنسبة للجزء الثاني من السؤال، فكل السجناء يكتبون. الكتابة في السجن ليست نشاطًا مقدسًا يمارسه المرء في برج عاجي، بل الجميع يكتب. بعضهم قد حكم عليه بالسجن لمدة خمس سنوات يجد في الكتابة استخدامًا مناسب للوقت، يفقد الكاتب تميزه داخل السجن. في حالتي نظرًا لطبيعة قضيتي فقد حذرني مدير مباحث السجن من النشر أو تهريب أي رسائل للخارج، مقابل السماح لي بالاحتفاظ بدفتري الأسود والكتابة فيه، لكن لأني كنت أعرف أني أكتب تحت ظل الرقابة وربما نتعرض للتفتيش في أي لحظة فكنت أكتب بما يشبه الشفرة، وجمل وكلمات مختصرة خاصة جدًّا.
بالنسبة للشق الأول من السؤال، فربما يكون مفيدًا مشاركة هذا المقطع معك:
“رفيقي كان يسكن مصلبًا مجاورًا لي. جميع المصالب في عنابرنا كانت مبنية من الخرسانة المسلحة والأسمنت، وبين مصلبي ومصلبه يوجد حاجز إسمنتي بارتفاع عشرة سنتيمتر، كنا نضع عليه كرتونة تحتوي على علب السكر، والقهوة، والشاي، والنسكافيه، إلى جانب بعض قطع البسكويت أحيانًا، وعلبة الزيتون الأسود الذي أدمن مضغه، وكتبي. أما أوراقي والكرّاس الذي كنتُ أكتب فيه روايتي فكنتُ أضعه أسفل المرتبة التي أنام عليها.
على ضوء اللمبة حيث أقرأ ترجمة عربية لرواية “أطفال منتصف الليل” لسلمان رشدي، يسهر رفيقي الليل وهوم يكتب على ورق فلوسكاب خطابات طويلة من صفحات متعددة، يكتب بالقلم الأزرق، وأحيانًا يخرج قلم التصحيح الأبيض، يهزّه، ويمسح حرفًا خطأ أو جملة ندم على كتابتها. كان لديه شغف جنوني بكتابة الخطابات، وكنتُ أحسده على قدرته الجسدية على الكتابة لفترات طويلة بهذا الشكل.
لطالما كان لدي مشكلة مع إمساك القلم والكتابة لفترات طويلة، في الامتحانات كنتُ أحيانًا أختصر في إجابة الأسئلة، ولا أكتب كل ما أعرفه لأن يدي متعبة. منذ المراهقة بدأت في كتابة قصصي ويومياتي على الكمبيوتر، وبعد التخرج هجرت الورقة والقلم. والآن في السجن كنت أتعلم من جديد كيفية إمساك القلم وكيفية الكتابة على الورقة ذات السطور.
أولًا تمكنا أنا وشريكي من شراء عدد قديم من مجلة زهرة الخليج، وهي مجلة اجتماعية ذات طباعة إماراتية فاخرة. كنا نستخدمها كمسند للكتابة نضع فوقها الورق. نضعها فوق الفاصل الخرسانى بين المصلبين ونكتب عليها. كان يحفظ أوراق رسائله داخل صفحات المجلة. لكنه أقصر مني لذا كان بإمكانه الكتابة في هذا الوضع، أما أنا فبعد أول خمس دقايق كنت أشعر بعظام وعضلات ظهري تصرخ من الألم. جربت الاستناد بظهري على الجدار ووضع مجلة زهرة الخليج على فخذي مع ثني الركبتين، وكان هذا أفضل وضع للكتابة وصلت له.
كل السجناء يكتبون. الكتابة في السجن ليست نشاطًا مقدسًا يمارسه المرء في برج عاجي، بل الجميع يكتب. بعضهم قد حكم عليه بالسجن لمدة خمس سنوات يجد في الكتابة استخدامًا مناسب للوقت، يفقد الكاتب تميزه داخل السجن.
قسّمتُ فترات الكتابة حَتَّى لَا أشعر بالإرهاق سَرِيعًا. أكتب فقرة ثم أفرد جسمي حتى لا أفاجأ بعظامي وقد طُبقت وأُغلقت على عضلات جسدي. ركبتى تطقطق، وفي الليل أستيقظ من آلام الركبة بسبب البرد والرطوبة والنوم غير المريح، أفرد قدمي فلا أستطيع فردها كاملة لأني أطول من المصلب، أظل ساهرًا أخاطب الألم عله يزول فأنام، وفي الصباح تؤلمنى مع كل ثنية. أضغط على أسناني متحملًا آلام الركبة المثنية وأنا أكتب بالقلم الجاف على الورقة مستندًا إلى فخذي.
لكل كلمة كتبتها في هذا الوضع داخل السجن ألمها وجُهدها. قلت لتكن هذه حياتك إذن أيها الكاتب، درّب نفسك على هذه الممارسة، هكذا ستكون حياتك فاستعد لاستخدامها”.
(ج): كيف يختلف أو يتميز هذا الكتاب عن أدب السجون عمومًا؟
(أ. ن.): لا يمكنني الإجابة على هذا السؤال لأني شخص مغرور جدًّا جدًّا جدًّا. ومثل معظم الكتّاب لدي ميول لجنون العظمة وأوهامها، بالتالي أحاول في المقابلات الصحفية السيطرة على هذه الأمراض بتلافي الإجابة على الأسئلة التي تضعني في مقارنة مع الآخرين، احترامًا ومحبة لهم، وأترك أمر تقدير ما أكتبه للآخرين ومن يقرأ.
(ج): ما هو موقع هذا الكتاب في مسيرتك الإبداعية؟
(أ. ن.): هذا سؤال محرج جدًّا، للأسف ليس لدي مشروع أو مسار أو مسيرة إبداعية. الكتابة بالنسبة لي هي ممارسة ممتعة وتواصل مع النفس والآخرين، اختيار أن ترى وتعرّف نفسك ككاتب هو اختيار لنمط حياة، تكون القراءة والكتابة محورها، وبالنسبة لي كل كتابة هي إعادة خلق لذات جديدة، تأقلم مع مرحلة عمرية، هضم لأثر الزمن على العقل والجسد والروح، إشراق أبدي بعد كل موجة اكتئاب وانطفاء. هذا الكتاب كان مهمًّا لا لمسيرتي الإبداعية بل لحياتي الشخصية، حتى أفهم ما حدث وأحوّل كل التجربة إلى نصب تذكاري ربما يرى فيه الآخرون ما يثير اهتمامهم ويجعلهم يطرحون أسئلة.
(ج): من هو الجمهور المفترض للكتاب وما الذي تأمل أن يصل إليه القراء؟
(أ. ن.): أكتب غالبًا وفي ذهني قارئ متخيل هو مزيج من خمسة أو سبعة أصدقاء. ثم بعد ذلك مهمة الناشر أن يحدد الجمهور المناسب للكتاب ويسوّقه لهم، تحديد الجمهور ليس مهنتي. أنا أصلًا أندهش جدًّا حين يخبرني أحد لا أعرفه أنه قرأ كتابًا لي.
الكتاب أيضًا منتج يستهلك فرديًّا، ليس كالسينما تشاهده مع الجماعة، بل تقرأ الكتاب لوحدك، هو علاقة بينك وبين المؤلف. لذا اسمح لي أن أشمئز جدًّا من استخدام كلمة جمهور عند الحديث عن الكتاب. لا يوجد جمهور يكتب له الكاتب، بل هناك قارئ، فرد واحد يقرأ الكتاب ويتفاعل معه بالإيجاب والسلب، أما طموحي الأكبر ولحظة التحقق بالنسبة لي فهي لحظة الحوار مع هذا القارئ، وفي معظم الحالات ينتهي الحوار بأن نصبح أصدقاء.
غالبية أصدقائي هم قراء لي، أو أنا قارئء لهم، لذا ففي النهاية المسألة بسيطة وواضحة جدًّا، أنا أكتب عن الحب والصداقة لأصدقائي الذين أعرفهم، أو الذين سيعرفونني في المستقبل.
(ج): ما هي مشاريعك الأخرى/المستقبلية؟
(أ. ن.): أعمل حاليًّا على مشروع كتاب غير خيالي/قصصي بعنوان “33 وفي الجنة”. يركز بشكل أساسي على التقدم في العمر وما يحدث للرجال وأجسادهم، وكيف يؤثر التقدم في العمر على وعي الذكور بأجسادهم. يتقاطع كل هذا مع تجربتي في الهجرة إلى أميركا، وإعادة اكتشاف الذات والجسد في مواجهة البيروقراطية الأميركية والسياسات العرقية والصحية.
هي كتابة تمزج بين السيرة الذاتية، والتحليل التاريخي والغطس في الأرشيف، واللقاءات الصحفية. كل هذا في قالب ساخر يحتقر الحنين والنوستالجيا ويهرب من بكائيات وميلودراما الكتابة العربية عن المنفى والمهجر.
مقتطف من الكتاب
الكتاب كقناع
يعتمد التخفي على كبت الآراء التي تعبر عن مواقف طبقية أو سياسية أو دينية مع استعمال أكثر الصيغ الحيادية والمطروقة اجتمَاعيًّا في الإجَابةِ عن كل سؤال أو الرد على كل إيماءة، مع الكثير من عبارات مثل: معلش، والله كريم، وربنا يعينك، إلى آخره.
يتطلب القناع رسم ابتسامة هادئة، تمثيل الود والمحبة وتقبل الشخاخ الذي ينطق به الآخر، مهما حمل الخطاب من كراهية، وغباء، وعنصرية. ابتسم واعتبره نكتة، تظاهر بالبراءة وعدم إدراك حقارته.
استعملتَ القناع بِنجَاح فائق في معظم المناسبات الاجتماعية التي فُرضت عليكَ، وفي الظروف التي تطلبت منك الوجود في أماكن عامة، أو الاندماج مع البيئات غير المألوفة.
أثبت القناع كفاءته داخل السجن، خصوصًا في اكتساب احترام ومودة المسجونين والسجانين، لكن عبء ارتداء القناع طوال الوقت كان أثقل فعل على قلبي وروحي في السجن، بعد عبء انتظار مرور الوقت بالطبع.
كانت الكتب في الفترة الأولى هي الاستراحة التي يمكن خلالها نزع هذا القناع. تعمدت الرد على كل مَن يقطع اندماجي في القراءة ردودًا سَاهمة قصيرة ميتة، لإيصال رسالة لهم بأنني غير موجود معهم في الوجود، حين أرتدي قناع الكتاب.
مَثّل وجودي في مصلب علوي عبئًا أكبر، على عكس سكان المصَالب السفلية، فكل حركاتي وأشيائي الموضوعة في أكياس بلاستيك مُعلقة على مسامير في الجدار مكشوفة لجميع الأعين. كنتُ أعرف أن الغرض من وضعي هنا أن أكون تحت رقابة العصافير الموجودة في العنبر. كل كلمة أنطقها، وكل فعل، بل وماذا قرأتُ، ومع مَن تحدثتُ، وكم مرة دخلتُ الحمام، ومدة كل مرة، كل هذا يُنقل إلى الإدارة في تقارير مُتعددة من أكثر من مصدر، لكن أسفل قناع الكتاب أدخل في حجاب عن عالم المراقبة. في الكتاب أقابل أفرادًا لا حاجة لارتداء القناع معهم، بل نتناقش بجدية وحدة، ونرد على حجج بعضنا البعض، ونتخيل أحداثًا وافتراضات زمانية ومكانية، يندهش زميل ويهزني برفق: “أنت لسه في أول أسبوع، لحقت تكلم نفسك؟”.
اليوم السابع، السبت 27 فبراير 2016
أنا أذوب في مصلبي من الملل، أقرأ رواية “بابا سارتر” لعلي بدر وأتمنى ألا تنتهي. أقتصد في مضغ كل صفحة؛ لأن انتهاءها يعني ثقلًا أكبر على صدري من الملل وبطء مرور الوقت.
أفكر في الطزطوز الجميل، في أجمل الطياز التي مرت علي. أشتاق للجنس، ولا أجد حتى مساحة للاستمناء. في الصباح كان فلان يخبط بيده ويطلب من شاغلي الحمام الخروج ويردد إفيه السجون الشهير: “كفاية لبن بقى هتسدّوا البلاعات”.
الحب والأحبّة يبتعدون. أدرب الذاكرة بالكتابة وتسجيل الأسماء. أعزي الأحلام بالتمني. أتخيل الجميع معي في نويبع – سيناء، جالسون إلى مأدبة. كل أحبتي بجوار البحر وعلى الرمل أمام الطعام نضحك معًا بلا ضغينة.
نقطة الضعف التي أحاول السيطرة عليها هنا هي الغضب والانفعال. أي لحظة تفقد فيها السيطرة على أعصابك وثباتك الانفعالي عواقبها وخيمة. لا ترغب في النزول إلى الحبس الانفرادي.
اليوم في طرف أنفي يجلس شاعر غاضب.
ساعة التمام دخل أمين شرطة غليظ الملامح، يتمشى في ممر العنبر وعيونه مسلطة عليَّ. بادلته النظر لابسًا الوش الخشب. سأل بحدة، وقد ظن أني مجند متهرب من التجنيد:
– عسكري؟
– لا.
– اسمك إيه؟
– أحمد.
– محكوم؟
– آه.. واخد سنتين.
– بتشتغل إيه؟
– صحفي.
هز رأسه ثم تركني وانصرف.
ضرورة الحزق لولادة الأدب
خلعت ملابسي ثم قرفصت جالسًا في وضع التبول لكن بعيدًا عن عين الكابينة البلدي. أغمضت عيني في تركيز وكتمت أنفاسي مستجمعًا قوتي في عضلاتي وحزقت، شعرت بأثر الضغط في أمعائي لكن بلا نتيجة، لم يخرج شيء. أخذت نفسًا آخر وكررت الأمر ثانية بلطف أولًا ثم بقوة أكبر قليلًا، شعرت باستجابة عضلات دبري هذه المرة، لكن لم يخرج شيء بعد.
حزقت أكثر فظهر طرف الكيس البلاستيكي خارجًا من صرم طيزي. أوجعني الألم لكن مع كل حزقه يبرز الكيس ويتعاظم شعور الراحة، مددت يدي وأمسكت بأصابعي طرف الكيس، وبالتزامن مع الحزق سحبت الكيس خارج صرم طيزي، وبفضل كريم الشعر الذي دهنته سابقًا كانت الولادة/الإخراج انسيابية، حتى خرج كاملًا وبداخله الأوراق مطوية على شكل أسطوانة وقد علقت بعض قطع الخراء بالكيس الذي يغلفها.
فتحت المياه، وتحت القطرات المنسابة من الدش غسلته مزيلًا آثار الخراء وكريم الشعر قدر المستطاع، فردت الكيس فاستوت الأوراق التي يحتويها.
أحمد ناجي (أ. ن.): الحرز هو مفرد الأحراز، وهى في اللغة القانونية الأدلة التي تثبت الجريمة. مثلًا إذا ضُبط لص وبحوزته المسروقات، فهذا هو حرزه.
مكمكم صفة من الكمكمة، وهى في القاموس “الستر بالثياب”، وذكر لسان العربي “أن عمر، رضي الله عنه: رأَى جارية مُتَكَمْكِمة فسأَل عنها فقالوا: أَمةُ آل فلان، فضرَبها بالدِّرّة وقال: يا لَكْعاء أَتَشَبَّهِين بالحَرائر؟ أَرادوا مُتَكَمِّمة فضاعَفوا، وأَصله من الكُمَّة وهي القَلَنْسُوة فشبه قِناعها بها”.
وقد انحرف المعنى في العامية المصرية ليُطلَق على الشيء المستور المغطى حتى أصابه العفن أو العته، فمثلًا الثياب القديمة إن تُركت في الخزينة لسنوات دون تهوية يقال عليها “كمكمة”. وكانت أمي توصيني دائمًا بعدم ترك الملابس في الغسالة ونشرها فورًا حتى لا تصيبها “الكمكمة”.
أما في السجن، فيُطلَق لفظ “حرز” على المسجون “الشمال” – وأتمنى ألا تسألني يعني إيه شمال – أو المسجون “اللي مش سالك”. أما وصف “حرز مكمكم” فهو من أشد وأقسى المسبات المستخدمة في السجن، إذ شاهدت في مرة مسجونًا كا أن يفقد عينيه لأنه وصف مسجونًا آخر في خناقة بأنه حرز مكمكم. أن تصف مسجونًا بأنه حرز مكمكم، فهو يعني أنه ذات نفسه هو “الحرز”، هو دليل الاتهام، وهو السبب في سجن نفسه ومن معه، أما وصفه بالكمكمة فمعناه أنه سيظل في السجن للأبد، لأنه حرز مكمكم.
استخدام المصطلح كعنوان للكتاب نظرًا للتقاطعات المتعددة، والإشكاليات الإبستمولوجية التي يطرحها الكتاب. فهو كتاب عن الكتابة، التي هي دليل اتهامي/حرزي، لكنه أيضًا كذلك حرز خفيّ، أما لماذا هو بالحرز الخفي، فأدعوك لتقرأ الكتاب لتجد إجابة على تلك الأسئلة.
أحب أن أنوّه أيضًا أني استلهمت العنوان من أغنية الفنان رضا البحراوي “حديد” التي كتب كلماتها الشاعر محسن الشبراوي، وكذلك مهرجان “حرز مكمكم” للفنانين كاتي ونانا وشرارة، وهي من كلمات شاعر العامية الكبير “الجن والأسطورة”.
(ج): كيف تبلورت فكرة الكتاب وما الذي قادك نحو الموضوع؟
(أ. ن.): قادنى نحو المشروع السجن.
أما كيف تبلورت فكرة الكتاب، فلأنه حين راجعت معظم كتابات أدب السجون وجدتها تتحدث عن السجن السياسي، وتتكلم عن المعركة والنضال والتنظيمات السياسية والرفاقية، وأشكال المقاومة، وهو أمر بعيد تمامًا عن تجربتي كمسجون بتهمة مخالفة الآداب العامة ومصنّف مع مروجي الدعارة وبائعي الهوى والنصابين والمزورين والقضاة وضباط الشرطة والجيش الفاسدين.
كان هناك رغبة، لا في تسجيل التجربة أو الشهادة للتاريخ، بل لفهم كل ما حدث والحوار معه، لكي أتمكن من إعادة بناء ذات جديدة تهضم ما مضى وتعاشره وتعشره، وتستولد المستقبل من رحم الحاضر واللحظة الراهنة التي هي بغير تأكيد لحظة فارقة مثل كل لحظات حياتي.
(ج): ما هي الأفكار أو القصة الرئيسية التي يتضمنها الكتاب؟
(أ. ن.): مثل كل أعمالي وما أكتبه، فالفكرة الرئيسية ومحور العمل هو: الحب والصداقة.
(ج): ما هي التحديات التي جابهتك أثناء الكتابة؟
(أ. ن.): لا شيء إلا ما يواجهه كل كاتب؛ كيفية تدبير الوقت اللازم للكتابة، ضمن مشاغل الحياة وضغوط العمل والحاجة المادية، أتمنى يومًا أن أصبح مليونيرًا حتى أتخلص من هذه التحديات والضغوط، وأفرغ وقتي للطهو والكتابة وتعلم صناعة الكوكتيلات وأستثمر مليونًا في إنشاء جائزة أو منحة باسمي تمنح للكاتبات أو الكتاب للتغلب على مصاعب الحياة وتحديات الكتابة.
(ج): كيف كنت تكتب داخل السجن، وكيف تعامل السجناء مع هذا الأمر؟
(أ. ن.): بالنسبة للجزء الثاني من السؤال، فكل السجناء يكتبون. الكتابة في السجن ليست نشاطًا مقدسًا يمارسه المرء في برج عاجي، بل الجميع يكتب. بعضهم قد حكم عليه بالسجن لمدة خمس سنوات يجد في الكتابة استخدامًا مناسب للوقت، يفقد الكاتب تميزه داخل السجن. في حالتي نظرًا لطبيعة قضيتي فقد حذرني مدير مباحث السجن من النشر أو تهريب أي رسائل للخارج، مقابل السماح لي بالاحتفاظ بدفتري الأسود والكتابة فيه، لكن لأني كنت أعرف أني أكتب تحت ظل الرقابة وربما نتعرض للتفتيش في أي لحظة فكنت أكتب بما يشبه الشفرة، وجمل وكلمات مختصرة خاصة جدًّا.
بالنسبة للشق الأول من السؤال، فربما يكون مفيدًا مشاركة هذا المقطع معك:
“رفيقي كان يسكن مصلبًا مجاورًا لي. جميع المصالب في عنابرنا كانت مبنية من الخرسانة المسلحة والأسمنت، وبين مصلبي ومصلبه يوجد حاجز إسمنتي بارتفاع عشرة سنتيمتر، كنا نضع عليه كرتونة تحتوي على علب السكر، والقهوة، والشاي، والنسكافيه، إلى جانب بعض قطع البسكويت أحيانًا، وعلبة الزيتون الأسود الذي أدمن مضغه، وكتبي. أما أوراقي والكرّاس الذي كنتُ أكتب فيه روايتي فكنتُ أضعه أسفل المرتبة التي أنام عليها.
على ضوء اللمبة حيث أقرأ ترجمة عربية لرواية “أطفال منتصف الليل” لسلمان رشدي، يسهر رفيقي الليل وهوم يكتب على ورق فلوسكاب خطابات طويلة من صفحات متعددة، يكتب بالقلم الأزرق، وأحيانًا يخرج قلم التصحيح الأبيض، يهزّه، ويمسح حرفًا خطأ أو جملة ندم على كتابتها. كان لديه شغف جنوني بكتابة الخطابات، وكنتُ أحسده على قدرته الجسدية على الكتابة لفترات طويلة بهذا الشكل.
لطالما كان لدي مشكلة مع إمساك القلم والكتابة لفترات طويلة، في الامتحانات كنتُ أحيانًا أختصر في إجابة الأسئلة، ولا أكتب كل ما أعرفه لأن يدي متعبة. منذ المراهقة بدأت في كتابة قصصي ويومياتي على الكمبيوتر، وبعد التخرج هجرت الورقة والقلم. والآن في السجن كنت أتعلم من جديد كيفية إمساك القلم وكيفية الكتابة على الورقة ذات السطور.
أولًا تمكنا أنا وشريكي من شراء عدد قديم من مجلة زهرة الخليج، وهي مجلة اجتماعية ذات طباعة إماراتية فاخرة. كنا نستخدمها كمسند للكتابة نضع فوقها الورق. نضعها فوق الفاصل الخرسانى بين المصلبين ونكتب عليها. كان يحفظ أوراق رسائله داخل صفحات المجلة. لكنه أقصر مني لذا كان بإمكانه الكتابة في هذا الوضع، أما أنا فبعد أول خمس دقايق كنت أشعر بعظام وعضلات ظهري تصرخ من الألم. جربت الاستناد بظهري على الجدار ووضع مجلة زهرة الخليج على فخذي مع ثني الركبتين، وكان هذا أفضل وضع للكتابة وصلت له.
في نهاية عام 2019، بعد أن تحرر من سجنه، وبعد أن ترك السجن الكبير الذي صارته بلادنا، أصدر الكاتب أحمد ناجي كتابين دفعة واحدة. أولهما «حرز مكمكم» (دار صفصافة) الذي أرى فيه كتابة يندر مثيلها في تاريخ الأدب العربي حول السجون، كما أرى فيه شهادةً أدبية تنهض في مواجهة الوثائق القانونية التي أدانت الكاتب وعاقبته. وإذا كان صحيح أن للوثائق القانونية تأثير أحدّ في مصائر البشر من حيث كونها «فعلًا بالكلام»، فلا شك عندي أن لشهادة أدبية كهذه تأثير أكبر لدى سرد التاريخ، بما فيها من كلام عن الفعل. بالتزامن مع «الحِرز»، نشر ناجي رواية «والنمور لحجرتي» (دار المحروسة)، فجاءت تأكيدًا على أن شواغل الكاتب المجَرّم، والتي يحكي عنها بالتفصيل في «الحرز»، هي محل تطبيق ودراسة وعمل وتأمل وفحص وتحقيق في رواياته.
في هذه المقالة -وأعتذر مسبقًا عن طولها- سأحاول التعليق على هذين الكتابين اللذين أصدرهما ناجي معًا: عمّ وعمّن يكتب ناجي؟ ما المشترك بين كتابيه هذين؟ ما الجديد فيهما مقارنةً ببعض أعماله السابقة؟ كيف يدلنا كل منهما على قراءة لجانب من حياتنا؟ وكيف يدلنا كل منهما إلى قراءة للآخر؟ وأين موقع المؤلف وتعريفه للأدب واللغة في كل منهما؟ وما موقع سؤال الأنواع الأدبية بين الكتابين، وأحدهما رواية -يعني تخييل- وثانيهما سيرة ذاتية -يعني وثيقة تدّعي قولَ الحقيقة بلسان المؤلف؟ وأخيرًا، إذا كانت الرواية هي الجريمة واللغة
لا نري الطوابير في لوحات عصر النهضة، ولا توجد أدلة على وجود الطوابير لدى الرومان أو الاغريق. في مدينة العمال بهضبة الأهرامات، عثرنا على سجلات دقيقة حول أجور العمال ونظامهم الغذائي وحصص الطعام والبيرة التي توزع عليهم.. يا للعجب بدون طوابير.
الطابور هو تظاهرة لتأكيد المساواة بين البشر، لذا فالثورة التي قطعت رؤوس الاقطاعيين، وألغت الألقاب المالكية، ونادت بالمساواة والأخوة، وجدت في الطابور إعلاناً واضحاً عن مبادئها، وسلوكاً تدريبياً لمواطنيها على قيم وقوانين العهد الجديد.
قبل ذلك كانت فكرة الطوابير شبهه مستحيلة، بل وضد قوانين الطبيعة في نظر الكثيرين. فكيف مثلا للكونت أن يقف في طابور مع الفلاحين؟ أو أن يسبق العبد الشيخ الأزهري في الطابور.
Alex Gross
البناء الهرمى للمجتمعات القديمة، والدول الملكية والإقطاعية يفرض ترتيباً هرميا للبشر علي حسب مكانتهم الاجتماعية، والعرقية، والدينية، وبالتالي لا يمكن المساواة بين رأس الهرم وأسفله أو أن يقف الاثنين في صف واحد.
تزايدت الطوابير بداية من القرن التاسع عشر مع الثورة الصناعية وبنيان الدولة الحديثة. معظمها طوابير العمال، أما السادة فيدخلون من باب خلفي.
مع بداية القرن العشرين لم تعد الطوابير مشهداً غريباً، بل أصبحت المشهد المنشود. المساواة التامة، كلنا في الطابور واحد، بلا باب خلفي للسادة، ومع بداية القرن الواحد وعشرين أصبحت الطوابير دلالة على الاحترافية والنظام والفاعلية حتى لو لم تتصف بكل ذلك.
أنا كرهت الطوابير طوال حياتى منذ الطفولة وحتى الآن. أول ذكري عن الألم تقبع في باطن قدمى، كنت طفلاً لم اتجاوز الثالثة، وكانت أمى تصحبنى معاها أحياناً لإنجاز بعض المعاملات الحكومية حيث الوقوف لساعات في طوابير متتالية في الشمس، وكنت دائماً اتألف من الوقوف على قدمى. حتى بعد دخول المدرسة، فقرة العذاب اليومية كانت طابور الصباح، وحياتى المدرسية ليست إلا محاولة للهروب من هذا الطابور.
في المرحلة الثانوية، عرفت أنى أعانى من القدم المسطحة/ فلات فوت. وبالتالى الوقوف لفترات طويلة فعلا غير صحى، وكان هذا بداية تهريبي الأبدى من الطوابير الذي أوقعنى في شرك حب الواسطة والمحسوبية.
لكن مهما حاولت، كنت دائماً أفشل في الهروب منها، لأن كل محاولاتي للبحث عن واسطة تنقذينى وتحمينى لم تكن تكلل بالنجاح. اضطررت كثيراً للتعامل مع الطوابير كقدر لا مهرب منه، براز من مخرجات الحداثة يتواجد في النظم الاشتراكية والرأسمالية، لا علاج له مثل حساسية الجيوب الانفية في الربيع، وآلام البواسير بعد تناول الطعام الحار، رد فعل للزيادة السكانية وشح الموارد.
ثم انتقلنا إلى الحياة في أمريكا منذ بضعة سنوات، لأجد مستوى آخر من الطوابير منجز أمريكى فريد حيث تقف في الطابور من أجل الحصول على تذكرة في طابور آخر. كأن تدخل مصلحة حكومية أو معمل تحاليل فتجد طابوراً طويلا، وحين تصل إلى نهايته يعطيك الموظف رقماً، لكي تجلس وتنتظر دورك في طابور افتراضي آخر.
العشق الأمريكى للطوابير غريب وفريد من نوعه، حتي أنهم لا يجدون في الأمر غرابة حين يرتدون أفخم الملابس ويخرجون للسهر ليلاً، ويقضون ساعة وأكثر واقفين في الطابور يحملون البيرة في أيديهم، والحماسة والسعادة تسيطر عليهم منتشين بالسهر في الطابور.
* **
بعد ثورة يناير 2011 في مصر، انتشرت مجموعة من الدعوات والمنشورات الترويجية رسالتها، أن مصر تحررت بعد الثورة وأصبحت بلدنا كلنا لذا لابد أن نحافظ عليها، وذلك بالالتزام بالقوانين، فلا إلقاء للزبالة في الشارع، ولا كسر لإشارة المرور، ولا تجاوز للدور في الطابور. وحين بدأت مسيرة الفعاليات الانتخابية، كانت صور الطوابير الطويلة للناخبين هي أكثر الصور تداولاً للدلالة على التغيير الذي تمر به البلاد، حيث يقف الناخبون في نظام وصبر لساعات طويلة، لا من أجل شراء رغيف الخبز كما في الثورة الفرنسية بل من أجل التصويت في الصندوق الانتخابي.
قانون الطوابير التاريخى ينص على ظهورها مع الثورات، و ترسخها وتوسعها في ظل الممارسات الديموقراطية.
لم تطل مرحلة “الممارسات الديمقراطية” في مصر إلا لعامين، لنعود بعد 2013 إلى فساد النظام العسكري الديكتاتوري المصري، حيث عشرين جنية، أو رشوة بسيطة تجعلك تتجاوز من يسبقونك في الطابور، أما إذا كان معك “واسطة” فلن تقف في الطابور وستدخل من باب السادة الخلفي.
الواسطة، هي يد تمتد من أعلى الهرم، لانتشالك من الطابور لتفتح لك باب السادة. لكنها لا تضمن لك الصعود إلى أعلي، هي مجرد يد تفتح باب خفي ثم تخرجك مرة آخري إلى طوابير المساواة في الفقر والانتظار والرجاء، حتى تظل إلى الأبد في حاجة لها، هكذا يحكم السادة، بفرض الطوابير والقوانين وامتلاك القدرة على استثناء الأخرين منها.
** *
مع ذلك فالواسطة ليست مجرمة في كل الحالات، ففي أحيانا كثيرة تباع الواسطة كامتياز شرعي. مثلا تذهب لتجديد جواز السفر فتجد ثلاث أسعار، واحد لإصدار الجواز خلال عشرة أيام، ثانى أغلى لإصداره خلال ثلاثة أيام، وثالث لتحصل على جواز سفرك في ذات اليوم. في أمريكا نفس الشيء، حيث هناك دائماً طابور الـ vip.
لم تعد مشكلة الواسطة في زمننا أنها نقيض للمساواة، للأخوة بين المواطنين في طابور الخبز بعد الثورة الفرنسية. بل لأنها تسمح بتسريب المال خارج دائرة النظام. وفي النظم الإدارية المحكمة فالمهم هو هذا المال المسرب لا القوانين والمساواة، لذلك كان الحل في شرعنة الواسطة من خلال طابور الخدمة المميزة، بحيث تدخل أموال رشاوى الواسطة إلى جيوب النظام.
الواسطة ليست مهمة لمن هم في الأسفل لتساعدهم على تجاوز صعوبات النظام والحياة، بل مهمة كذلك لمن هم في الأعلى لأنها مصدراً للدخل ولتأكيد نفوذهم وسلطانهم، حتى أنها في بلدان كاملة الفساد وهرمية الإدارة والحكم كمصر تصبح الواسطة أسلوب إدارة لكل شيء.
يستحيل أن يحيا المرء حياته في مصر بدون واسطة، بل أن أول خطوة لإنجاز أى معاملة هي البحث عن “واسطة”، من التقديم لابنك في المدرسة، إلى الحصول على رخصة قيادة السيارة، إلى التعيين في الوظائف الهامة أو التافهه.
الواسطة في مصر هي نسيج اجتماعي، ونظام سياسي راسخ لدرجة أنه لا يعتبر فساد. بل أن وزراء العدل والقضاة المنوط بهم تنفيذ القوانين يعلنونها صريحة كل فترة مثلا أن تعيين أبناء القضاة لن يتوقف، وأنهملايمكنأنيقبلواقضاةليسوامنعائلاتقضائيةأومنأصولفقيرةأومتواضعة.
بدون الواسطة أصلاً لا يمكن أن تصبح قاضياً في مصر فما بالك ببقية الوظائف والمهن.
** *
يتكيف المرء مع الواسطة كما يتكيف مع التغيرات المناخية، حتى لو كره حساسية الربيع. لا مهرب من الواسطة في مصر حتى لو أردت الحياة في الظل، ورضيت بموقعك في الأسفل. فهناك عدالة اجتماعية في توزيع الواسطة ومهما كان ما تفعله ضئيلاً وهامشياً ستجد مسار يجبرك على الاستجداء بالواسطة.
بعد خروجى من السجن عام 2016، ضاقت فرص الحياة والعمل في مصر، وبدا واضحاً أنه لا مهرب سوي الخروج، لكن حين اتجهت للمطار تفاجأت بالمنع من السفر. ظللت لأكثر من عامين أجرب كل الطرق القانونية، ووقفت في كل الطوابير لمعرفة الحجة القانونية لمنعي من السفر أو رفعه، لكن لم أوفق. حينها بدأت مسير التذلل الأكثر إهانة في حياتى كلها.
لعام ونصف تقريباً، كنت حرفياً أكلم طوب الأرض، من أجل المساعدة في رفع الحظر عن السفر. البعض يتهرب، البعض يعد، البعض يخبرنى أنه حاول لكن الموضوع صعب. سافرت إلى محافظات آخري لكي ألتقي بأشخاص في قري ريفية لكن لديهم قرابة أو علاقة مع ضباط في المخابرات، هؤلاء كانوا أكثر احترافية، تخبرهم بتفاصيل قضيتك والمسألة، ثم تقابلهم بعد أسبوع، يخبرك أن قريبه يعمل مع الراجل الثاني أو الثالث في الجهاز، والصفقة كالتالى عشرة آلاف دولار مقابل أن يسلمك لشخص أو جهة تهربك بريا عبر الحدود من مصر إلى السودان، ومن هناك يمكنك أن تسافر أينما أردت.
إذا لم تمتلك المال اللازم كحالتى فلا صفقة لاتمامها، ولا يمكن للواسطة أن تمد يدها إليك، لكن يمكنك إهداء موبايل آيفون لضابط، لكي يدبر لك مقابلة مع ضابط في أمن الدولة ليسمع منك لماذا ترغب في السفر؟ لا ضمانات في هذه الحالة، حوالى ألف دولار لكي تذهب لمقر الأمن الوطنى وتجلس لتشكو حالك لمدة عشرين دقيقة لضابط الأمن الوطنى، وفي هذا اللقاء عليك أن تكذب، وتدعى، وتمارس كل الحيل لتثبت أنك مواطن صالح مؤيد للنظام لا ضرر أو خوف منه، كما عليك أن تخاطب الانساني داخل الضابط، فتروى عن ظروفك الصعبة وزوجتك الحامل وحيدة في برد “سيراكيوز” في نيويورك، تحرك وتحرق كل كروتك، علك تناول رضا الضابط فيصبح واسطتك.
في كل مرة تقف فيها في الطابور وتنظر لأعلى تستجدى بالواسطة، فهناك شعور مهين يترسخ داخلك، مهما حاولت التظاهر بالكرامة والشمم، ففي كل مرة تستعين بالواسطة يمر المرء عبر ممر واطيء يجبرك سقفه على الانحناء، هذه هي مذلة وذل الواسطة.
* **
في أمريكا لا تنتشر الواسطة رغم انتشار الطوابير وذلك لأن البلد قفز من الاقطاعية لمابعد الحداثة دون ثورات أو إعادة توزيع للثروة، بالتالى فرغم أننا جميعاً نقف في الطابور، لكن أمام شباك المعاملة، أمام بندقية الشرطى لا يتساوى السيد الأبيض، بالمواطن الأسود، بالمهاجر الحديث الذي خرجه لتوه بالقارب. ثم إذا أردت أن تتجاوز الطابور فيمكنك أن تدفع ألف دولار لتدخل مباشرة من باب الـ VIP.
الامتيازات العرقية في أمريكا فوق الواسطة، كما أن تكاليف الواسطة مرتفعة الأمر الذي يجعلها حكراً فقط علي الأثرياء جداً، كأنك تكون رئيس للجمهورية مثل ترامب فلا تدفع ضرائب سوي 800 دولار، أو متزوج من بنت رئيس الجمهورية فيصدر عفواً عنك يحميك من المحاكمة عن أى فعل ارتكبته.
بينما عشت حياتى السابقي داخل نظام قائم على الواسطة، يضمن للجميع توفير الواسطة المناسبة لامكانياته، ففي أمريكا لا توجد عدالة اجتماعية في توزيع الواسطة بل تظل حكراً علي أغنى الأغنياء فقط. مما يحرمنى من حق الواسطة مثلي مثل غير من الفقراء الذين نطالب بالعدالة.