أنا أَخْرى

نشر هذا النص الطويل ضمن ملف “العار” الذي أعدته زينة الحلبي لمجلة فم/ ميجافون. لم يكن لهذا النص أن يظهر في شكله النهائي دون نصائح ونقاشات طوال ما يقرب العام مع زينة

1

خريت على نفسي جالساً في «الدرس الخصوصي» وسط زملائي وزميلاتي. لم تكن خريةً كبيرةً، وعلى الأرجح أنّها كانت أثراً جانبياً لحبوب المضادّ الحيوي التي أتناولها محاولاً التعافي من دور برد عنيف. لطالما أفقدتني المضادات الحيوية السيطرة على أمعائي وأزعجت جهازي الهضمي.

بطني تتلوّى وتصدر أصواتًا، أظنها غازات، فأحاول كتمها، لكن تنفلت الشخّة كزفرة، خلاص، دون إرادتك، فتخرج الخرية سائلاً خراوياً يبلّل كلوتي وربما بنطالي. جلستُ بقية الدرس مائلاً متّكئاً على فخذي الأيسر، حتى لا يلتصق الخراء بمساحة أكبر من فخذي وطيزي فيلتهب جلدي. 

كنت في الثانوية العامة في درس فيزياء خصوصي. في غرفة ببيت المدرّس، نجلس ملتفّين حول طاولة السفرة، نستمع إلى شرحه وندوّن الأرقام والمعادلات. سبعة مراهقين ومراهقات، وسطهم أتظاهر بالانشغال العميق بمعادلات الكهرباء بينما كل ما أفكر فيه ألا تكون الرائحة نافذة وينتبه أحدهم إلى ما جرى. غارقاً في خرائي مرعوباً من اكتشاف أمري. لو عرف أي زميل، فسيطلق عليّ لقب «أبو شخّة»، وعاره سيصمني إلى الأبد.

2

يفتتح دومينيك لابورت كتابه «تاريخ الخراء» بمرسوم الملك فرانسوا الأول الذي صدر في 15 آب 1539 والذي أعلن فيه إيقاف العمل باللغة اللاتينية واستبدالها باللغة الفرنسية كلغة وحيدة مقبولة في المراسم والمراسلات الفرنسية وإصدار القرارات والقوانين. بعدها بحوالي أربعة أشهر، صدر مرسوم ملكي بواحد من أعرق القوانين الفرنسية وأفخرها، وهو المعروف بمرسوم «تنظيم الخراء».

حدّد المرسوم بشكلٍ تفصيليّ، إجراءات التخلّص من الفضلات والبول والبراز الآدمي والحيواني. فيجب أن يتمّ هذا في ظلام الليل، وفي مصبّات رسمية محدّدة، وأن يلقي المرء مياهً نظيفة لغسل المجرى من فضلاته وتسهيل انسيابها. حذّر القانون كذلك من العقوبات والغرامات التي قد تطال المرء في حال مخالفة أي من تلك التعليمات، وألزم جميع المواطنين بدفع ضريبة لتحسين أنظمة تصريف الفضلات وكبّها خارج حدود المدينة.

يربط لابورت بين المرسومَيْن، حيث يرى أن اللغة الفرنسية الحديثة وُلدت من لغة القانون وتحت إشراف شعراء ومستشاري الملك الذين تحدّثوا في ذلك الزمن عن ضرورة تنقية الفرنسية وتنظيفها. كان للّاتينية رائحة الصفوف الدراسية والانضباط والمجد الروماني، بينما كانت الفرنسية هي لغة الشارع وعوام الناس، ثم أعيد كتابة وتنظيف تلك اللغة من خراء الشوارع الغارقة في البول والفضلات، لتليق بمجد المحاكم والمكاتبات الحكومية والمراسلات الرسمية. 

يضرب لابورت مثلاً بمرسوم تنظيف الخراء الذي نُشر بلغة خضعت للتحرير والتجميل واستبدال الألفاظ السوقية الدالة إلى الخراء والبراز، بكلمات ليس لها رائحة كريهة، مترفّعة عن الألفاظ البذيئة لعوام الفرنسيس. أو كما يكرّر لابورت في أكثر من موضوع:

إذا كانت اللغة جميلة، فذلك لأنّ السيّد قد شطفها وغسلها.

مساكين الأوروبيون، لغاتهم هي ابنة الدولة وصنيعتها، لا يستطيعون تخيل حياة للحضارة خارج الدولة، ولا لغة دون أجهزة عمل السلطة. فلا فرنسية، مثلاً، دون الدولة الفرنسية، ولا إنجليزية دون المملكة الإنجليزية. كما أنّ مستشاري الملك وشعراءه الذين وُكّلوا بالإشراف على عملية نحت الفرنسية الجديدة واشتقاقها، شكّلوا بعد ذلك الأكاديمية الفرنسية التي تولّت منذ القرن السابع عشر وحتى الآن — باستثناء سنوات الثورة الفرنسية من 1793 إلى 1803 — مهمّة الحفاظ على الفرنسية جميلةً وعسولةً وكيوت مع غسل مؤخّرتها من الخراء والشذوذ باستمرار. 

أما لغتنا العربية، فكما نعلم هي لغة أهل الجنة، حيث لا يبول سكان الجنة ولا يتغوّطون ولا يتمخّطون بل يكون ذلك جشاء كرشح المسك، ويلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النفس.

3

تنظيم عملية التبوّل والخري وتنظيفها، هو أوّل صفعة باسم العيب والعار، بشرعية التربية السليمة، يتلقاها المرء طفلاً.

أضف تعليق

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ