السنيورة

نشرت القضة في مجموعة لغز المهرجان المشطور التى نشرت مؤخراً عن دار ميريت للنشر والتوزيع

كنتُ شغوفًا بكُسها، كشغفي بالانترنت. أو ربما كنتُ معلقًا بين الاثنين، ورأسي في المنتصف.

أقول رأسي لا قلبي لأن هذه ليست قصة عاطفية أو إيروتيكية أو بورنوجرافية، لذلك لا أريد أن أجنح للمبالغات. بالطبع لديّ شغف عام بالكُس، لكن كُسها بشكل خاص، كان شغفي الأهم.  راقبتُه طوال سنوات علاقتنا عن كثب وملاحظة، فكرتُ أكثر من مرة أن أقوم بتصويره، لكن خفتُ من ردة فعلها، فاحتفظتُ بالرغبة سرية مكبوتة كرغبات أخرى، حتى انتهى الأمر بالخسارة التامة.

لايزال ماثلاً في ذهني، والفضل يعود إلى الأيام والليالي، التي قضيتها مفتونًا بتقلباته وتحولاته المختلفة. عرفتُه نائمًا مضموم الشفتين، وسجلتُ بدقة كيف ينفتح كشمس تنبثق من خلف الجبال على شاطيء نويبع.

رأيتُ كيف يُضخ الدم إلى شفتي كُسها عند الاستثارة فتتمددان ويتحولان من اللون الزهري إلى الوردي، ثم إلى الأحمر. شاهدتُ آثار المداعبة بالأصابع عليه، وباللسان، وكيف يتحول إلى عاصفة شمسية ذات لون أكثر اشتعالًا عن بقية الكرة الشمسية الصغيرة أثناء وبعد النيك. كان تشممي لرائحته أمرًا محببًا للنفس، وكانت الرائحة تتبدل على حسب مزاجها ومزاجه. أحيانًا حينما كنت استيقظ قبلها كنت أهرع إلى دورة المياه، أفرّش أسناني برائحة الفلوريد وأعود لأتسلل بين فخذيها لتكون رائحته أول ما أشمه. تذوقته في كل الأوضاع، وتابعتُ تغير طعمه مع كل درجة ترتفع فيها نحو الإثارة، وشجرة السعادة تتدلى علينا كما أوراق الجوافة. لو غميتُ عيني وتذوقته بين سبعة أكساس مختلفة لعرفته بطرف لساني، شيء ما صار مرتبطًا بينه وبين بقية حواسي.

لم يكن كُسها هو المثير لجنوني فقط، بل كل فتحاتها، كثيرًا ما كنتُ أطلب منها أن ترقد على بطنها. اتصنع إجراء نوع من المساج لها، وأتعجل النزول بيدي إلى أسفل، أوسّع بين ردفيها وأبدأ في تشممهما وتمشية لساني بينهما. أتخيل ثبات المشهد والزمن لساعات طويلة تمتد إلى أيام وصوت جريس سليك يأتي من الخلفية ينساب متغلغلًا كنفس هادئ من الحشيش يأكل الدماغ بطيئًا، ها أنت تذوب والأرنب الأبيض ينتظرك على مدخل الحفرة، تتذكر حارس البناية الآن، كيف كانت البداية إذن؟

في أحد الكوابيس كنتُ واقفًا متجمدًا على ضفة النهر بينما مجموعة ضخمة من الكلاب تنبح بوحشية وهي تقترب مني، ولم يكن الخوف من الكلاب بقدر ما كان المأزق هو الجسد المتخشب، الذي فقد القدرة على الحركة دفعة واحدة. ركب العناد بعد ذلك ودلدل رجليه. كان هناك القليل من الصراخ والكثير من الدموع، وانفطر القلب أكثر من مرة، بدا كما لو أن السعادة تتبدد. كنا على ما يبدو قد شربنا سعادة بعضنا البعض.

انقطعت علاقتنا لفترة عملتُ فيها كمسئول مبيعات في إحدى شركات خدمات المحمول. اشتريتُ سيارة من البنك وتفرغتُ لحياة جديدة ناجحة وتعرفتُ على شبكات اجتماعية جديدة وتعلمتُ الرقص وأصبتُ في حادث سيارة، وحينما استيقظتُ في المستشفى بكسر في الذراع الأيسر وخدوش في الوجه، قررتُ أننى لا أريد هذا. وفي تلك الليلة حلمتُ بأنني أغطس في مياه البحر الأحمر وفقدتُ الأكسجين ولم يكن من مصدر للتنفس أمامي سوى كُسها فهرعتُ نحوها لالتقاط أنفاسي. استيقظتُ من الكابوس شاعرًا بالبرد، رغم أننا كنا في الصيف. لففتُ سيجارة حشيش، ثم اتصلتُ بها وقلتُ:”هل فكرتي في أن تطبخي الحشيش بنفسك؟“.

قالت إنها أتت بدافع الفضول، ابتسمتْ وجلسنا على طاولة صغيرة، فككتُ ورقة بانجو ناشف أحضرتها، وبدأتُ في تنقيته بصبر، ثم أحضرتُ وعاء بلاستيك، وضعتُ قطعة قماش بلاستيك فوق الوعاء وأحضرتُ مصفاة شاي، بدأتُ بفرك أوراق البانجو في المصفاة وهى تدخن سيجارة وتحتسي قهوتها. كان الكلام عالقًا في الغرفة، تقطعه هي بعبارات تستحثني على الكلام، كنتُ خائفًا من جملة خاطئة تفسد المشهد أو تجعل الوقت يمضي منتهيًا أسرع مما أردتُ. صفيتُ الأوراق المفروكة في المصفاة وتحتها قطعة الشاش مشدودة فوق الوعاء، وضعتُ ما تبقي في المصفاة جانبًا وبدأتُ في دعك ما سقط من المصفاة على قطعة الشاش.

وإيه كمان؟، سألتني وهي تستحثني على التحدث أكثر، لكن الهواء كان في حنجرتي ضئيلًا وروحي منقبضة في قلبي.

بدأتُ في شرح الخطوات التي أقوم بها لها، أوضحتُ أن الغرض الآن هو تنقيه البانجو من الشوائب حتى نصل لزهرة الزهرة. أزحتُ قطعة القماش، كانت البودرة الخضراء مترسبة في قاع الوعاء البلاستيكى. أحضرتُ الحنة، وأنا أقول: “في العادة يجعلون نسبة الحنة إلى البانجو 2:1، لكننا سنحاول جعلها 3:1 “.

قمتُ بتصفية الحنة بنفس الطريقة، ثم خلطتُ البانجو مع الحنة وأعدتُ تصفيتهما مرة أخرى.

وبعدين.. وإيه كمان؟، مرة أخرى طرحتْ السؤال.

في سينا مثلا مش بيحطوا حنة، علشان كدا بيطلع لونه أخضر أو مصفر فاتح، كمان في سينا مش بيحطوا عسل أسود. في المغرب ولبنان بيجففوا الورق ويكبسوه، الزرعة هناك فيها الراتنج أعلى ومش بيحتاج إضافات صمغية“.

قمتُ من على الطاولة وعدتُ وفي يدي وعاء عسل أسود، أكملتُ وأنا أشرح لها: “معظم الطبخات اللي في مصر بالإضافة للكيميا والبنج، مش بيحطوا عسل أسود وبيفضلوا اللبان الدكر. احنا بنحتاج العسل علشان نعجن الحنة مع الحشيش وتطلع الحتة متماسكة. بدون العسل أو اللبان الدكر عمر ما حتة الحشيش هتطلع متماسكة معاك ولا هتعرفي تفرديها وتعملي منها دبوس لو عايزة“.

وانت معندكش لبان دكر؟

اللبان الدكر ريحته بتبقى ظاهرة أوي، وبيخلى حتة الحشيش حامية وبتضرب في النافوخ على طول، وكمان لو لفيتها في سيجارة هتطلع معاك روكيتس“.

ابتسمتُ وأشرتُ إلى حرق صغير في التيشيرت الذي ترتديه، وأكملتُ: “واحنا مش عايزين روكيتستانى يا آ كوكو، مش عايزين ألم ولا وجع أكثر من الموجود“.

تكونت في قاع الوعاء البلاستيكي ذي اللون البرتقالي عجينة طرية، تناولت موس حلاقة من على الطاولة، وأخذتُ أجمع به العجينة من قاع الوعاء، ثو وضعتها على ورق سلوفان  وأخذت أُشكلها، أغلقتُ السولفان عليها بحرص، ثم قطعتُ ورقة فويلفضية لامعة ولففتها حول السولفان. نظرتُ لوجهها، كانت أشعة الشمس القادمة من نافذة البلكونة تنتشر في الصالة وتنير وجهها فيظهر صافيًا، شعرتُ برغبة جارفة في تقبيل شفتيها.

ابتسمتْ وقالت:

-“ها.. وبعدين؟

ناولتها ورقة الفويل، وأنا أجاوبها:

-“تعرفي تحطي دي في الفرن، على نار هادية..”

تناولتها واتجهتْ إلى المطبخ. ظللت جالسًا مكاني أحدق في الكرسي الفارغ الذي غادرتْه. تذكرتُ حلمًا رأيتني فيه معلقًا في مطار أجنبي مع حقائب ثقيلة في مدينة لا أعرفها، في انتظار طائرة ستأتى غدًا، ثم تحضر هي بسيارة حمراء موديل الثمانينات. أتاني صوتها:

–        أنت بتولع الفرن بإيه؟

دخلتُ إلى المطبخ. كانتْ منحنية تحاول التفاهم مع الفرن، تقدمتُ نحوها واحتضنتها من الخلف.

قررنا المحافظة على الأمر كسر صغير، على ألا يغير من الوضع القائم، ما هو الوضع القائم؟ كنتُ أغطس في البحر الأحمر حينما انقطع حبل الأكسجين فجأة.

طلبتْ هي في المرة الثانية أن تقوم بالعملية بنفسها، بدأتْ في القراءة عن طرق التصنيع المختلفة والأشكال، التي يتخذها الحشيش وعمليات معالجات النباتات والحشائش. في البداية كنا نقوم بتدخين ما نطبخه سويًا.

ثم ذات مرة عرضتْ عليّ عرضًا لا أستطيع رفضه. كنّا في انتظار تسوية عجينة الحشيش في الفرن حينما قالتْ كمن يقص حكاية عن زيارة والدته: “أنا امبارح رحت عملت ليزر شيلت كل الشعر اللي هنا، وأشارتْ إلى ما بين فخذيها.

أثناء علاقتنا كانت تفضل قص الشعر فقط، ولم أكن قد رأيته بدون حتى الزغب الخفيف المحيط به من قبل. كأنما عرفتْ أين سرحتُ بخيالي، باغتتني بالعرض:

أنا بفكر نبيع. مش دا انتاجنا الخاص“. عرضتْ الأمر بصيغة شراكة تجارية سرية، أساسها الصداقة والمنفعة والاستمتاع بمتعة الطبخ، التي تحولتْ معها إلى طقوس هرمونية معقدة. اختتمتْ العرض بعبارتها، التي تؤكد بها كل اتفاقنا:

–        لكن هذا لن يغير من وضعنا القائم.

كانتْ تختفي لأسابيع لا ترد فيها على اتصالاتي، ولا تحكي لي عما تفعله، وحينما كنّا نلتقي صدفة في مكان عام تصافحني مادة يدها بيننا لتحرمني حتى من قبلة الصداقة أمام من يعرفونا، بل ذات مرة كانت تبيع إلى أحدهم صباع حشيشمما طبخناه معًا وتحكي أسطورة عن الديلر الشبح، الذى تتعامل معه ولديه أنواع متعددة من الاستفات، وأنا ملتزم الصمت، بل وأتصنع الاندهاش.

رسمتْ في البداية أسطورة الشبح، ثم اعترفتْ لدوائر من المقربين بأنها من تطبخ الحشيش ولديها خلطتها الخاصة، عند تلك النقطة بدأتْ في استخدام مكبس معدنى طلبتْ نقش كلمة Siniora عليه. كانتْ تكبس به العجينة، وبدأتْ أسطورة السنيورة في التشكل.  

في الخارج عرفت باسم سنيورة الحشيش. أما بيتي، الذي كان مقر الطبخة فقد تحول إلى معبد تتجلى فيه كإلهة من شوارع المدينة. تنفذ الطلب الوحيد، الذي اشترطتُه لحظة إغلاق الباب خلفها، تخلع الجزء الأسفل من ملابسها. ثم تجلس على الكنبة، أو على الأرض – لم تفضل أبدًا الطاولة الصغيرةتفتح ساقيها وتبدأ في إعداد الطبخة. أظل حولها أدخن أو اختار الموسيقي وعيوني معلقة فقط بكُسها المنتوف الخالي من الشعر، مضيئًا كشمس صغيرة. “الوضع على ما هو عليههش جدًا وقابل للانكسار وردود الأفعال المدفوعة بتفاصيل الماضي والخسائر السابقة. أحيانًا كنتُ أظن أن الوضع على ما هو عليهليس حقيقيًا مائة في المائة. ربما هو وهم أو بنته تخيلات ولًّدَها الفقد والوحشة، وحتى لا أفقد لذة اللحظة، لا أقترب أو أحاول لمسها. أكتفي فقط بقواعد الشراكة السرية التي فرضتها، ونسبتها الأكبر في حصة ما هو مباع.

عرفتُ أنها لم تعد تذهبْ إلى العمل بانتظام وتفكر في تركه وتأسيس مشروعها الخاص، لكنها لم تفصح لي ما هو. بدأتْ في تحسين مستوى جودة المنتجات التي تقدمها ورفع سعرها، وخلق تمايز وأسماء لبلاطات الحشيش التي تنتجها، استغللتُ البلكونة وحجرة المكتب وبدأتُ في زراعة النباتات بنفسي. قادتنى توجيهاتها حول كيفية الرعاية، كلما كانت الأوراق طازجة يساهم هذا في زيادة جودة الحشيش في النهاية، كما أن معالجة الأوراق الطازجة في الخلاط والكبس يجعلها قادرة على استخراج جرامات صغيرة من زيت الحشيش تبيعه بأسعار أعلى.

كانتْ تكبر وتتطور، حياة جديدة تنفتح أمامها، أو بالأحرى ديانة جديدة تشرق على الإنسانية من المعبد، الذي نصبته في الشقة لكُسها المنتوف. وكنتُ أنا العجوز، الذي يبحث عن خرافة دينية يؤمن بها في نهاية حياته لتمنحه قدرًا من الطمأنينة.

ثم اختفتْ.

لم يصلنى رد منها إلا بعدها بثلاثة شهور، وكانت هذه أطول مرة تغيب عن المعبد منذ بدأنا شراكتنا. كانت الرسالة مختصرة وحاسمة. لا داع لأن نلتقي مرة أخرى، نحن نأكل أرواح بعضنا البعض“.

حاولتُ العودة إلى ما كنتُ فلم أعرف ما هو. فقررتُ استكشاف الحاضر، كان العالم قد تغير تمامًا من حولي. بدأتُ في الخروج واستعادة العلاقات القديمة واكتساب خبرات وآلام جديدة، لكن في الوقت نفسه حافظتُ على رعاية النباتات. لم أطبخ الحشيش مرة أخرى. بدأتُ أسمع في الدوائر المقربة عن نوع جديد من المخدرات يحمل اسم السنيورة“. كان الانتشار كبيرًا ورغم أن الشكل والرائحة مشابهين للحشيش إلا أن التأثير كان مختلفًا.

ناره هادئة، لا يسبب أي حرقان أو آلام في الحلق حتى مع شربه بطريقة الخابور السكندري أو الدبوس. كما تميز السنيورةبكثافة زيته ورائحته النفاذة التي تعلق باليد، كان يتسلل ببطء، وإلى جانب تأثيرات الحشيش العادية، يسبب حالة من البهجة والسعادة وفيضان في المشاعر غريب من نوعه، كأنما يطلق كل ما هو مكبوت ويجعل كل الماضي ضحكة، ينزع الألم عن الحاضر، ويضفي ضحكة بين الأصدقاء، وقبلات وحبًا طاهرًا سعيدًا على الجميع.

جربته أول مرة واندهشتُ من تأثيره، فاشتريتُ قطعة منه وأحضرتها للمنزل. حاولتُ استعادة كل تفاصيل طريقتها، كانت لديها إضافات وخلطات مختلفة في كل مرة كانت تجرب شيئًا جديدًا، كأنما كانتْ في مرحلة شراكتنا تتدرب من أجل صناعة أفضل طبخاتها، وجدتْ أنواعًا متعددة من الحنة والعسل الأسود، وأنواعًا مختلفة من الأسمدة. كان لديها جدول منتظم تنبهني فيه لتوقيت وضعها بالتربة. تبدت حماقتي كاملة حينما اكتشفتُ أنني أعرف القليل عن تفاصيل خلطتها. كنتُ طوال مراحل الطبخ أركز أكثر مع الموسيقي أو ساقيها وكُسها المنتوف، وانتظر اللحظة، التي ستقوم فيها للمطبخ لوضع العجينة في الفرن حتى أشاهد ردفيها يتحركان كما الكواكب وهى تدندن: “ماشية السنيورة.. كدا كدا، وتغيب في الممر نحو المطبخ. كنتُ ضائعًا في بهائها، أبحث عن غفرانها وانتظر وأعد ضحكاتها مع كل لحظة نلتقي فيها. وكانتْ مع كل طبخة تجعلني أتذوق أول سيجارة، وتسألني رأيي، ثم تدونْ ملاحظات صغيرة في دفتر صغير عليه صورة أفيش فيلم “Kill Bill”.

نشرت الجرائد صفحات خاصة عما أسمته مخدر السنيورة، وخطورته على الاقتصاد والصحة وأنه يدمر خلايا المخ. بدأ الكثيرون يواجهون صعوبة في الحصول على السنيورة، وقدرتُ أنها تخوض حربًا مع تجار المخدرات الآخرين وشبكات المصالح التي تتحكم في تجارة المخدرات في البلاد. كانت تتوسع في توزيعها، والأساطير تسبق حشيش السنيورة“. قال أحدهم بعد ثالث نفس من السيجارة: “السنيورة جاءتْ لتنقذ العالم“.

تصنعتُ القوة، ومارستُ ضغوطًا كبيرة لأجل النسيان، لكن في كل مرة كنتُ أحاول مغادرة المعبد المتهدم، حيث أعيش وأزور بشرًا آخرين. كان الحديث يتحول إلي السنيورة، من تكون؟ وما هو سر الحشيش الذي تصنعه. أحيانًا يصيبني حزن عميق، فأجلس في المنزل أعتني بالنباتات وأشاهد أفلامًا أمريكية في التلفاز. ثم ذات يوم رأيتُ في الحلم كأن الماضي يفرض نفسه على لحظة الحاضر. كنّا نعيش مع بعضنا البعض. قبل السنيورة وقبل أن يركب العناد الرأس ويدلدل الرجلين. كنتُ نائمًا في الحلم وأتتْ هي واحتضنتني من ظهري، وشعرتُ كما لو أن السعادة كانت هنا دائمًا أمام العينين. لكن كان لابد من رحلة الآلام الطويلة. وفي الحلم كان لدينا كلب ضخم، رغم أنني وهي لم نكن نحب الكلاب.

استيقظتُ من الحلم، وأخذتُ أبكي في صمت شاعرًا بحموضة تخرج من بطني لحلقي، حينما رن التليفون وظهر اسمها على الشاشة. شهور طويلة قد مضت دون أي اتصال منها، كتمتُ دموعي وسيطرتُ على تنفسي، قبل أن أرد في صوت محايد:

ألو.. ازيك  أ كوكو؟

في حسم وعجالة، كما أصبحتْ جميع مداخلاتها، طلبتْ أن نلتقي. حددتْ هي الموعد وقالتْ سوف آتي لزيارتك، لكن لا تخبر أحدًا، حياتي الآن تغيرتْ، وختمتْ الحديث: “لن يغير هذا من الوضع القائم“.

حينما دخلتْ المنزل لم أعرف هل تغيرتْ، أم بسبب طول مدة غيابها بدت لي مختلفة، وإن كان لطلتها الحضور الذي يجعلني ابتسم بلا سبب، جلستْ على الطاولة، أخذنا نتحدث في أمور عابرة، ثم أخرجتُ قطعة حشيش متبقية لديّ وبدأتُ في فركها، سألتني وهى مبتسمة: “دي أنت اللي طابخها؟، هززتُ رأسي وجاوبتها:”لا دي حشيش السنيورة.. يا سنيورة“.

وضعتْ قدميها على الطاولة أمامي، حول قدمها اليسرى كان هناك خلخال رقيق وشفاف. سلسلة فضية رفيعة تلتف حول ساقها الرخامية، بشرتها تلمع في منطقة ما تحت الضوء. من السلسلة تتدلى كرات صغيرة تشكل الكواكب التسعة، كل كرة مُفرغة وداخلها كوكب أصغر، بحيث إذا سارت تهتز مُصدرة صوتًا كأصوات أجراس سرمدية.

ناولتها السيجارة ملفوفة. قصتْ عليّ تفاصيل من عالمها الجديد. معظم الوقت تعيش بجوار البحر الأحمر، تتنقل من العين السخنة إلى الجونة وسفاجا وحتى مرسى علم. تزور القاهرة على فترات متباعدة لإنجاز بعض البيزنسعلى حد تعبيرها. البيزنس كان عددًا من الشراكات مع ديلرات وتجار حشيش بنظام الفرنشايز“. تشرف بنفسها على الخلطة، وتعيش على عائداتها. لكن الأمور مؤخرًا لا تسير على مايرام. السوق ليس سهلًا والمنافسة شرسة، ولكي تحصل على حماية من الشرطة لا بد أن تقدم لهم بعض القرابين. أمام الرأي العام يجب أن تعلن الشرطة عن القبض على شخص أو شبكة من مروجي مخدر السنيورة، أخبرتني أنها تفكر في السفر إلى خارج البلاد لبعض الوقت حتى تهدأ الأجواء، لكنها لو غادرتْ السوق في الوقت الحالي، فلا مجال للعودة مرة أخرى.

سألتني: “وأنت.. عامل إيه؟

–        وحشتيني، أنا عايزك.

جاوبتها وانهمر شلال طويل من الاعترافات، كان الأمر بمثابة إعلان استسلام كامل. بلا سبب مفهوم حتى الآن، أخذتُ أحكي لها ذكرى قديمة عن مرة منذ سنوات كنا نسبح فيها على شاطئ نويبع، وأخذنا نتأمل الشعب ونطارد أسماكًا ملونة. مددتُ يدي إلى إحداها فجرحني شوكها، كانت ترتدي مايوه قطعتين بلون وردي، شعرها كان أطول قليلًا، المياه تجعله يلتصق بجسدها.

أخذتُ أقص عليها أوصاف السمكة بينما هي اقتربتْ مني وضمتني، تسارعتُ أنفاسي وأنا أعانقها. نبضات قلبي، كما لو كانت تخرج من سماعات تضخّمها، وأنفاسي تتسارع، بينما هي تضمني وتزيح ملابسي عني، وهى تردد كلمة واحدة: “بس.. بس، كأنما تهدهد طفلًا صغيرًا.

تعرينا وكانت دموعنا تختلط بالقبلات والعسل واللعاب. العظام تطقطق تحت ضغط الأحضان والعناق، والروح في الحلقوم. مارسنا الحب بحزن. كنتُ أرغب فقط أن أظل داخلها، بلا حراك، كمن يرغب في ثبات الزمن المستحيل. احتضنا بعضنا البعض بعد نصف نشوة لدقائق، ثم قامتْ وبدأتْ في ارتداء ملابسها، وهي تلقي جملًا مبعثرة مفادها الوداع.

ظللتُ ليومين في ذات الموضع الذي تركتني فيه عند مغادرتها للمنزل. شعرتُ أن كل الطاقة والرغبة في الحياة داخلي قد انتهت. أخيرًا استطعت النهوض، أخذت حمامًا بالماء البارد، ثم خرجتُ وبدأت في جمع كل أوراق النباتات المزروعة في البلكون وفي الغرفة، أخرجتُ العدة، وضعتُ أغنية لأم كلثوم، وأخذتُ أطبخ كل الحشيش الموجود في المنزل، وضعت العجينة في الفرن، ثم أجريتُ اتصالًا بمخبر شرطة. أخرجتُ المكبس المنقوش عليه اسم السنيورة وأخذتُ أكبس به بلاطات الحشيش، ثم رصصتها على الطاولة.

جلست أدخنُ، وأنا أحلم بأسوار طويلة ومكان قذر، لا مساحة فيه للأحلام ولا الرجاء.

سؤال عام 2016 هل السيرالية المصرية فرنسية أم عربية؟

نشرت في أخبار الأدب في يناير 2016

فجأة امتلأت الصفحات الثقافية المصرية بالمقالات التى تشيد وتثنى على ميراث الحركة السيرالية المصرية، بل وتؤكد على مصريتها وضرورة الاعتراف بهذا الميراث. مُبادرة لطيفة وإن أتت مُتأخرة ستين عاماً، وربما تكتمل لطافتها إذا أثمرت أى نوع من الاهتمام من جانب وزارة الثقافة المصرية بهذه الحركة وتراثها الذي كانت الوزارة أول من عمل على تهميشه ونبذة، بل ولدت  وزارة الثقافة المصرية في عهد الضباط الأحرار لأسباب كثيرة منها محاربة  استئصال تراث وأفكار الحركة السيرالية وتشريد مبدعيها وطمس تاريخهم، وهو ما نجحت الوزارة في فعله على مدار نصف قرن. فلم تكن السيرالية أبداً بالحركة الوطنية، دافع مبدعوها عن حرية الفرد وعن مفهوم عالمى للمواطنة، وحذروا من الفاشية التى هى ابنة المشاعر الفياضة للوطنية والدولة القومية، وكانوا كذلك جزء من المناخ المتنوع لغوياً وثقافياً وايدلوجياً التى عاشته مصر قبل يوليو 52، والذي لم يعد له مكان بعد ذلك في دولة الضباط الأحرار.

joyce-mansour-avec-andrc3a9-breton-circa-1960-dans-l-c3aele-de-la-citc3a9
جويس منصور وأندرية بريتون في باريس 1960

هذا الاهتمام بالسيرالية هذا العام هو نتاج للسباق والتنافس الذي انطلق بين مركز بامبيدو في باريس، وبينالي الشارقة في الامارات. حيث يتنافس الاثنان على تقدم تراث حركة السيرالية المصرية. المعرض الأول ينظمه سام بردويلي ويفتتح في سبتمبر القادم بمركز بامبيدو الثقافي بالعاصمة الفرنسية. وقد قضي بردويلي أكثر من ثلاث سنوات مع فريق من الباحثين لجمع تراث فنانى وكتاب وشعراء الحركة الموزع بين مصر وأوروبا.

المعرض الذي سعتبر الأضخم لم يكن بالامكان تنظيمه دون عرض لوحات رواد الحركة السيرالية والتى يقبع جزء كبير منها في مخازن وزارة الثقافية يعانى الاهمال والضياع. لهذا ففي نوفمبر الماضي زار وفد فرنسي وزير الثقافة حلمى النمنم والأخير وافق ببساطة وتلقائية شديدة على سفر الأعمال بصحبة المرممين وأطقم موظفي الوزارة دون أى مقابل مادى، أو اتفاق يفرض الشراكة المصرية أو الأقل يضمن إقامة المعرض في مصر.

 بعد العرض في باريس، يطوف معرض السيراليون المصريون أكثر من مدينة أوروبية دون أن يأتى للقاهرة. وستعود أعمالهم لتدخل مخازن الوزارة ويغطيها النسيان بينما ينسى الجميع صور الوزير مع الوفد الفرنسي واحتفاءه بالحركة والفن السيرالي.

** *

انتهت السيرالية مع صعود دولة يوليو، وفي مناخ فاشي أسست فيه الدولة وزارة الثقافة لم تنظر الوزارة بأى نوع من التقدير لأعمال السيراليين. أحد الحكايات التى توضح العلاقة التاريخية بين وزارة الثقافة والحركة السيرالية هى حكاية الفنان رمسيس يونان الذي أمام التضيق على المجال العام الذي مارسته دولة يوليو تقدم في أحد السنوات لنيل منحة التفرغ من قبل الوزارة. لجنة التحكيم التى كانت تضم عباس العقاد وأم كلثوم رأت أن أعمال رمسيس يونان التي كانت تعرض في أشهر قاعات العرض في باريس منذ الأربعينات ليست أعمال فنية، بل أن أم كلثوم قالت له أنه لا يجيد الرسم. وتمكن رمسيس يونان في النهاية من الحصول على المنحة كمترجم متقدماً بمشروع ترجمة لكتاب.

حينما توفيت بولا حنين حفيدة أحمد شوقي وزوجة جورج حنين، عرض الورثة التبرع بمكتبة جورج حنين في بداية الألفية لصالح الوزارة لكن لم يتلقوا أى رد، فتبرعوا بالمكتبة لصالح المركز الثقافي الفرنسي في المنيرة حيث تقبع مكتبة مؤسسة الحركة في مقر المركز بالمنيرة حتي الآن.

مع الاهتمام العالمى باعادة تقديم السيرالية المصرية هذا العام، لم يتعد موقف وزارة الثقافة ومساهمتها سوى التقاط الصور التذكارية مع المسئولين الفرنسيين والاماراتيين الذي اتوا لعقد الاتفاقيات مع الوزارة.

** *

لكن وكالعادة انقذنا الرز. مؤسسة الشارقة التى تشق طريقها لتصبح أهم المؤسسات الفنية المعنية بالفن الحديث والمعاصر في المنطقة لا ينافسها حالياً سوى متحف الفن العربي الحديث في قطر، قررت الدخول إلي معترك البحث عن تراث السيرالية المصرية، واختارات لهذه المهمة السودانى د.صلاح محمد حسن مدير معهد دراسات الحداثة المقارنة بجامعة كورنيل بأمريكا. والذي يعمل على إعداد وتجهيز معرض بعنوان “حين يصبح الفن حرية، السرياليون المصريون” والمقرر إقامته في مطلع عام 2017 في الشارقة، على أن يعرض جزء منه بعد ذلك في مصر.

الشارقة أيضاً وحينما حاولت تنظيم مؤتمر بحثي حول تاريخ الحركة السيرالية المصرية في نوفمبر الماضي، اتجهت للجامعة الأمريكية التى استضافت المؤتمر على مدار ثلاثة أيام.

لكن لماذا تهتم مؤسسة ثقافية إماراتية بإعادة الاعتبار لحركة فنية مصرية. الاجابة كانت في كلمة حور القاسمى مدير مؤسسة الشارقة للفنون التى أوضحت أن المؤتمر والمعرض جزء من مشروع ضخم تطلقها الشارقة لتوثيق الحركات الفنية العربية، وذلك كما أوضحت حور في كلمتها في نوفمبر الماضي بمؤتمر القاهرة: “كي نستطيع صياغة تصور لمستقبل أكثر غنى في منجزه الإبداعي وفي طاقته التعبيرية، مستقبل نتشارك جميعاً في رسم ملامحه، وفي إغناء وتعميق محتواه الإنساني، خارج المفاهيم والانتماءات الضيقة.”

** *

بالطبع لا مجال للانتماءات الجديدة في سوق الفن الذي تؤسسة دبي والدوحة الآن. فنظراً لصغر ومحدودية الأرشيف التاريخي والفني لهذه الدولة وحداثة مشاريع التنوير والحداثة فيها تسعى إلي تحويل متاحفها ومشاريعها الفنية إلي مستودعات تعكس أحياناً صورة افتراضية عن هوية عربية متخيلة، وأحياناً تتشبث بعالمية غير محددة المعالم.

في هذا الاطار وفي عالم السوق الحر ومادام حجا –وزارة الثقافة- ليس مهتماً بلحم ثوره فالافضل توجيه الثور لمن يعرف قيمته ويستطيع رعايته.

يتم تفريغ المتاحف المغلقة ومخازن الوزارة من كنوزها وتعرض للعالم في باريس ودبي والدوحة، والتراث المصري لا يجد مكاناً له في مصر، والوزير سعيد وفخور بالتقاط الصور مع الوفود الأجنبية، بينما الثقافة المصرية وتاريخها إلي ثور ونقطة صراع بين ممولين الثقافية الفرنسيين الذين يرغبون في نسبة تاريخ الحركة إلي الحقبة الاستعمارية الفرنسية وانجازاتها، وأخوة عرب يريدون نزعها من انتمائاتها الضيقة إلي فضاء عروبي مبتدع يغطون به على الثقب الاسود في هويتهم القومية. وفي هذا كله تقوم الوزارة فقط بدور أمين المخازن والسمسار الذي يوفر لصناع الفعاليات الثقافية العالمية والعربية الفرصة لاخراج هذا التراث من مصر وعرضه .

الحذاء الأصفر للإله الغائب

نشرت لأول مرة على مدونة وسع خيالك في 2011

يبدأ فيلم “الفتاة ذات البوت الأصفر” للمخرج الهندى “Anurag Kashyap  ” بحيلة درامية تذكرنا أو تذكرنى بشكل شخصي بواحدة من روياتى المفضلة لنجيب محفوظ وهى “الطريق”.

هذا المرة الفتاة الإنجليزية تذهب إلى بومباي لتبحث عن والدها الذي لا تعرف عنه أى شي. ومثل رشدى أباظة في فيلم “الطريق” فحتى اسم ذلك الأب ليس واثقة فيه أو وجوده بل يتداخل مع أسماء أخري في المدينة الكبيرة بومباى.

تحمل رواية نجيب تأويلات عديدة. واحدة منها أن الأب لغويا في بلاد المغرب يستخدمون كلمة “رب” مرادفاً لكلمة الأب. وبحث رشدى أباظة عن والده هو رحلة طويلة للبحث عن الإجابة النهائية والكاملة. الأصل والفرع. المرجعية التى تحمل جميع الأسئلة وإجابتها. نماذج الأمتحانات التى لن يخرج الإمتحان عنها. والأهم في رواية الطريق ليس الوصول إلى الأب أو الرب، بل الرحلة ذاته وما تكشفه ويتكشفه المرتحل فيها.

في فيلم فتاة البوت الأصفر، تقوم الممثلة التى فشختنى بشكل شخصي في دماغى “Kalki Koechlin” بالعمل في بيت للمساج والتدليك، معظم رواد المكان القابع في قلب عشوائيات بومباى من الرجال العجائز أو اللذين تتكلس عضلاتهم نتيجة ركود الحياة.

شارلي شبلن في خطبة الديكتاتور يقول فيما معناه “لقد طورنا السرعة لكن لا نزال في مكاننا”. وفي فيلم البوت الأصفر، يشتكى أحد الزبائن العجائز من الإزعاج والحفر والهدم في كل شوارع بومباى. يقدم لنا نظريته بشكل عرضي “أعتقد أن الحكومة تسمح بكل هذه الأعمال المزعجة لكى توهمنا بأننا نتطور ونحرز تقدماً”.

n646737443_424361_4599

بقناعة واثقة في مثاليتها العليا ينهى نجيب محفوظ رواية الطريق واثقاً أن بطله لن يجد ما يبحث عنه لكنه الحركة بركة، ولا بد أنه اكتشف شيئاً وأشياء أخري. تكتشف الفتاة ذات الحذاء الأصفر الكثير من الحقائق. منها أن الزبون ذو الشعر المصبوغ بالأصفر الذي إلي جانب المساج تقدم له خدمات “ووظائف اليد” ليس إلا ربها الذي يعترف باكيا أنه يحبها. ومع ذلك لأن الإنسان دائماً كان جهولاً، عاصياً، خارجاً، ترفض الفتاة هذا الحب.

يغيب رب رشدى أباظة في رواية محفوظ ولا يتجلى ولا يظهر ويترك ابنه لنار التجربة. أما رب فتاة البوت الأصفر فيسير في شوارع بومباي باكيا محزونا مكلوماً.

 وأنا القتيل يا حاج عمر…

الدرونز الإلهية

نشرت في المدن في ديسمبر2015

عادت صديقتي من جنيف، حيث تدرس القانون الدولي هناك، في زيارة قصيرة إلى القاهرة، لاستعادة الحياة خارج حزام القانون الدولي. بعد فقرة الترحيبات والأحاديث الودية، قالت لي إنها تعمل ضمن مجموعة بحثية، لانتاج مسودة من المفترض أن تتبناها الأمم المتحدة، لتكون بمثابة قوانين للطائرات بدون طيار، أو ما يعرف في فلسطين بالزنانة.

المسألة معقدة من الناحية القانونية ومليئة بالمداخلات التي يمكن أن نَستكشف فيها شكل المستقبل القادم. فأولاً أصبحت أميركا وكثير من الدول الغربية، تَستخدم طائرات بدون طيار، آلية بالكامل، بل ولا تحتاج إلى من يقودها عن بُعد. أصبح هناك طائرات بدون طيار أو للدقة قتل بدون عقل؛ تعطيها إحداثيات الموقع الذي ترغب في ضربه، أو صورة الشخص الذي ترغب في قتله، لتنطلق الطائرة بشكل آلي إلى الموقع المحدد وتجري عمليات بحث بين الكائنات البشرية، حتى تعثر على الهدف المحدد، وتنفذ التعليمات. من خلال الرادار وتقنيات البحث يمكن للطائرات الآلية تحديد الأشخاص الذين يحملون أسلحة، وسط تجمعات المدنيين، واستهدافهم بشكل دقيق.

هدف صديقتي القانونية هو وضع إطار قانوني لمحاسبة الطائرات بدون طيار. فمثلاً إذا أخطأت “الزنانة” في تحديد الهدف وأصابت هدفاً آخر، فمن يتحمل الخطأ؟ هل هو من أطلق الجهاز؟ أم الجهة التى صنعت البرنامج الذي يعمل به؟ أم الجهة المصنعة؟ أم المسؤولون عن القمر الصناعي الذي يساعد ويدعم الزنانة بالمعلومات. أخبرتني صديقتي عن مشاريع تقدمت بها شركات وحكومات لاستخدام “الزنانة” في مراقبة الحدود والتعامل مع اختراقاتها من قبل المهربين أو اللاجئين. يمكن برمجة الزنانة مثلاً كي تحرس حدود أوروبا، وتطلق النار أو ترمى الشباك على المخترقين أو تصعقهم كهربائياً بشكل يصيبهم بالشلل، أو تفعل ما تريد بحق من يخترق تلك الحدود.

من تقتلهم “الزنانة”، لا دية لهم، ولا قتلة، ولا ثأر يمكن أخذه. وبلهجة ثورية، إن أردت أن تأخذ حق أخوتك شهداء الطائرة بدون طيار، فيمكنك أن تبدأ بحرب بشرية ضد الآلات الذكية، أو تنتظر إقرار الأمم المتحدة لقوانين محاسبة الطيارات بدون طيار، والتي بالتأكيد ستوزع الخطأ إن وجد على كل المشاركين في صناعة آلات القتل المستقبلية تلك.

العدد الأكبر من ضحايا الطائرات بدون طيار، هم دائماً عرب أو مسلمون. من أفغانستان إلى غزة واليمن، منحت أجساد العرب الفرصة لآلات القتل الآلية لتطوير قدراتها.

لم نعد أعداء لأحد، بل فئران تجارب لتطوير تكنولوجيا القتل الآلي. القتل الحديث والذي يتم حتى بدون أعراض جانبية، كالشعور بالذنب أو إرسال المجندين إلى أطباء نفسانيين لعلاجهم من الصدمات.

الإنسان الغربي صانع الحضارة والمستقبل يصل الآن إلى مشارف بوابة الآلهة، حيث يمكنه أن يقتل من دون أن يتحمل الذنب، ومن دون أن يعلق حق ودم الضحية في رقبته. بل يقترب من بوابة الآلهة الإغريق حيث يجلس في مدنه الذكية المحصنة، بينما الآلات الذكية تحميه، وتضرب الأعداء.

الغرب يستغل العلم والتكنولوجيا لصنع قفزاته مقترباً من الآلهة التي لا يمكن محاسبتها، وتحركها دائماً القيم النبيلة كالحرية والإخاء والمساواة، وغيرها من القيم الفرنسية التي يظن المسيو هولاند أن الإرهاب يحارب فرنسا بسببها. لكن الشرق أًيضاً، من خلال السمو الروحي والتضحية والفناء الصوفي في المحبوب، يرتقي ليقترب من بوابة الآلهة.

في تفجير أتوبيس الأمن الرئاسي في تونس، وردت أخبار أن القاتل المفجر لنفسه، سُمع وهو يُحادث آخر، عبر هاتفه المحمول، قبل الصعود إلى الأتوبيس، وهو يقول: “نلتقي في الجنة”. وبينما تستهدف الطائرات الأوروبية والروسية والعربية، أحياناً، مناطق تمركز “داعش” ظناً منهم بأن تلك وسيلة لتحقيق النصر، فمقاتلو “داعش” يرون في الموت تحت قصف الصواريخ أو تفجير النفس، طريقاً سريعاً إلى الجنة والغلمان المخلدين. أو بمجاز آخر، فإن بوابة الصعود إلى الآلهة، من خلال تحول الجسد إلى آداة للقتل، أو جثة ممزقة تحت وقع انفجار الصاروخ، لتصل الروح إلى جنتها الموعودة.

في المنتصف بين المجموعتين، عالقون نحن البشر الذين نأخذ من التكنولوجيا وسيلة للتعبير ولتوسيع فضاء دنياهم البائسة، ومن الدين صورته التي تدعي الوسطية والصوفية الحديثة الأقرب للتنمية البشرية.

البشر الباحثين عن النجاة. والذين لا يخدعهم السعي الداعشي لجنة غائبة، أو “السهوكة” الغربية الساعية لعالم تحكمه القوانين العاقلة والطائرات دون طيار الذكية المهذبة.

مضطرين لمخالطة التماثيل وللاستماع لخطاباتهم المليئة بالمجازات والاستعارات التاريخية والميثولوجيا، بينما يتبادلون صفقات الأسلحة والنفط من تحت الطاولة، لكي تغذي خطاباتهم بالمزيد والمزيد من الأكاذيب، في طريقهم لجبال آلهة الكذب.

 

Pablo Picasso. Guernica. 1937. Oil on canvas. Museo del Prado, Madrid, Spain.
بيكاسو الجرونيكا

A solidarity message from J.K Rowling

Everyday until now, I still discovering messages and drawings and e-mails, that people sent it to me during my time at the prison. Here is another one from one writer that we are love or been effected by the worlds that she created

DSC_0023

هيثم الوردانى يكتب: ضمير المتكلم وسياسة اﻷدب

يقبع الكاتب “أحمد ناجي” في السجن منذ فبراير الماضي تنفيذًا لحكم بالحبس لمدة عامين بعد إدانته بتهمة “خدش الحياء العام”. وتعاقبت فصول محاكمة ناجي كما هو معروف إثر نشر جريدة أخبار الأدب القاهرية الفصل السادس من روايته “استخدام الحياة” في صيف ٢٠١٤، إذ أقام أحد القرّاء دعوى على الكاتب والجريدة بعد “إصابته بارتفاع في ضغط الدم واضطراب في نبضات القلب” من هول ما قرأ في الفصل المنشور. وقبلت النيابة الدعوى المقدَّمة، ثم شرعت في التحقيق مع الكاتب الشاب (30 عامًا) منطلقةً من أن الجزء المنشور من الرواية هو مقالة صحفية وليس عملًا إبداعيًا، ووُجهت له تهمة “خدش الحياء العام”. جاء حكم درجة التقاضي الأولى في مطلع يناير ٢٠١٦ ببراءة الكاتب لعدم توافر القصد الجنائي، أعقبه حكم محكمة الاستئناف المفاجئ في فبراير الماضي بإدانة الكاتب. ودخل ناجي السجن، في حين بقيت روايته، للمفارقة، حُرّة طليقة، تُباع على أرفف المكتبات وأرصفة بائعي الكتب.

من يتكلم؟

تأتي قضية ناجي في لحظة استثنائية وصلت فيها الخصومة السياسية في مصر إلى درجة غير مسبوقة من التوحش والفُجور. فلا يكاد يمر يوم من دون خبر اعتقال أو إخفاء قسري أو تصفية خارج إطار القانون. ومن نافل القول إن حرية الصحافة أو التعبير لا تحظى بوضع استثنائي في هذا المشهد الكئيب. لكن رغم التسيس الذي لا مفر منه في اللحظة الحالية، ورغم انخراط أحمد ناجي وجيله في نشاطات وممارسات استطاعت تغيير المشهد السياسي جذريًا على مدار العقد الماضي، رغم كل ذلك فإن قضية ناجي هي قضية أدبية في المقام الأول وليست قضية سياسية. أو على نحو أكثر دقة، قضية ناجي لا تتعلق بالسياسة بوصفها صراعًا على السلطة، وإنما بما أسماه “جاك رانسيير” سياسة الأدب. أي تلك السياسة التي ينحتها الأدب من خلال ممارساته. فالكتابة، حتى ولو لم تتناول مواضيع سياسية، أو تروج لفكرة سياسية، هي دائمًا في حالة اشتباك مع الواقع. والانحيازات الأدبية للكتابة، أي طرقها المختلفة للعمل على مادتها، من تنظيم وتوزيع وتأطير وتشتيت، هي ما تخلق سياسةً للأدب، وتتيح له التفاعل مع واقعه. قضية ناجي بهذا المعنى هي قضية لا تنتمي إلى الصراعات السياسية الحالية، أو على الأقل لا تنتمي إليها فقط، وإنما تنتمي بعمق إلى معركة الأدب القديمة، أي منذ ظهوره كشكل جديد من أشكال فن الكلام. هذه المعركة تتمثل في إصراره على تأسيس سياسة نصيّة مستقلّة والعمل من خلالها. تتقاطع هذه السياسة مع الواقع في نقاط مختلفة عن تلك التي تتقاطع معه فيها السياسة بمعناها التقليدي. وفي زمن احتقار السياسة، بل ومحاولة وأدها من قبل الجميع، يغدو من الأهمية بمكان تلمس أفق جديد للسياسة، نوع آخر من السياسة، وذلك من خلال فهم معركة الأدب وتأملها في خصوصيتها وصيرورتها، لا باعتبارها مجرد تابع لصراع سياسي راهن، من دون أن يعني ذلك بالطبع عزل تلك المعركة عن اللحظة الحالية.

ث

يمكن القول إجمالًا إن قضية ناجي بُنيت على تهمتين، إحداهما مضمرة والأخرى معلنة، التهمة المضمرة هي قيام الكاتب أحمد ناجي نفسه بالأفعال التي قامت بها الشخصية الرئيسية في روايته، والمقصود بالأفعال هنا هي أفعالٌ من قبيل تعاطي المخدرات وممارسة الجنس. أما التهمة المعلنة فهي كتابة ونشر ألفاظ وعبارات تُعدّ خادشةً للحياء العام. التهمة الأولى كانت حاضرة بقوّة في التحقيقات الأوليّة حسب شهادة من حضرها، ثم تراجعت تدريجيًا، وهيمنت التهمة الثانية شيئًا فشيئًا على مسار القضية، لتصبح في النهاية قضية خدش حياء عام. غير أن هذا لا يقلل من الأهمية الكبرى للتهمة الأولى المضمرة، إذ إنها تنطوي على أحد أسئلة الأدب الجوهرية. فهي تحيلنا مباشرة إلى صراع خافت يعمل في قلب قضية ناجي، صراع آخر غير الصراع على حرية التعبير أو حدود الخيال، إنه الصراع على ضمير “الأنا”. هذا الصراع يدور حول سؤال: من يتكلم على لسان ضمير المتكلم؟ من هي هذه “الأنا”؟ رواية “استخدام الحياة” لمن لم يقرأها اختارت أن تسرد ما حدث لبطلها “بسّام” باستخدام ضمير المتكلم. “بسّام”، أي المتكلم، هو شاب يعيش في قاهرة المستقبل. يعمل “بسّام”، ويحب، ويمارس الجنس، ويدخل في صراعات مع آخرين في المدينة، تمامًا كما يحدث عادةً مع غيره من الشخصيات الروائية. وبعد نشر الفصل السادس من الرواية في صحيفة أخبار الأدب انفجر فجأة هذا السؤال القديم مرة أخرى في وجه الجميع: من يتحدث هنا بضمير المتكلم؟ هل هو المواطن أحمد ناجي متخفيًا وراء شخصية مختلقة؟ أم هو الشخصية المختلقة “بسّام”؟

الادعاء رأى أن ما نُشِر هو مقال، وبالتالي فهو يسجّل حقائق. هذه الحقائق تُنسَب إلى من كتب المقال، أي ناجي، وبالتالي يحق للقانون محاسبته عليها. أما دفاع الكاتب أحمد ناجي فحاجج بأن ما نُشِر ليس مقالًا صحفيًا وإنما نص ابداعي متخيل ومقتطع من رواية، يسرد أفعالًا قامت بها شخصية مختلقة تدعى “بسّام”، ومنفصلة عن شخصية كاتبها. هناك إذن طريقتان في فهم الذات تتصارعان في هذه القضية. الأولى ترى في الذات وحدة مكتملة، متوحّدة مع نفسها ومنفصلة عن أي آخر. أقوالها متسقة دومًا مع أفعالها. والثانية ترى في الذات وحدة غير مكتملة، يداخِلُها الآخر وتعتريها الشقوق. أقوالها لا تتسق دائمًا مع أفعالها.

لذلك فعندما يكتب أحمد ناجي نصًا بضمير المتكلم على لسان “بسّام”، فإن الطريقة الأولى في فهم الذات – وهي ليست قاصرة على القارئ مقيم الدعوى أو الادعاء، بل تنتشر بدرجات مختلفة بين كثير من القراء، والكتّاب أيضًا – هذه الطريقة سترى في هذا النص اعترافًا بأفعال حقيقية وقعت لناجي نفسه، لأن ذاته هي ذاتٌ مكتملة، مسؤولة عن أفعالها، وأقوالها تشير إلى أفعالها تلقائيًا بصرف النظر عن أي حِيَل كتابية. في حين سترى الطريقة الثانية أن الذات، أيّةُ ذات، هي مكان للاختلاف والغيرية، وبالتالي يمكن لناجي أو غيره أن يتحدث مستخدمًا “أنا” لا تخصه، “أنا” أخرى، لقول حقيقة لم تقع بالضرورة. لنُسمِّ الآن الأنا التي تقترحها الطريقة الأولى “الأنا القانونية”، والأنا الثانية “الأنا الأدبية”.

يعتمد القانون، بما هو إدارةٌ للحقوق والواجبات، اعتمادًا كليًّا على منظومة الذوات. عليها يضبط الحقوق والواجبات، ومن دونها لن يمكنه أن يقوم بوظيفته. الذات من وجهة نظر القانون هي شرط وقوع الفعل. فلا يوجد فعل من دون فاعل، أي من دون “أنا” يُنسب إليها هذا الفعل، سواء قامت به أو وقع عليها، وسواء اعترفت به أم لم تعترف. ولا يمكن للقانون أن يقبل بفك الارتباط بين الفعل والفاعل، أو بتعقيد مفهوم الفاعل، لإن ذلك يعني فساد منطقه. فالذات إذا لم تكن نقطة ثابتة ومحددة في الفراغ، فلن تُمكن نسبةُ الأفعال إليها، وبالتالي ستسقط المسؤولية من وجهة نظر القانون، ولن تمكن محاسبة المرء على ما فعله. الذات قانونيًا هي إذن وحدة إدارية، تقع في إطار نظام حكم سياسي واجتماعي معيّن. وتنبع مسؤوليتها القانونية من واقع ارتباطها بأفعالها بعلاقة سببية تخارجية، أي أنها سبب خارجي ومستقل عن الفعل نفسه، ومن ثمّ تمكن محاسبتها عليه. أما الأدب فمن خلال الصدع الذي يحدثه في ضمير “الأنا”، أي من خلال إتاحته الفرصة لاستعارة أو إعادة تشكيل الأنا أثناء الكتابة، فإنه يُخرج الذات من البناء القانوني المحكم، ويجعل الفعل نشاطًا لا يصدر عن فاعل يسبقه، بل عن فاعل يتشكل من خلال الفعل نفسه.

فعل الكتابة هو نشاط تقوم به ذات قيد التشكل، فالكاتب يحصل على ذلك الاسم فقط عندما يكتب وليس قبلها، وينتج ذوات أو شخصيات روائية هي أيضًا قيد التشكل. والعمل الأدبي ينبع، في إحدى مداراته، من حركة ترفض رؤية الواقع بوصفه قد اكتمل بالفعل، فالأدب يبحث دائمًا عن طرق ووسائل لإعادة فتح الواقع بعد أن بدا أنه قد تجمّد وأخذ شكلًا نهائيًا، من أجل العمل عليها وإعادة تشكيله. أين تكمن إذن المسؤولية في الأدب إذا كانت الأفعال فيه تتماهى دائمًا مع فاعلين قيد التشكل؟

في الأدب لا توجد قوانين تَفرض على الذوات واجبات أو تمنحهم حقوقًا، بل هناك ذوات تتداخل في طريق تخلقها وتشكلها. ذوات لا ترغب في البقاء على ما هي عليه، أو ما كُتب عليها أن تكونه. وهذه هي مسؤوليتها. بكلمات أخرى، المسؤولية الأدبية هي إعادة فتح الواقع من أجل جعل عملية إعادة تشكيله ممكنة. في الأدب يصعُب بالتأكيد نسبة فعلٍ ما إلى نقطة وحيدة تُدعى الذات كما يفعل القانون، لأن هذه النقطة أصبحت غيمة من ذوات متداخلة، قيد التشكل دائمًا. لكن ذلك لا يجعل المسؤولية تسقط، وإنما يجعلها تتعاظمi.

سؤال من هي هذه “الأنا” التي تتكلم هو سؤال سياسي بامتياز. فهو وثيق الصلة بسؤال إلى أيّ جماعة تتحدث هذه الأنا، وأيُّ إطار يحكم العلاقة بينهما. الذات القانونية هي ذات من الممكن حُكمها وإدارتها بيروقراطيًا. من السهل سوقها وتحريكها في حشود، ومن السهل أيضًا تفريقها وعزلها داخل أبنية القانون. فهي نقية ومتسقة مع نفسها، مسؤولة عن أفعالها. عندما تقول “أنا”، تعني ما تقوله، لأنها تعرف ما هي هذه “الأنا”. إنها مكعب صغير يقف جوار مكعبات أخرى صغيرة ليكوّن معمارًا مجردًا يسمى الجماعة، ومسؤوليتها تجاه جماعتها تنظمها حزمة من القوانين والحقوق والواجبات التي تضمن عدم تداخل هذه المكعبات. أما الذات الأدبية فإنها عندما تقول “أنا” فهي تعني شيئًا آخر غير ما تقوله. لأنها لا تعرف على وجه الدقة ما هي هذه “الأنا”. أو لأن هذه “الأنا” هي دائمًا قيد التشكل، هي طيف من ذوات متداخلة، هي جماعة صغيرة. عندما يستخدم الأدب ضمير الأنا فإنه يُغيّر مرجعيته، مُفسحًا الطريق لنوع آخر من الذاتية. “الأنا” في النص الأدبي لا تحيل إلى ذات مكتملة مُعرَّفة، سواء كانت ذات الكاتب أو غيره، وإنما هي أقرب إلى كونها إمكانية جديدة، أو ولادة ثانية. الأنا هنا تُحيل، إن جاز التعبير، إلى ذاتية قائمة على ممارسةٍ داخليةٍ للغيرية. ولعلّ ذلك هو أحد الفروق الجوهرية بين الشخصية الأدبية والشخصية الواقعية. فالشخصية الأدبية ليست محض استنساخ لنمط الشخصيات الواقعية بكل خصائصها، بل هي نوع آخر من الذاتية. ذاتية تحيل إلى إمكانية الاختلاف والتغيير. هي نقد للذاتية كما يعرفها القانون.

DSC_0029
واحدة من رسائل التضامن التى وصلت لى عن طريق نادى القلم الدولى

كيف يمكن إذن حُكم وإدارة مثل هذا الذاتية التي يقترحها الأدب؟

ما هو الإطار الذي ينظم علاقتها بجماعتها؟

لا يُمكن بالتأكيد أن يتم ذلك بقوانين إدارية. ما يقترحه الأدب هو، ويا للغرابة، رفع المسؤولية إلى مرتبة القانون الأساسي. فتصبح أفعال تلك “الأنا”، أيّة “أنا”، خاضعة في الأساس لمسؤوليتها أمام نفسها، أي مسؤوليتها المترتبة على فهم أن الذات ما هي سوى مكان لاختبار الغيرية. بنية لا يمكن أن تستقر، وإذا استقرت تخلّت عن مسؤوليتها. الأدب لا يكفّ عن إنتاج شخصياته وإخراجها إلى الواقع، لا لتمييع المسؤولية، وإنما على العكس، من أجل تعقيدها. والمسؤولية التي يقترحها الأدب كإطار لعلاقة الفرد بجماعته هي مسؤولية إعادة فتح الواقع، إعادة فتح الماضي، إعادة فتح الذات، لا لترسيخ كل ما سبق، وإنما من أجل جعل إمكانية تغييره واردة. فالأدب ليس شأنًا خاصًّا يحدث فقط في الكتب، بل هو أداة اجتماعية يمكن للجميع استخدامها. أداة لفهم الذات وصياغتها بناءً على التفاوض المستمر مع المستحيل في لحظة تاريخية بعينها. وضمير “الأنا” كما يمارسه الأدب يصلح أيضًا للتطبيق خارج الكتب بالكفاءة نفسها. فخصوصية الأدب في فهمه للسياسة، لا تعني عزلته، وإنما تعني دقّته في تشكيل مجال عمله. تعني رغبته في الانتماء إلى الواقع المشترك من خلال محاولة تغييره، على طريقته. أو كما قال “رانسيير” في كتابه “سياسة الأدب” “إنه [أي الأدب]، باختصار، مركزٌ آخر للمدركات وطريقة أخرى في ربط قدرة انفعالية حسيّة بقدرة على الدلالة. إلّا أن رابطةً أخرى بين المعنى والعالم الحسيّ، وعلاقةً أخرى بين الكلمات والكائنات، تعني أيضًا عالمًا آخر مشتركًا وشعبًا آخر”.

ما هي هذه البنية التي نسميها “أنا”؟

هل هي بنية تخيلية؟ أم هي بنية قانونية؟ أم لعلها مزيج منهما؟

بتقدم التحقيقات في قضية ناجي توارى سؤال الأنا شيئًا فشيئًا، وتراجعت التهمة الأولى لكي تتصدر التهمة الثانية الخاصة بخدش الحياء مجريات القضية، حتى أصبحت الأخيرة تتمحور حولها. وصدر الحكم النهائي بعقوبة السجن بعد أن أثبتت المحكمة تهمة خدش الحياء تحديدًا. لكن الالتباس الخاص بالتهمة الأولى وسؤال من هي “الأنا” التي تتكلم ظل مخيمًا على القضية، وظهر جليًا في منطوق الحكم. فالمنطوق يشير إلى نص ناجي تارةً باعتباره “مقال للعرض والتوزيع حوى مادة كتابية”، وتارةً أخرى باعتباره “مادة مكتوبة”، وتارةً ثالثة باعتباره “مقال”. في الجلسة الأخيرة للقضية قبل صدور الحكم، وبعد أن يأس الحاضرون من رفع هذا الالتباس، قام رئيس تحرير جريدة أخبار الأدب، والمتهم الثاني في القضية، طارق الطاهر، وقال للقاضي إن لديه ما يرغب في إثباته في محضر الجلسة.

ما الذي رأى الطاهر أن من المهم إثباته في هذه اللحظة التي ترتسم فيها ملامح الكارثة في الأفق؟ ما أراد الطاهر إثباته هو أنه في أثناء إحدى جلسات التحقيق التي لم يحضرها ناجي قال له ممثل الادعاء إن بإمكانه حبس ناجي بتهمة تعاطي الحشيش الذي كان يدخنه بسّام في الرواية. وعندما أثبت الطاهر ذلك في محضر المحاكمة دافع ممثل الادعاء عن موقفه قائلًا إنه كان بإمكانه أيضًا حبس ناجي بتهمة تصنيع الحشيش، لأن بطل قصة “السنيورة” التي كتبها ناجي أيضًا بضمير المتكلم، قام بطبخ الحشيش، لكنه لم يفعل. مما يدل من وجهة نظر الادعاء على أن موقفه من ناجي موقف غير شخصي. من المستبعد أن تكون بادرة الطاهر قد لعبت دورًا في حكم المحكمة النهائي، إلا أن أهميتها تكمن في كونها آخر ما يمكن الدفاع به. كأن لسان حال هذه البادرة يقول: إذا لم يكن من الممكن دفع الالتباس، فعلى الأقل يمكن تسجيله. بعدها رُفعت الجلسة للحكم، وأُدين طارق الطاهر أيضًا في القضية، وحصل على أقصى عقوبة يوقعها القانون على رئيس التحرير في جرائم النشر، وهي غرامة مالية قيمتها عشرة آلاف جنيه.

الجسد الأدبي

يزخر التراث العربي بالكثير من النصوص التي تتحدث صراحة ومن دون تورية عن الجنس. لذا لم يكن من الغريب أن يحاجج دفاع ناجي على براءة موكله من تهمة خدش الحياء العام مستخدمًا مقاطع من “العقد الفريد” و”أغاني الأصفهاني” و”أخبار أبو نواس”. في هذه المقاطع نقرأ عن نساء يتحايلن لكي يضاجعهن أزواجهن، وعن أمراء يغرقون في عسل جواريهم. نقرأ ما قاله الظرفاء عن الأعضاء الجنسية، وما أنشد به الشعراء في المضاجعة. ورغم منطقية هذا الدفع الذي يستند على وجوب إجازة لناجي ما أُجيز لمن سبقه، وذلك بحكم انتماء الجميع إلى الحقل المعرفي نفسه، أي الكتابة، إلا أن هناك اختلافًا جذريًا بين الأدب بمعناه الحديث، والذي تنتمي إليه رواية ناجي، وبين النصوص التراثية التي تتناول الأخبار والنوادر وأوضاع الجماع.

الفارق باختصار هو أن الأدب كما نعرفه اليوم هو خطاب مباين تمامًا للخطابات التي تقف الأعمال الأدبية التراثية على أرضيتها، فهو شكل جديد من أشكال فن الكلام، شكل تاريخي مرتبط بعالم لم يعد يسكنه فقهاء وأمراء وجواري ورعايا، وإنما يسكنه أفراد يعيشون في عمران ينفجر كل يوم في وجوههم، وتحكمهم فيه سلطة سياسية لم تعد تتركز في يد شخص واحد.

الجنس في الأدب الحديث ينتمي إلى ذاتية لم تعد تبحث عن إطار فقهي لرغباتها، أو عن أبيات تحتفل بفحولتها. إنها ذاتية باتت أكثر تعقيدًا ووعيًا بما يلحق بمسارات رغبتها من انسدادات جراء وضعها المعيشي. والأدب هو خطاب لهذا النوع من الذاتية، والتي يمثل الجنس أحد خطوط مواجهتها مع المجتمع وأخلاقه. على هذا الخط تفحص الذات ضعفها وهشاشتها، تفحص شبقها وانحرافها عن المعياري. مشهد الحفلة في الفصل الأزمة الذي قاد ناجي إلى السجن ينطلق من سؤال: “ما الذي يفعله الشباب في مرحلة العشرينات في القاهرة؟” أو بكلمات أخرى، ما هي الإمكانيات المتاحة في هذا المكان وفي هذه اللحظة؟ بعد هذا السؤال تأتي تلك الجملة التي وقفت على الأرجح في حلق القارئ صاحب الدعوى، وهي الجملة التي تذكر الأعضاء الجنسية بأسمائها المعتادة، ثم مشهد ممارسة الجنس مع السيدة “ملعقة”. ما حدث لباسم بطل رواية “استخدام الحياة”، وما حدث لكاتبها أحمد ناجي من بعده، هو بالضبط ما تقدمه القاهرة اليوم لشبابها.

10483911_739261326135048_8090798527048330377_n
تفاصيل من لوحة صلب المسيح لوليد عبيد

من المثير ملاحظة أن منطوق الحكم لا يعارض تناول الجنس في الأدب بشكل منهجي، بل يعارض استخدام ألفاظ بعينها. يقول منطوق الحكم إن “من علوم اللغة العربية علم البلاغة ومن أساليبها أسلوب الكناية والتورية، فلو كان المتهم عالمًا بأساليب اللغة وآدابها لاستخدم أيًا منهما في التعبير عما أراد إذا ما اقتضى سياق الرواية ذلك، ولكن أنّى له بعلوم اللغة فقد اختار لنفسه أحطّ الألفاظ التي لا تستخدم إلا في مجتمعات يغيب عنها الناموس الأخلاقي”. ليس من الصعب أن يخمّن المرء سبب الارتباط شبه القدري بين الجنس والكلمات الفاحشة في كل اللغات. إذ يظهر للوهلة الأولى أن الجنس، الذي كثيرًا ما تصمه المجتمعات المحافظة بـ “القذارة”، يجد صورته في الألفاظ “القذرة”، لأنها مثله محرمة ومستبعدة. أو لعلها استُبعدت بعد أن عبّرت عنّه. على أية حال هناك فيما يبدو جذر محافظ، أو ارتباك قديم حيال الرغبة مرّت به معظم المجتمعات وخلّف أثره في اللغة. بين الجنس والكلمات الفاحشة ما يشبه الحبل السُري. كلاهما يحمل ما يهدد النظافة الاجتماعية الكاذبة، ويُعيد وحش الرغبة الذي أراد الجميع إخفاءه بعيدًا. بلا كناية أو تورية.

لكن ما هي هذه الألفاظ التي تخدش الحياء العام؟

الألفاظ الخارجة النابية الفاحشة البذيئة الإباحية الساقطة القذرة؟ ما هي الألفاظ التي أسمتها المحكمة “أحطّ الألفاظ”، والتي أُقيمت عليها التهمة الثانية في القضية، وقادت ناجي إلى السجن؟ إنها ألفاظ تجري على الألسنة كغيرها من ألفاظ اللغة. لكن على ألسنة من؟ على ألسنة من أسمتهم المحكمة “مجتمعات يغيب عنها الناموس الأخلاقي”. إنها لغة السوقة والدهماء، لغة الأوغاد والسفلة، لغة المراهقين والمتمردين. وكمجرم تائب يتسامح المجتمع مع استخدام هذه الألفاظ مؤقتًا، شريطة أن يجري التخلّي عنها بعد ذلك. المجرم القديم الذي يعرف حلاوة الخروج عن القانون سيتسامح مع المراهقين والشباب إذا ما عزفوا عنها بعد وصولهم لمرحلة النضج والتحقق. وسيتسامح مع استخدام السوقة لها إذا ما تخلّوا عنها أمام مترفيهم. جريان الألفاظ النابية على الألسن يعكس إذن تصورًا اجتماعيًا للحياة كرحلة تصعد بالأفراد من القاع إلى القمة، من القذارة إلى الطهارة، من الفقر إلى الغنى، من سوقية الطبقات الدنيا إلى حذلقة الطبقات العليا. كأن السوقية هي ما تجب مغادرته إلى الأبد في سلم الترقي الاجتماعي، وليست أداة تعبير تكون هي الأدق والأفصح في سياقات معينة. لكن ما يثير الدهشة حقًا، أيًّا كان تصور المجتمع عن نفسه، هو عمق الجرح الذي تسببه هذه الألفاظ عندما تُقرأ في كتاب، مقارنة بالجرح الذي يمكن أن تحدثه عند سماعها فقط. مالذي يستدعي مقاضاة ناجي وعدم ترك روايته ببساطة جانبًا كما يحدث عندما يجد المرء نفسه في مكان يكثر فيه السباب مثلًا فيغادره؟ هل لأن الكتاب مرتبط بالطهارة؟ هل لأن القراءة مرتبطة بتصور طُهراني عن الذات؟ مرتبطة بتلك الخرافة الجماعية لرحلة عصامية تحمل المرء من القاع إلى القمة؟

اللغة مادة الأدب الأولى، والألفاظ الفاحشة هي منتج عضوي أفرزته اللغة نفسها، لذلك من الطبيعي أن يتوقف الأدب أمام هذه الظاهرة التي تجعل بعض الكلمات محرّمة وأخرى محلّلة.

أليس استخدام ألفاظ فاحشة في نص أدبي هو مراجعة لهذه التراتبية، بما يحمله ذلك من مراجعة لتراتبية الناطقين بكليهما، وبذلك هو جزء من سياسة الأدب؟ أليس استخدام ألفاظ نابية مراجعةً لأسطورة الطهارة؟ وإذا كان هذا هو هدف الكاتب حقًا فكيف يمكنه استخدام هذه الألفاظ من دون السقوط في الشعبوية أو الابتذال؟ ليس أحمد ناجي هو أول من يقف أمام كل هذه الأسئلة، فتاريخ الأدب المصري حافل بأمثلة متنوعة لخلق إجابات عنها، ولعلّ أكثرها زخمًا وقوّة هو ديوان الشاعر نجيب سرور، غير المطبوع والمنتشر رغم ذلك على نطاق واسع، ديوان “… أميّات” الشهير. وهو ديوان غني عن التعريف، صاغ شعرية شعبية مستخدمًا كل الألفاظ المحرّمة على الشعراء. الكلمة الأولى في عنوان الديوان غير خافية على معظم القراء، لكن كاتب هذه السطور قرر أن يستخدم مكانها النقاط الثلاث الشهيرة، فهل هذا هو عمل الرقابة الذاتية؟ عمل شرطة الأدب الداخلية؟ ربما. أو لعل الأمر مرتبط أيضًا بسياسة الأدب، فالأخيرة هي ما تجعل نصًّا يختار ممارسة حقّه في استخدام كلمة باتت تُعدّ خارجة، رغم أن الجميع يستخدمها ليلًا نهارًا، في حين يختار نص آخر وضع النقاط الثلاث، لأن قضيته ليست ممارسة الحق في استخدام ألفاظ يعدّها المجتمع خارجة، وإنما تأمّل هذا الحق.

كل اختيار منهما مرتبط بسؤال وبمجال بحث. مرتبط باختيار أدبي وانحياز في الكتابة في لحظة بعينها، باختصار مرتبط بسياسة أدبية. ومن حق كلا الاختيارين التواجد والعيش.

نعم، ليس ناجي هو أول من يقف أمام سؤال الألفاظ الفاحشة، ولا أول من يقف أمام سؤال الجنس في الأدب، ولكنه أول من يُودع السجن بسببهما في تاريخ الأدب المصري الحديث.

لماذا صدر الحكم ضد ناجي في هذه المرحلة تحديدًا؟ لماذا انتهت القضايا الشبيهة سابقًا إلى سحب الأعمال من الأسواق أو فرض غرامة مادية فقط على مؤلفيها؟ هل يرجع ذلك إلى الظروف السياسية الحالية والدور الذي تلعبه السلطة القضائية فيها؟ هل يعود ذلك إلى تغيّر في ذائقة المجتمع وتوجهه أكثر إلى المحافظة؟ هل سنشهد إذن مزيدًا من القضايا ضد أعمال أدبية؟ أم أن الأمر هنا سوء حظ ومصادفة عبثية؟ من الصعب العثور على إجابة مقنعة عن كل تلك الأسئلة، فهناك عدد لا بأس به من الأعمال الأدبية التي تنشر في مصر اليوم يتضمن نقدًا اجتماعيًا أو سياسيًا.

كذلك لا توجد جهة رقابية حكومية تُعرض عليها الأعمال الأدبية قبل صدورها، وتملك سلطة رفضها أو الموافقة عليها. من ناحية أخرى، فهناك أكثر من قضية نشر حُكم مؤخرًا فيها بحبس الكتاب، مثل قضيتي الإعلامي إسلام البحيري الذي يقضي في السجن عقوبة بالحبس لمدة عام لتقديمه حلقة تليفزيونية اُعتبرت مسيئة للإسلام، والكاتبة فاطمة ناعوت المقيمة حاليًا خارج البلاد بعد صدور حكم بحبسها بتهمة ازدراء الأديان في تعليق لها على موقع الفيسبوك. جميع هذه القضايا أثيرت بدعاوى أقامها مشاهدون أو قراء. مما قد يشير إلى تنامي سلطة ما يدعون بـ “المواطنين الشرفاء.” لكن ما هي معايير عمل سلطة المواطنين الشرفاء تلك إن صح وجودها؟ وعلى أي أساس تُرفع قضية على عمل ما دون الآخر؟ لا أحد يعرف بدقة. هذه الضبابية هي سمة اللحظة الحالية في مصر، إذ لا يمكن معرفة ما إذا كان المرء قد تجاوز خطًا ما أم لا، ويصبح من العسير تقدير الخطوة التالية. يمكنك أن توجه نقدًا للنظام السياسي في مقال صحفي ولا يحدث لك شيء، أو تكتب رواية بها مشهد جنسي فتودع السجن. وهو الأمر الذي يثير الرعب حقًا.

لنعد مرة أخرى إلى تناول الجنس في الأدب.

الجنس في الأدب ليس ألفاظًا جنسية فحسب، بل أجساد أيضًا، أي نوع آخر من الكلمات يسمّى الضمائر. ومثلما يمتد حبلٌ سُري بين الجنس وبين الألفاظ الفاحشة، يمتدّ حبلٌ آخر بينه وبين ضمير المتكلم.

بالطبع لا تقتصر معالجة الجنس في الأدب على مقاطع تتحدث بضمير المتكلم، لكن هناك صدى شهواني خافت يرافق ضمير المتكلم، حتى ولو خلا كلامه من أي شهوة أو جنس. فالأنا مشحونة جنسيًا بطبيعتها، هي تجسّد وحميمية، بمجرد ظهورها يظهر جسد يتقاطع مع جسد الواقع الأكبر. الأنا ليست لحظة انتباه فكري فقط، أو جزءًا من تنظيم سياسي واجتماعي، وإنما أيضًا لحظة انتباه وتفتُّح جنسي. لحظة اتصال بالطاقة الليبيدية التي تسري في الحياة. إنها تمدّ تلك الطاقة بالحضور الذي تحتاجه، ليتشكل الجسد الذي ستتلبّسه في هذه اللحظة، ومن دونها تظل هذه الطاقة متخيلة وغير متعيِّنة. لكن ما هو هذا الجسد الذي يظهر مع ظهور الأنا؟ ما هو هذا الجسد الأدبي؟

إذا كان الأدب يرى في الأنا مجالًا للغيرية والتحول، كيف يمكن إذن لهذه الغيرية أن تحلّ في جسد؟ إنه جسد غريب بلا شك. جسد بلا اسم. درجة من التجسّد مختلفة عن الجسد الفيزيقي. فالأخير هو جسد هويّاتي، أو حُكم عليه أن يحمل هوية واضحة لا لبس فيها. أما الجسد الأدبي فهو الإمكانية التي لم تُكتشف بعد في الجسد، هو تجسّد خال من التأطير، وبالتالي فهو بلا اسم علم، حتى ولو حمل واحدًا. الجسد الأدبي هو إعادة فتح للجسد الفيزيقي من أجل شق مسارات داخل الانسدادات التي أصابته، من أجل البحث عن إمكانية جديدة لم يُلتفت إليها فيه. بكلمات أخرى، فالجسد الأدبي هو إعادة اكتشاف الجسد الفيزيقي وكل ما لا يزال كامنًا فيه، من أجل إعادة تشكيل لما ظننا أنه أخذ شكلًا نهائيًا إلى الأبد.

15619_10206083415233058_5471382005290153661_n
الأنا والعالم. خريطة فلكية قديمة لجسد السماء ومواقع الأبراج والأفلاك

يومًا ما سنقرأ تاريخًا لضمير الأنا في الأدب العربي. سيخبرنا هذا التاريخ كيف تتشكل الذاتية على ضفاف النص المكتوب، وكيف تُعاد صياغتها مع كل حقبة وسياق فكري واجتماعي وسياسي. سيرينا هذا التاريخ أن هناك طرقًا متعددة لتكوّن الذاتية كعلاقة بين الذات ونفسها، هذه العلاقة تربط الأفراد بالسياق الخارجي الحاكم لحياتهم، والذي يتغير في كل حقبة. سيكشف لنا هذا التاريخ كيف يمكن للأنا أن تصبح مركزًا للمقاومة، وكيف يمكن أن تلتف على نفسها لتتحول إلى ثقب أسود. تاريخ مثل هذا سيرينا الخطوط والمحطات التي تطوّرت الذاتية عبرها، وقد يعرّج في إحدى محطاته القريبة على كتابة التسعينيات في مصر، بوصفها الكتابة الأقرب إلى ضمير الأنا في الأدب الحديث، والصوت الأكثر التصاقًا بالذاتية. فكتابة التسعينيات مسكونة بضمير المتكلم، عثرت فيه على حليفها في رحلة انطلقت من الذات والجسد، رحلة جاءت في لحظة كان الجسد فيها يختفي تحت أستار التنميط والأيدولوجيا. لن يضع هذا التاريخ الذاتية على الطرف النقيض من الجماعية، ولن يساويها بالانعزالية، بل سيراجع اختيار الأنا التسعينية موضعة نفسها داخل جسدها الفردي كاستراتيجية للخلاص، ليحدد متى نجحت هذه الاستراتيجية في انتزاع حق تشكيل الحياة بشكل مستقل أمام التنميط الاجتماعي، ومتى انغلقت على نفسها لتعيد إنتاج التنميط الاجتماعي. سيراجع مثل هذا التاريخ كل ذلك، لأن الأنا التسعينية هي في النهاية “أنا” تاريخية.

الخيال كأداة للحقيقة

لا تكتمل الكتابة من دون أنا أُخرى أو ذات أُخرى، تعمل عليها قوى الكتابة. إنها ذات القارئ التي هي المجال الحقيقي لعمل الأدب. فالأدب هو تأثير ذات على ذات. لذلك لا يصعب تصديق القارئ الذي اختصم ناجي عندما قال إنه شعر “باضطرابات في نبضات القلب، وارتفاع في ضغط الدم”، فهذا هو بالضبط رهان الأدب. رهان الأدب هو أن الكلمة، على كل هشاشتها، يمكنها أن تُغيّر، يمكنها أن تؤثّر، يمكنها أن تجرح الواقع وتعيد فتحه بعد أن بدا أنه أُغلق إلى الأبد. هناك دومًا ذات تتلقى النص الأدبي مهمًا كان الضمير الذي كُتب فيه، ذات تفكر في ما تقرأه بينها وبين نفسها. اللغة لم تسعفنا بضمير خاص بالقارئ على غرار ضمير المتكلم، أي بتلك الأنا التي لا تتكلم وإنما تقرأ وتستمع. تلك الأنا الشاردة في الكتاب الذي بين يديها، غائبة عن الواقع وحاضرة فيه في آن. لذلك ليس أمامنا سوى استخدام ضمير واحد لكليهما، أنا واحدة. وقد يكفي ذلك بالفعل، لأن الأنا هي ذلك الحيز الذي يتغيّر فيه صاحبها كما رأينا. والقراءة الحقّة هي أيضًا استعداد لمبارحة النفس، وقبول دعوة التغيير التي يحملها النص المقروء، وليست مراكمة لما يُقرأ في مستودع داخلي يدعى الذات.

الكتابة والقراءة إذن تؤسسان لنوع خاص من الذاتية، فهما لا تنفكان تتصلان بضمير الأنا، ومعركة الأدب المستمرة هي كيفية فهم هذا الضمير. هل هو وسيلة لتحريك الواقع أم وسيلة لتثبيته؟ هل تقف وراءه ذات قيد التشكل أم ذات قد فرغت من تشكيل نفسها؟ بإمكان القارئ أخذ دعوة المراجعة والتغيير التي يطلقها الأدب بجدية، أو يهملها جانبًا. بإمكانه الاستمرار فيها أو العمل ضدها. فهذه هي مسؤوليته. ومن هذا المنطلق فإن جميع قضايا النشر الأخيرة هي قضايا تتعلق بمسؤولية القراءة وتبعاتها. هناك قراءة تؤدي إلى إقامة دعوى على الكاتب، وأخرى تسمح للنص أن يُغير القارئ. قراءة تنخرط في خدش الواقع، وأخرى تقيم حوله الأسوار.

هذا الواقع الذي خُدش يتأسس مثله مثل أي واقع آخر داخل خطاب ما للحقيقة، خطاب يحدد ما هو واقعي وما هو غير ذلك. لنعد الآن مرة أخيرة إلى الالتباس الأولي في هوية نص ناجي عند القارئ عندما نُشر في الجريدة. ما هو هذا الخطاب الآخر الذي خُلط بينه وبين الأدب في بداية القضية؟ إنه الكتابة الصحفية. رافع الدعوى وممثل الادعاء، بل والمحكمة في منطوق حكمها، الجميع تعامل مع فصل الرواية المنشور باعتباره مقالًا صحفيًا، أو في أفضل الأحوال باعتباره مقالًا حوى كتابة روائية. وما هي الصحافة؟

ما هو هذا الخطاب الذي نسميه صحافة؟

الصحافة الحرّة هي خطاب يضع على عاتقه في المقام الأول تقديم معلومة صحيحة، بعيدة عن التزييف أو الدعاية. فيمدّ قارئه بتقارير وآراء دقيقة وموضوعية، وبتحقيقات استقصائية تكشف الحقيقة. أو لنقل إن معركة الصحافة الحرّة أو الجادة مع غيرها من أنواع الصحافة هي معركة على ضمان صدق الخبر ونزاهته. هذه المعركة لا تُخاض فقط ضد الصحافة المدلِّسة، بل ضد أنواع أخرى من الصحافة أيضًا. علينا فحسب أن نتذكر المعركة التي شهدتها الصحافة العقد الماضي مع ظهور أشكال صحفية أخرى مثل المدونات وصحافة المواطن، ودارت رحاها حول كيفية التثبت من صحة المعلومة التي تقدمها تلك الوسائل الصحفية الجديدة، وضمان نزاهتها. باختصار يمكن القول إن الصحافة تنتمي لخطاب الحقيقةiv، هدفها تقديم الحقيقة وحمايتها من التزييف، وإشراك قارئها في هذا الخطاب لكي يكون جزءًا من الواقع الذي تؤسسه هذه الحقيقة. قارئ ناجي والادعاء خلطا إذن بين الصحافة والأدب، وتعاملا مع الأخير باعتباره خطابًا يُنتظر منه أن يقول الحقيقة. وفي خطاب الحقيقة لا توجد شخصيات مختلقة أو قصص مؤلفة. عندما تُدلي الأنا بشهادتها، عندما تقول إنها فعلت شيئًا، يُنتظر منها أن تكون صادقة فيما تقول، وبالتالي قد قامت بذلك بالفعل، وتتحمل تبعاته، وإلّا فإنها تكذب. ما منبع ذلك الخلط؟ هل الأدب لا ينتمي حقًا إلى خطاب الحقيقة؟ هل الأدب “كذب”؟ ما هي الحقيقة الأدبية؟

12208364_10156182734265414_7271227328139111475_n

الأدب هو عمل دؤوب لإلحاق الخيال بالحقيقة. والحقيقة الأدبية المعجونة بخميرة الخيال ليست هي حقيقة ما حدث وتمّ بالفعل، ليست واقعة منتهية يمكن فقط معرفتها من خلال الاعتراف أو التقصّي، وإنما هي حقيقة غريبة تتعلق بما يمكن أن يحدث، أو ما كان يمكن أن يحدث. أي أنها حقيقة لم تقع بالضرورة بعد، أو لن تقع أبدًا. باختصار الأدب معنيٌ بتأسيس الحق في نسبة ما لم يقع (بعد) إلى الحقيقة.

تأسيس حق الخيال، لا الكذب، في الانتماء إلى خطاب الحقيقة. الأدب من هذه الزاوية يقدم أرضًا جديدة لخطاب الحقيقة بعيدًا عن أرض الصدق والكذب التقليدية. إنها أرض الخيال. والخيال هنا ليس مجرد تهويمات في الفراغ، بل هو تقنية لاختبار الحقيقة.

هو إعادة فتح الحقيقة من أجل العمل عليها، هو بالضبط رفض تصوّر الحقيقة بوصفها قد تمّت واكتملت، وإنما بوصفها دائمًا صالحة لإعادة التشكل. ولا يمكن لهذا الاختبار أن يحدث دون القراءة. أو على نحو أدق، القراءة هي اختبار الحقيقة عبر أدوات الأدب. مالذي يجعلنا نقرأ الأدب؟ لماذا لا نكتفي بقراءة العلم أو الدين أو غيرهما من مصادر الحقيقة النهائية؟ أو قراءة القصص الصحفية الجادة والتعليقات السياسية التي سترشد طريقنا في عالم مضطرب؟ ألا تكفينا كل هذه السرديات التي تحيط بنا؟ لماذا نحتاج ما يزيد حيرتنا وبلبلتنا؟

ربما لأننا بحاجة دومًا إلى البحث عن مخرج. فالأدب ليس مركزًا لإنتاج الحقيقة، وإنما لمراجعتها. إنه لا يدّعي تقديم مضمون الحقيقة أو فحواها داخل سردية، وإنما تقديم أدوات من أجل الخروج على سردية الحقيقة. والحقيقة بالنسبة إليه ليست جوهرًا مخبأ في مكان بعيد المنال، وإنما تتشكل في اللحظة التي ينفتح فيها الواقع على إمكانية مفاجئة. وأين يبدأ كل ذلك؟ في القراءة. فهي ما يجعل الخيال رجعًا لصدى الواقع، أرضًا نضع فيها الحقيقة على المحكّ، وليست أرضًا نهرب إليها من الواقع.

عندما يلجأ الأدب لضمير المتكلم فإنه يُلحق الذاتية بخطاب الحقيقة، فيصبح ضمير الأنا إحدى أدوات الأخير. هذه الأداة تختلف عن أدوات الحقيقة الأخرى مثل الاعتراف والتقصّي. عندما يتكلم ضمير الأنا في النصوص الأدبية التي تستحق فعلًا هذا الاسم فإنه لا يكذب علينا، بل يتحدث بمنتهى الصدق. لكنه لا يريدنا أن نفهم ما يقوله على أنه مضمون الحقيقة، وإنما يريدنا من خلال القراءة أن نفرك الحقيقة بورقة الخيال الخشنة التي يمدنا بها، ثم نقف لنتأمل الإمكانيات الجديدة الكامنة في الحبيبات المتساقطة.

في فصل الرواية المنشور في الجريدة يتحدث بسّام عن ممرات سرية تحت القاهرة يحتمي فيها من العاصفة التي دفنت القاهرة تحت أطنان من الرمال والأتربة، فهل يريدنا أن نصدق أن هذا ما سيقع للقاهرة فعلًا في المستقبل؟ أم أنه يقدم لنا أداة تساعدنا على مراجعة واقع المدينة؟ يقدم لنا حقيقةً لن تحدث لكي نختبر بها حقيقةً تحدث؟ ما نسميه الخيال هو مجموع التقنيات والأساليب والأجناس التي يبتكرها الأدب أثناء احتكاكه بمادة الحقيقة. القصيدة والرواية والقصة ما هي إلا أشكال مختلفة لدفع الحقيقة إلى حدودها القصوى، للضغط عليها حتى تتوهج. الأدب يقدح الحقيقة بحجر مجازها فيتطاير شرر الجمال. ومع الجمال قد يولد ذلك العالم الآخر أو الشعب الآخر الذي يتحدث عنه “رانسيير”.

هذا النص هو محاولة لإعادة قضية ناجي إلى بساط الأدب. محاولة لتأمل اللبس القديم بين الأنا الذي تظهر في النصوص الأدبية وبين تلك التي تعيش في السجلّات القانونية.

اللبس الذي تسبّب – ولو جزئيًا – في دخول الكاتب أحمد ناجي إلى السجن، ليس بالجديد، بل قديم قِدَم الأدب، يتجدد في كل عصر بقضية جديدة وضحية جديدة، وينطوي على واحد من أكثر أسئلة الأدب جوهرية. وسعى هذا النص إلى القول بأن الفارق بين طريقتي فهم ضمير الأنا يكمن باختصار في أن مدخل الأنا الأدبية إلى الحقيقة ليس الاعتراف بها، وإنما وضعها موضع اختبار. اختبار يقوم به قارئ. والحقيقة التي يريد الأدب اختبارها وإعادة فتحها ليست حقيقة مكتملة ونهائية، وإنما يُعاد تشكيلها مع كل مرة تُفتح فيها. هذه الحقيقة هي ما يؤسس الذات كحيّز للتحولات، ويؤسس الجسد كمكان للاكتشاف. وهذه الطريقة في فهم الحقيقة هي ما يمكّن الأدب من صياغة سياساته في التعامل مع الواقع.

الدفاع عن الأدب انطلاقًا من الحق في حرية التعبير وحرية الخيال هو دفاع مشروع وضروري بلا جدال. فلكل إنسان الحق في التعبير عن أفكاره كيفما شاء، بما في ذلك كتابة الأدب. لكن هل تعريف الأدب حقًّا هو أنه كلام حُرّ؟ هل ما يميز الأدب عن غيره من الخطابات النصيّة هو حرّيته في التعبير عن نفسه؟ بالتأكيد لا.

الحرية في أن يقول كل من يريد، ما يعنّ له، بالطريقة التي تحلو له، وفي الوقت الذي يجده مناسبًا، هذه الحرية هي الوعد الذي تقدمه شبكات التواصل الاجتماعي لمستخدميها. أمّا الأدب فهو خطاب من نوع آخر. الأدب ينتمي إلى خطاب الحقيقة. فهو لا يريد أن يقول أي شيء فحسب، بل يريد أن يختبر الحقيقة، وهذا هو وعده. وهو يعمل على ذلك من خلال سياسات واستراتيجيات دقيقة خاصة به، مختلفة عن سياسات الأنواع الأخرى لخطاب الحقيقة مثل الصحافة أو القانون أو التاريخ، ولها أثمان غالية، يدفعها الكتاب من أعمارهم كما حدث في حالة ناجي أو غيره من الكتاب الذين سجنوا بسبب ما كتبوا. بين الكاتب والقارئ عالم مشترك. يريد الكاتب أن يفحص حقيقة شيء ما فيه، يريد أن يعيد صياغة هذا العالم المشترك، وهذه هي حريته. ويريد أن يفعل ذلك بمنتهى الصدق، ومن دون أن يتعرض للسجن أو الأذى، وهذا هو حقه.

سيخرج أحمد ناجي من السجن حتمًا عمّا قريب. إن لم يخرج اليوم فغدًا، وإن لم يخرج في هذا العام ففي الذي يليه. أمّا الجرح الغائر الذي أحدثته قضيته في جسد الأدب المصري فسيبقى مفتوحًا لعقود طويلة.

—— —–

نشرت في موقع مدى مصر عام 2016

لحم مكدس في كابل الانترنت

شُيعت الخطابات العاطفية الورقية منذ بداية القرن الحالي إلى منطقةِ رمادية بين البطالة والعطالة، في أفضل الحالات؛ الحفظ في المتحف كوسيلة اتصال  وتواصل عاطفي وحسى بين الأفراد تتنمى للماضي. دائماً سنقرأ عن هذا الحنين إلى زمن الورق والأحبار. فبطبعها تمثل الخطابات الورقية مادة خصبة لإعادة التدوير.

الخطابات المتبادلة بين عاشقين أو فردين منذ خمسة عقود بصفتها شأن خاص بين المرسل والمرسل إليه، تصبح بعد فترة وثيقة تاريخية ومن حق الأجيال الجديدة الإطلاع عليها.

على أرفف المكتبات، هناك كتب تحتوى على خطابات الكتاب، خطابات السياسيين، أفضل الخطابات العاطفية.

تخيل مثلا أن كافكا بدلاً من تبادل كل هذا الكم من الخطابات المكتوبة والمقطرة بعصارة الحزن والألم والاشتياق مع حبيباته. كان بامكانه التواصل معهن عبر “الاسكايب” أو “الفيسبوك” أو أى من وسائل وطرق التواصل الحديثة.

هذا الفأر المنزوى على نفسه المتوحد مع شهواته المكبوتة.

ربما كانت ستختفي الحذلقة، ولن يكون هناك مجال لممارسة الابتزاز العاطفي مع “فيليز” أو سكب الدموع على الورق لملينا.

أحاديث الشات المكتوبة، ومحادثات الاسكايب المرئية، الشات سكس. لحظات الفرح المختلس. كلها ليست خالدة مثل الخطابات الورقية. الحديث بالصوت والصورة عبر الاسكايب يطور العلاقات، أحياناً يفتح أبواب لإيهامات واستيهامات جديدة. أنه الخيال منظوراً. في عملية ممارسة ما يعرف “بالسيبر سكس شات” اتساءل من أين تأتى الإستثارة؟

من رؤية جسد الآخر عارياً؟ أم من تخيله واستحضاره في الذهن؟

فرق كبير بين الأمرين. أنه التغيير طبع الإنسان كما خبرنا نيتشة.

1z
صورة من فيديو تعذيب مجهول

1

تشكل الانتهاكات ذات الطابع الجنسي العمود الفقري لإستراتجية التعذيب داخل أجهزة الأمن المصرية.

قبل نشأة دولة المؤسسات المصرية في عهد محمد على استخدم التعذيب في مصر مثل بقية دول العالم في ذلك الزمن كوسيلة للعقاب على ارتكاب الآثام والتنكيل بالخصوم. لكن مع نشأة دولة المؤسسات في عهد محمد على أصبح التعذيب آلية يجب آخذ إذن الوالي عند تطبيقها كما لم يعد العقاب هدف التعذيب بقدر ما أصبح انتزاع المعلومات والاعترافات هدف ثانوى، وعملية كسر الإرادة وتشكيل الأفراد ليصبحوا مواطنين صالحين يعملون على صيانة النظام هدف أولى.

2a
من تصميمات القارئ الشعبي

 استخدم التعذيب في بعض الحالات كنوع من التسلية لممثلي السلطة يمارسونه على الأفراد للتنفيس عن ضغوط الحياة اليومية ليتمكنوا من الاستمرار في أداء دورهم.

لكن كل هذا لا يفسر التحول.

تدلنا السجلات الجنائية والشهادات التاريخية لضحايا التعذيب حتى السبعينات أن أساليب التعذيب التى تشمل الانتهاكات الجنسية لم تكن مع ذلك مطروقة بكثافة داخل أروقة أجهزة الأمن المصرية.

كيف إذن حدث هذا التحول في عقيدة وإستراتيجية التعذيب داخل أجهزة الأمن المصرية. كيف جري التحول من الجلد على الظهر في الستينات إلى اغتصاب الذكور في التسعينات؟

 ثم تطور إلى ما عرفناه منذ بضعة سنوات بحالة عماد الكبير حيث وضع عصا خشبية داخل مؤخرة الضحية مع تصويره في هذا الوضع واستمرار التنكيل بتوزيع الفيديو ونشره بين دائرة معارف الضحية. أن المشاعر الناتجة عن استعراض القوة في الأغلب تسبب استثارة لمناطق الذكورة.

فهل شعر إسلام ضابط الشرطة في فيديو عماد بالاستثارة. هل في الأمر ميول سادية وإيهامات واستيهامات آخري مخفية في مسألة رجل الأمن المصري. داخل المؤسسة الأمنية المصرية بشقيها (جهاز الشرطة- والمؤسسة العسكرية) تنحو تربية الكلاب الصغيرة القادمة منحنى يعتمد بشكل أساسي على بناء “الرجل”. وفي الوقت ذاته عزله عن بقية المجتمع.

كافكا مرة آخري. هل تشعرون بظله معنا الآن في القاعة أيها السادة؟

2

أن الأمل يحذوني عبر هذا النص إلى خلق مُعَادل بصري بالكلمات يمكنه أن يوسع ويكشف تفاصيل، أحداث، قرون استشعار، فجوات، مغامرات مفتوحة على انتصابات، مناطق رطبة، جنيات مسحورة، دماء ولحم آخر غير ما نراه في الصور المتعاقبة ذات الأعمار المتقلصة.

3

في معظم أعمال كافكا رغم حالة الاستسلام للسلطة والأبوية التى يشعرنا بها. لكن لا يمكننا وصف أشخاص كافكا ولا كافكا نفسه بأنهم أشخاص انهزاميون أو مندمجون بشكل كلى مع السلطة.

على العكس.. صراع كافكا الأساسي وصراع شخصياته هو الحفاظ على انسانيته. الحفاظ على جذوة الشهوات المكبوتة تحت وهن وضعف الجسد.

لنفكر في الأمر بطريقة كافكا.

الجرو الصغير الآن في سن السادسة عشر. اشتعال المراهقة واندفاع الهرمونات. وفي بلد مثل مصر من الصعب الحصول في مثل هذا السن على تجربة جنسية كاملة ومستقرة دون ضغط مجتمعى. لم يمارس الجرو الصغير الجنس بعد. هو مشغول أكثر ببناء جسده. جسد الكلب الحارس.

يُمارس الرياضة بانتظام. ويذهب إلى المراكز الرياضية ليتعلم قفزة الثقة. يحصل على مجموع ضعيف في الثانوية العامة. فيذهب إلى كلية الشرطة أو الكلية الحربية. حيث يخضع لسلسلة من الكشوف الطبية والاجتماعية والأمنية. خلال هذه الكشوف يتعرض الجرو في هذا السن المرَاهق لتجربة التعري في مُحيط عَام ربما للمرة الأولى. فرويد يخبرنا كيف أن أكثر كوابيس المراهقة تكراراً هى تلك المرتبطة بالخجل من التعري في الأماكن العامة. كم هو مسكين الجرو وهو يخوض في لحم الكوابيس المراهقة.

 يخوض الجرو هذه التجربة بشجاعة لا تشبه شجاعة المراهق ابن السادسة عشر. يسلم نفسه للمؤسسة الأمنية العريقة. الجرو في طريقه ليصبح كلباً وحشاً… ببساطة رجلاً.

العسكرية  بكل تأكيد هى مصنع الرجال.

3b

4

 في مقال مبكر في نهاية التسعينات ينبهنا الكاتب الإيطالى فرانكو بيراردى إلى أن التأثير المتسارع لشبكات الإتصال سوف يؤثر بكل تأكيد على استقبالنا للاستثارات المختلفة خصوصاً تلك ذات المدلول الإيروتيكى. ليس لتغيرها طرق التواصل الإنسانى فقط، بل أيضاً لتأثيره على أدواتنا الإدراكية للآشياء.

المرض النفسي، الوحدة، فقدان الثقة، الاحباط الثقافي، والبطالة الواسعة. مجموعة الأعطاب الأوقع تأثيراً على وعينا في العقد الأخير.

 شهدنا في العقد الأخير أيضاً نمو متسارع ومتزايد للتصنيفات المختلفة لأنواع “الفيتش و الفانتازيات الجنسية”. حتى في البلدان ذات الغطاء المتحفظ اجتماعيا تحت دعوى الهوية الإسلامية وغيرها من الهويات والأفكار النمطية المسبقة شاهدنا كيف تمتلئ الشبكات الاجتماعية بمجموعات تحمل اسماء مثل “عبيد الست نسرين”. أو “سوق الكلاب”. إلى جانب النمو المتزايد للشبكات الاجتماعية ذات الطابع الايروتيكى السادى أو المازوخى.

أصبحت مصطلحات مثل “الجولدن شاور” أو “البراون شاور” جزء من عالم المصطلحات الجنسية الجديدة، وتشكل الأبجدية الأولى الجديدة التى تتعلمها أجيال أصغر حول الممارسة الجنسية وآداب الاستثارة والايروتيكيا.

3s
فوتوغرافيا مجهولة

أتذكر الآن لسبب غامض حينما وقف أحد الجنود أثناء مظاهرات مجلس الوزراء فوق أحد المبانى الحكومية وأخرج عضوه الجنسي ثم بدأ في التبول على المتظاهرين. ما هى نوع الاستثارة التى شعر بها هذا الجندى ودفعته لمثل هذا الفعل؟

في الجولدن شاور أو الحمام الذهبي، عملية التبول على الطرف الأخير تنتج استثارة ناتجة من لعبة السلطة بين طرف يمارس السيادة وأخري يستمتع بالخضوع. الإهانة جزء من قواعد اللعبة. لكن بينما يكون التراضي والخضوع جزء من قواعد اللعبة في العملية الجنسية بين طرفين وأكثر. وفي معظم تلك الألعاب يكون هناك إشارة عندها تتوقف اللعبة. ويعود الطرفين لنقطة الصفر بغطاء شفيف وأرجوانى من الحب أو التقارب الإنسانى صعب التصنيف.

لكن ما قام به الجندى فوق مجلس الوزراء وما قام به الضابط إسلام في حالة عماد الكبير. يشمل متعة غير محدودة. أو مؤطرة. أنها الفحولة منطلقة دون أى قيود منطقية. انفجار في منابع الشهوة. دفقات السوائل الدافئة.

5

الفضاءات العامة التى يمكن أن يلتقي فيها الجنسيين في هذا البلد، مرتبطة بشكل وثيق بالتراتبية الطبقية داخل المجتمع.

6

التراتبية الطبقية التى تحكم المجتمع المصري تنهار داخل حيز الإنترنت. يسمح الإنترنت بتكوين شبكات اجتماعية لا تعتمد على القدرة المالية للأفراد للجلوس في أماكن يتوافر فيها منيم تشارج.

دائما الأحلام المصرية بسيطة على حد محزن. الطموح هنا سقفه منخفض. بدلاً من البحث عن وسائل وأفكار لجعل حياة الفرد أكثر سعادة، وتنبيه حواسها وفتحها لتصبح أكثر إدراكاً للأشياء ولرسائل الله عز وجل وهبات الطبيعة. فالطموح فقط هو البحث عن فضاء أو شكل اجتماعى يمكن من خلاله تأمين مكان لممارسة جنسية سريعة وتصادمية.

كتب أحدهم على الحائط: “الحرية ممارسة يومية”.

لكن في الوقت ذاته حينما ينسحب أبناء الطبقة الوسطى بأخلاقهم المتحفظة من ميدان التحرير. يأتى سكان الشوارع. ممارسو الحرية بشكل يومى. طيف واسع من أبناء الشوارع محبوا الأرصفة، الهاربين من جدران المنزل لأسباب اجتماعية أو نفسية متباينة. تتألم الطبقة الوسطى من المنظر الذي يشوه أيقوناتها.

3z

يكتب كاتب في جريدة الأهرام: “يجب إصدار قانون يحمى ميدان التحرير بصفته رمز وطنى وتشكيل قوات حرس للميدان للحفاظ على طهارته”.

الطهارة التى يقصدها الكاتب، مثلما يقصدها داعية أصلع. مثلما تدعمها حركة سياسية شابة تعنى منع الفتيات من تدخين السجائر في الميدان أو في أى فضاء عام يشهد نشاط سياسي. من تواجد الجنسيين داخل خيمة واحدة. منع الممارسة الجنسية أو العاطفية داخل الخيم. منع تدخين الخمور مع السماح بتناول الترامادول.

أشعر بشفقة حقيقية اتجاه هذا المجتمع وطبقته الوسطى التى اهتزت منذ بضعة شهور بسبب فتاة نشرت صورتها عارية.

الطوفان القادم وحركة التغيير الاجتماعى القادمة في كل الأحوال سوف تدهس هذا المجتمع وقيمه المنحطة مثلما دهست وأحرقت مدرعات الجيش التى نزلت يوم 28 يناير لدعم قوات الشرطة بالذخيرة.

 ما كان يجب أن تطفئ النور يا لى لى.

7

طوال أربع سنوات وربما أكثر يتم حشر الجرو الصغير وتربيته في مزارع خاصة، تفصلها أسوار ضخمة وطويلة تعلوها أسلاك شائكة عن المجتمع.

تتم عملية الاختيار وفق مجموعة من الأنساق والقيم الاجتماعية والجسدية المتعلقة بجسد الجرو. منها الوزن وطول القامة والبنية العضلية. على أساسها يتم تحديد قبول أو رفض الجرو أولاً، ثم تحديد مستقبله ورتبته. بعد سنوات التخرج تأتى سنوات التدريب على إيقاع اللاشيء. يتم صقل الجسد تحت الشمس ولهيب الرمال والعرق من كل ثقب في الجسد. مصنع الرجال يا ولد. ثم تعلو الكتف الرتب تأتى الراحة في المكاتب المكيفة والفنادق الفاخرة والتذاكر المخفضة.

 يبدأ الجسد في التهدل. الكرش ينمو في هدوء تحت ظل الشنب. العيون تختبئ تحت النظارات الشمسية. كيف يمتلكون جميعاً نفس الهيئة، نفس الظل، نفس التردد الطيفي. ثم يبدأ انهيار الجسد، تصلب الظهر، آلام الركبة. نصل إلى مرحلة يستلقي فيها القائد الأعلى للقوات المسلحة على السرير داخل قفص الاتهام ويقول: “كل هذه الاتهامات أنكرها كاملة”.

4c

8

انخدعت الإنسانية لعقود طويلة بهذا الربط غير المبرر أو المفهوم بين بين الجسد والحواس والانفتاح على الطبيعة.

في الوقت ذاته كان ولا يزال ملايين البشر يغمضون أعينهم عند ممارسة الجنس. هل ما تشاهده من الطبيعة رومانسي حقاً. لنأخذ منظر طبيعى لبحيرة وغابة صغيرة تنمو على حافتها. ما البديع في هذا المنظر؟

الواقع أنك أن وصلت لهناك، ربما ستجد حشرات صغيرة تحاول الالتصاق بجلدك. رائحة روث الحيوانات المتروك في العراء ليست أيضاً طيبة كما يريدون إيهامك.

رومانسية الطبيعة ليست الحقيقة بأى شكل. بل هى ما يتم استحضاره من صور في الذهن عن الطبيعة. لهذا فهذا الملل الكونى من الجسد وقضية الجسد ليس له أى علاقة بمستوى فعالية الحواس، بقدر ارتباطه بقدرتنا على خلق تصورات آخري للجسد أبعد من كونه أداة للمتعة أو الألم.

حتى لو كانت تصوراتنا خيالية.

تمشى على الهواء والماء.. لا الأرض.

9

تبدو حياة سٌكان القاهرة من السطح وكأنهم مجموعة من البؤساء يعبرون الطرق في فوضى النساء متشحات بالكثير من الملابس والأقمشة والرجال منكسو الرأس هياجهم الجنسي دائم لكنه غير متحقق.

  الصورة الأعمق تكشف أن تلك المدينة المليونية تَزخر بالكثير من التجمعات المغمورة التى تَدور حيَاتهم بَعيداً عن الأضواء وفق طقُوس ولغة سرية لا يستطيع الزَائر العَابر أن يفك شفرتها، إلا إذا حَالفه الحظ وتَعثر في أحد الأشخاص الذين يحملون المفاتيح، أما تعلم كيفية فك الشفرة والحصول على مُفتَاحك الخاص فرحلة طويلة يلزمها أن تترك نفسك لقذارة المدينة حتي تصبح جزءاً منك وجزءاً منها.

11a

أن يلتهم جسدها جسدك.

تتنوع هذه الجماعات بين مهووسين دينين يتحركون في جماعات من الأخوة والأخوات، مثليون جنسياً ينظمون حفلات الكوكتيل والتعارف في منازل في المهندسين والدقي، فنانون شباب غارقون في أنهار من البيرة تمتد من الزمالك إلى وسط البلد، جماعات تبادل الأزواج في إمبابة، أطفال الشوارع الغارقون في غازات “الكولة” في العمارات العشوائية ومقابر القطارات المهجورة، جمبري صينى مستورد يبيع تحت الكباري، تجار الحشيش في شقق الدعارة بدار السلام، كنيسة حافظت على مركزيتها وسطوتها على شعبها طوال قرون طويلة، أيادى ممدودة تبحث عن إحسان، مهووسون بكمال الأجسام، مغرمون بممارسة رياضة الملاكمة، أسماك الشبار الصغيرة، الموسيقيون العشوائيون والراقصات البائسات في الشوارع الخلفية لمنطقة الهرم وفيصل، خبراء اتصالات في محلات اكسسورات المحمول، رجال أعمال متخمون ينظمون رحلات صيد تبدأ بعد منتصف الليل، كلاب السكك، أشجار متشابهة، الأجانب الذين يركبون الدرجات النارية في المعادى، الشباب الملتزم محب العمل الخيري بالعجوزة، المغنيون الشعبيون بشبرا، محبي الممارسات المازوخية والسادية في شقق مطلة على كورنيش المعادى، عائلات تعيش على زنا المحارم في خريطة بيولوجيا تمتد من كورنيش روض الفرج حتي أحمد حلمي، نايكوا الحمير والبهائم في عزبة عنتر، رجال السواد حماة الأمن والاستقرار، تجار الكلاب في التجمعات الصحراوية الممتدة من الهرم إلى صحراء اليوم، شركات الحراسة الخاصة في التجمع الخامس، مدرعات، القتلة المحترفون المختبئون في العتبة.. تنمو الجماعات السرية في انتظام وتقارب جغرافي، يتشممون بعضهم بمقدمة الأنف، ويلعق كل واحد فيهم رقبة الآخر عند السلام، ينظر في عينى الآخر ويُحَافظ على سره.

ساعد الإنترنت وثورة الاتصالات في العقد الأخير قبل العَاصفة في ظهور هذه الجماعات وتكاثرها وأحياناً ظهور جزء من جبل الجليد لبعضها على السطح. كانت تسلية الشرطة مطاردة مثل هذا الجماعات السرية الناعمة، والتنكيل بها، ثم رمى لحم أعضائها للإعلام، وبدوره يقطع اللحم، يضيف إليه البهارات ثم يرميه إلي جمهور القاهرة المتعطش دائماً لأكل لحم شخص تدعي الشرطة أنه يتبادل زوجته مع الآخرين. أو يتعاطى الحشيش في حلقات الذكر. مجرد كشف الغطاء يترك عضو الجماعة في العراء. يتم نزعه بوحشية من الأمعاء الغليظة للمدينة، وتركه جَائعاً  في الطريق طعاماً شهياً لكلاب السكك.

10

يطرح مشروع الإسلام السياسي ضمن ما يطرح ويجمع ويقسم. تصورات جديدة عن قيم السعادة الإنسانية.

ومن ضمنها قيم الحب، الجمال، الوسامة، وحتى الكاريزما بما تضمنه بطبيعة شكل وهيئة الجسد. تقوم تلك القيم بشكل أساسي على رفض كل قيم السوق والدعاية الحديثة، وابتكار معايير آخري للكريزما السياسية. يشكل الذقن والسمنة الدالة على النعيم والصحة والوفرة ملمحاً أساسيا فيها. ومع الذقن والسمنة تأتى الابتسامة العريضة الثابتة دائماً على الوجه. أفيال مرحة.

10aa
صورة أثناء صلاة العيد

أفيال بيضاء مرحة تلهو معنا في الشارع على شاشات التلفزيون في شبكات وخطوط الاتصال ونقل الصور.

تعالى يا حبيبي..

أنت خايف ليه؟

ماذا رأيتم من الله حتى تكرهوا شريعته.

انظر إلي. أننى وديع كما الفيل الأبيض. يمكننى أن ارتدى البدلة الأفرنجية مثلما يمكننى أن أرتدى الجلباب. في الجلباب الأبيض أنا الفيل الطيب المبتسم. أفك عمامتى.

تعالى معايا.

سوف أخذك على أجنحة الفيل الأبيض معى ونرفرف إلى السماء عالياً.

نحلق عالياً.

سنهجر الأرض، فمملكة الأفيال البيضاء ليست في هذا العالم.

11

الجانب الممتلئ من الكوب. أن الصور لم تعد ثابتة. كما أن جهات تصنيعها وبثها لم تعد دائماً خاضعة للاحتكار والسيطرة. لكن الطريقة التى ننظر بها للصور ولتمثيلات الجسد هى من يحتاج لتغيير.

نحتاج أن نرى ما يريدون أن يقنعونا أنه ليس موجوداً. ليس بالعين فقط يري الإنسان. وجسدك ليس فقط موضوعاً للرغبات أو الألم. بل سلاح للقفز فوق الواقع.

لا تقبل أبداً بالاختيارات الموضوعة على الطاولة

7aaa

ملف صوتى من نص : وداعاً للشباب

أسبوعين قبل دخولى السجن في فبراير 2016. كنت في مارسيليا في حفل اطلاق كتاب بولين المصور، حيث شرفتنى بكتابة النص الافتتاحى للكتاب الذي يفترض أن يعكس الجو العام والخلفيات التاريخية لصور بولين التى التقطتها على مدار خمس سنوات قضتها في مصر، حيث حمل الكتاب عنوان “جيل التحرير”

دعيت أنا وبولين لتسجيل حلقة في راديو radio-grenouille حيث طلبوا منى قراءة جزء من النص.

اكتشفت الآن أنهم نشروا المقطع الذي اقرأ فيه على الانترنت أثناء سجنى كنوع من التضامن. حتى اليوم لا أزال كل يوم اكتشف شئ جديد كان يفعله الآخرون أثناء فترة حبسي تعبيراً عن تضامنهم وتأيديهم، الشكر للجميع، شكرا على كل هذا الحب والدعم للقضية ولشخصي الضعيف

من نص وداعاً للشباب.

براندى في برج العذراء

الأحد المَاضي التَاسعة صبَاحًا. أعبر من ميدان الشهيد عبد المنعم رياض إلي 26  يوليو.

من هنا لا أحفظ أسمَاء الشوارع، لكنني أعرف مكانها. بشكلِ مُنتظم ومنذ أول رمضَان ونحن نُحَافظ على مَوعدنا، الذي يكون غَالبًا في صبَاح الأحد أو الأربعاء. من ميدَانِ العتبة تَتفرع الشوارع والدهَاليز حتى أصل إليها. “بورصة برج العذراءمقهى وبَار صغير، بابه الصفيح نصف مُغلق والنوافذ مَقفولة بالتأكيد. لا أعرف كيف نجا مثل هذا المكان من سيَاقه التَاريخي والمكَاني.

مقهى وبَار مفتوح طوال السنة حتى أثناء الشهر الفضيل، الذي فيه تُصفد الشيَاطين وتُمنع الخمر من البيع وتُغلق المقَاهي بالنهَارِ، لكن برج العذرَاء يعرف زبَائنه جيدًا، الذين يحضرون له خصيصًا، عَارفين أنه المكَان الوحيد في نهَارِ رمضانِ، الذي يَفتح ذراعيه وما بينهما من خمر وبوظة وبراندي.

عرفتُ استفان منذ حوالي عام في نفس هذا التوقيت، تعرفنا علي بعض من خلال علاقات العمل، ثم بعدها تَوطدت الصدَاقة بيننا، بالطبع قبل ذلك كنتُ أعرفه من خلال التلفزيون والأفلام التي شَارك فيها. حينما كنّا نَسكر مع بعضنا البعض كنتُ أمَازحه بتقليدِ طَريقته في نطقِ عبَارات مُعينة كأن أقول له: “نشنت يا فالحوانفجر في الضحك، بينما يلوي شفتيه ويبرطم يا سخافة دمك.

في ليلة عيد ميلاد النبي أخذتُ أنا وهو نبحث عن أي بَار من بارات وسط البلد يقدمُ الخمورَ، لكن جميعها كان مُغلقا حتى المحلات. انتقلنا لبارات الزمَالك حيث يسكن، لكن نفس الأمر كانت تعاني منه، حينها وضع يده على كتفي وقَال لي:

-خلاص يا هبيبي مفيش ادمنا دلوقتي غير برج العذراء.

لم أكن أعرف برج العذراء وقتها، ولم يسبق أن سمعتُ بمكان بهذا الاسم، لكن من فوق كوبري 26 يوليو أخذنا تاكسي وذهبنا إلى العتبة، ومن العتبة دخلتُ لأول مرة لبرج العذراء مع استفان روستي.

* * *

الأحد المَاضي العاشرة صبَاحًا أعبر من 26 يوليو إلي العتبةِ. البَار غالبًا يَعود إلى زمن الخمسينات وله طَابع شعبي مُتَقشف، مسَاحته ضيقة، يتكون من مصطبتين وعدد من الحصائر المفروشة علي الأرضِ. جلس الزبَائن أما علي المصطبة أو الحصيرة. هنا لا توجد بيرة. المشروب الرسمي هو البوظة، تقدم في كوز بلاستيك، الكوز الواحد بجنيه. بجوار البوظة هناك، للقادرين على الدفع، زجاجات براندي صغيرة محلية الصنع. أما المَزّة فالفول النَابت والفول الأخضر الحراتي وسميط وجبنة وطماطم وجرجير.

استفان  يشرب براندي معصورًا عليه ليمونتان، وأنا كنتُ أشربه بلا أي إضَافات، وفي أحيان قليلة أشرب البوظة، التي كان يرفض أن يشَاركني فيها لأن مَعدته لم تعد تتحمل.

قبل رمضَان بحوالي شهرين، وضعوا فوق البَار تلفازًا ضخمًا، موصلًا بوصلة دش، معظم الوقت مفتوح على قنوات الأغَاني أو مُبَاريات كرة القدم.

* * *

الأحد المَاضي العاشرة ونصف أعبر من العتبة إلى زقاق ضيق ضاع اسمه. أنحني بقَامتي حتى أدخل من البَابِ، ما أن أدخل حتى أجد استفان ببدلته الرمادية الأنيقة جالسًا على المصطبة في فمه سيجارة وفي يمينه تمن براندي، بينما جلس عن يساره رجل آخر. ألقيتُ السلام فوقف لتحيتي وتقبيلي، ثم مددتُ يدي لأسلَم على صديقه، الذي بدا مألوفًا، فقال وهو يعرفنا ببعضنا البعض: “أحمد شاب يعجبك خالص، لطيف جدا. توفيق واحد من ولادنا الجُمال خالص“. فضلتُ الجلوس على الأرض بجوارهما، وطلبتُ ثمن براندي.

تحدثتُ مع توفيق الدقن عن عمله وعملي، وسببنا نحن الثلاثة في الشهر الفضيل، وتذكر استفان أن الأمور لم تكن تسير بهذه الطريقة في زمنه، وأنه لا يفهم لمَ تتوقف دور العرض السينمائي عن العمل، وذكره توفيق بأن رمضَان كان موسمًا فنيًا مثل الصيف، وعَلقتُ أن حديثهم ممل ويشبه حديث العجَائز. طلبنا مَزّة وأخرجتُ علبة السجَائر الكيلوباترا، أخذ توفيق واحدة ورفض استفان مُفضلاً سيجَارة من علبته الميريت الصفراء. في التلفاز كانت هناك أغنية ليسرا ترتدي فيها فستَانًا أحمر وتغني وهي ترقص: ” جت الحرارة/ في قلوب العذارى/ البيض الأمارة دبلوم التجارة/ ألووو../ يا أختي“.

امتدح تَوفيق الدقن مُسَلسل حدَائق الشيطَان، وعقّب استفان بأن سُمية الخشاب قُنبلة معاليكوضم أصَابعه وقبلها. جميلة هي ملامح استفان، هكذا قلتُ لنفسي وأنا أتأمل ضحكته، التي شَاركه فيها تَوفيق وهو يَضحكُ مُرجعًا رأسه للخلف. كانت ذقن استفان نابتة بعض الشيء، ومن مكان ما، بصيص من الضوء كان ساقطًا عليها، لذا فقد بدا بعظامه البارزة حوأنفه الحاد مع الذقن النابتة كملاك. “جت الحرارة في الخط المقسم/ الرئّة المسمسم تضحك له يتبسم/ يا أختي“. هدأ ضحكنا واستمرت يسرا في الرقص علي كلمات كوثر مصطفي، وعلى ما يبدو فتقريبًا كنا قد سكرنا. “جت الحرارة/ يا بادبادو/ السكر ماله مادوبتوا/ جت الحرارة/ يا بادبادو/ غسلي قلبي بالشامبو، ومع الموسيقى والإيقاع وصوت يسرا أخذ توفيق يخبط بكف يديه على فخذه وهو يهز رأسه، بينما استفان يهز رأسه للأمام وجسمه يرقص في إيقاع متزن بالطبع. “وآه.. من إيه؟/ سبلي ابن الإيه/ أنا بنت عادية/ أنا مش مادية/ ناداني وهعمل أيه“.

أوووه وقف استفان على قدميه وأخذ يرقص على النغم بإيقاع ساحر يحرق قدميه بتناسق مع ذراعيه مع حركة وسطه والجميع ينظر له ويبتسم. “جت الحرارةوقف الجميع وقد أخذ يرقص معه مساطيل من البوظة يهتزون في إيقاع شعبي محبب، بينما هو يحافظ علي إيقاع لحن الأغنية الأوربية بجسده. تبسمتُ أنا وتوفيق لبعضنا البعض ونحن نتنفس دخان سجائرنا ونشاهده. وحين انتهت الأغنية صفقنا نحن الاثنين معًا، بينما هتف توفيق :” حلاوتك يا آه يا آه“.

قبل اكتشَاف برجَ العذراءِ كنت مَفتونًا بشكلِ لا يصدق بدخولِ المقَاهي، التي تَفتحُ في رمضَانِ، حيث النوَافذ مُغَلقة والأبوَاب نصف مَفتُوحة والنَاس سَارحة مُتألقة، وسحَابة من الدخَانِ يَسترخي عليها إله الكسل الأعظم. لكن في حَالةِ البَارات، التي لا أعرف منها سوي بُرج العذرَاء، فالسحر مُضَاعف. أنا هنا أسبح في برجِ العذرَاءِ في رخَاءِ الكسل خَارج الزمن مُسترخيًا علي سحَابةِ الدخَان والبراندي بصحبة تَوفيق الدقن واستفان روستي.

16731190_10158246512470343_858280118_o

—– —

كتبت القصة عام 2006، ونشرت ضمن المجموعة القصيية لغز المهرجان المشطور- 2017 دار ميريت

The plant (short story) translated by: Mona Karem

Hannah Weaver who has done some illustrations inspired by Mona’s translation of your story ‘The Plant’
 IMG_1635
will not come through the door or the window,but as a plant you cannot notice with your naked eye.
I will grow day after day, to the sound of your singing and the rhythm of your breath at night. A small plant you will not notice at first, growing beneath your bed.
From door to bed, to bathroom to closet, standing or sitting against the mirror. Through all these acts, and to the sound of your humming, I will grow. A small green plant. With grand slim leaves sneaking out from beneath your bed.
I once read about plants that survive on light and prey on other creatures. With their glowing green leaves, they surround them and lure them in with a pleasing, lustful smell, then devour them. For hours and days and years, sucking on them. Sucking your toes one by one, making my way up.
What should I do with the bee? What should I tell the flower?
You become one with the flower. You grow up. You become a tree. While I remain a plant, in need of your humming, awaiting a song. A part of me is falling every morning, and I cannot catch it. A part of me flies off every time I lie in bed. But when I wake up I cannot remember what.
Sometimes I am reminded to look under the bed. But I don’t find the green plant. Nor do I find you.
IMG_1639
تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ